Rania Adly Nour el-Din · Córdoba, Bride of al-Andalus · A Reader's Companion

المقدّمة وأوائلُ التراجم

القسم الأول

رانيا عدلي نور الدين · عصير الكتب للنشر والتوزيع

دعوى المؤلِّفة في طريقة كتابة التاريخ، ثمّ يحيى بن يحيى الليثي وفتنةُ الربض، ويحيى الغزال وسفارتُه إلى القسطنطينية، وعبد الملك بن حبيب.

ابدأ

ما يغطّيه هذا القسم والبنية التي وُجدت فيه

يبدأ هذا القسم بالمقدمة عند [ص ١٢] وينتهي عند [ص ١٢٠]، وهو يضمّ المقدمة وأربع تراجم كاملة من الباب الأول للكتاب. البنية التي يكشف عنها النصّ نفسه، لا فهرسه وحده، على النحو التالي: مقدمة موقَّعة باسم المؤلفة ومؤرَّخة بـ ٢٠١٩/٢٠٢٠م [ص ١٦]، ثم صفحة عنوان مستقلة تحمل اسم الباب «نجوم أضاءت سماء قرطبة» [ص ١٨]، ثم تراجم أربعة أعلام في ترتيب ثابت: يحيى بن يحيى الليثي «عاقل القضاة» [ص ٢٠–٤٧]، ويحيى الغزال «أبو نواس الأندلس» [ص ٤٨–٧٨]، وعبد الملك بن حبيب السلمي «عالم الأندلس» [ص ٨٠–٩٣]، ومنذر بن سعيد البلوطي «حاكم الحكّام» [ص ٩٤–١٢٠]. وتبدأ الترجمة الخامسة، عباس بن فرناس، في [ص ١٢٢]، خارج حدود هذا القسم. كلّ ترجمة تُستهلّ بحاشية واحدة طويلة تُعدِّد مصادرها ومراجعها دفعةً واحدة، ثم يجري السرد بعد ذلك من غير توثيق في الهامش إلا نادرًا. وداخل كل ترجمة عناوين فرعية صريحة تتكرّر بصيغ متقاربة: «رحلته في طلب العلم»، و«علاقته بالحكام ورجال الدولة وعلمائها»، و«ثناء العلماء عليه»، و«أشعاره»، و«علاقته بطلابه وتلاميذه». وليست هذه العناوين موحَّدة تمامًا بين التراجم: ترجمة الليثي تنفرد بعنوان «معانٍ تُكتب بحروف النور» [ص ٤٣]، وترجمة البلوطي تنفرد بعنوانَي «البلوطي ورسل الإمبراطور» [ص ١٠٢] و«البلوطي والخليفة الناصر» [ص ١٠٧]. وترقيم المطبوع يقلّ بواحد عن ترقيم علامات الصفحات المعتمدة هنا؛ فصفحة العلامة [ص ١٢] تحمل الرقم المطبوع ١١.

