٣. غرناطة: دراسة حالة في العمران العربي بإسبانيا المسلمة
يدرس ديكي عمران غرناطة، أي تخطيطها وبناءها وتوزيع الوظائف بين أحيائها، ويبني دراسته على دعويين. فغرناطة عنده، قبل سقوطها، أصفى ما في الأندلس من صور المدينة الإسلامية، لأنها لم تقم على عمرانٍ أقدم منها يقيّدها. ولم يكن في موضعها، قبل أن يختاره زاوي بن زيري عاصمةً له على نهر حَدَرّه بعد ٤٠٣هـ/١٠١٢م فينتقل إليه أهل إلبيرة جملةً، إلا مستقرٌّ يهودي عُرف بـ«غرناطة اليهود». أمّا ربوة الحمراء فأول بناءٍ قام عليها حصنٌ بناه صموئيل بن النغريلة وزير باديس بين ٤٤٦هـ/١٠٥٢م و٤٤٨هـ/١٠٥٦م ليحمي به حيّ قومه. فهي بهذا أشبه ببغداد والقاهرة منها بقرطبة ودمشق، فهاتان رُكّب عمرانهما العربي على بنية رومانية (ص ٨٨). ثم يذهب إلى أنّ ما نسمّيه اليوم مدينةً واحدة كان في العصر الوسيط مدينتين تتقاسمان الوظائف: الحمراء، مدينة الملك على تلّ السبيكة، وغرناطة، مدينة التجارة في السهل تحتها. ومنذ نقل محمد بن يوسف بن نصر (ابن الأحمر) دواوين الملك إلى السبيكة وجرّ إليها «ساقية السلطان» لم يبقَ لغرناطة شأنٌ في الحكم، ولذلك يخطّئ من يسمّيها عاصمة السلطنة (ص ٨٨–٨٩):
«ولم تكن صلة غرناطة بالحمراء إلا كصلة باريس بفرساي إلى سنة ١٧٨٩م» (ص ٨٨)
لكي يفسّر ديكي المدينة الإسلامية يستعير من ابن خلدون تشبيهه الدولةَ بالجسد الحيّ، فالمسجد الجامع قلبها، والأسواق أحشاؤها، والفنادق، وهي خانات التجّار، فمُها الذي تدخل منه البضائع. ويجري على الجامع ريعُ الدكاكين المحبّسة عليه، أي الموقوفة على نفقته، فيقوم بوظائفه الخيرية من إطعام الفقير إلى دفن الميت؛ فالتجارة والدين في هذا النظام دورةٌ واحدة (ص ٨٩). ويضيف إلى ذلك حكماً حادّاً، هو أنّه ليس في الإسلام مجتمع مدنيّ على المثال الأوروبي، بل «جماعة» لا يدخلها إلا المؤمنون، ولذلك كان كبير القضاة بغرناطة يُلقَّب «قاضي الجماعة». ولم يكن في المدينة من أهل الذمّة، وهم أهل الكتاب المقيمون في دار الإسلام بعهدٍ يؤدّون به الجزية، إلا اليهود، إذ لم يبقَ من النصارى إلا الرقيق، ويذكر مونتسر أنّ عددهم سبعة آلاف (ص ٨٩–٩٠، ح ١).
أمّا شواهده فمن ثلاثة موارد. أولها نصوص عربية قليلة أهمّها لابن الخطيب وابن فضل الله العمري، ويليها ما كتبه الرحّالون والمؤرخون القشتاليون بعد الفتح، وعمدتهم هيرونيموس مونتسر (١٤٩٤م) وأندريا نافاجيرو سفير البندقية (١٥٢٦م) ومارمول وبرمودث دي بيدراثا، ثم ما بقي من المباني ووثائق أرشيف الحمراء. ولا يدّعي لعمله أكثر من أنه تلخيص يقوم على كتاب أستاذه لويس سيكو دي لوثينا عن غرناطة النصرية في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، وعلى دراسات توريس بالباس (ص ١٠٧، ح ١٢). ومثال استعماله الوثيقة ردُّه على غوميث مورينو، وكان قد أنكر أن يكون العرب استعملوا القرميد المزجّج، فقد وجد في أرشيف الحمراء أمرَ ترميمٍ صدر بعد انفجار البارود سنة ١٥٩٠م يطلب قرميداً «أبيض وأخضر» على لونه الأول (ص ١٠٦، ح ٣).
نمت المدينة بالتراكم حول نواتها، وهي القصبة القديمة على الضفة اليمنى لحدرّه، وكلما وفد المهاجرون من سائر الأندلس أُضيفت إليها الأرباض، أي الأحياء الناشئة خارج النواة، فأحاطت بها الأسوار حلقاتٍ متتابعة لا يعلوها إلا المآذن (ص ٩٠). وفي الأرباض تتناوب الخضرة والبناء، ففيها المُنى، جمع مُنية، وهي البستان تقوم فيه دارٌ للنزهة، وقد ذكر ابن الخطيب أنّ ما كان منها للبيت المالك وحده داخل الأسوار لا يزيد على عشرين، وفيها الرِّحاب، أي الساحات، وقد بقيت منها اثنتان في البيّازين عند بابي القصبة (ص ٩٠–٩١). وإنما بقي البيّازين أقرب الأحياء إلى صورته العربية لعزلته، فالسهل زال أولاً، واستوطن القشتاليون الوسط ودفعوا المسلمين إلى الأطراف (ص ٩١). ويقف المؤلف عند ألفاظ العمران الغرناطي، فيفرّق بين الزنقة المسمّاة والطريق الغُفل والممرّ والزقاق، ويبيّن أنّ «الرصيف» في غرناطة الشارعُ المبنيّ على جانب واحد، وينبّه إلى أنّ الحارة والدرب والربض تتداخل في لهجة غرناطة تداخلاً يربك قارئ النصوص (ص ٩٢). وتكثر في الأحياء الرابطات، وهي مواضع ينقطع فيها الزهّاد للعبادة، والزهد الانقطاعيّ عنده سمةٌ أندلسية وإن لم ينفرد به الأندلسيون (ص ٩١–٩٢). أمّا البيوت فصغيرة متلاصقة، تجري فيها المياه للشرب والصرف، وقد أدهشت نظافتها مونتسر نفسه (ص ٩٢–٩٣).
قلبُ المدينة التجاري القيسارية، وهي سوقٌ مسوّرة تُباع فيها السلع النفيسة، ويرى فيها صورةً مصغّرة للمدينة الإسلامية كلها: مدينة داخل المدينة داخل غرناطة، لها أبوابها التسعة التي تُغلق ليلاً ووقت الجمعة، ورحابها ومسجداها وأنديتها ومكوسها، وعليها قاضٍ مقيم يعيّنه قاضي الحمراء. ذلك أنها ملكٌ للسلطان، يذهب ريعها إلى بيت ماله لا إلى الجامع (ص ٩٥–٩٦). ومنها ينتقل إلى الحرير، أساسِ رخاء السلطنة واحتكارِها الملكي، يأتي من مزارع دود القزّ في البُشَرّات ويُصدَّر إلى إيطاليا، وبه يُفهم حضور الجنويين وفندقهم (ص ٩٤، ٩٦–٩٧). ثم يتتبّع تراجع القيسارية بعد الفتح بالأعداد، فقد كان فيها نحو مئتي دكان عند مارينيو سيكولو، و١٥٣ في مخطط سنة ١٧٨٧م، ثم شبّ حريق سنة ١٨٤٣م فأتى على ٥٢ منها ومحا أثراً صناعياً لا نظير له (ص ٩٧). وبجوارها الجامع الأعظم الذي أسّسه زاوي وحبّوس، وجدّده المعافري سنة ٥١٠هـ/١١١٦م بأعمدة جلبها من قرطبة، وكان ذا أحد عشر رواقاً ومئة وعشرين عموداً، يسع ألفين إلى ثلاثة آلاف مصلٍّ؛ ويُعرف موضع بابه من حادثة إرنان بيريث دل بولغار، وقد تسلّل إليه ليلة ٨ ديسمبر ١٤٩٠م يريد إحراق القيسارية (ص ٩٨–٩٩). وفي رحبة الجامع، على ما يرويه العمري، دكاكين العطّارين والموثّقين ودار قاضي الجماعة، والمؤلف يخالف غودفروا ديمومبين في تفسيره «العطّارين» بأنهم باعة الحنوط (ص ٩٥؛ ص ١٠٧، ح ١٨). وتقابل الجامعَ المدرسةُ اليوسفية التي أسّسها يوسف الأول سنة ٧٥٠هـ/١٣٤٩م بإشارة الحاجب رضوان، وقد أحرق الكاردينال ثيسنيروس مكتبتها سنة ١٤٩٩م، وكتب ريبيرا مقالةً أبى فيها أن يدين ذلك الإحراق، فعدّها المؤلف من أكره ما كُتب في العلم (ص ٩٩–١٠٠).
من الأرباض الستة والمقابر السبع يختار ربض البيّازين ومقبرة الفقيه سعد بن مالك. فالبيّازين كيانٌ قائم بذاته، له قضاؤه ومصلّى عيده، سوّره رضوان بأمر يوسف الأول نحو ٧٥٠هـ/١٣٥٠م، وفيه المارستان، أي المستشفى، الذي بناه محمد الخامس بين ٧٦٧هـ/١٣٦٥م و٧٦٨هـ/١٣٦٧م، ويرى المؤلف أنّ نافورته وحديقته ربما كانتا جزءاً من العلاج (ص ١٠٠–١٠٢). أمّا المقبرة فكانت ربضاً للموتى له سوره وأبوابه، وقد وصف مونتسر قبورها ومراسم دفنٍ شهدها فيها. وفي حدودها خلافٌ يسجّله المؤلف، فقد رأى سيكو دي لوثينا أنّ مقبرة العسّال امتدادٌ لمقبرة باب الفخّارين، ونصّ ابن الخطيب على أنها جزء من مقبرة ابن مالك (ص ١٠٢–١٠٣).
لا يخفي ديكي موقفه من الفتح القشتالي، فالعهد عنده نُقض عقب إبرامه. فلم تمضِ ستّ سنين على زيارة مونتسر حتى أُغلقت مقابر المسلمين كلها، وقُسّمت مقبرة ابن مالك قطعاً للبناء، وظلّت شواهدها قرنين مقلعاً تؤخذ منه الحجارة لكنائس المدينة ولترميم أسوار الحمراء نفسها. ثم صدر قانون إيزابيلا بمنع النوافذ المزدوجة، ولا يجد المؤلف لمقصده تفسيراً إلا أنّ تلك النوافذ كانت تحمل المشربيات، وهي الشبابيك الخشبية المخرّمة، فتؤدّي وظيفة الحجاب (ص ١٠٣). وفي الحواشي يسرد مراحل التضييق من تنصير ١٤٩٩م إلى منع العربية سنة ١٥٦٧م والتهجير سنة ١٥٦٩م (ص ١٠٩، ح ٥٥).
في الخاتمة يحتجّ بأنّ غرناطة الحقيقية أكبر مما تبدو، لأنّ المدينة الإسلامية تمتدّ في ريفها بيوتاً وبساتين، وهو ما لم يفهمه نافاجيرو، ويستشهد بوصف كلابيخو لسمرقند سنة ١٤٠٤م وبما وصف به مونتسر ومارمول خصب المرج (ص ١٠٤–١٠٥). ومن رقم أورتادو دي مندوثا، وهو نحو سبعين ألف مسكن في عهد يوسف الأول، يستخرج للسكان عدداً يبلغ سبعمئة ألف داخل الأسوار، ثم يضاعفه لمن كانوا خارجها (ص ١٠٩، ح ٦٠). ويرى أنّ القشتاليين أبقوا نظم الإدارة العربية خوفاً من المساس باقتصاد السلطنة، ثم عجزوا مع ذلك عن تسييرها، وأنّ حرب غرناطة كانت في جوهرها حرب أرض وحرير وذهب، ودليله رسالة الملكين الكاثوليكيين إلى البابا، وهو يراها مخادعة (ص ١٠٨، ح ٢٩)، وأنّ مصادرة الأملاك منذ ١٥٥٩م قضت على الزراعة:
«وانتهى الأمر بإسبانيا إلى أن تنتحر اقتصادياً» (ص ١٠٦)
٤. «زينة العالم»: قرطبة في العصر الوسيط حاضرةً للثقافة
في أواخر العصر الوسيط كتب مؤلفٌ مغربي مجهول، صاحب «الذخيرة السنية»، مديحاً لقرطبة، ومنه ينطلق هيلنبراند، فيسأل كيف أمكن أن يُكتب مثل هذا المديح، وإلى أيّ حدّ يصمد أمام النظر الحديث (ص ١١٢). وجوابه مزدوج يطّرد في المقالة كلها، وهو أنّ الأرقام التي تناقلتها المصادر العربية مبالغٌ فيها في الغالب، وأنّ التفوّق الذي تشهد له ثابتٌ مع ذلك، فقرطبة، بعد إسقاط ما يلزم إسقاطه، لم يكن لها نظير في العالم الإسلامي غربيّ مصر (ص ١٢٠).
لمكانة قرطبة أسبابٌ سبقت الإسلام: سهلٌ خصيب تحفّه الجبال، ونهرٌ تبلغ فيه السفن المدينة، وماضٍ روماني أنجب السنيكيَّين، الأبَ والابن، والأسقف هوسيوس، ثم صارت مركزاً إدارياً للقوط (ص ١١٢–١١٣). فلمّا فتحها مغيث الرومي سنة ٩٢هـ/٧١١م، ونقل الحرّ بن عبد الرحمن الثقفي إليها مقرّ الولاية من إشبيلية بين ٩٨هـ/٧١٦م و١٠١هـ/٧١٩م، ثم جعلها عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) عاصمة إمارته سنة ١٣٨هـ/٧٥٦م، ابتدأ فيها تقليدٌ في العمارة الملكية استأثرت به دون سائر المدن، فكان القصر على أنقاض القصر القوطي ودار الإمارة والأسوار والقنطرة ومنية الرصافة التي سمّاها الداخل باسم مدينة جدّه في الشام (ص ١١٣–١١٤).
أظهرُ ما في المقالة منهجُه في المصادر. فهو يشكّ في خبر شراء نصف كنيسة سان بيثنتي ثم هدمها وبناء الجامع مكانها، لأنه يحاكي خبر جامع دمشق محاكاةً مريبة، ولأنه لا يُعرف إلا من نسخة محرّفة من القرن السابع الهجري لنصّ الرازي، وإن رجّح أنّ الجامع قام فعلاً على موضع كنيسة. والخبر عنده، صدق أو لم يصدق، شاهدٌ على تعلّق الأندلس بتراث الشام (ص ١١٤، ١٢٩). ثم ينظر في أرقام المقّري لدور قرطبة، وهي ١٦٠٠ مسجد و٩٠٠ حمّام و٢١٣٬٠٧٧ داراً للعامة و٨٠٬٤٥٥ دكاناً، فيقرّ بأنّ بعض الدراسات السكانية الحديثة تراها مبالغة بعشرة أضعاف، ويعدّ هذا الحكم مفرطاً في التشدّد. وحجّته الجامع نفسه، فلم يبقَ من مساجد العصر الوسيط أكبر منه إلا جامعا سامرّاء والرباط، وقد بُنيا لسعةٍ قُدّرت للمستقبل، أمّا جامع قرطبة فاتّسع استجابةً لضغط السكان؛ ولذلك لا يستبعد تقدير لومبار لسكانها بنحو ثلاثمئة ألف، فتكون أكبر كثيراً من باريس يومئذ (ص ١١٩). وبالمنهج نفسه يرى أنّ الحفريات لا تؤيّد ما قيل من أنّ خمسة وعشرين ألفاً عاشوا في مدينة الزهراء (ص ١٢٧)، وأنّ الخلافة لم تسترجع شبه الجزيرة كلها قطّ، فلا ينبغي تضخيم قوّتها السياسية (ص ١١٧)، وأنّ من رثوا المدينة بعد الفتنة، من ابن حزم إلى الإدريسي، حمل رثاؤهم لوماً للنفس جعل عصرها الأول فردوساً مفقوداً، فزادوا في وصف بهائه (ص ١١٩–١٢٠). ومن أوضح أمثلته مخطوطة ديسقوريدس اليونانية التي أهداها قسطنطين السابع إلى الناصر سنة ٣٣٧هـ/٩٤٩م، فلم يجد في قرطبة من يترجمها حتى أُرسل الراهب نيقولا، فعمل عليها مع حسداي بن شبروط:
«وفي هذه الحكاية تصحيحٌ نافع للدعاوى المغالية في عالمية ثقافة قرطبة في ذلك العهد» (ص ١٢٤)
أثبتُ ما تصمد فيه شهادة المصادر عنده العلمُ. فقد استقدم الحكم المستنصر العلماء من المشرق للتدريس في الجامع، وبنى سبعاً وعشرين مدرسة للفقراء، وجمع في القصر مكتبة قيل إنها أربعمئة ألف مجلد وإنّ فهرسها أربعة وأربعون كرّاساً، وهذه أرقام بلغت ابن حزم عن الخصيّ الذي كان على خزانتها. ويستند في تصديقها إلى بحث عبد الرحمن الإكريش، وقد بيّن أنّ المكتبة نُقلت خمس مرات، وأنها مكتبة الأسرة المالكة كلها لا مكتبة الحكم وحده (ص ١٢٠). وينقل عن ابن سعيد أنّ اقتناء الكتب صار في قرطبة أمارة وجاهة، ويقابل ذلك بمكتبة دير سانت غالن التي لم تتجاوز ستمئة كتاب، ويعزو الفارق إلى الورق (ص ١٢٠–١٢١). ويقف عند النساء الناسخات والكاتبات والمعلّمات، كلُبنى وفاطمة، وعند ما يدلّ عليه «طوق الحمامة» من سعة ما أُتيح للمرأة القرطبية، ثم يوازن ذلك بقول ابن رشد في عطالة النساء وأثرها في فقر المدن (ص ١٢١–١٢٢). وفي المقابل يذكر أنّ السلطة المتشدّدة ضيّقت على علوم الأوائل، أي الفلسفة وما ورثه المسلمون من علوم اليونان، وأنّ المنصور بن أبي عامر أحرق كتبها من مكتبة الحكم تقرّباً إلى العامة كما يقول ابن سعيد (ص ١٢٢–١٢٣). وما حمله زرياب إلى قرطبة من أزياء وأطعمة وألحان يقرؤه وعياً بخطر الانزواء في أطراف العالم الإسلامي، إذ لم يكن الحوار مع المشرق العباسي ممكناً إلا في الثقافة (ص ١١٧).
أمّا المجتمع فيعرضه في توتّراته. فثورة الربض على الحكم بن هشام انتهت بهدمه سنة ٢٠٢هـ/٨١٨م وتهجير أهله، حتى استقرّ بعضهم في إقريطش (ص ١١٤–١١٥). وحركة الاستشهاد التي أذكاها إيولوخيو بين النصارى، أي إقبال نفرٍ منهم على الموت طوعاً في سبيل دينهم، قرأها ردَّ فعلٍ على استعرابهم، كما تشهد شكوى ألبارو القرطبي من إقبالهم على الأدب العربي، وقد أدانها مجمع أساقفة سنة ٢٣٧هـ/٨٥٢م، وانتهت بإعدام إيولوخيو سنة ٢٤٥هـ/٨٥٩م بعد نحو خمسين قتيلاً (ص ١١٥–١١٦). ومع ذلك كان للنصارى قاضيهم وقومسهم، أي رئيسهم أمام السلطان، وكنائسهم، وبلغ ربيع بن زيد (ريسموند) السفارة إلى أوتو الأول، وازدهرت حول حسداي ثقافة يهودية (ص ١٢٣–١٢٤). ويصف مجتمعاً متراتباً من العرب إلى الرقيق، ويرى في المولّدين، وهم المسلمون من أهل البلاد الأصليين، أصحابَ الطابع الأندلسي المميّز الذي يقارب الشعور القومي (ص ١٢٥).
إلى مالية عهد الناصر يردّ هيلنبراند عمرانه، فقد قيل إنّ في خزانته سنة ٣٤٠هـ/٩٥١م عشرين مليون دينار، وإنه كان يقسم دخله أثلاثاً، ثلثاً يدّخره وثلثاً للنفقة وثلثاً للبناء، ومن هنا عدّ المقّري القنطرة والجامع والزهراء ثم العلم مفاخر قرطبة الأربع (ص ١١٧–١١٨). وقامت الزهراء منذ ٣٢٤هـ/٩٣٦م بأعمدتها الـ٤٣١٣ وبرك الزئبق، حتى عاتب القاضي منذر بن سعيد البلوطي الخليفة على تسقيف بعض قصورها بالذهب والفضة (ص ١٢٦). والبهاء في هذه المدينة أداةٌ سياسية عنده، فيوازن بين استقبال الناصر سفارةً نصرانية في زيّ متقشّف بين يديه مصحفٌ وسيفٌ ونار، على رواية ينسبها إلى ابن العربي، واستقبال الحكم لأردونيو الرابع على رواية ابن حيّان. ويقترح أنّ سجود أردونيو للعرش الخالي قد يحمل عند نصرانيٍّ معنى «العرش المُعَدّ» في سفر الرؤيا، أي العرش الذي يُهيَّأ لمجيء المسيح، ويترك المسألة معلّقة (ص ١٢٦–١٢٧). ثم يتتبّع الانحدار من فتنة ٤٠٣هـ/١٠١٣م إلى بني جهور فبني عبّاد فالمرابطين فالموحّدين، حتى أخذ فرناندو الثالث المدينة سنة ٦٣٣هـ/١٢٣٦م، ويختم بمفارقة، هي أنّ أوضح ما بقي من قرطبة الإسلامية مساكن الحيّ اليهودي، أي مساكن جماعةٍ كانت مستضعفة في العهدين (ص ١٢٧–١٢٨).
في ملحق الجامع يقدّم المعنى على مراحل البناء. فقد تأخّر الداخل في بنائه نحو ثلاثين سنة، وهذا عنده دليل على أنه أراده إعلاناً بأنّ دولته باقية، ثم حافظت الزيادات على نسب البناء الأول حتى جاءت زيادة المنصور إلى الشرق (ص ١٢٩–١٣٠). وفي أصداء جامع دمشق فيه تأكيدٌ لولاء شاميّ، وأغربها القبلة المتّجهة إلى الجنوب، وهي خطأ بيّن أُبقي في كل الزيادات، على أنّ الجامع في تخطيطه أقرب إلى المسجد الأقصى (ص ١٣٠–١٣١). وكلُّ ما فيه من أسوار مسنّنة، ومن مقصورة هائلة، وهي الحجرة المسوّرة التي تفصل الخليفة عن الناس في الصلاة، ومن ساباط، أي ممرّ مسقوف، يصله بالقصر، خطابُ سلطانٍ عنده؛ وزيادة المنصور، وهو حاجبٌ لا أمويّ، ختمٌ لسلطانه الشخصي (ص ١٣٢–١٣٣). ثم يقترح، وهو ينبّه إلى أنه تخمين على شواهد ناقصة، أنّ الجامع يرمز إلى الجنّة بأشجار صحنه وزخرفه النباتي، وإلى النور بفسيفساء المحراب وتدرّج الإضاءة:
«فيصير الجامع كله بستاناً مقدّساً من بساتين الجنّة» (ص ١٣٤)
٥. إشبيلية الإسلامية: تاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي
العصر الإسلامي عند بالنثيا أجلّ أطوار إشبيلية شأناً، لكنه يأبى أن يجعله الطور الوحيد:
«ينبغي ألّا تُعدّ هذه القرون الخمسة إلا طوراً من أطوارٍ كثيرة صنعت إشبيلية» (ص ١٣٦)
محور قراءته الاتصال، أي بقاء القديم في الجديد كلما انتقل السلطان على المدينة من يدٍ إلى يد، ويتتبّعه في ثلاثة انتقالات. ففي الفتح ورث المسلمون مدينةً ذات تراث متراكم، ودخلوها صلحاً لا عنوة، فاختلط الفاتحون بأشراف هسبانيا القوطية، ومن زواج سارة القوطية، وهي من نسل غيطشة، بعُمير بن سعيد اللخمي تحدّرت أكثر البيوت المتصدّرة في المدينة، على ما في «جمهرة» ابن حزم (ص ١٣٦، ح ١). ولمّا عادت إشبيلية عاصمةً للأندلس في عهد المرابطين والموحّدين قلب المؤلف الصورة المألوفة، فالثقافة الأندلسية عنده هي التي استوعبت القادمين من المغرب، ودليله أنّ الموسيقى التي أنكرها فقهاء المرابطين بلغت في القرن السادس الهجري صورتها التي انتقلت إلى المغرب باسم «موسيقى أندلسية» (ص ١٤٠). وحين أخذ القشتاليون المدينة سنة ٦٤٦هـ/١٢٤٨م لم تكن خاليةً كما روى الحميري، وهو يردّ روايته بخبر أبي الحسن الذي بقي فيها ومات حزناً على الأذان، وقد حفظه ابن الأبّار في «التكملة». ومن بقي من المسلمين تنصّر على مهل في مسارٍ هو عكس ما جرى في القرن الثاني الهجري، وبقيت عاداتهم في الإشبيليين الجدد، وبلغ من قرب المدينة من ماضيها أن عرض بيدرو الأول على ابن خلدون أن يستقرّ في مدينة أجداده (ص ١٤٦).
قام مجتمع إشبيلية على القبيلة العربية، وأكثر أهله من المولّدين، وقد دخلوا في القبائل بالولاء، أي انتسبوا إليها موالي. والغالب على عربه اليمنية، ولا سيما جند حمص الذين نزلوها مع بلج بن بشر سنة ١٢٢هـ/٧٤٠م، ولا يعرف المؤلف خبراً عن استيطان بربري يُعتدّ به (ص ١٣٧). وأزمة دمج العنصر المحلي جاءت في الأندلس، كما يرى، بعد أزمة المشرق بقرن وبآليات أكثر مرونة، فتجاوزها الأمويون بعد فتن ٢٥١–٣٠٠هـ/٨٦٥–٩١٢م (ص ١٣٧–١٣٨). ويستدلّ على التسامح ببقاء النصارى، فقد كانت إشبيلية كرسيّ مطران الأندلس، وقائمة أساقفتها متّصلة إلى ٥٤٢هـ/١١٤٧م، ومنهم ريكافريد الذي رأس مجمع قرطبة سنة ٢٣٧هـ/٨٥٢م، وعبّاس بن المنذر سفير الناصر إلى راميرو الثاني، وعبيد الله بن قاسم معاصر الحكم المستنصر، أمّا اليهود فأخبارهم قليلة (ص ١٣٨). وكان من قضاة إشبيلية الزبيدي والمنصور بن أبي عامر، وقد احتفظ المنصور بقضائها لأنه كان يجعل إليه النظر في الأوقاف، والوقف حبسُ المال على جهةٍ فلا يُباع ولا يُورث. ويفترض المؤلف أنّ الوقف استُعمل للالتفاف على قسمة المواريث، فبقيت الضياع الكبيرة من العهد القوطي إلى العهد النصراني، وتلك صورة أخرى من الاتصال نفسه (ص ١٣٩).
بعد سقوط الخلافة استبدّ القاضي محمد بن عبّاد بالمدينة سنة ٤١٤هـ/١٠٢٣م، وضمّ بنو عبّاد ما جاورهم من الطوائف، فصارت إشبيلية حاضرة علم وأدب في عهد المعتضد والمعتمد. ويرى المؤلف أنّ شهرة شعرائها حجبت علماءها، ويختار من شعر المعتمد أبياتاً يتمنّى فيها ليلةً أخرى في قصور إشبيلية وأن يموت فيها، وقد مات منفيّاً بأغمات سنة ٤٨٨هـ/١٠٩٥م (ص ١٣٩–١٤٠). وشاهده على منزلة العلم ما رواه أبو بكر بن العربي في «العواصم من القواصم» من سيرة تعلّمه، فقد حفظ القرآن في التاسعة، وأتقن في السادسة عشرة عشر قراءات، ومعها العربية والحساب وإقليدس والأسطرلاب (ص ١٤٠–١٤١).
أبقى الشواهد عنده العمارة: جامع ابن عَدَبَّس (٢١٤هـ/٨٢٩م) بمئذنته ذات الدرج الحلزوني، ولم يظهر هذا الدرج في المشرق إلا في القرن الخامس الهجري، وجامع أبي يعقوب يوسف الموحّدي وصومعته التي أمر ببنائها في ١٣ صفر ٥٨٠هـ/٢٦ مايو ١١٨٤م، ويصفها ابن صاحب الصلاة في «المنّ بالإمامة» بأنها أعظم صوامع الأندلس (ص ١٤١–١٤٢)؛ ثم القصور العبّادية والسور الذي بناه ابن العربي وقوّاه الموحّدون وبرج الذهب (٦١٧هـ/١٢٢٠م)، ودار الصناعة، أي دار بناء السفن، وقد أُنشئت بعد غارة المجوس، أي النورمان، سنة ٢٣٠هـ/٨٤٤م، والبحيرة التي زالت في أعمال معرض ١٩٩٢م (ص ١٤٢–١٤٤). أمّا الناس فيستحضرهم من «رسالة» ابن عبدون في الحسبة، وهي ولاية مراقبة الأسواق والآداب العامة، ومن بني زهر، ومن علماء الفلاحة، أي الزراعة، وأبرزهم ابن العوّام، ويخصّ «النباتي المجهول» بأنه صاحب أول تصنيف منهجي للنبات منذ اليونان (ص ١٤٥). وفي وصفٍ ينقله المقّري لولع الإشبيليين بالمزاح يرى صورةً باقية إلى اليوم (ص ١٤٦).
٦. المستعربون: أقلية نصرانية رمزية في الأندلس الإسلامية
استقرّ في التأريخ الإسباني أنّ أهل هسبانيا دخلوا في الإسلام على مهل في نحو ثلاثة قرون، وإيبالثا يخالف هذا الرأي، فجمهورهم عنده صار مسلماً في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، في أجيال قليلة بعد الفتح، لعلّة بنيوية مصدرها شريعتان معاً. فالكنيسة لا تُدخل أحداً في النصرانية إلا بالمعمودية، ولا تقوم جماعتها إلا بأسقف. والشريعة الإسلامية لا تعرف الذمّيّ إلا منتظماً في جماعة يمثّلها رئيسها أمام السلطان. فمن لم تعمّده الكنيسة ولم تُدخله في جماعة أسقفية لم يبقَ له في دار الإسلام إلا أن يُعدّ مسلماً، إذ لا مكان فيها لوثنيّ، ولا لنصرانيّ بلا جماعة. وهذا ما يسمّيه «منهج الشريعتين النصرانية والإسلامية» (ص ١٥٩).
«أرى أنّ تحوّل نصارى شبه الجزيرة إلى الإسلام كان ظاهرةً جماعية، لها أسباب بنيوية دينية وسياسية، وأنه وقع في جملته في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي» (ص ١٥٩)
يبدأ بضبط الاسم والمسمّى. فلفظ «المستعرب» لا تستعمله المصادر العربية للنصارى أصلاً، وإنما يظهر في المصادر النصرانية منذ القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي لقباً فيه غضّ من نصارى عربيّي الأصل يعيشون في الممالك النصرانية، ولا سيما طليطلة. وقد ردّه بعض المستشرقين إلى «مُسْتَعْرِب»، وهو لفظ مشرقي للقبائل التي ليست من صلب العرب (ص ١٤٩). أمّا المصادر العربية فتسمّيهم نصارى وروماً ومسيحيين وأهلَ ذمّة ومعاهدين، ولا تطلق عليهم «أهل الكتاب» إلا في سياق الجدل العقدي، وتخصّ نصارى الممالك الشمالية بألفاظ العداوة، كالعدوّ وعدوّ الله والطاغية والثائر والكافر وأهل الشرك. ويستخلص من ذلك أنّ النصراني كان في نظر المسلمين أحد رجلين، إمّا ذمّيّ له ما لنصارى سائر البلاد الإسلامية، وإمّا ثائر خرج على السلطان (ص ١٤٩–١٥٠).
لا يرى المستعربين كتلة واحدة. فإلى جانب ورثة الكنيسة القوطية كان هناك نصارى وافدون من المشرق ومن الشمال ومن وراء جبال البرتات (البرانس) ومن المغرب، سبق أن سمّاهم هو ويوبريغات المستعربين الوافدين (neo-mozárabes)، ووجودهم في المواضع التي نزلوها لا يدلّ على جماعة نصرانية سابقة للفتح فيها. وكان هناك المستعربون الجدد، وهم مسلمون تنصّروا جماعةً بعد أخذ طليطلة، وقد كشفت ماريا خيسوس روبييرا ماتا عن نصوص عربية ولاتينية في أمرهم، وهؤلاء غير المدجّنين والموريسكيين الذين تنصّروا على مهل بين القرنين الثاني عشر والسابع عشر الميلاديين. ثم يفصل هؤلاء جميعاً فصلاً حاسماً عن المسلمين ذوي الأصل النصراني، من المسالمة والمولّدين والعلوج والعجم، ثم الصقالبة من الرقيق المعتَق (ص ١٥٠–١٥١).
لأنّ الأخبار شحيحة يبني إيبالثا حجّته على الوضع الشرعي. فالمصادر العربية لا تذكر النصارى إلا في نادرة أو ثورة، والمصادر اللاتينية منصرفة إلى «ثورة الشهداء» بقرطبة في أواسط القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي وإلى جدل القرن الثاني، وفيها تحزّب ظاهر. وكتب الفقه يحذّر منها لأنها نظرية أو متأخرة، ككتاب ابن قيّم الجوزية «أحكام أهل الذمة» الذي كُتب في دمشق تحت وطأة الحروب الصليبية (ص ١٥٢). والوضع النصراني يُكتسب بعهد بين السلطتين، وليس العهد عقداً بين ندّين، بل إقرارٌ بسلطان الإسلام تجدّده الطاعة والجزية، ونقضه ثورة. وشاهده عهد تُدمير صاحب أوريولة، وقد عقده معه ابن والي القيروان باسم الأمويين، وفيه حقوق الأنفس والدين والأرض لقاء الجزية والطاعة، ثم ما ترويه الأخبار العربية من رحلة أعيان من القوط إلى دمشق لتجديده، وصورة لُذَريق بين الملوك الخاضعين على جدران قُصَير عمرة (ص ١٥٢–١٥٣). ولمّا كان العهد قد عُقد مع السلطة القوطية عُدّ كل رعاياها نصارى، ولو كان فيهم وثنيون أو ثائرون في جبال كنتبرية والبرتات، ولم يُنزل منزلةَ المجوس، أي من لا كتاب لهم، إلا من لم تكن له سلطة نصرانية معترف بها، كبعض البشكنس (ص ١٥٣، ١٦٠).