المقدمة: دعوى في طريقة كتابة التاريخ

تفتتح المؤلفة بشكوى من طريقة تناول التاريخ لا من مادّته: كثير ممن يتصدّرون للكتابة فيه، في قولها، يسطّرون أحداثه «وكأنها جدار صلب جامد لا يمكن له أن يتغير»، وتُميّز صراحة بين تغيير طريقة العرض وبين التلاعب بالأحداث الذي تسمّيه تزويرًا [ص ١٢]. ثم تضع للكتاب عنصرين معلنين: المتعة، لأن «الروح بطبعها تمل الجمود»؛ والدروس أو العِبَر المستخلَصة من المواقف التاريخية بما يُفيد الواقع المعاصر [ص ١٢–١٣]. وتحدّد موضوع الكتاب بأنه «البعض من الأعلام الذين أضاءوا سماء قرطبة خاصة، وسماء الأندلس والعالم الإسلامي آنذاك عامة»، وتصف قرطبة بأنها أضحت زمن بني أمية عاصمة الأندلس ونافست في عظمتها الحضارية بغداد والإسكندرية والقيروان، وأن الأندلس صارت أحد المعابر الرئيسة لعبور الحضارة الإسلامية إلى أوربا [ص ١٤]. الكتابة هنا في أغلبها إنشائية خطابية موجَّهة إلى «جيل الشباب والفتيات»، بضمير الجمع وبأسلوب المخاطبة المباشرة، وتتخلّلها دعوة القرّاء إلى استخراج عِبَرهم الخاصة ومشاركتها على مواقع التواصل المدرَجة في نهاية الكتاب [ص ١٥]. غير أن المقدمة تنتهي بنقلٍ مسنَد صريح: دعاء طويل تنسبه إلى ابن عذاري صاحب «البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب»، في مجالسة العلماء وفي أن الكتاب عوضٌ عن فقدهم [ص ١٥–١٦]. وتُوقَّع المقدمة باسم «رانيا عدلي نور الدين، باحثة دكتوراه في التاريخ الإسلامي» [ص ١٦]؛ وصفحة الغلاف الداخلي تكتب الاسم «رانيا عديل نور الدين» [ص ٤]، والاختلاف بين الصيغتين على الأرجح من بقايا خلل الاستخراج لا من الكتاب.

يحيى بن يحيى الليثي: الرحلة في طلب العلم

تبدأ الترجمة بنسبٍ ثم بسرد قصصي: أصله من البربر وينتمي إلى مصمودة، وكان سلفه يسكنون طنجة قبل انتقالهم إلى الأندلس أيام الفتح [ص ٢٠]. وشيخه الأول زياد بن عبد الرحمن اللخمي المعروف بـ«شبطون القرطبي»، الذي لفت نظرَه صبيٌّ رثّ الهيئة يجلس إلى حلقته فقال له: «يا بني، إن كنتَ عازمًا على التعلم، فخذ من شعرك، وأصلِح زِيَّك» [ص ٢٠–٢١]. ودعم شبطون تلميذه بالمال أيضًا، فاقترض له ليرحل إلى المشرق [ص ٢٢]. وفي المدينة سمع من مالك بن أنس وهو ابن ثمانٍ وعشرين سنة، وسمع «الموطأ» كلَّه إلا أبوابًا في كتاب الاعتكاف شكّ في سماعها منه فنسبها إلى شبطون [ص ٢٣]. وتذكر المؤلفة شيوخه في رحلته: مالك بالمدينة، وسفيان بن عيينة بمكة، والليث بن سعد وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم وأبو ضمرة أنس بن عياض بمصر [ص ٢٧]. ومنها قصة الفيل: خرج طلبة مالك لرؤيته وبقي يحيى في مجلسه قائلًا «إنما جئت من بلدي لأنظر إليك»، فلقّبه مالك «عاقل الأندلس» [ص ٢٥]؛ وتعود المؤلفة إلى اللقب لاحقًا فتذكر أن محمد بن عمر بن لبابة وصفه به، وقيل إن مالكًا هو من نعته [ص ٤٠]. وتثبت أن له رحلتين إلى المشرق، سمع في الأولى من مالك والليث، وفي الثانية من ابن القاسم [ص ٣٠]، وتستدلّ بحضوره جنازة مالك على «زيف الرواية القائلة» إن يحيى أرسل إليه سفينة تين فوجده قد مات [ص ٢٧].

طريقة الاشتغال في هذا الجزء واضحة المعالم: خبر منقول، ثم استنتاج أخلاقي، ثم إسقاط على الحاضر. فبعد خبر باب الاعتكاف تنتقل المؤلفة إلى فقرات طويلة في السرقات العلمية ورسائل الماجستير والدكتوراه المنقولة حرفيًّا، وفي الباحثين الذين يتّهمون غيرهم بالسرقة قبل الاطلاع [ص ٢٣–٢٥]. وبعد خبر رحلته يعقد قياسًا على الشباب المبتعثين إلى أوربا [ص ٣٠–٣١]. وتستعمل المؤلفة بنية «السؤال / الجواب» بوصفها أداة عرض ثابتة: تطرح سؤالًا بخطٍّ مستقلّ ثم تُجيب عنه بنفسها [ص ٢١، ص ٢٥–٢٦]. وهذه الفقرات إنشاء المؤلفة ووعظها، لا نقلًا عن مصدر.