فإذا استقرّ ذلك ظهرت مواضع الضعف. فالمعمودية تحتاج إلى قسّ وإلى زيت يقدّسه أسقف، وسيامة الأسقف تحتاج إلى ثلاثة أساقفة، والأسقف لا يُختار إلا من الرهبان، فلا بقاء للجماعة بلا أديرة. ولا يثبت في الوثائق أساقفة إلا في الجنوب، في قرطبة وإشبيلية ومالقة ووادي آش. وثمة دير في شاطبة صار تابعاً لسلطة الروم في الجزائر الشرقية أوائل القرن الثالث الهجري، وأديرة في جبال قرطبة ومالقة، ويرجّح هو أنّ بُبَشْتَر، مركز ثورة عمر بن حفصون، كانت ديراً يُعدّ فيه الأساقفة، أمّا طليطلة فقد سيم أسقفها في ليون في أواسط القرن الحادي عشر الميلادي (ص ١٥٤). ومصلحة الأمويين في بقاء النصارى لم تكن عنده مالية، فالأغنياء كانوا يُسلمون صوناً لمراتبهم، والفقراء لا يُعتدّ بجزيتهم، وإنما كانت رمزية: جماعة نصرانية تشهد لسيادتهم كما شهدت لأسلافهم بدمشق، وأساقفة يخدمونهم سفراء وتراجمة إلى أواسط القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي (ص ١٥٥).
على هذا الأساس يقلب قراءة خبر مشهور. ففي أواسط القرن الثالث الهجري اتّهم سامسون، رئيس أحد أديرة قرطبة، أسقفَ مالقة هوستيغيسيس وأسقفَ إلبيرة معه بأنهما سجّلا فلاحي النصارى في ديوان الجباية ليؤدّوا الجزية. أمّا إيبالثا فيرى في ذلك سبيلَ الأسقفين إلى إبقاء أولئك الفلاحين نصارى في جماعة يمثّلها أسقف، ويستدلّ على «نجاحهما» بأنّ القرن الرابع لا يعرف من جماعات النصارى إلا مالقة وقرطبة، وبأنّ مالقة وحدها تبقى فيها آثار نصرانية في القرنين الخامس والسادس، وبأنّ ألفونسو الأول المحارب، حين أخذ نصارى الريف معه في غزاته ليعمر بهم أرضه الجديدة في وادي إبره (٥١٩هـ/١١٢٥م–٥٢٠هـ/١١٢٦م)، أخذهم من نواحي مالقة وغرناطة، وقد ادّعى أهل غرناطة أنهم معمَّدون. وأهل الريف الذين حفظوا عادات سابقة للإسلام بلا معمودية لم يكونوا نصارى في نظر الكنيسة ولا في نظر الإسلام (ص ١٥٥–١٥٦).
فسّر غيرُه قبله صمتَ المصادر عن تحوّل الجماهير بمذهبين يردّهما كليهما. فسيمونيت أرسى مذهب البقاء، وخلاصته تحوّلٌ بطيء، وجماعة مستعربة كبيرة بقيت إلى القرن السادس الهجري حتى أفناها اضطهاد المرابطين والموحّدين، وصمتٌ في المصادر هو تقصيرٌ منها. ويردّه إيبالثا بأنّ ثورات طليطلة في القرن الرابع لا تدلّ على نصارى فيها، وبأنّ روبييرا أثبتت أنّ كثيراً من مستعربي القرن الخامس مسلمو الأصل (ص ١٥٧–١٥٨). أمّا الأمريكي بولييت فصاحب المنهج الأسمائي، أي استقراء الأديان من الأسماء، فهو يعدّ أول اسم إسلامي في سلسلة النسب اسمَ أول من أسلم، ويبني على ذلك «منحنى التحوّل»، فينتهي إلى أنّ نصف أهل الأندلس كانوا نصارى قبل أواسط القرن الرابع الهجري. ويقدّر إيبالثا جدّة المنهج ويستبعد نتيجته، لأنه يغفل ضعف البنية الكنسية، ويقرأ الدين في الأسماء، والاسم الإسلامي قد يكون زيّاً أو أثراً لضغط اجتماعي كما قد يبقى الاسم اللاتيني عند مسلم، ولأنّ عيّنته صغيرة لا تتجاوز ١٥٤ سلسلة جلّها من حضر قرطبة؛ ثم إنّه لم يذكر مصدرٌ، مسلماً كان أو نصرانياً، أنّ نصف أهل الأندلس في القرن الرابع كانوا نصارى (ص ١٥٨–١٥٩).
«لا ريب أنّ قلّة الأخبار تعكس قلّة النصارى أنفسهم» (ص ١٥٩)
يلتقي في ذلك برأي خوسيه مانويل رويث أسينثيو أنّ جمهور أهل هسبانيا القوطية كان قد أسلم عند تمام القرن الأول بعد الفتح (ص ١٥٩، الحاشية ٦٥). والأسلمة عنده طوران: تحوّلٌ رسمي جماعي في أجيال قليلة، ثم أسلمةٌ حقيقية للحياة الاجتماعية جاءت بطيئة ولم تمسّ النصارى كثيراً. ويقابلها في جانب النصارى تنصيرٌ حقيقي لجماعات صغيرة ورثت الكنيسة القوطية، وتنصّرُ أهل الجبال الشمالية حين حكمتهم سلطة نصرانية، وذلك بخلاف المشرق الذي أمكن فيه بقاء هذه البنية الكنسية إلى اليوم (ص ١٥٩–١٦٠).
من هذا كله يرسم صورة سكّانية تقريبية. فقد بقيت جماعات منظّمة ما بقي لها أسقف ودير في أندلوسيا وماردة وطليطلة، واندثرت في الشرق ووادي إبره والوسط إلا ما خدمه قساوسة غرباء في طرطوشة وسرقسطة ووشقة ودانية. ونقص عددها بالتحوّل الفردي وبالاضطهاد في قرطبة وبهجرة الرهبان إلى الشمال، وزاد بتنصير أهل جبال مالقة (ص ١٦٠–١٦١). وفي عصر الطوائف فقدت حماية قرطبة، ونشأت جماعات نصرانية حول بلاطات طليطلة وبطليوس وإشبيلية وسرقسطة ودانية وبلنسية وطرطوشة. ثم اجتمع المستعربون في طليطلة بعد أخذها (٤٧٨هـ/١٠٨٥م)، ونقل المرابطون والموحّدون من بقي منهم إلى المغرب الأقصى في القرن السادس الهجري. ولا تثبت بعد القرن الخامس جماعات متّصلة، وإنما هم وافدون إلى سقوط غرناطة، ثم الأبرشيات «المستعربة» في طليطلة، وهي باقية إلى اليوم (ص ١٦٢).
إنما صار المستعربون «رمزاً» للممالك النصرانية ولإسبانيا الحديثة لأنهم الوارث الشرعي للقوط، فبهم سقطت شرعية الفتح وقامت عقيدة حروب الاسترداد، وبهم احتجّت طليطلة لتقدّم كرسيّها، واحتجّت بلنسية لأصل لغتها غير القطلوني. ثم صاروا عند المسلمين حجّة على سماحة الإسلام، وعند كثير من المثقفين المحدثين مثالاً للتعدّد يُتّقى به كل نزوع إلى الواحدية. وهذا التوظيف من الجهتين غذّته، في رأيه، قلّةُ الأخبار قبل أن يغذّيه التحيّز (ص ١٦٢–١٦٣).
٧. المستعربون: حَمَلةٌ جديرون بالثقافة الإسلامية
تأخذ لوبيث غوميث المستعربين بالمعنى الواسع الذي جرى عليه مؤرخ الفن مانويل غوميث مورينو: إسبان خضعوا للعرب وحفظوا دينهم ونُظُمهم ما استطاعوا، ثم حمل كثير منهم إلى الشمال النصراني ثقافةَ قرطبة المتفوّقة. فيدخل في الاسم عندها المهاجرون إلى الشمال ونصارى طليطلة بعد أخذها. وعلى هذا المعنى تقوم أطروحتها، وهي أنّ المستعربين كانوا الواسطة الأولى بين الثقافة الإسلامية والغرب اللاتيني، في الفن أولاً ثم في الترجمة واللغة (ص ١٧١).
أوفر شواهدها الفن. فقد بنى المستعربون المهاجرون في القرنين الثالث والرابع الهجريين/التاسع والعاشر الميلاديين كنائس وأديرة تتبع في عدّها غوميث مورينو، منها سان ميغيل دي إسكالادا وسانتياغو دي بينيالبا في ليون، وسان ميّان دي لا كوغويا في قشتالة، وسانتا ماريا دي ميلكي في أرض طليطلة وهي بعدُ في يد المسلمين، وسان بيدرو دي لوروزا قرب قلمرية، وسانت ميكيل دي كوشا في روسيون، ثم دير ريبول في طور ثانٍ. وحملت هذه الكنائس من الأندلس العقد الحدوي، وهو العقد المنحني على هيئة حدوة الفرس، والحيّز (alfiz)، وهو الإطار المستطيل حول العقود، والشبابيك المخرّمة والقباب ذات الأضلاع التي تذكّر بالمسجد الجامع بقرطبة والآجرّ، وأفاريز فيها طيور تنقر العنب على أثرٍ فارسي (ص ١٧١–١٧٢). وحمل عاج سان ميّان أثر مدرسة خلف القرطبية، ومزجت العلب الفضية في نقوشها العربية باللاتينية (ص ١٧٢). غير أنّ أبلغ الشواهد عندها المنمنمات، وهي الصور الدقيقة في المخطوطات. ففي شرح سفر الرؤيا الذي وضعه نحو سنة ٧٨٦م في دير ليبانا راهبٌ تسمّيه مستعرباً هو بياتو، وفي مدارس «البياتوس» التي تفرّعت عنه أربعة قرون، أي نُسخ هذا الشرح المصوّرة، تلتقي صور المسيح والأنبياء بالزخرف الهندسي والعقود الحدوية والكتابات العربية (ص ١٧٢).
من الأديرة التي زُيّنت فيها هذه الكتب تعبر المؤلفة إلى الترجمة. فهي تفترض أنّ المستعربين غلبوا على النسّاخ فيها، وأنهم نقلوا فيها العلم العربي إلى اللاتينية، كحساب الخوارزمي ورسالة ما شاء الله في الأسطرلاب، وقد نُقلا في ريبول في أواسط القرن العاشر الميلادي، وهما محفوظان في المخطوط ٢٢٥ من ريبول بأرشيف تاج أرغون. وبعد نحو قرنين عمل مستعربون في مدرسة الترجمة الأولى بطليطلة في رعاية ريموند رئيس أساقفتها، منهم يوحنا الإشبيلي، ويُروى أنه ابن القومس سيسناندو دابيديث، وكان سيسناندو قد وزر للمعتمد بن عبّاد (ص ١٧٢–١٧٣).
تصف حالهم بأنها «ثقافة ثغر»، أي ثقافة أرضٍ على الحدّ بين عالمين، فهم جماعة غير متجانسة، مستعربة اللسان والعادات، تحفظ مع ذلك اللاتينية والطقس القوطي، أي صلوات الكنيسة وشعائرها على الصيغة القوطية. ومن ثمار هذا التمازج عندها مذهب التبنّي، وهو القول بأنّ المسيح في طبيعته البشرية ابنٌ لله بالتبنّي، وقد قال به إليباندو أسقف طليطلة في القرن الثاني الهجري، وكثر أتباعه فيهم، وحاربه شارلمان (ص ١٧٣). وبسببه خسروا بعد نحو ثلاثة قرون معركة الطقس، إذ كانت روما تشكّ في سلامة الطقس القوطي لما فيه من أثر إليباندو، فحمل رهبان كلوني ألفونسو السادس على إلغائه في مجمع برغش سنة ١٠٨٠م، لكنّ المستعربين حفظوه في كنائسهم القديمة، وهو باقٍ في المصلّى المستعرب من كاتدرائية طليطلة (ص ١٧٤).
ممّا يشهد لبطء اندماجهم أنّ كثيراً من مستعربي طليطلة لحقوا بالقادر بن ذي النون في منفاه ببلنسية. وتنقل عن رينا باستور أنّ هؤلاء، بخلاف القرطبيين الذين هاجروا، دخلوا في إسبانيا النصرانية كرهاً بالفتح، واحتاجوا إلى قرنين حتى اندمجوا، وتلخّص باستور حالهم بقولها:
«لم يبرحوا مكانهم، وإنما تبدّل عليهم السادة» (ص ١٧٣)
كانوا ثنائيي اللسان، فأغنوا الرومانثية، وهي اللاتينية الدارجة التي خرجت منها الإسبانية، بألفاظ عربية كثيرة، وظلّوا بعد قرنين من الفتح النصراني يكتبون بالعربية ويتسمّون بأسماء عربية. يشهد بذلك ١١٧٥ وثيقة من عقود الموثّقين من القرنين الثاني عشر والثالث عشر نشرها أنخل غونثاليث بالنثيا، ومنها محاورة في الشارع من أواخر القرن الثاني عشر تمتزج فيها الرومانثية بالعربية لفظاً وتركيباً. ولم ينقطعوا عن الكتابة بالعربية إلا في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي (ص ١٧٤).
٨. المدجّنون
المدجّن عند هارفي مسلم يقيم رعيةً لإحدى الممالك النصرانية في شبه الجزيرة. وعصر التدجين الحقّ عنده قرنان ونصف، من أواسط القرن الثالث عشر الميلادي إلى آخر الخامس عشر. فقد بدأت الظاهرة بسقوط طليطلة، وفي أرغون بتسليم وشقة سنة ٤٨٩هـ/١٠٩٦م، وفي نبرّة بتسليم تطيلة سنة ٥١٣هـ/١١١٩م، ثم أوقفها المرابطون والموحّدون قرناً ونصفاً، ورسخت بعد فتوح القرن الثالث عشر، وانتهت بالتنصير سنة ١٥٠١م في قشتالة و١٥١٥م في نبرّة (Navarre) و١٥٢٦م في أرغون وبلنسية (ص ١٧٦، ١٨٥). وبهذا الحدّ يردّ على إيسيدرو دي لاس كاغيغاس توسيعَه الاسم ليشمل أهل غرناطة النصرية تحت هيمنة قشتالة، فقد مرّت على غرناطة مدد طويلة فشل فيها النصارى في التدخّل في سياستها ولم يجبوا فيها جزية، والفقه الإسلامي يفصل فصلاً قاطعاً بين من يعيش تحت سلطان مسلم ومن سواه (ص ١٧٦):
«جوهر التدجين أنّ المسلم الخاضع قبِل حكم غير المسلمين، ولا خير في طمس هذه الحقيقة» (ص ١٧٦)
لم يكن في المدجّنين، كما يعترف هارفي، قائد ولا كاتب ولا مفكّر من الطبقة الأولى، والسكوت عنهم مفهوم عنده، فخمولهم السياسي كان شرط التسامح معهم، والمؤرخون المسلمون تجاهلوهم حرجاً، وابن خلدون نفسه يُلمح بين سطوره إلى ازدرائه لهم حين لقيهم في إشبيلية بيدرو القاسي (ص ١٧٧). لكنه يرى في دراستهم تصحيحاً لتصوّرنا الثغرَ، أي خطّ الحدود، بين الإسلام والنصرانية. فجنوب الخط غرناطة، بلد مسلم ليس فيه نصارى أصليون، بل تجّار ولاجئون وأسرى، وفيه حارات يهودية قليلة في غرناطة ومالقة وأليسانة، فهو في الحقيقة بلد دينين. وشماله بلاد تعيش فيها الأديان الثلاثة بلا مساواة، ولكن في إطار شرعي يسمح بالتعامل. فكان ملتقى الإسلام بالنصرانية داخل الأرض النصرانية أكثر منه على خطّ الهدنة، والمسلم الذي يلقاه النصراني كل يوم ليس فارس قصة «ابن السرّاج والحسناء خريفة» (El Abencerraje y la hermosa Jarifa)، بل جاره المدجّن، فلّاحاً أو صانعاً أو بيطاراً أو طبيباً (ص ١٧٧–١٧٨).