الليثي في مواجهة السلطة: فتنة الربض وتولية القضاة والوفاة

القسم المعنون «علاقته بالحكام ورجال الدولة وعلمائها» [ص ٣٢] هو أكثف أجزاء الترجمة حدثيًّا. اتُّهم يحيى بالخروج على الأمير الحكم بن هشام، ففرّ من قرطبة متنكّرًا مع أخيه «فتح» نحو باب اليهود؛ ولجأ أخوه إلى صديق من الحراس فقبض عليه وأمر بضرب عنقه أمام يحيى [ص ٣٢]. ثم لجأ إلى بني عمّه من بربر مصمودة بـ«فحص البلوط»، فعزموا على قتله طمعًا في ماله فنجا على حصان إلى طليطلة [ص ٣٢–٣٣]. وأجاره أحد فقهاء طليطلة ورفض تسليمه للأمير، ثم طلب يحيى الأمان فأمّنه الحكم وردّ إليه بيته وماله [ص ٣٣]. وتنقل المؤلفة حوارًا بين الحكم وذلك الفقيه، برّر فيه الفقيه عصيانه بأنه خشي أن يفرّ يحيى «إلى أرض العدو فيعظم طعنهم علينا» [ص ٣٣]. وتعلّق بسؤال بلاغي عن حال العلماء والحكّام اليوم [ص ٣٤]، وهو تعليقها هي لا نصّ مصدر.

ثم تُبنى صورة نفوذه في عهد عبد الرحمن الأوسط: أفتاه بصوم شهرين متتابعين في واقعة نهار رمضان مخالفًا التخيير في مذهب مالك، وعلّل ذلك بأنه «حمله على أصعب الأمور حتى لا يعود» [ص ٣٤–٣٥]؛ وأغضبه قاضٍ كان يقضي برأيه إرضاءً له، فكتب إليه «فاستعفِ من ذلك، فإنه أستر لك، وإلا رفعتُ في عزلك» [ص ٣٥–٣٦]. وهنا تنقل المؤلفة نصًّا مسندًا إلى ابن حيان يفسّر كثرة القضاة في عهد عبد الرحمن بن الحكم باتّباعه رأي يحيى في التولية والعزل [ص ٣٦]، وتنقل تعليق ابن عذاري على وفاته: «فاستراح القضاة من همّه» [ص ٣٧]. وتُدرج فقرة مستقلة عن استقلال القضاء بالأندلس عن السلطة التنفيذية، مستشهدة بلسان الدين بن الخطيب في أن الخلفاء كانوا «منقادين لأحكامهم»، وبشرط الغنى فيمن يتولّى القضاء «خوفًا من أن يميل به الفقر إلى الطمع» [ص ٣٧]. ومع ذلك لم يلِ يحيى القضاء قطّ، ورفض محاولة الأمير إحراجه بإعلان توليته على الناس في المسجد الجامع، فأقنعهم بأن بقاءه خارج المنصب أنفع لهم: «فلو تظلَّمَ الناس من قاضٍ أجلستموني فنظرت لكم في أحكامه» [ص ٣٨–٣٩]. وفي «ثناء العلماء عليه» تتوالى نقول غير مسمّاة الأصحاب في الغالب («فقالوا عنه»، «قيل عنه») مع تسمية القاضي عياض ناقلًا عن إبراهيم بن باز [ص ٤١–٤٢]، ونصّ يقارن انتشار مذهب أبي حنيفة بولاية أبي يوسف القضاء بانتشار مذهب مالك بمكانة يحيى عند السلطان [ص ٤١–٤٢]. وتُختم الترجمة بأقواله المأثورة [ص ٤٣–٤٤]، وبموقف قاسٍ مع تلميذ سخر منه [ص ٤٥]، وبوصف أناقته وتعريفه للزهد [ص ٤٥–٤٦]، ثم وفاته سنة ٢٣٤هـ، وقيل ٢٣٣هـ، عن اثنتين وثمانين سنة [ص ٤٧].