يقوم بابه الشرعي على المقابلة بين الذمّة والدَّجْن. فاسم «المدجّنين» و«أهل الدجن» من الدجن، ومن بابه «الحيوانات الداجنة»، والذمّة ثابتة بالقرآن، أمّا الدجن فلا يستند إلا إلى شروط التسليم والأعراف المحلية (fueros)، أي المواثيق التي تمنحها الممالك لأهل كل بلد، إذ لا يعرف القرآن مسلماً يقيم مختاراً تحت حكم الكفّار. ولذلك أوجب الفقهاء الهجرة على من هذه حاله، لأنّ للإسلام شعائر عامة، كالزكاة التي لا تُجبى إلا في ظلّ دولة مسلمة، ولم يعذروا إلا المسافر والتاجر والعاجز (ص ١٧٨–١٧٩). ويستشهد بنصّ من «المعيار المعرب» للونشريسي في تحريم الإقامة بين الكفّار ولو ساعة من نهار، وينفي أن يكون الونشريسي متشدّداً شاذّاً، بل هو صوت إجماع عصره، ويقرنه بفتوى لابن مِقلاش مفتي وهران (كان حيّاً سنة ٧٩٤هـ/١٣٩٢م) نشرها حسين بوزينب من مخطوط في المكتبة الوطنية بمدريد (ص ١٧٩). ومع ذلك لم يكن بقاء المدجّنين ضعفَ إيمان، فمخطوطاتهم تدلّ على تدقيق في الفروع، كاستفتاء جماعة آبُلة فقهاءَ برغش وبلد الوليد في الصلاة على فروة الراعي (zamarra)، ويبدو أنهم انتهوا إلى المنع، وأبلغ من ذلك أدبهم الإسلامي بالرومانثية (ص ١٧٩–١٨٠).
على أنّ المدجّنين لم يكونوا جماعة واحدة، وأول ما يظهر فيه اختلافهم نشأة جماعاتهم وصلتها بالتاج. ففي قشتالة ينقل عن ميغيل أنخل لاديرو كيسادا أنّ مسلمي برغش وآبُلة مهاجرون من نواحي طليطلة، وأنّ أرض الوادي الكبير التي أخذتها قشتالة في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي أُسكن فيها مسلمون بعد أن خلت من أهلها. فقد جلب آل بوكانيغرا الجنويون إلى بالما دل ريو فلّاحين مسلمين من غومييل دي إيثان في وادي دويرة، ومنحوهم في الأربعينيات من القرن الرابع عشر الميلادي ميثاقاً جُدّد سنة ١٣٧١م، أبقى لهم «الشرع والسنّة» وقضاتهم، وخيّر الزاني بين حدّ الرجم وأن يصير عبداً لبوكانيغرا (ص ١٨٠–١٨١). أمّا في أرغون فكانوا فلّاحين ناطقين بالرومانثية في قرى لم يفارقوها منذ ما قبل الفتح النصراني، تذكرها «ملحمة السِّيد». وهم عند جون بوزويل «الكنز الملكي»، وهي منزلة ذات حدّين، فيها تبعيةٌ للتاج وحقٌّ في التظلّم إليه، ومثلها منزلة الشريك (exarico) المربوط بأرضه، الذي لا يُطرد منها ويورثها بنيه. ولم يكن للمسلم أن يبيع أرضه لنصراني إلا بإذن الملك، وإن تنصّر ورثه أبناؤه كأنه مسلم، وتنافس السادة على الفلاحين المدجّنين مع أنّ القوانين كانت تمنع ذلك (ص ١٨١–١٨٢). وبلغت الصلة بالتاج أقصاها في نبرّة، فقد جعل صغرُ المملكة مدجّنيها خدماً للبيت الملكي، وحُصّنت أسوار حارتهم بتطيلة على نفقتهم سنة ١٣٦٥م لقاء إعفائهم من الضرائب ثلاث سنين، وحرسها التاج سنة ١٣٤١م من الصليبيين الفرنسيين العابرين إلى الجزيرة الخضراء (ص ١٨٣–١٨٤).
التجربة الحاسمة عنده بلنسية، لأنّ المسلمين بقوا فيها أكثريةً عربية اللسان، فكانت، كما كتب سنة ١٩٩٠م، أشبه بامتحانٍ «في ظروف المختبر» لمسألةٍ قديمة في الفقه، هي قيام جماعة إسلامية بلا إمام. وجاء الجواب ملتبساً، فالإسلام بقي، لكنّ علماءه صاروا موظفين يحفظون سلم الملك. وتحوّلت الحسبة إلى أداة بلدية نافذة، وتكرّرت الهجمات على حارات المسلمين بين ١٢٧٦م و١٢٩١م، وتردّدت سياسة النصارى بين الطرد والإمساك (ص ١٨٢–١٨٣). وجاءت أولى علامات النهاية من البرتغال، فقد نصّرت مسلميها قسراً وطردتهم سنة ١٤٩٧م قبل إسبانيا، بضغط من قشتالة في مفاوضات زواج الأميرة إيزابيلا، وكان ذلك إيذاناً بالنهاية في شبه الجزيرة كلها، إذ لمّا ذهبت غرناطة، آخر أرض مستقلة، اتّجهت الهمّة إلى التوحيد الديني بعد السياسي (ص ١٨٤–١٨٥).
أمّا الفن المدجّن ففنّ الآجرّ والفخّار لا الرخام، ولا يجعله ذلك فناً شعبياً محضاً، فقصر أوليتي بناه صنّاعٌ مدجّنون للبيت الملكي في نبرّة. واستعمالُ الآجرّ في العمارة المدجّنة عامةً أصلُه من العمارة الموحّدية، وظلّ هذا الفن يتجدّد إلى القرن السادس عشر حتى قتله أمران، هجرُ أوروبا الأساليبَ المحلية، وهجرةُ الموريسكيين ثم طردهم (١٦٠٩–١٦١٢م). ويدعو المؤلف إلى معرض دولي جوّال يعرّف العالم بروائعه (ص ١٨٥–١٨٦).
٩. اليهود في إسبانيا المسلمة
ما يميّز يهود الأندلس عند شايندلين، من عهد عبد الرحمن الناصر إلى مجيء الموحّدين، اجتماعُ أمرين: رجالٌ كثيرون بلغوا الجاه والسلطان في مجتمع غير يهودي، وأدبٌ واسع قام على حياة فكرية شاركوا فيها غيرهم. وليس أحد الأمرين جديداً في ذاته، فلكلٍّ منهما أشباه في العراق ومصر، لكنّ اجتماعهما وازدهارهما معاً خاصٌّ بالأندلس بين أواسط القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي وأواسط السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، أمّا بلاد النصارى فلم تتهيّأ فيها شروطهما قبل النهضة (ص ١٨٨).
علّة ذلك عنده في الفرق بين الشريعتين. فاليهود في المملكة القوطية لقوا التشريع القاهر والتنصير القسري من عهد سيسبوت (٦١٢–٦٢١م)، وخاصةً في عهد إخيكا (٦٨٧–٧٠٢م)، وسند ذلك عقيدة ترجع إلى أوغسطين، وهي أنّ بقاء اليهود مبرَّر بأن يشهد ذلّهم لصدق النصرانية. أمّا الإسلام فعدّهم أهل ذمّة لهم حقوق مقرّرة، فكانت حالهم تحته إلى القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي خيراً منها تحت النصرانية. ولا يقبل الرواية الشائعة أنّ يهود إسبانيا سلّموا مدنها للفاتحين، فهي عنده من مختلَقات الجدل الوسيط، ادّعاها اليهود تحت حكم المسلمين ورماهم بها النصارى في عهد الاسترداد، وإن كانت تعكس هواهم لا فعلهم (ص ١٨٨–١٨٩، الحاشية ١).
مصادر هذا التاريخ، كما يحذّر شايندلين، أدبية صادرة عن أعلى طبقات اليهود، ووثائق جنيزة القاهرة، أي ما حُفظ من أوراقٍ في مخزن كنيسٍ بالفسطاط، لا تبلغ ما تقدّمه سجلّات إسبانيا النصرانية، فلا تصحّ صورة الجماعة كلها من سِيَر أفراد (ص ١٨٩). وأول هؤلاء الأفراد حسداي بن شبروط طبيب الناصر وسفيره، وهو يخالف يعقوب بن كلّس وزير المعزّ الفاطمي في أنه بقي على يهوديته علانيةً ورأساً في جماعته، وقد كتب إلى هيلانة زوجة قسطنطين السابع يطلب حماية يهود الروم (ص ١٩٠). وأبرز هذا النمط، نمط «الحاخام رجل البلاط»، صموئيل بن النغريلة وزير حبّوس وباديس بغرناطة، وقد خرج مع جيوشها، وحفظت أشعاره العبرية والتراجم العربية التي تتقدّمها، أي العناوين التي تذكر مناسبة كل قصيدة، من أخبار الطوائف ما لا يوجد في غيرها. وكان لهما أمثال في بلاطات المريّة وسرقسطة وإشبيلية، تلقّب بعضهم بالوزارة، وقد ابتُذل لقبها في عصر الطوائف، وولي موسى بن عزرا خطة صاحب الشرطة (ص ١٩٠–١٩١).
أمّا اعتماد الحكّام عليهم فمردّه عنده إلى أنّ اليهودي كان أقلّ الرعايا خطراً عليهم وأشدّهم حاجةً إليهم، فهو لا يطمع في الملك، ولا تقف وراءه دولة أو جيش في الجوار كما تقف وراء النصارى، ولا يحميه من العامّة إلا السلطان. وهذا الحلف الطبيعي هو الذي جعل ملوك النصارى أنفسهم يؤثرون اليهود بالمناصب في عهد الاسترداد. ويجمع الفرق بين الذمّيَّين في قوله:
«كان اليهود والنصارى ذمّيين سواء، غير أنّ النصارى كانوا طابوراً خامساً محتملاً، ولم يكن اليهود كذلك» (ص ١٩١)
بقي أنّ الفقه يحرّم ولاية الذمّي على المسلم، وجوابه عن ذلك تنوّعُ الأجناس وصغرُ دول الطوائف وقلّةُ الأكفاء، وأنّ كثيراً ممن بلغ المناصب أسلم فلم تحفظ المصادر اليهودية أسماءهم. ولا يعوّل كثيراً على تهمة التهاون الديني عند ملوك الطوائف، لأنها تُسمع في الغالب في عصر الاسترداد تفسيراً لاهوتياً لسقوط الأندلس (ص ١٩١). وكانت يهودية الوزير سلاحاً في يد خصومه، وقد استعملها وزير زهير صاحب المريّة في دعايته على غرناطة، وانتهى الأمر بسقوط يوسف بن النغريلة سنة ٤٥٩هـ/١٠٦٦م وبثورة العامّة التي أثارتها قصيدة أبي إسحاق الإلبيري، فقُتل الألوف في المذبحة الوحيدة المسجّلة في تاريخ الأندلس، بل يذكر الأمير عبد الله بن بلقين في «التبيان» أنّ يهود غرناطة قُتلوا جميعاً (ص ١٩١–١٩٢، الحاشية ٣).
صميم المقالة الثقافة اليهودية العربية. فقد تعلّم خاصّة اليهود الأدب والعلوم العربية دون علوم الشريعة، وربما درسوا مع المسلمين على شيخ واحد، ثم أنشؤوا «أدباً» يهودياً بالعبرية، فجعلوا عبرية التوراة كفاءً للعربية الفصحى، ونبذوا عبرية الربّانيين وشعر الكنيس، ودرس نحاتهم العبرية بأدوات النحو العربي، وظهر الشعر العبري الدنيوي أول مرة منذ عهد التوراة (ص ١٩٢–١٩٣). وجاء الفتح فيه على يد دوناش بن لبراط تلميذ سعديا الفيومي حين نقل العروض العربي، أي أوزان الشعر، إلى العبرية، فغلبت طريقته ما وضعه مناحيم بن سروق. وهذا عنده أمرٌ اجتماعي قبل أن يكون أدبياً، فهو تبنٍّ لمؤسسة عربية بلسانٍ يحفظ للجماعة تماسكها واعتزازها بنفسها، ويشهد له كتاب موسى بن عزرا «المحاضرة والمذاكرة» (ص ١٩٣). ولم يخلُ ذلك من تردّد، فقد عاب المتديّنون غزل ابن النغريلة، وفي كتاب ابن عزرا ما يشبه الدفاع عن الشعر، ونذر يهوذا اللاوي ترك الشعر ثم رحل إلى فلسطين منكراً ثقافة البلاط (ص ١٩٤). وكان اليهود يكتبون العربية الوسطى، أي عربية الكتابة غير المتقيّدة بالإعراب الفصيح، بالحرف العبري، لأنّ القراءة العبرية أشيع فيهم، وربما وضعوا «القاضي» و«الشريعة» و«القرآن» موضع ألفاظهم الدينية، ولم يكتبوا بالعبرية في الأندلس إلا الشعر والنثر المسجوع (ص ١٩٤–١٩٥).
النهاية عنده جاءت مع الموحّدين، فهم أول من خيّر اليهود بين الإسلام والقتل، قبل فرناندو وإيزابيلا بنحو ثلاثة قرون ونصف، فأسلم بعضهم كابن سهل الإسرائيلي، وهرب كثيرون إلى الشمال، وحمل إبراهيم بن عزرا العلم الأندلسي إلى فرنسا وإنجلترا، ولجأ موسى بن ميمون صبيّاً مع أبيه إلى المغرب، وربما تظاهرت أسرته فيه بالإسلام، ثم رحل إلى فلسطين فمصر، وكتب «دلالة الحائرين» بالعربية و«مشنيه توراه» بالعبرية، وظلّ نموذج الحاخام الأندلسي إلا في ازدرائه الشعر (ص ١٩٥–١٩٦). ثم أعاد اليهود في الممالك النصرانية بناء طبقة رجال البلاط، كيوسف فيريثويل عند ألفونسو السادس وإسحاق بن صادوق عند ألفونسو العاشر وششت بنبنشت في أرغون، وحملوا العربية إلى القرن الثالث عشر وشاركوا في الترجمة إلى اللاتينية ثم إلى القشتالية. وظهرت المقامة العبرية، والمقامة حكايةٌ قصيرة بنثرٍ مسجوع يتخلّله شعر، كـ«كتاب المسرّات» (The Book of Delight) ليوسف بن زبارة، وهي في رأيه عربية الشكل رومانثية الموضوع، ويقرّ بأنّ المقامات العربية الأندلسية لم تُدرس بعدُ دراسةً تسمح بحكم قاطع، ويستثني مقامات يهوذا الحريزي، فقد عادت إلى المقامة العربية الخالصة (ص ١٩٦–١٩٨). وانقطعت الصلة بالعربية في قطلونية وأرغون سريعاً وبقيت في قشتالة أطول، ثم انحدرت منزلة اليهود بعد أواسط القرن الثالث عشر حتى مذابح ١٣٩١م والطرد سنة ١٤٩٢م، ويشير إلى أنّ آخر شاعر عبري في إسبانيا، سعديا بن دنان، كان غرناطياً (ص ١٩٨–١٩٩).
١٠. التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي للموريسكيين
يسلّم هارفي بأنّ القرن الموريسكي فقيرٌ في الفلسفة والأدب الرفيع، وبأنّ طرد ١٦٠٩–١٦١١م محا جماعته من شبه الجزيرة الإيبيرية، ثم يأبى أن يُطوى هذا القرن على أنه عصر انحطاط. ففيه عنده شعبٌ مضطهَد ثبت على هويّته أمام أقوى دول زمانه، وفي إخراجه فصلٌ من قيام إسبانيا دولةً قومية موحّدة، وفي ذكراه ما يطبع نظرة المسلمين إلى دول أوروبا القومية إلى اليوم، صدقت حكايات المفاتيح التي توارثتها الأسر أم كانت أسطورةً حيّة (ص ٢٠١).
الموريسكيون عنده هم المسلمون الذين عُمِّدوا كرهاً، أي أُدخلوا النصرانية بغسل التعميد، وبقوا مسلمين في السرّ. ولذلك ينقد تعريف ليفي بروفنسال في «دائرة المعارف الإسلامية»، وقد جعلهم من بقي من المسلمين بعد أخذ غرناطة في ٢ يناير ١٤٩٢م، لأنه أسقط التعميد وأسقط أنه لم يكن عن اختيار. وتلخّص حالَهم عبارةٌ من إحدى لوائح الاتهام في محاكم التفتيش، وهي محاكم الكنيسة التي تتعقّب من خرج عن عقيدتها:
«هم مسلمون كأهل الجزائر سواءً بسواء» (ص ٢٠٢)
أمّا سنة ١٤٩٢م فليست عنده الفاصل. فالمدجّنون عاشوا في الممالك النصرانية كلها قبلها بقرنين ونصف، وشروط تسليم غرناطة لم تكن إلا تكراراً لما مُنحته مدنٌ كثيرة قبلها؛ وإنما ضاع بسقوطها الضامن الأخير لحقوق المسلمين، لأنّ النصارى كانوا ملزمين باحترامهم ما دام في أيدي مسلمي غرناطة أسرى نصارى (ص ٢٠٢–٢٠٣). والنهاية الحقيقية للإسلام العلني هي مراحل التعميد القسري، في قشتالة ١٥٠١–١٥٠٢م ونبرّة ١٥١٥م وتاج أرغون ١٥٢٥–١٥٢٦م (ص ٢٢٢). ويلاحظ أنّ لفظ «موريسكي» بهذا المعنى لم يشع إلا عند تشريعات ١٥٦٧م، وأنّ الوثائق كانت تقول قبلها «المتنصّرون الجدد من المورو». واللفظ عنده مفارقةٌ تاريخية، بل هو أداةٌ أيديولوجية أيضاً، فمن صُنِّف موريسكياً لا «مورو» صار نصرانياً في نظر القانون ودخل تحت ولاية محاكم التفتيش، فكأنّ اللفظ يصادر على المطلوب في السؤال الجوهري: أكان للمسلمين حقٌّ في دينهم؟ ومع ذلك يستبقيه لرسوخه، حتى في العربية المعاصرة (ص ٢٠٣، ٢٢٣–٢٢٤).