يحيى الغزال: اللقب والنسب واستطراد العصامي والعظامي

تفتتح المؤلفة بأن «الغزّال» لقب لا اسم، قيل لجمال هيئته ورشاقته وقيل لطرافته وظرافته؛ أصله من جيّان واستقرّ بقرطبة، وهو عربي من بكر بن وائل [ص ٤٨]. وتصفه بأنه «عقل جريء، لا يكفّ عن مهاجمة الفقهاء والتحدث عن نفاقهم» [ص ٤٨]. وتورد بيته الساخر من نسبه: «وما نفعتني قطُّ بكرُ بن وائل» [ص ٤٩]، ثم تخرج من البيت إلى استطراد لغوي طويل في معنى العصامي والعظامي، مع بيتَي النابغة الذبياني في عصام بن شهرب، وقول الثعالبي إن إسماعيل بن أحمد الساماني كان يقول: «كُن عصاميًّا ولا تكن عظاميًّا» [ص ٥٠–٥١]. هذا الاستطراد كتابةٌ تعليمية لا سردية، ولا صلة مباشرة له بأخبار الغزّال.

وتنقل عن ابن حيان في «المقتبس» قوله: «كان الغزال حكيم الأندلس وشاعرها وعرَّافها» [ص ٥١]، وتذكر أنه من المعمَّرين، بلغ ما يزيد على أربع وتسعين عامًا وعاصر خمسة من أمراء بني أمية أولهم عبد الرحمن الداخل وآخرهم محمد بن عبد الرحمن [ص ٥١]، ومدح منهم ثلاثة [ص ٥٢]. وتلخّص وصف المؤرخين لشعره بنقلٍ حرفي: «مقتدرًا على الشعر، سلس الطبع فيه… وأكثر شعره محمول على الدعابة والهزل؛ فلذلك خرج بعضه بألفاظ عامية مبتذلة» [ص ٥٧]. ثم تُورد مختارات شعرية مبوَّبة بحسب الغرض: في ذمّ مقابر أهل البلاط المبنية بالصخور [ص ٥٩]، وفي شكوى العمر بعد الستين [ص ٦٠]، وفي الشيب [ص ٦٠–٦١]، وفي فناء الملك وذكر سليمان وداود [ص ٦٢]، وفي زواج الفتاة الصغيرة من الشيخ، وهو ما تسمّيه بلغة العصر «زواج القاصرات» [ص ٦٣]. والاختيار والتبويب من المؤلفة، والأبيات منقولة.

الغزال هاجيًا: الفقهاء ورجال الدولة، وواقعة التحدي

تحت عنوان «علاقة الغزّال بالعلماء والفقهاء ورجال الدولة» [ص ٥٣] تعرض المؤلفة صورة مزدوجة: علماء يستلطفونه اتّقاءَ هجائه، ومنهم عبد الملك بن حبيب السلمي الذي خاطبه بأبيات تُذكّره بأن أجدادهما كانا يدًا واحدة يوم ذي قار [ص ٥٣–٥٤]؛ وآخرون نبذوه ورموه بالزندقة [ص ٥٤]. وبيته السائر «لست تلقى الفقيه إلا غنيًّا / ليت شعري من أين يستغنونا» شاع بين الناس تندّرًا [ص ٥٤]، وكان من نتائجه أن لعنه يحيى بن يحيى الليثي في مجلس جمعهما وسمّاه زنديقًا [ص ٥٥]. وتتجاوز المؤلفة الهجاء إلى ما هو أفحش: أورَدَت أبياتًا بذيئة في نصر الخصي، أحد أقرب رجال الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وفي عباس الطبلي، وذكرت أن نصرًا قطع جزءًا من لسانه، فأمره الطبيب الحرّاني بألا يتناول سوى ألبان الأُتُن أربعين يومًا فجُبِر لسانه [ص ٥٥–٥٦]. وأثبتت النص كما هو، ولم تُعلّق عليه بمثل تعليقاتها الوعظية في المواضع الأخرى.

وتفرد المؤلفة موقفًا تصفه بأنه «جانَبَ فيه الغزّال طريق الصواب»: تحدّى الفقهاء أن يأتي بكلام يعارض سورة الإخلاص، وعكف على ذلك أربعين يومًا ثم عجز وأقرّ، «واعترف من يومها أن القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق» [ص ٥٦–٥٧]. وأُلحقت بالموضع حاشية تعريفية بمحنة خلق القرآن وموقف أحمد بن حنبل وإنهاء المتوكل للمحنة [ص ٥٧]، وهي حاشية شارحة من المؤلفة لا نقلًا موثَّقًا.

سفارة الغزال إلى القسطنطينية

هذا أطول جزء متّصل في ترجمة الغزال [ص ٦٤–٧٨]، وأكثرها اعتمادًا على الأخبار الطريفة. أمره الأمير عبد الرحمن بن الحكم بالخروج على رأس وفد إلى القسطنطينية للقاء ملك الروم «توفيل» بعد زيارة سبقت، ومعه صاحبه يحيى المعروف بـ«المنيقلة» [ص ٦٤]؛ وقد ذُكر الإمبراطور في موضع سابق باسم «تيوفيلوس» إمبراطور بيزنطة، مع ذكر أن السفارة استغرقت ثلاث سنوات وأن نجاحه فيها كان حافزًا لإرساله إلى ملك النورمان في الدنمارك [ص ٥٣]. وحاول الغزّال الاستعفاء بالشعر مرارًا، فأبى الأمير وأعطى أهله وولده القطائع والأموال [ص ٦٤–٦٨]، ثم وقّع له في النهاية راتبًا دائمًا لا ينقطع إلا بموته [ص ٦٩]. وتُثبت المؤلفة القصائد مطوّلة وتُصرّح مرتين بأنها لم تُورِدها كاملة لطولها وتُحيل القارئ إلى المصادر المذكورة في صدر الترجمة [ص ٦٦، ص ٦٨]. وفي مبتدأ الرحلة نظم قصيدته الرائية «على عروض قصيدة لأبي نواس»، مع حاشية توثّق مطلع قصيدة أبي نواس وتُحيل إلى «المقتبس» بتحقيق محمود مكي، ص ٣٥٧–٣٥٩ [ص ٧٠]. وركبوا البحر من ساحل تدمير فهاجت عليهم عاصفة، واختُلف في تمام رحلة المنيقلة معه [ص ٧٠–٧٢].

أما أخبار القسطنطينية فتُعرض متتابعةً بوصفها شواهد على فطنته: خفض الملك ارتفاع الباب ليضطرّه إلى الانحناء، فدخل الغزّال بظهره ثم استقام [ص ٧٢]، فقال الملك لرجاله: «الرسولُ من المُرسِل، وهذا الأندلسي من حكماء الناس ودهاتهم» [ص ٧٣]. وأطال النظر إلى زوجة الملك في مجلسٍ فسُئل، فأجاب بكلام في بهر حسنها وقدرة الله على إبداع الخلق فسُرّ به الملك وزوجته [ص ٧٣–٧٤]. وسألته الملكة عن الختان فأجابها بمثل «الدالية المغترسة إذا زُبِرَت قويت وصلبت» [ص ٧٥]. وعرضت عليه أن يبيت ابنها عنده ويشرب معه، فاعتذر بأن الشراب «لا تسوغه لي ديانتي» [ص ٧٥]. وأدخل كأس الذهب في كمّه محتجًّا بأنها سيرة خلفائهم مع الرسل، فاستحيا الملك وتركه له [ص ٧٦]. وطلب عند وداعه قلادةً لبناته فنزعت الملكة قلادتها وأعطته إياها، وقيل إنها كانت سبب انتقاله من الفقر إلى الغنى [ص ٧٦]. وعند عودته طلب منه الوزير عبد العزيز بن هاشم حِلْية فامتنع، فسجنه الوزير، فدبّر الغزّال أن يُغنّي مغنٍّ بين يدي الأمير بيتين من شعره حتى عُرف مكانه فأُطلق [ص ٧٧–٧٨]. وتُختم الترجمة بتعليق ابن حيان على طول عمره: «والبقاء السرمد للواحد الصمد عزّ وجهه» [ص ٧٨]. وتتخلّل الأخبارَ فقرةٌ من إنشاء المؤلفة تدافع فيها عن إلزام الأمير له بالسفر، وتقرأ سلوك الغزّال في السفارة على أنه إظهار لعزّة الإسلام أمام العدوّ رغم مجونه في بلده [ص ٧٣].