استنجادٌ لم يُجَب
يجمع هارفي ما حاوله الموريسكيون من الاستنجاد بالخارج طوال القرن، ويردّ إخفاقه كله إلى سببٍ واحد، هو أنه لم تكن هناك في المتوسط قوة إسلامية تقدر على أكثر من غارة: كان السعديون ما يزالون يزحفون على الوطاسيين، والحفصيون في انحدار، ولن يبلغ العثمانيون ساحل المغرب إلا بعد ثلث قرن (ص ٢٠٤). فتوجّهوا أولاً إلى المماليك يطلبون ضغطاً دبلوماسياً لا جيوشاً، بأن يهدّدوا نصارى المشرق وطرقَ الحجّ النصراني إلى الأماكن المقدسة. حمل الرسالة ابن الأزرق، قاضي الجماعة بغرناطة، إلى قايتباي (ت ٩٠١هـ/١٤٩٦م) يطلب «استرجاع الأندلس»، وهو عند المقّري كطالب بيض الأنوق، أي طالب ما لا يُنال؛ غير أنّ الملكين الكاثوليكيين، فرناندو وإيزابيلا، أخذا التقارير مأخذ الجدّ، فبعثا سنة ١٥٠١م سفيراً هو الإنساني بيدرو مارتير دي أنغليريا، من أهل النزعة التي أحيت آداب اليونان والرومان. ومن روايته في «السفارة البابلية» (Legatio Babylonica) ومن أخبار ألونسو دي سانتا كروث يستخرج هارفي حجج السفير: أسطورة لُذَرِيق ويُلْيان سنداً لحقّ الاسترداد ودعوى أنّ الثائرين تنصّروا طوعاً بعد أن استحقّوا القتل والتلويح بمدجّني أرغون الآمنين رهائنَ لأمن نصارى الشرق وبأسطول إسبانيا القادر على خنق تجارة الإسكندرية. ويشبّه تعارض الروايتين في من نقض عهد ١٤٩٢م بتعارض الروايتين الإسرائيلية والفلسطينية عن نشأة إسرائيل، وينتهي إلى أنّ السفارة نجحت نجاحاً تامّاً (ص ٢٠٥–٢٠٧).
ثم كانت الاستغاثة المنظومة إلى بايزيد الثاني، وقد حفظها المقّري في «أزهار الرياض في أخبار عياض» ونشرها محمد صوالح ثم جيمس مونرو. يأخذها هارفي وثيقةً لا تمريناً أدبياً، ويؤرّخها بما بعد سفارة بيدرو مارتير لأنها تنكر دعوى التنصّر الطوعي، وبما بعد ١٥٠٠م لأنها تذكر إحراق أهل أندرش في مسجدهم، وهو ما يؤيّده سانتا كروث حين يروي قتل أكثر من ثلاثة آلاف، منهم ستمئة امرأة احتمين بالمسجد (ص ٢٠٧–٢٠٨). ولم يأخذ العثمانيون باقتراح الانتقام من نصارى الشرق، لأنّ نظام الملل، وهو ما أقرّوه لأهل كل دين من رعاياهم من تدبير شؤونهم، كان من أسس قوتهم (ص ٢٠٨).
في آخر القرن أمدّت الجزائر ثوار ١٥٦٨–١٥٧٠م بالسلاح والخبراء، ثم انهار كل أمل بعدها. فاوض موريسكيو أرغون دوقَ لا فورس نائبَ هنري الرابع ووعدوه بأربعين ألف مقاتل، فعاد هنري إلى الكاثوليكية سنة ١٥٩٣م. وشجّعهم الإنجليز في آخر عهد إليزابيث الأولى، فلمّا ماتت سنة ١٦٠٣م عقد خلفها جيمس الأول، صاحب كتابٍ في الحقّ الإلهي للملوك، صلح لندن سنة ١٦٠٤م، ويرجّح هارفي أنّ أسرار المؤامرات سُلِّمت إلى الإسبان. ومات في السنة نفسها أحمد المنصور الذهبي، وكان الجند الموريسكي قد أسهم في فتحه سنغاي سنة ١٥٩١م (ص ٢٢٤، ٢٢٦–٢٢٧). ويشير إلى أحمد بن قاسم الحجري، ترجمان مولاي زيدان وصاحب «ناصر الدين على القوم الكافرين»، ويقرّر أنّ تاريخ السياسة العثمانية تجاههم لم يُكتب كاملاً بعد (ص ٢٢٦–٢٢٨).
فتوى وهران والإسلام السرّي
لم يبقَ أمام المسلمين إلا ثلاثة سبل: تنصّرٌ صادق، أو رفضٌ علني انتهى أمره حين صار التمسّك بالإسلام هرطقةً تلاحقها محاكم التفتيش، أو تنصّرٌ ظاهري مع كتمان الدين، وأصحاب هذا السبيل الأخير هم الموريسكيون. ويشدّد هارفي على أنّ هذا شذوذٌ لا نظير له في تاريخ الإسلام، فجمهور المفتين يوجب الهجرة من دار الكفر، والرخص كصلاة الخوف مؤقّتة؛ أمّا أن تعيش جماعةٌ دينها في الخفاء جيلاً بعد جيل فأمرٌ آخر (ص ٢٠٨–٢٠٩).
لهذا السبيل الثالث جاءت فتوى وهران. استفتى سائلٌ مجهول سنة ١٥٠٣م أو ١٥٠٤م المفتيَ أحمد بن أبي جمعة المغراوي، فأجابه بفتوى مؤرّخة بسنة ٩١٠هـ رخّص فيها في كل شيء تقريباً ما دام الإكراه قائماً: في السجود لصور الكنائس مع النية، والإيماء بدل الصلاة، وشرب الخمر وأكل الخنزير مع اعتقاد نجاستهما، بل في التلفّظ بالكفر مع إنكاره بالقلب، ومن أُكره على سبّ النبي ﷺ نطق اسمه «مامَد» كما ينطقه النصارى ونوى به غيره. وبقيت منها ترجمتان أو ثلاث بالأعجمية مؤرّخة بسنة ١٥٦٣م، عُرفت قبل الأصل العربي، فكثيراً ما أُرِّخت الفتوى بتاريخها خطأً. ويراها هارفي القالب الذي صُبّ فيه إسلام الموريسكيين، ويجد لها تأييداً في مصدر نصراني، هو رواية الكرملي ماركوس دي غوادالاخارا أنّ نبيلاً أقنع مسلمين محاصَرين في أرغون سنة ١٥٢٦م بأن يتعمّدوا ويستبقوا قلوبهم لمحمد ﷺ (ص ٢٠٩–٢١١).
ليست التقية، أي كتمان الدين خوف الأذى، بدعةً، ففي القرآن ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: ١٠٦)، ويورد هارفي تفسير الطبري لها؛ لكنّ أهل السنة قلّما عملوا بها، فكان الموريسكيون أول جماعة كبيرة من المالكية يتوقّف بقاؤها على الكتمان طوال العمر. حصّنتهم الفتوى من التبشير، وعرّضتهم في الوقت نفسه لتآكل تميّزهم، حتى رأى فيهم أهل البلاد الإسلامية بعد الطرد شيئاً أوروبياً مريباً، ومساجدهم الباروكية في تستور، على طراز الكنائس الأوروبية في زمانهم، شاهدٌ على ذلك (ص ٢١١–٢١٢). ويستغرب، وهو يكتب سنة ١٩٩١م، أن يؤثِر المسلمون المعاصرون الفلاسفة والفاتحين على تأمّل هذه التجربة (ص ٢١٢).
أدبٌ سرّي بحروف عربية
أعظم أثر في أدبهم الديني لعيسى بن جابر (Içe de Gebir)، مفتي شقوبية في القرن الخامس عشر، فقد ظلّ كتابه «المختصر السنّي» (Breviario sunní) يُنقل عنه حتى المنفى (ص ٢١٢–٢١٣). كتب الموريسكيون هذا الأدب بـالأعجمية (الألخميادو)، أي بالرومانثية مكتوبةً بالحرف العربي، ولم يعلم به نصرانيّ فيما يعلم هارفي، وكانت محاكم التفتيش تحسب ما تصادره منه مصاحف. والاصطلاح بهذا المعنى حديث يرجع إلى غايانغوس، أمّا «العجمية» في النصوص القديمة فهي الرومانثية المنطوقة، ولا تُذكر إلا حيث يكون في المشهد مسلم (ص ٢١٣). ويرفض القول بأنّ هذا الأدب يرجع إلى القرن الثالث عشر، إذ لا مخطوطة منه من ذلك التاريخ، ويستدلّ بأنّ داريو كابانيلاس أثبت أنّ مخطوطة «المختصر» الوحيدة بالحرف العربي منقولة عن أصلٍ مكتوب بالحرف اللاتيني (ص ٢١٦). وفي وصايا الكتاب تناقض، فهو ينهى عن السكنى في دار الكفر ويأمر بإكرام الجار غير المسلم، ويفسّره هارفي بأنه تكييفٌ للشريعة حفظ الأركان الخمسة وزاد عليها فضائل مدنية لجماعة تعيش بين غيرها (ص ٢١٦–٢١٧).
أبرز من أخذ عنه كاتبٌ مجهول يُعرف بـ«فتى أريبالو» (Mancebo de Arévalo)، يتعمّد الغموض ليصنع لغة إسبانية إسلامية للعبادة. أثبت غريغوريو فونسيكا أنّ من مصادره «الاقتداء بالمسيح» لتوما الكمبيسي بعد أن جُرِّد من نصرانيّته، وأثبتت ماريا تيريسا نارباييث صلةً بين كتابه «التفسيرة» ومقدّمة «لا ثيليستينا» (La Celestina)؛ فعزلة الموريسكيين لم تكن تامّة، وكانوا من إسبانيا مهما أرادوا الانتماء إلى غيرها (ص ٢١٧–٢١٨). ومن كتبه خبر لقائه بالنبيل الغرناطي يوسف بنيغش (Yuce Benegas)، فقد بكى بنيغش أمامه بيع ثلاثمئة عذراء في المزاد، وبكى أبناءه وزوجته الذين فقدهم، وتنبّأ بذوبان المسلمين في النصارى:
«إذا كان ملك الفتح لا يفي بالعهد، فماذا نرجو من خلفائه؟» (ص ٢١٩)
يرى هارفي في بنيغش صورة أرستقراطيةٍ صالحت فرناندو وإيزابيلا، ثم أدركت أنّ عهدهما لا يوثق به (ص ٢٢٠).
من تعميد الأخويّات إلى هدنة جيل
ظلّ مدجّنو تاج أرغون آمنين بعد ١٥٠٢م تحميهم الأعراف المحلية. وبلغ من ذلك أنّ مسلمي نبرّة، حين سرت عليهم قوانين قشتالة سنة ١٥١٥م، لم يهاجروا، بل نزلوا في وادي إبره إلى أرض أرغون فعاشوا مدجّنين في ظلّ الملك نفسه (ص ٢٢٠). ثم جاء التعميد من أسفل لا من التاج، في ثورة الأخويّات (Germanías) ببلنسية سنة ١٥٢١–١٥٢٢م: نصّر الثائرون المسلمين في غانديا برشّهم بمكانس مغموسة في السواقي، وقتلوا في بولوب ستمئة بعد تعميدهم. وحكم اللاهوتيون سنة ١٥٢٥م بأنّ هذا التعميد صحيح وبأنّ من ارتدّ عنه يُقتل (ص ٢٢٠–٢٢١). ويورد من كتاب باراي دي ريمينتشو، فقيه كادريتي، أنّ صديقه الكرملي إستيبان مارتيل بكى على ما فُعل بهم، وأنّ المساجد أُغلقت بعد ثلاثة أشهر (ص ٢٢١–٢٢٢). ثم لم يحدث شيء يُذكر نحو ربع قرن، لأنّ الموريسكيين اشتروا الوقت بالمال، كالخمسين ألف دوقة التي دفعها موريسكيو بلنسية سنة ١٥٢٥م. ويردّ هارفي هذه الهدنة إلى حاجة التاج إلى النقد، وإلى مصلحة كبار الملّاك في أيدٍ عاملة قد تبلغ ثلث سكان بلنسية، وإلى انصراف المبشّرين إلى الأمريكتين (ص ٢٢٢–٢٢٣).
تشريعات ١٥٦٧م وحرب البشرات الثانية
حظر فيليب الثاني بتشريعات سنة ١٥٦٧م العربيةَ واللباس الغرناطي والحمّامات. فكتب فرانثيسكو نونيث مولاي، وهو من أسرة نصرية صارت أرستقراطية نصرانية، دفاعاً غلب فيه بالحجّة وخسر بالنتيجة؛ احتجّ بأنّ في المشرق ومالطة نصارى يتكلّمون العربية، وبأنّ لكل إقليم لباسه، وبأنّ «ليس الثوب هو الذي يصنع الراهب» (ص ٢٢٤). وثار الغرناطيون، وتلقّب قائدهم فرناندو دي بالور بـ«ابن أمية» (Aben Humeya)، فاغتيل بتدبير الخبراء الأتراك، وقُتل خليفته ابن عبّو، وانتصر الإسبان. وبعد ١٥٧٠م فرّقت السلطات الغرناطيين في داخل قشتالة، فحملوا الشقاق إلى جماعات كانت هادئة، وصار هناك منذئذٍ «مسألة موريسكية» واحدة، ويعدّ هارفي هذا التهجير كارثةً بمقياس السلطات نفسها (ص ٢٢٤–٢٢٥). وتردّد النصارى بين مضاعفة التبشير والطرد على مثال طرد اليهود، ولم يقل أحدٌ بنقض التعميد الأول. واقتصر معارضو الطرد على مسائل جانبية، كمصير الأطفال الذين سيُنشَّؤون مسلمين، ولا يرى هارفي في ذلك نفاقاً، بل يراه السبيل الوحيد لإفهام الأغلبية قسوة الطرد (ص ٢٢٥–٢٢٦).
رقائق الرصاص في ساكرومونتي
آخر سبل البقاء ما يسمّيه «التسلّل الروحي». ففي ١٥٨٨م ثم ١٥٩٥م ظهرت في غرناطة الرقائق الرصاصية (libros plúmbeos)، وهي أكثر من عشرين نصّاً على صفائح رصاص بعربية غريبة الخطّ، تزعم أنها من القرن الأول للميلاد وتقدّم نفسها ملحقاً لسفر أعمال الرسل من العهد الجديد، فمنحت كنيسة غرناطة قِدماً كانت تفتقده. ودُعي إلى ترجمتها الترجمان ألونسو دل كاستيو، وهو موريسكي الأصل (ص ٢٢٨). وكانت عربيّتها وحدها دليل زيفها كما نبّه إغناثيو دي لاس كاساس. ونصرانيتها مشذّبة مما يؤذي المسلم، فليس فيها أنّ المسيح ابن الله، بل هو «روح الله»، وللعرب ولغتهم فيها مكانة، وفيها ما بدا تأييداً لعقيدة الحبل بلا دنس، أي أنّ مريم حُملت بها بريئةً من الخطيئة الأصلية. وحُرِّمت سنة ١٦٨٢م وحُبست أصولها في روما، ولا يُعرف غرض مزوّريها، وربما كانوا فريقين متنافسين (ص ٢٢٨–٢٢٩). ويختم هارفي حديثه عنها بقوله:
«فهذه آخر سلسلة الكتب العربية التي كُتبت في الأندلس: أناجيل منحولة نصرانية، كتبها على الأرجح موريسكيّ عمل في الاستخبارات لفيليب الثاني» (ص ٢٢٩–٢٣٠)
الطرد وما بعده
ذنب الموريسكيين الحقيقي عند هارفي وجودهم نفسه، لأنه ينقض فكرة أنّ الإسباني الحقّ لا يكون إلا كاثوليكياً. نضجت سياسة الطرد في تقرير لجنة ليرما وميراندا وغاسبار دي قرطبة (يناير ١٦٠٢م)، لكنّ القرار لم يُتّخذ إلا في ٩ أبريل ١٦٠٩م، وهو اليوم الذي عُقدت فيه هدنة الاثني عشر عاماً مع هولندا. ولا يرى هارفي في تزامن الأمرين مصادفة، فقد فرغ الجند بالهدنة لحراسة الطرد. ومضى التنفيذ إقليماً بعد إقليم، من مرسوم بلنسية (٢٢ أغسطس ١٦٠٩م) إلى مرسوم أرغون (٢٩ مايو ١٦١٠م)، حتى اكتمل سنة ١٦١٤م (ص ٢٣٠). وهذه الدقّة الإدارية عنده من جنس ما صنعه النازيون في تفريغ أحياء اليهود، ومن سجلّاتها أحصى هنري لابير ٢٧٢٬١٤٠ مطروداً حدّاً أدنى، فيقارب العدد ثلث مليون من سكانٍ عدّتهم ثمانية ملايين أو تسعة (ص ٢٣٠–٢٣١). ولم تكن هناك مقاومة مسلّحة إلا في مواضع قليلة، ونجا الناطقون بالقطلونية في أبرشية طرطوشة بحماية كنيستهم (ص ٢٣١، ٢٣٢ ح ١٥).