عبد الملك بن حبيب السلمي: العلم والتأليف وثناء المؤرخين وذمّهم

أصله من طليطلة، وانتقل جدّه سليمان إلى قرطبة، وانتقل أبوه وإخوته إلى إلبيرة أثناء فتنة الربض؛ وتُلحق المؤلفة حاشية تعريفية تؤرّخ ثورة الربض بسنة ٢٠٢هـ/٨١٨م وتربطها بفرار يحيى بن يحيى إلى طليطلة [ص ٨٠]. ثم استقدمه الأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة وجعله في طبقة المفتين، فشارك يحيى بن يحيى في المشاورة والمناظرة، وانفرد بالرياسة بعد موته [ص ٨٠]. ومن أخبار طلبه للعلم أن أباه أعطاه ألف دينار وأمره ألا ينفق منها شيئًا إلا في سبيل العلم [ص ٨١]، وأن تلاميذه كثروا حتى كان يخرج من الجامع وخلفه نحو ثلاثمائة طالب، ومنهم ابناه محمد وعبيد الله، وبقيّ بن مخلد، وابن وضّاح، والمغامي [ص ٨١]. وتُروى واقعة الفراسة بمصر حين اختلف قوم في صنعته فقال لهم: «كلكم قد أصاب» [ص ٨٢].

ويُخصَّص عنوان لمؤلفاته [ص ٨٣]، تُعدَّد فيه: «الجوامع»، و«فضل الصحابة»، و«غريب الحديث»، و«تفسير الموطأ»، و«حروب الإسلام»، و«المسجدين»، و«سيرة الإمام في الملحدين»، و«طبقات الفقهاء والتابعين»، و«مصابيح الهدى»، و«فضائل عمر بن عبد العزيز»، و«فضائل مالك»، وأشهرها «الواضحة» في مذهب مالك [ص ٨٣]. وتنقل عن المقري التلمساني قوله إنه رأى في بعض التواريخ أن تواليفه بلغت ألفًا، وأن ابن حبيب نفسه قال: «ألفُ كتاب، وخمسون كتابًا» [ص ٨٣]. وتُفرد فقرة لطبّه: مخطوط بالخط المغربي محفوظ في الخزانة العامة والوثائق برباط الفتح، ورد ذكره في فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية، يجمع أقوالًا في حفظ الصحة وأحاديث وأقوالًا للحارث بن كلدة، وينهى عن السحر والتمائم وعن الجراحة خوف نزف الدم، ويشرح منافع الحجامة ومساوئها، ويوصي بالماء البارد في الحمّى، ويعالج الصداع والجذام، ويسمّي أدوية وعقاقير [ص ٨٤]. وتذكر أن ابن تيمية نقل عنه في «الحسبة» أقوالًا في أحكام السوق والمكاييل والأوزان وتوحيد الأسعار [ص ٨٤–٨٥].