في المنفى أثبت عبد الجليل التميمي من الأرشيف أنّ الباب العالي أمر بإعانتهم. وأدخلوا في تونس زراعة الزيتون الواسعة، وأقاموا في سلا جمهورية قراصنة. ويعدّ هارفي شكوى الإسبان من اعتداء البدو عليهم نفاقاً، لأنّ حامية وهران كانت تطردهم إلى البرّ بلا زاد (ص ٢٣١–٢٣٢). ويختم بأنّ أسراً في شمال إفريقيا ما تزال تنتسب إلى الأندلس، وتدلّ على أصلها الموريسكي ألقابٌ إسبانية تحملها، مثل كاستيو وبلانكو ونيغرو (ص ٢٣٢).
١١. الأندلس وشمال إفريقيا في أيديولوجيا الموحّدين
منهج فلتشر في قراءة نصوص الموحّدين أنثروبولوجي، تصرّح به في صدر المقالة: أن تُفسَّر النصوص التاريخية بما يُشاهَد اليوم من عادات المجتمع المغربي، بشرط أن تكون الظاهرة متّصلة الوجود من العصر الوسيط إلى الحاضر. وتتّخذ ظاهرتين علامتين على الطبقة البربرية في الثقافة، وهي ما بقي من دين القبائل وعاداتها تحت الإسلام الكتابي: الاعتقاد في السحر والكرامات، والمهدوية، وتعني بها الزعيم الديني السياسي صاحب الخوارق. أمّا اتّصال الأولى فتجمع له شواهد من الميدان ومن الكتب. فهناك مخبرٌ من جنوب غرب المغرب لم يتكلّم غير البربرية حتى السابعة عشرة، يصف فقهاء يجمعون إلى العلم استخراج الكنوز والعلاج وألعاب الخفّة، فهي عند المتعلّمين لهوٌ وعند الأمّيين قوةٌ نالها الفقيه بعلمه. وهناك عرضٌ في ندوة بالمغرب عن «الاستنزال» في وادي درعة، يُدهن فيه كفّ طفل ليرى فيه علاج المريض، وقد روت مؤرّخة مغربية أنها جُرّبت وسيطاً في صغرها. ثم دراسات إدمون دوتيه، وما كتبه أحمد التوفيق عن الوليّ أبي يعزى، فقد جعلت كتب مناقبه كراماته، كعصا موسى، أساسَ قبول دعوته (ص ٢٣٥–٢٣٦). وتبلغ ثقتها بمنهجها أن تقول:
«يقع عبء الإثبات على كل من أراد أن يقول بخلاف ذلك» (ص ٢٣٦)
بهاتين العلامتين تقرأ «أعزّ ما يُطلب» المنسوب إلى مهدي الموحّدين محمد بن تُومَرْت (ت ٥٢٤هـ/١١٣٠م)، ويسمّيه دارسوه «كتاب ابن تومرت». والكتاب محفوظ في مخطوطة باريس (المكتبة الوطنية، عربي ١٤٥١) المنسوخة سنة ٥٧٩هـ/١١٨٣م، بعد موت ابن تومرت بثلاث وخمسين سنة، في عهد أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، ونشره لوسياني سنة ١٩٠٣م بمقدّمة لإجناتس غولدتسيهر، ثم عمّار طالبي سنة ١٩٨٥م (ص ٢٥٣، ح ٤). وأطروحتها أنّ الكتاب مجموعٌ مركّب لا تأليفٌ واحد، وأنّ تناقضاته طبقاتٌ من مراحل مختلفة: نصوص مبكرة من عهد الدعوة في المغرب تثبت المهدوية والكرامات، ونصوص متأخّرة من الطور الأندلسي تُسقط الأولى وتشكّك في الثانية (ص ٢٣٧).
بين غولدتسيهر وهوبكنز
ترفض فلتشر تفسيرين متقابلين. قال غولدتسيهر إنّ ابن تومرت حمل العقيدة الأشعرية، أي مذهب أبي الحسن الأشعري في الكلام، إلى المغرب «كالسيف المسلول من غمده»، فافترض أنّ الموحّدين أسقطوا المرابطين عن اقتناعٍ عقدي، على مثال الإصلاح البروتستانتي والثورة الفرنسية. وهذا عندها افتراضٌ أوروبي المركز، لا يلائم مجتمعاً قَبَلياً انقسامياً، تتوازن فيه القبائل وفروعها بلا سلطة جامعة، ولا تُعقد فيه الأحلاف على دقائق الكلام. وعلى الضدّ منه يرى هوبكنز عقيدة ابن تومرت بلا أهمية، وحركتَه نمطاً مغربياً من الزعيم الملهَم يوحّد قبائل متناحرة إلى حين، فيعجز عن تفسير نجاحها خارج القبيلة، وعن تفسير أثر عشر سنين أو خمس عشرة قضاها ابن تومرت في طلب العلم بالمشرق؛ ثم إنّ سيرة ابن تومرت تشبه سير المصلحين الريفيين في أنحاء العالم الإسلامي، فالظاهرة إسلامية قبل أن تكون بربرية (ص ٢٣٨–٢٣٩).
نموذجها البديل يتّسع لطبقات أنثروبولوجية متعددة في نظام سياسي واحد، لأنّ الأفكار الناجحة يومئذٍ كانت مرنةً تتّسع لبيئات متباينة، وليس ذلك خداعاً كما اتُّهم به ابن تومرت واتُّهم به الفاطميون قبله. فقد قامت دولة الموحّدين على قاعدتين: قبائل مصمودة، وأخصّها هنتاتة، ولها أعرافها التي تطلب المهدوية والكرامات، وأهل المدن المتأثّرون بالعلماء، وهم الذين انتصروا للغزالي الذي أحرق المرابطون كتبه. وكان يجمع الفريقين النقمة على ظلم المرابطين والولاء للتوحيد (ص ٢٣٨–٢٣٩).
المهدي المغربي والإمام الأندلسي
تردّ فلتشر المهدوية إلى نمط الوليّ البربري (agurram)، وهو عند إرنست غلنر أخصّ مؤسسات الحياة الدينية في شمال إفريقيا: مصلحٌ يستند إلى حلفٍ قبلي ودعوةٌ منظّمة تنظيماً هرمياً وخوارق تثبت الزعامة. وتستشهد بقول ابن خلدون إنّ العامّة يطلبون المهدي في أطراف البلاد البعيدة عن سلطان الدولة، وإنّ أكثر متصوّفة عصره ينتظرون ظهوره قريباً. وتستشهد بسلسلة المهديين، من الفاطميين، إذ دعا أبو عبد الله الشيعي قبيلة كتامة لعبيد الله المهدي سنة ٢٨٩هـ/٩٠٢م، إلى مهدي السودان في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ومنهم مهديٌّ صغير ثار في عهد عبد المؤمن نفسه (ص ٢٤٠). ومستند المهدوية في الإسلام حديث أبي داود في الرجل من أهل البيت يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً، وتنبّه إلى أنّ ابن خلدون تشكّك في أحاديث المهدي وقال إنّ القليل منها يسلم من النقد، وإلى أنّه ليس منها شيءٌ في الصحيحين (ص ٢٤١، ٢٥٤ ح ٢١). وتنقل عن ابن القطّان في «نظم الجمان» أنّ عشرةً من أصحاب ابن تومرت بايعوه مهدياً بعد خطبة ألمح فيها إلى هذا الحديث، وأنّ عبد المؤمن قال له إنّ هذه الصفة لا توجد إلا فيه، فهو المهدي (ص ٢٤١).
أوضحُ ما تظهر الطبقتان في نصّين من الكتاب تقابل بينهما. أوّلهما (لوسياني، ص ٢٥٥–٢٥٧) بصوت ابن تومرت نفسه في أشدّ أيام الحرب، جمله قصيرة متقابلة، وفيه أنّ الهجرة إليه واجبة، وأنّ المهدي معصوم لا يُنازَع وأنّ من شكّ فيه كافر وأنّ حكمه باقٍ إلى آخر الدنيا. والآخر فصلٌ في وجوب اعتقاد الإمامة جملةً (لوسياني، ص ٢٤٥–٢٥٤)، تتغيّر فيه اللغة وتغيب أحاديث المهدي، لأنها صارت محرجة بعد أن مضت عشرون سنة على موته ولم تنتهِ الدنيا. فيصير ابن تومرت فيه آخرَ سلسلة من الأئمة المصلحين من آدم إلى أبي بكر وعمر وعلي، آخرَهم زمناً لا خاتمَهم، بلا دجّال ولا ساعة، ويُذكر أبو بكر وعمر لنفي شبهة التشيّع، ولا يبقى من المهدوية إلا أنها «ركن» يسقط السقف بسقوطه، وهذا في رأيها تلميحٌ إلى حاجة الدولة إلى ولاء القبائل. وتنسب هذا الفصل إلى عهد الخليفة الثاني أبي يعقوب يوسف (ص ٢٤٢–٢٤٣).
ثم تلاحظ أنّ العقيدة (ص ٢٢٩–٢٣٩ من طبعة لوسياني)، وعليها بنى دارسون كدومينيك أورفوا صورتهم عن فكر ابن تومرت، خاليةٌ من ذكر المهدي، مع أنّ ابن القطّان يصف كتاباً في رقّ كان ابن تومرت يُحفِّظه أصحابه، وفيه أنّ من لم يطع المهدي كافر. فإمّا أن يكون فصل المهدوية قد نُزع من العقيدة ونُقل إلى موضع آخر عند النسخ، وإمّا أن تكون العقيدة قد جُمعت متأخّرة من الرقّ والمرشدتين وأُسقطت منها المهدوية؛ والترجمة اللاتينية التي صنعها مرقس الطليطلي سنة ١٢١٣م تخلو منها أيضاً (ص ٢٤٣–٢٤٤، ٢٥٥ ح ٣٠). وترجّح أنّ بعض العقيدة من عمل ابن رشد، لأنّ ثبت كتبه في مخطوطة بالإسكوريال يذكر «شرح عقيدة الإمام المهدي»، وإن لم يُعثر على الكتاب (ص ٢٤٤).
الكرامات بين الحكاية والعقيدة والشكّ
يروي خصوم ابن تومرت، كابن أبي زرع المريني وابن الأثير وابن تيمية، أنه دفن أتباعاً أحياء ليشهدوا له من قبورهم، ثم ردمها عليهم. ولا ترى فلتشر في ذلك محض افتراء كما رأى أمبروسيو ويثي ميراندا، وقد نفى كل عجيب إلى ملحقٍ سمّاه «الأساطير»، بل ترجّح أنّ للخبر نواةً من حقيقة: أصواتٌ من القبور صنعها فنّ إلقاء الصوت، فظنّها الأتباع إحياءً للموتى، ثم فسّرها المرينيون، ولهم مصلحة في تشويه من سبقوهم، بالمكيدة والقتل. وتستأنس بما سجّله دوتيه من صوتٍ يخرج من الأرض في مزار «للا تاقندوت» (ص ٢٤٥–٢٤٦). وتذكر أنّ عبد الواحد المراكشي عدّه أول أهل زمانه في خطّ الرمل، وهو ضربٌ من العرافة بخطوط تُخطّ على الرمل، وأنه استقطب من خارج مصمودة رجالاً ذوي صنعة سحرية: كاتبه ملّول بن إبراهيم الصنهاجي الذي يكتب «بالسريانية» والرموز، والبشير الونشريسي الذي تظاهر بالبله ثم خرج في حصار تينمل يزعم أنّ ملكاً علّمه القرآن والموطّأ في ليلة. والبشير هو الذي تولّى «التمييز» الذي قُتل فيه من حُكم بخيانته، ويروي «كتاب الأنساب» أنه رُفع إلى السماء. أمّا عبد المؤمن فقائدٌ وإداري لم يدّعِ الخوارق، ولذلك خفّف المؤرّخون الذين كتبوا لذرّيته من أمر السحر (ص ٢٤٦–٢٤٧). وللعادة سوابق: طالبت كتامة عبيدَ الله المهدي بالمعجزات فكادت دعوته تنهار، وتسمّى ابن القطّ مهدياً بين بربر نفزة في فحص البلّوط في القرن العاشر الميلادي، وكان يستميلهم بالشعوذة، كما يروي ابن حيّان (ص ٢٤٧). ويزيد هذه القرينة وزناً عندها أنّ الإسلام في أوّله مقلٌّ من الخوارق إذا قيس بالمسيحية، فلم يُحيِ النبي ﷺ ميتاً ولم يحوّل ماءً خمراً، وما يُروى له من الخوارق سوى الوحي قليل (ص ٢٤٧).
العقيدة نفسها تبدأ بالمعجزة وتختم بها. ففي فصلها الأخير تمييزٌ بين الأفعال المعتادة وما يُنال بالحيلة والتعلّم والخارق الذي لا يقدر عليه إلا الخالق، كفلق البحر وانقلاب العصا حية وإحياء الموتى وانشقاق القمر. وتستنتج فلتشر أنّ الفصل لا حاجة إليه لإثبات نبوّة موسى أو محمد ﷺ، فقد أثبتها القرآن، وأنه إنما وُضع معياراً لخوارق جديدة هي خوارق ابن تومرت. وتستدلّ على ذلك بصيغة الجمع «الموتى» في موضعٍ يُفرده فيه الباقلاني (ت ٤٠٣هـ/١٠١٣م) فيقول «الميّت»، وبأنّ انشقاق القمر من سورة القمر المتّصلة بالساعة التي يأتي فيها المهدي (ص ٢٤٨–٢٤٩). فبقاء الكرامة بعد زوال المهدوية دليلٌ عندها على أنّ الكرامة أصلٌ في الثقافة البربرية:
«لم تكن المهدوية إلا الصيغة الإسلامية لدور الزعامة الذي منحه العرف البربري للوليّ» (ص ٢٤٩)
تقابل هذا الموقفَ فقرةٌ في أول الكتاب، في أصول الفقه (لوسياني، ص ٤٧–٤٨)، تشبّه العلم بالمعجزة باصفرار الخائف ورعدته عند رؤية الأسد، وتقرّر أنّ تواتر الخبر بوجودها غير العلم بها، وأنّ الرسول لا يملك أن يُلزمنا الإيمان بها. وتقرأ فلتشر الشاهد على أنه يثبت حال الرائي النفسية لا وقوع الخارق، وترى النصّ يخاطب قارئين، فيخفي شكّه عن الساذج ويكشفه للفطن. وتنسبه إلى تحرير سنة ٥٧٩هـ، وترجّح أن يكون لابن رشد، وتضعه في سياق رأي ابن حزم أنّ المعجزات انقطعت بالنبي ﷺ، ورأي الغزالي في «المنقذ من الضلال» أنّ المعجزة قد تكون سبب شكّ لا سبب يقين (ص ٢٤٩–٢٥٠).
البنية العميقة: العقل والأسطورة
صرامة ابن حزم في الفصل بين الإسلام الكتابي الرصين والكهانة تفسّرها فلتشر بخبرة الأندلس الطويلة مع ثورات البربر، وبذكرى مذبحة أهل قرطبة على أيدي الجند البربر في الفتنة (ص ٢٥٠–٢٥١). وترى أنّ التصوّف الأندلسي المبكر يتّصل بالتديّن القبلي البربري. فقد قاد ابن العريف الصنهاجي (ت ٥٣٦هـ/١١٤١م) الاحتجاج في المريّة على إحراق كتب الغزالي، وكانت المدن المحتجّة كلها بربرية إلا المريّة، وهي أقرب مدن الأندلس إلى المغرب. وعدّد ابن العريف في «محاسن المجالس» عشرين كرامة للصوفية، خمسٌ منها من جنس قوى الساحر، ثم جاء ابن عربي (ت ٦٣٨هـ/١٢٤٠م) بعد جيلين فقبل هذه الكرامات في «روح القدس» (ص ٢٥١).
مجموعٌ نُقّح في الأندلس، وتركيبٌ ورثته أوروبا
تنتهي فلتشر إلى أنّ «كتاب ابن تومرت» حُرّر في الأندلس لجيلٍ غير الجيل الذي خاطبه صاحبه، والأرجح أنّ ذلك كان سنة ٥٧٩هـ/١١٨٣م التي أُرّخت بها المخطوطة، يوم كان ابن رشد وابن طفيل في مجلس الخليفة يوسف. وشاهداها ما تقدّم: مهدويةٌ تملأ الأخبار وتكاد تغيب عن الكتاب، وكراماتٌ استمال بها ابن تومرت أتباعه الأوائل، يتّفق على ذلك الموالون له والمعادون، ثم يأتي نصٌّ في صدر الكتاب فيُعفي الناس من الإيمان بها (ص ٢٥٢).
من هنا تمدّ الحكم إلى إسلام الأندلس كله. فالخلاف على الكرامة يرسم الحدّ بين الأسطوري والعقلي، وعلى جانب الأسطورة طبقةٌ بربرية ظاهرة، وقد كان خوف الدولة الأموية من ثوراتها سبباً في أن تميل طوال عمرها إلى إنكار الخوارق أكثر مما مال المشرق. ودليلها أنّ صاعداً الأندلسي (٤١٩–٤٦٢هـ/١٠٢٩–١٠٧٠م) يعدّد في «طبقات الأمم» كثيراً من أهل الرياضيات والفلك والطبّ، وهي علومٌ رعتها الدولة، ولا يسمّي من أهل الإلهيات إلا ثلاثة، أحدهم يهودي. بهذه الضرورة السياسية تعلّل الطابع الفقهي العقلي لإسلام الأندلس قبل القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وهو طابعٌ ورثته رؤية الموحّدين (ص ٢٥٢)، ولا تنفي في حاشيتها أثر الخوف من الدعوة الفاطمية الباطنية منذ ٢٩٧هـ/٩٠٩م (ص ٢٥٧، ح ٦٣).
أمّا ما نضج في عصر الموحّدين فتركيبٌ عندها بين الثقافة البربرية وعقلانية الأندلس: شاعت كرامات الأولياء، ودخل التصوّف في حدود السنّية الأندلسية، فتأصّل به تراث أولياء شمال إفريقيا في الإسلام السنّي (ص ٢٥١). وكانت المعرفة الصوفية، وقد دخلتها عناصر من الأفلاطونية المحدثة، أي فلسفة أفلوطين وأتباعه، هي الواسطة بين العقل والأسطورة، كما في «حيّ بن يقظان» لابن طفيل، من غير أن تُهدم أدوات العقل على نحو ما جرى في التقليد الأشعري بالمشرق. وهي تبرّئ الغزالي في حاشيتها من تبعة ذلك، لأنّ مقصده كان صون العقل والتصوّف معاً (ص ٢٥٢، ٢٥٧ ح ٦٥). هذا الأفق ورثته النصرانية واليهودية في الغرب، فكان من أسباب نهضة القرن الثالث عشر الأوروبي، وبه بقي التياران الصوفي والعقلي حيّين في أوروبا الغربية إلى اليوم، لأنّ الموحّدين أدخلوا مضموناً لا تتّسع له قوالب النقل والتقليد المالكية الجافّة (ص ٢٥٢–٢٥٣).
١٢. أعداءٌ ألدّاء وجيرانٌ لا يُرَون: أهل الشمال في أعين الأندلسيين
أهل الشمال، من قشتاليين وبشكنس وإفرنج، حاضرون بكثرة في كتب الأندلسيين في التاريخ والجغرافيا والأدب، لكنّ العظمة لا يجد في هذا الحضور كله إلا قليلاً ملموساً خارج ما تقتضيه الحرب والسياسة القريبة. ولم تكن المعرفة بهم تنقص الأندلسيين، فقد جاءتهم من العيش مع المستعربين ومن مخالطة الأسرى واللاجئين والجند والتجّار في غرناطة والمريّة ومالقة؛ غير أنها بقيت معرفةً عملية تُتداول شفاهاً، ولم يُؤذن لها بدخول عالم الكتابة (ص ٢٥٩، ٢٦٢). ويردّ العظمة ذلك إلى نزعتين تعملان معاً: كلاسيكيةٍ تُخضع الأدب لقانونٍ من الأنماط المقرّرة، ومشرقيةٍ جعلت النماذج المشرقية جوهرَ الأدب نفسه، وكان ذلك في عصرٍ لم تكن الرواية قد أدخلت فيه الحياة اليومية مجال الكتابة بعد (ص ٢٥٩، ٢٦٢–٢٦٣).
شاهده الأول «نفح الطيب» للمقّري (ت ١٠٤١هـ/١٦٣٢م)، وهو عنده الحصيلة الأخيرة للأدب الأندلسي وديوانُ أنماطه. فالأندلس في هذا الكتاب أندلسٌ متخيَّلة تُستعاد بحنينٍ مضاعف، لأنّ الحنين إليها صيغ في قوالب شعر الحنين المشرقي، وكلام المؤلف فيه لا يعدو فواصل قصيرة بين سلاسل طويلة من المختارات الشعرية. لذلك أمكن للمقّري، ولم يرَ جنان قرطبة ولا غرناطة قطّ، أن يجد في بساتين دمشق ما يذكّره بها، وأن يؤلّف الكتاب بطلبٍ من أصدقاء عرفهم في دمشق (ص ٢٦٠). ويرى العظمة دلالةً في أنّ المجلدات الأربعة الأولى من طبعة إحسان عبّاس ليست إلا مقدّمةً لسيرة لسان الدين بن الخطيب. فابن الخطيب ذاكرةُ المقّري الأندلسية، وسجعُه الديواني المسهب ينقله المقّري مثالاً للروح الكلاسيكية، وقد خلا من سخرية المقامة الأولى ورشاقتها (ص ٢٦١).
«انحسارُ الرؤية أمام النمط هو سِمةُ كلّ كلاسيكية» (ص ٢٦١)
هذا الحكم لا يقف عند «النفح». فشوقي ضيف يرى الشعر الأندلسي كلّه صدىً للنموذج المشرقي، وهنري بيريس يتحدّث عن «طغيان» بغدادي، والموشّح، وهو قصيدةٌ متعددة الأوزان والقوافي نشأت في الأندلس، لم يدخل القانون الأدبي إلا في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي (ص ٢٦٠). والحمراء عند أوليغ غرابار «خلاصة» للعمارة الملكية المشرقية. ورسالة أبي عامر بن غرسية في الشعوبية، أي في تفضيل غير العرب على العرب، كتبها في أواسط القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي لمجاهد العامري وابنه علي إقبال الدولة صاحبَي دانية، فبناها على أنماط الشعوبية البغدادية، والعرب فيها رعاة إبل وأبناء الأَمَة هاجر (ص ٢٦٢).
أمّا المعرفة المكتومة فشواهدها كثيرة. كان محمد بن سعد بن مردنيش (ت ٥٦٧هـ/١١٧٢م) وغيره من الأمراء يحسنون اللسانين. وترك بنو نصر، ملوكاً ورعيّة إلا الجند العرب والقضاة، العمائمَ إلى زيّ القشتاليين، وأخذوا عنهم بعض فنون الحرب، بل أخذوا طريقتهم في قتل قتلة الملوك، فمزّقوا قاتلَ السلطان يوسف بن إسماعيل سنة ٧٥٥هـ/١٣٥٤م ثم أحرقوه، ورأى ابن خلدون في هذا التشبّه أمارةً على غلبة أهل الشمال (ص ٢٦٢). وتدلّ الأسماء في الوثائق الغرناطية من القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، كما درسها لويس سيكو دي لوثينا، على ندرة الأصول العربية في السكان، ومع ذلك غاب هذا الأساس البشري عن المصادر حتى نُوزع في وجود المستعربين بمملكة غرناطة أصلاً (ص ٢٦٢–٢٦٣). فلم يكتب ابن خلدون شيئاً عن إشبيلية ولا عن القشتاليين في سفارته إلى بيدرو القاسي. ولا يكاد ابن الأزرق المالقي (ت ٨٩٦هـ/١٤٩١م) يذكر قشتالة في «بدائع السلك في طبائع الملك»، ولا يذكر بني نصر إلا ثلاث مرات، وأمثلته من أخبار الفرس والروم، وكلامه في الذمّة فقهيٌّ أدبي لا يستفيد من تجربة الأندلس. ورسالة ابن الخطيب في السياسة مثلها، فهي كلام حكيم فارسي يخاطب هارون الرشيد (ص ٢٦٣). والاستثناء كتب الحسبة، لأنها تذكر المنكرات التي يُراد تغييرها فتكشف طرفاً من الواقع؛ وينبّه العظمة إلى أنّ نظرة الكتّاب القشتاليين إلى المورو كانت أشدّ بدائية (ص ٢٦٣).
فما يُقال عن أهل الشمال نعوتٌ جاهزة وأماراتُ غربة، أغلبها ديني؛ «صاحب قشتالة» أو «الأذفونش» يصير «الطاغية» الذي يحلف بآلهته ويؤمّر على جيوشه أحد كلابه المسعورة (ص ٢٦٤). وقوام هذه الصور القلب، أي أن يُجعل الآخر عكس الذات في كل شيء. جعل خصوم ابن غرسية أهل الشمال رعاةَ خنازير غُلفاً، وذمّوا الشُّقرة التي مدحها، مع أنّ ابن حزم يروي أنّ حبّه الأول لجارية شقراء طبع ذوقه في النساء، وأنّ عقب الناصر كانوا شُقراً في الغالب (ص ٢٦٤). وقال المعتمد بن عبّاد إنّ رعي الإبل أحبّ إليه من رعي الخنازير. فلمّا غلب آكلو الخنزير انقلب نظام العالم، فصارت المساجد كنائس كما في نونية أبي البقاء الرندي، واستُحلّت النساء كما في خبر ابن حيّان عن بربشتر سنة ١٠٦٤م (ص ٢٦٤–٢٦٥). ويبدأ هذا الانقلاب في نظر الأندلسيين بفتنة القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، حين انتحل ملوك الطوائف ألقاب الخلافة، كما في بيتَي ابن رشيق في المعتضد والمعتمد، وتحفّ به الأمارات، كالبيت المقفل في طليطلة الذي فتحه لذريق، وقولٍ يُنسب إلى أبي عبد الله محمد الصغير إنّ ما حلّ بالمسلمين سخطٌ من الله تعالى (ص ٢٦٥–٢٦٦). والتاريخ المكتوب سردٌ سياسي عارٍ كما في «أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر». والاستثناء الوحيد ابن خلدون، فقد قال باتّصالٍ بين تاريخ إسبانيا قبل الإسلام وبعده في بناء الدولة والعمارة والطعام والأعياد؛ لكنّ عبقريته عند العظمة فريدة تختم عهداً ولا تفتح آخر، وملاحظاته الإثنوغرافية في «المقدّمة» لا في كتاب التاريخ (ص ٢٦٦).
في القسم الأخير يفرّق العظمة بين الأنماط الإثنولوجية، وهي الصور الجاهزة التي تُلصق بشعبٍ بأكمله، والوصف الإثنوغرافي، وهو ما يسجّله المشاهد من عادات قومٍ بعينهم. في الأدب الجغرافي العربي روائع إثنوغرافية كرحلة ابن فضلان، ومن الأندلسيين إبراهيم بن يعقوب ويحيى الغزال، لكنّ كتابتهم عن جيرانهم تتنازعها حاجةُ الحرب إلى تشويه العدو، كما صُوّر الروم في المشرق، ومقتضياتُ علم الأقاليم (ص ٢٦٦–٢٦٧). فالملاحظات الدقيقة، كعلم البكري بقواعد الزواج عندهم ونذور ملوكهم بالتقشّف، قليلةٌ لا أثر لها في الصورة العامة. والغالب ما يوافق النمط من شؤون الجنس والطهارة والحرب: حرّية النساء وقلّة غيرة الرجال عند الغزال وإبراهيم بن يعقوب وابن دحية، وخبر الصقالبة الذين يطلّقون من يجدونها بكراً، وأهل جليقية الذين لا يغتسلون إلا مرة أو مرتين في السنة بالماء البارد ولا يغسلون ثيابهم حتى تبلى، وقد عمّم القزويني ذلك على الإفرنج كلّهم (ص ٢٦٧–٢٦٨). وأهل جليقية عند المسعودي وإبراهيم بن يعقوب أشجع الإفرنج، يؤثرون الموت على الفرار، فصاروا النمط الجامع للهمجية الشمالية. وليس في الأندلس نظيرٌ لما كتبه أسامة بن منقذ عن الصليبيين (ص ٢٦٨).
تُكمل الأقاليمُ الصورة، وهي الأحزمة السبعة التي قسّم بها الجغرافيون المعمورة من الجنوب إلى الشمال. فشمال الجزيرة عند أكثرهم في الإقليم الخامس، وأهله عند ابن خلدون يأخذون من اعتدال الإقليم الرابع في الخلقة وبعض الترف والتعامل بالذهب والفضة. وفي نصٍّ من «المقدّمة» نشره مبارك رجالة يلمح ابن خلدون انتقالَ ثقل العمران نحو الشمال، والنصّ عند العظمة يحتمل أن يكون إشارةً إلى صعود العثمانيين (ص ٢٦٨–٢٦٩). ويجعل الدمشقي أهل الإقليم الخامس جفاةً بُلداء. ويضع ابن سعيد قشتالة والبرتغال في الإقليم السادس وأرغون في الخامس، وينسب إلى أهلها البياض والشُّقرة حتى المَهَق، أي البياض الشديد الذي لا حمرة فيه، ويجعل الخامس في رعاية الزُّهرة والسادس في رعاية عطارد (ص ٢٦٩).
١٣. خلفية إسلامية لرحلات الكشوف
يرسم الحمداني لدعواه حدودها من البداية: العامل الإسلامي عنده أحد العوامل التي أسهمت في كشف أمريكا، وليس العامل الحاسم. وما ينبّه عليه أنّ دارسي حروب الاسترداد يعرفون بعدها العربي، ودارسي الكشف يعرفون سياقه الأوروبي، وقلّما يجمع أحدٌ بين الأمرين (ص ٢٧٣). وأطروحته أنّ الكشف وُلد في بيئة صليبية وسيطة شغلها الوجود الإسلامي في أوروبا والأرض المقدّسة، وأنّ الإفراط في النظر إلى نتائجه الاقتصادية حجب أسبابه الدينية. فالدافع عنده حربٌ مقدّسة على المسلمين تستعين بعلم العدوّ نفسه، وهو علمٌ وصل إلى أوروبا بالحروب الصليبية وبحركة الترجمة في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر؛ وأمريكا ثمرةٌ لم يقصدها هذا المسعى (ص ٢٧٣، ٢٧٧).
«لا بدّ من ألّا نخلط السبب بالنتيجة» (ص ٢٧٧)
على قرب الحدثين يستدلّ بالمكان والزمان. سقطت غرناطة في ٢ يناير ١٤٩٢م، وكان تأخير الإذن لكولومبوس راجعاً في رأيه إلى انشغال الملكين الكاثوليكيين بحربها، كما قال ابنه فرناندو، ووُقّعت وثائق الرحلة في سانتا في قرب غرناطة (١٢ مايو ١٤٩٢م). واعترف كولومبوس نفسه بمخالطته المورو. والرحلات الأربع كلّها، على قول كينيث نيبنزال، دُبّرت وجُهّزت وانطلقت وانتهت في المثلث الواقع بين بالوس وإشبيلية وقادس، أي في أرض الأندلس (ص ٢٧٣). ويأخذ عن المؤرخ الروسي إفيموف أنّ الكشف عمليةٌ متّصلة لا تُنسب أوّليّتها إلى أحد، وأنّ الوصول إلى أرض مأهولة لقاءٌ بين شعبين أكثر منه كشفاً، ثم يضيف أنّ كولومبوس لم يقصد أمريكا ولا الاستيطان، وإنما طلب طريقاً بحرياً إلى آسيا يتجنّب الشرق الأوسط الإسلامي ويُبطل الطريق القديم (ص ٢٧٤).
المحيط في نظر المسلمين، والرحلات التي سبقت كولومبوس
كان المحيط الأطلسي، أو بحر الظلمات، عند المسلمين جزءاً من البحر المحيط بالأرض، لا يُعرف ما في وسطه ولا أين ينتهي. ويتتبّع الحمداني أسطورة جزيرة أنتيليا معتمداً على بحث كرون. أُطلق الاسم أولاً على شمال غرب إفريقيا، ثم صار جزيرة قريبة في خريطة بيتسيغانو (١٣٦٧م)، ثم ارتحل غرباً فصار «أنتيليا»، وسُوّي بجزيرة المدن السبع التي فرّ إليها نصارى إسبانيا من الفتح الإسلامي في القرن الثامن الميلادي. وذكرها توسكانيلي في رسالته سنة ١٤٧٤م التي بعث بنسخة منها إلى كولومبوس، وسمّى بيري رئيس أمريكا باسمها في خريطته (١٥١٣م). والدلالة التي يستخرجها الحمداني أنّ الكشف كان يحمل في خلفيته هاجسَ ملجأ من المسلمين امتدّ من القرن الثامن إلى أيام كولومبوس (ص ٢٧٤–٢٧٥).
لم يغفل عرب الأندلس والمغرب وصقلية عمّا وراء المحيط، وشاهده أخبار المغامرين: خشخاش القرطبي الذي ركب المحيط مع فتيان من بلده وعاد بغنيمة، كما يروي المسعودي في «مروج الذهب»، وقد ذكر العُذري أنّ خشخاشاً البحري قُتل في قتال المجوس (النورمان) سنة ٢٤٥هـ/٨٥٩م (ص ٢٧٥). ثم يعرض الخلاف في رحلاتٍ مزعومة من إفريقيا إلى أمريكا. قال ليو وينر سنة ١٩٢٠م بأنّ قوم الماندينغ من غرب إفريقيا وصلوا إلى أمريكا الوسطى بقيادة ربابنة عرب، وتبعه تيودور مونو وجيفريز، وأضاف محمد حميد الله سنة ١٩٥٨م شواهد من المصادر العربية المبكرة، ولخّص ريمون موني الجدل سنة ١٩٦٠م. ويردّ الحمداني إهمالَ الغربيين لهذه الأعمال إلى غفلةٍ متمركزة على أوروبا أكثر منه إلى نقضٍ علمي، وينقل عن حميد الله من غير أن يلتزم نتائجه (ص ٢٧٥).