وباب «ثناء العلماء عليه» هنا هو أوضح مواضع النقل المسمّى في القسم كله: نصّ طويل للفتح بن خاقان من «مطمح الأنفس» فيه سجع كثيف [ص ٨٥]، ثم قول محمد بن لبابة: «فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك، وراويها يحيى بن يحيى»، وقول ابن وضّاح، وأحمد بن عبد ربه، وابن الفرضي، وابن سعيد في «المغرب» — وفيه أنه عُرض عليه قضاء القضاة فامتنع [ص ٨٦–٨٧]. وتُوازن المؤلفة ذلك بذمٍّ منقول أيضًا: أنه لم يكن له علم بالحديث يعرف به صحيحه من معتلّه، وأن أكثر رواياته بالإجازة [ص ٨٦، ص ٨٧–٨٨]، مع قول إبراهيم بن المنذر [ص ٨٨]. ثم تُورد دفاعين مسمّيين: دفاع المقري التلمساني عن مسألة الإجازة، ودفاع منذر بن سعيد البلوطي [ص ٨٨–٨٩]. وتفسّر هي الذمّ بالحسد، مستندة إلى قول منسوب إلى «بعض المؤرخين» [ص ٨٨]. وتُختم الترجمة بأشعاره [ص ٨٩–٩٢] وبوفاته عن أربع وستين عامًا، وقيل ثلاث وخمسين، بعلّة الحصى، وبقول سحنون: «مات عالم الأندلس، بل مات والله عالم الدنيا» [ص ٩٣]. ويلاحظ أن مقطوعتَي عاشوراء و«قد طاح أمري» مثبتتان مرتين في صفحتين متجاورتين [ص ٨٩–٩٠]، بصيغتين متقاربتين.

منذر بن سعيد البلوطي: خطبة الزهراء وخطبة وفد الإمبراطور

تُفتتح الترجمة بالنصّ المدوّي قبل أي تعريف بصاحبه: «ما ظننت أن الشيطان — أخزاه الله — يبلغ بك هذا المبلغ… حتى أنزلك منازل الكافرين» [ص ٩٤]، ثم يُكشف أن المخاطَب حاكم. والسياق أن عبد الرحمن الناصر انهمك في بناء الزهراء وفي «الصرح الممرَّد» الذي اتُّخذ لقبّته قراميد من ذهب وفضة، فافتتح البلوطي خطبة الجمعة بآيات سورة الشعراء «أتبنون بكل ريع آية تعبثون» ثم بقوله تعالى «متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى» [ص ٩٤–٩٥]، ثم واجه الناصر بالكلام المذكور. فردّ الناصر: «ماذا تقول؟! كيف أنزلتني منازلهم؟» فاحتجّ البلوطي بآية الزخرف، فسكت الناصر وطأطأ رأسه وبكى، وشكره بعد الخطبة، وأمر «بأن يُنقض سقف القبة، وأن تكون قراميدها ترابًا» [ص ٩٧–٩٨]. وتُحيل المؤلفة القارئ إلى كتابها الآخر «رجال صنعوا التاريخ… التاريخ الأندلسي» للاستزادة عن الناصر [ص ٩٩]، وتُدرج اقتباسًا معاصرًا مسمّى للدكتور مصطفى السباعي في خُلُق النصح للحكام [ص ٩٩]، وخبر عمر بن الخطاب مع الرجل الذي قال له «اتقِ الله» [ص ٩٩]. وهذه الوصلات الثلاث من ترتيب المؤلفة، لا من مصدر أندلسي.