من هذه الشواهد روايتان للشريف الإدريسي. الأولى حملةٌ بعثها علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي (٥٠٠–٥٣٧هـ/١١٠٦–١١٤٢م) إلى المحيط فهلك قائدها. والأخرى خبر المغرّرين الثمانية، وكلّهم أبناء عمّ، خرجوا من الأشبونة ليعرفوا ما في بحر الظلمات وأين ينتهي، فأبحروا أحد عشر يوماً غرباً ثم اثني عشر يوماً جنوباً إلى جزيرة الغنم، ثم إلى جزيرة وجدوا فيها قوماً حُمر البشرة وترجماناً يتكلّم العربية، ثم رجعوا إلى آسفي، وبقي في الأشبونة «درب المغرّرين» (ص ٢٧٥–٢٧٦). يجعل حميد الله هذه الجزائر جزائر الخالدات (الكناري)، ويجيز الحمداني أن تكون ماديرا أو الأزور، ويتساءل عن أولئك الحمر: أكانوا من سكّان أمريكا الأصليين؟ ويرى في الترجمان دليلاً على أنّ العرب سبقوا إلى تلك الجزائر (ص ٢٧٦). والرواية الثالثة عند ابن فضل الله العمري في «مسالك الأبصار»: حكى منسا موسى سلطان مالي، حين نزل القاهرة في طريقه إلى الحج، أنّ سلفه جهّز مئتي سفينة لبلوغ آخر المحيط فلم يرجع منها إلا واحدة، ذكر ربّانها نهراً عظيماً في وسط البحر ابتلع السفن، فجهّز السلطان ألفَي سفينة وخرج فيها بنفسه ولم يعد، فآل الملك إلى منسا موسى (ص ٢٧٦). ويرى حميد الله أنّ النهر هو الأمازون، وأنّ البرازيل سُمّيت باسم قبيلة بني برزال البربرية؛ ويعدّ الحمداني ذلك ظنّاً، لكنه عنده أقرب من سائر ما قيل في أصل الاسم، كردّه إلى ألفاظ النار في لغات أوروبا (ص ٢٧٧؛ ح ١٨ ص ٢٩٥). وفي مقابل ذلك كلّه تبدأ المحاولات الأوروبية بالأخوين فيفالدي سنة ١٢٩١م، ثم بلغ البرتغاليون جزائر الخالدات سنة ١٣٤١م والأزور سنة ١٤٣١م والرأس الأخضر بين ١٤٥٦م و١٤٥٩م (ص ٢٧٧).
جغرافية المسلمين في عقل كولومبوس
يقرّر الحمداني أنّ علماء المسلمين قالوا بكروية الأرض منذ أبي حنيفة إلى أبي الفداء، على ما لخّصه حميد الله، وأنّ جغرافيتهم، وهي بطلمية في أصلها ومشوبة بمؤثرات هندية فارسية، تقسم الأرض سبعة أقاليم، وتجعل لها قبةً، أي مركزاً على خطّ الاستواء تُقاس منه الأطوال، في أُجَّين بالهند، هي قبة أرين (ص ٢٧٨). ويعتمد على كرامرز في تتبّع هذه الفكرة. فقد ذكرها البتاني وابن رسته، ثم انتقلت إلى أديلارد الباثي وجيرارد الكريموني وروجر بيكون وألبرتوس الكبير، ثم إلى كتاب «صورة العالم» (Imago Mundi) للكاردينال بيير دايي (١٤١٠م)، ومنه أخذها كولومبوس وقد تطوّرت عنده حتى ظنّ الأرض على شكل الكمّثرى، وأنّ في النصف الغربي قبةً أعلى تقابل قبة أرين، كما كتب في رسالته إلى الملكة في رحلته الثالثة (١٤٩٨م). ويوافق دنلوب كرامرزَ في أنّ للجغرافيا الإسلامية نصيباً في كشف العالم الجديد (ص ٢٧٨–٢٧٩). والأثر الثاني أدقّ: أخذ كولومبوس عن الفرغاني، عبر كتاب دايي، أنّ الدرجة ستة وخمسون ميلاً وثلثا ميل، فاستنتج أنّ الأرض صغيرة وأنّ البحر بين إسبانيا والهند قصير، وكان قد عرف من ماركو بولو طول الطريق البرّي إلى الصين. ويذكر ابنه فرناندو أنه أخذ قرب إسبانيا من الهند أيضاً من شرح ابن رشد لكتاب «السماء والعالم» (ص ٢٧٩).
ثم يصل الحمداني هذه المعرفة بالغاية الصليبية، فالطريق التجاري الجديد يحرّر أوروبا من الشرق الأوسط الإسلامي. وقد دعا البندقي مارينو سانودو سنة ١٣٢١م البابا يوحنا الثاني والعشرين إلى حصار مصر بحراً حتى تنهار ثم غزوها، وخريطته، على ما يقول كرامرز، من الشواهد القليلة على أخذ النصارى بالتصوّر الإسلامي للعالم (ص ٢٧٩). والهند في لغة العصر لفظٌ مبهم يعني الشرق الواقع وراء بلاد الإسلام، فكانت «مؤسسة الهند» عند كولومبوس أن يبلغ اليابان والصين غرباً ملتفّاً على المسلمين (ص ٢٨٠).
كولومبوس صليبياً
يجمع الحمداني الدوافع في أربعة تصوّرات متشابكة: كروية الأرض وقرب الشرق لمن أبحر غرباً ووجود ملكٍ نصراني في الشرق هو «القسّ يوحنا» أو «الخان الأعظم» يُرجى التحالف معه على المسلمين وتوفّر الوسائل التقنية من سفن سريعة وبوصلة وخرائط. أمّا الذهب والتوابل والرقيق فوسائل لتمويل المسعى لا غايته (ص ٢٧٧). ويتتبّع ثبات هذه الغاية في حياة كولومبوس. ففي حصار بسطة سنة ١٤٨٩م وصلت سفارة من السلطان قايتباي تهدّد بالانتقام من نصارى المشرق وكنيسة القيامة إن لم يُرفع الضغط عن غرناطة، فتطوّع كولومبوس في الجيش؛ ويلاحظ الحمداني ساخراً أنّ بسطة سلّمت صلحاً ولم يقع قتال (ص ٢٨٠). وفي مقدّمة يومياته، كما نقلها بارتولومي دي لاس كاساس، يربط كولومبوس رحلته بسقوط غرناطة وبالخان الأعظم الذي طلب من روما من يعلّمه الدين. ولمّا بلغ كوبا ظنّها الصين، فبعث ترجمانه العربي لويس دي توريس، وهو يهودي متنصّر، رسولاً إلى بلاط الخان، لعلمه بانتشار التجّار والرسل العرب في ممالك المحيط الهندي (ص ٢٨٠–٢٨١).
فلمّا تعذّر لقاء الخان صار ذهب هسبانيولا وسيلةً إلى أخذ القدس مباشرة. وأقوى شواهده ما كتبه كولومبوس في يومياته في ٢٦ ديسمبر ١٤٩٢م، ويشدّد الحمداني على أنه نقلٌ حرفي لا تلخيص، وأنه يُثبت أنّ الغاية سبقت الرحلة وأنّ الملكين شاركاه فيها:
«أعلنتُ لسموّكما أنّ كلّ ما يُربح من مسعاي هذا يُنفق في فتح القدس» (ص ٢٨١)
تعود الغاية نفسها في «كتاب النبوءات» (Book of Prophecies) الذي ألّفه بعد أن أُعيد مقيّداً من رحلته الثالثة، ويرى فيه نفسه المخلّص الإسباني الذي تنبّأ به يواكيم الفيوري. وتعود في رسائله إلى صديقه غوريثيو وإلى البابا إسكندر السادس، وفي رحلته الرابعة (١٥٠٢–١٥٠٣م) وقد صحبه فيها ترجمانان للعربية، ثم في «الرسالة النادرة» (Lettera rarissima) التي كتبها من جمايكا في ٧ يوليو ١٥٠٣م يعد فيها بإعادة بناء صهيون، ويعرض نفسه رسولاً إلى إمبراطور الخطا، أي الصين الشمالية. فالرجل عند الحمداني ثابتٌ على دوره الصليبي في بسطة وهسبانيولا وجمايكا، ولم تكن الأرض الجديدة عنده إلا معبراً إلى نصارى المشرق (ص ٢٨١–٢٨٣).
أدقّ ما يعالجه الحمداني أنّ كولومبوس طلب الخان الأعظم سنة ١٤٩٢م، وكانت أسرة يوان المغولية قد سقطت سنة ١٣٦٨م. وجوابه أنّ خانات من المغول ظلّوا يتلقّبون بالخان الأعظم في منغوليا بين ١٤٣٠م و١٤٨٠م، على ما ذكره هنري سيروي، وأحدهم ماركوركيس (أي القسّ جرجس) حكم بين ١٤٥٤م و١٤٦٤م، واسمه يدلّ على النسطورية، وهي كنيسة المشرق التي انتشرت في آسيا الوسطى. فيرجّح أنّ هؤلاء حافظوا على النصرانية النسطورية، وأنّ رسول الخان الذي لقيه توسكانيلي في فلورنسا كان نسطورياً من قِبَلهم، في زمنٍ حضر فيه النساطرة مجمع فلورنسا (١٤٣٨–١٤٤٥م) (ص ٢٨٤–٢٨٥). ويقدّم لذلك بتاريخ العلاقات المغولية النصرانية، من رحلات كاربيني وغليوم الروبروكي إلى سفارة ربّان صوما إلى البابا نيقولا الرابع، ويختم بأنّ النساطرة بالغوا في تصوير قوّة ملوكهم، فلو بلغ كولومبوس الخطا لوجد الخان «ملكاً صغيراً» لا يغني عنه شيئاً (ص ٢٨٣–٢٨٦).
البرتغال في الطريق إلى مكة
يميّز الحمداني بعد سقوط القسطنطينية سنة ١٤٥٣م بين نهجين صليبيين: نهج البابوية، وغايته القسطنطينية والعثمانيون، ونهج البرتغال، وغايته المماليك ومكة، والتحالفُ فيه مع القسّ يوحنا في الحبشة (ص ٢٨٦). بدأ النهج البرتغالي بالملك دينيس حين عيّن الجنوي مانويل بيسانيا أميرالاً سنة ١٣١٧م. وأنشأ البابا يوحنا الثاني والعشرون رهبنة المسيح ونقل إليها أملاك فرسان الهيكل، وأدارها الأمير هنري الملّاح فأنفق منها على البحر وعلى أخذ سبتة سنة ١٤١٥م. ويستند الحمداني إلى زورارا (١٤٥٣م) الذي عدّد دوافع هنري، وهي الغيرة الدينية والتحالف مع نصارى المشرق ومعرفة مدى قوّة المسلمين والتنصير وقتال المورو، ولا ذكر فيها للذهب ولا للتوابل (ص ٢٨٦–٢٨٧). وهنا يعرض خلافاً صريحاً. يطرح فيتورينو ماغالياينش غودينيو العنصر الصليبي، ويعدّ القسّ يوحنا والتنصير من زخارف المؤرخين، والحمداني ينقل تعقيب جون باري بأنه طرحه باستخفاف (ح ٥٩ ص ٢٩٧).
مع جواو الثاني صار هذا النهج عملاً. أرسل رجلين يتكلّمان العربية، بيرو دا كوفيليا وأفونسو دي بايفا، عبر بلاد المماليك إلى الحبشة وإلى منابع التوابل، وبلغ بارتولوميو دياش رأس الرجاء الصالح (١٤٨٨م)، ثم وصل فاسكو دا غاما إلى ماليندي (١٤٩٨م) حيث أرشده أحمد بن ماجد إلى قاليقوط (ص ٢٨٧). وفي هوية المرشد خلاف يعرضه الحمداني في حاشية طويلة. قطب الدين النهروالي في «البرق اليماني في الفتح العثماني» يسمّي ابن ماجد صراحة، والمصادر البرتغالية تسمّي مرشداً كجراتياً «مالِمو كانا»، أي معلّم، أو نصرانياً بلا اسم؛ ويأخذ الحمداني برواية النهروالي مع غابرييل فيران، ويستدلّ بأنّ تقارير كوفيليا سبقت دا غاما فعرف من يقصد (ح ٦٤ ص ٢٩٧–٢٩٨). ثم أحرق البرتغاليون سفن المماليك في قاليقوط (١٥٠٠م)، وسدّوا مدخل البحر الأحمر حتى لم يصل مصر سنة ١٥٠٤م من التوابل إلا قدر حاجتها، وهزم ألميدا أسطول قانصوه الغوري عند ديو سنة ١٥٠٩م. وأخذ ألبوكيرك غوا وملقا (١٥١١م) وهرمز، ودبّر، على ما في «تعليقات ألبوكيرك الكبير» (The Commentaries of the Great Afonso d'Albuquerque)، حملةً تنزل ينبع لنبش قبر النبي ﷺ ومقايضته بالقدس، والنصّ يخلط مكة بالمدينة، وحلم بتحويل النيل لتجويع مصر (ص ٢٨٧–٢٨٩). وحصّن الأمير حسين الكردي جدّة فأحبط خطّة ألميدا على مكة، ثم أغلق العثمانيون بعد ١٥١٧م البحر الأحمر والخليج في وجه البرتغاليين، كما مهّد صلاح الدين لمواجهة الصليبيين بأخذ مصر الفاطمية (ص ٢٨٨–٢٨٩).
علم الملاحة العربي
يرفض الحمداني أن يكون الإيبيريون قد بنوا خبرتهم البحرية بمعزل عن العرب. فابن ماجد وسليمان المهري، وقد جمع سيدي علي رئيس علمهما في «المحيط»، ورثا تقليداً يعود إلى ثلاثة ربابنة من القرنين الخامس والسادس الهجريين سمّاهم ابن ماجد «الليوث». وتقليدُ المحيط الهندي ثمرةُ أخذٍ وعطاء بين الصين والعالم الإسلامي، ومرّ إلى المتوسط عبر مصر في عهود الفاطميين والأيوبيين والمماليك، كما تشهد وثائق الجنيزة عن التجّار الكارمية، وهم كبار تجّار التوابل في مصر (ص ٢٨٩، ٢٩٢). ويقف عند الكارافيلا، وهي سفينة شراعية خفيفة سريعة. يردّها كوروميناس إلى اللاتينية carabus واليونانية karabos، ويرى أنّ «القارب» دخل العربية من المستعربين، ويردّها بيسينس بيبيس إلى سفينة فرنسية. ويعترض الحمداني بأنّ «القارب» من «قرُب»، قديمٌ في العربية ومستعمل في شرق المتوسط قبل المستعربين، ويحتجّ مع باييستيروس بيريتا بميثاق فيلا نوفا دي غايا البلدي (foral) (نحو ١٢٥٥م)، وهو يصف الكارافيلا سفينةً مغربية الأصل (ص ٢٩٠). والشراع المثلّث عند باري إسهام العرب الخاص في الملاحة، أمّا بيير باريس ولين وايت فقالا بأنّ المتوسط الأوروبي هو الذي أعطاه للمحيط الهندي، ويردّ الحمداني بأنهما أغفلا الشواهد النصّية على الكارافيلا (ص ٢٩٠؛ ح ٨٧ ص ٢٩٩). وفي البوصلة يرى أنّ سبق ذكرها في أوروبا (١١٨٠م عند تايلور) ذكرَها عند المسلمين (١٢٣٢م عند تيبتس) لا يثبت أوّلية، لأنّ الصينيين سجّلوها نحو ١٠٨٦م، فالأرجح أنها عبرت إلى أوروبا عن طريق العرب (ص ٢٩١).
أمّا الخرائط فيقوم الاستدلال فيها على الترجيح. ينقل عن براور أنّ ما رآه ماركو بولو عند الملاحين العرب رهمانجات، أي أدلّة إبحار، لا خرائط بحرية، ويرجّح أنه عرف خريطة الإدريسي، ثم يقول إنه «على يقين» من أنّ كولومبوس وأخاه اطّلعا على خرائط الإدريسي في الأشبونة. ويستند إلى كرامرز في أنّ دقّة سواحل البورتولانات، وهي خرائط السواحل التي يرسمها الملاحون، لا تكون عمل جيل واحد (ص ٢٩٢–٢٩٣). ويختم بخريطة بيري رئيس (٩١٩هـ/١٥١٣م)، وهي أقدم ما بقي من رسم كشوف كولومبوس لأنها نُقلت عن خريطته المفقودة، وبانصراف العثمانيين والإيبيريين عن المواجهة إلى همومٍ أخرى، حتى لم يبقَ من تلك الحماسة إلا أسماء أماكن في أمريكا، مثل ماتاموروس، أي قاتل المورو (ص ٢٩٣).