وفي «رحلة البلوطي في طلب العلم» [ص ٩٩] تذكر أنه رحل حاجًّا ومكث بالمشرق نحو عشرين سنة، وأن الحكم المستنصر وصفه بأنه «كان أعلم الناس بخلاف العلماء» [ص ١٠٠]. وتُروى مناظرته لأبي جعفر بن النحاس بمصر في بيت قيس المجنون، وتصحيحه «بانت وبان قرينها»، وما ترتّب عليه من استثقال ابن النحاس له ورفضه إعارته كتاب «العين» للخليل بن أحمد، حتى أعاره إياه أبو العباس بن وَلَّاد [ص ١٠٠–١٠١]. وتُقابل بين ذلك وبين كرم أبي علي القالي صاحب «الأمالي»، الذي لبّى طلب البلوطي بأبيات مقابل أبيات [ص ١٠٢–١٠٣]. ثم يأتي عنوان «البلوطي ورسل الإمبراطور» [ص ١٠٢]: وفد قسطنطين بن ليون حاكم القسطنطينية، والهدية كتاب مصبوغ بلون سماوي مكتوب بالذهب [ص ١٠٣–١٠٤]. وتنقل هنا نصًّا مسمًّى لابن خلدون في وصف المجلس وفي أن الخطباء «بهرهم هول المجلس فوجموا» [ص ١٠٤–١٠٥]. وأُغمي على الفقيه محمد بن عبد ربه الكسنياني الذي كُلِّف بالخطبة، وتوقّف أبو علي القالي بعد الحمد والصلاة، فقام البلوطي فوصل ما ابتدأه [ص ١٠٥]. وتُثبت المؤلفة صدر الخطبة نصًّا، وتوثّقه في الحاشية بالمقري، «نفح الطيب»، ج٢ ص ٣٦٨–٣٧١ [ص ١٠٦] — وهي إحدى الحواشي القليلة داخل متن التراجم. ثم تصرّح بأن الخطبة أطول من أن تُورَد كاملة وأنها آثرت الإحالة إلى مصدرها [ص ١٠٧]، وتنقل ثناء الناصر عليها [ص ١٠٧].

البلوطي قاضيًا: دار الأيتام والاستسقاء والعزل والأخلاق والوفاة

تحت «البلوطي والخليفة الناصر» [ص ١٠٧] تتوالى مواقف القضاء. أراد الناصر شراء دار لإحدى جواريه فتبيّن أنها ملك لأيتام في وصاية البلوطي، فردّ بأن البيع على الأيتام لا يصحّ إلا لوجوه: الحاجة، والوهي الشديد، والغبطة، وليس في الدار حاجة ولا وهي، فإن أعطى أمير المؤمنين ما تستبين به الغبطة أمر بالبيع [ص ١٠٧–١٠٨]. ولما أظهر الناصر العزوف ليتراجع القاضي عن الثمن، أمر البلوطي بهدم الدار وبيع أنقاضها، واحتجّ بآية السفينة في سورة الكهف، فقال الناصر: «نحن أولى من انقاد إلى الحق» [ص ١٠٨–١٠٩]. وفي الاستسقاء أرسل من ينظر حال الخليفة، فوجده مفترش التراب باكيًا، فقال: «إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء»، ثم تلا آية «كتب ربكم على نفسه الرحمة» فنزل المطر [ص ١٠٩–١١٠]. ومع تكرار الإنكار عليه في خطبة الجمعة شكاه الناصر إلى ابنه الحكم وأقسم ألا يصلي خلفه وصلّى خلف أحمد بن مطرف، ثم رفض عزله وقال: «أَمِثْل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه يُعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد؟» [ص ١١٠–١١١]. وتذكر المؤلفة أنه عُزل في النهاية عن خطبة جامع قرطبة وحدها وأُبقي على قضائه «معزَّزًا مكرَّمًا»، وتربط ذلك بشيوع الترف بقرطبة ومجيء زرياب من بغداد وظهور الغناء [ص ١١٢].

وفي «أخلاق البلوطي وسجاياه» [ص ١١٢] تجمع نقولًا في وصفه: «مهيبًا صليبًا صارمًا غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حق ورفع ظلم» [ص ١١٣]، و«كان خطيبًا بليغًا عالمًا بالجدل… وكان مع وقاره التام فيه دُعابة مستملحة» [ص ١١٣]، مع حواشٍ تشرح الألفاظ الغريبة. وتذكر أن ولايته امتدّت من عهد الناصر إلى عهد الحكم المستنصر، وأنه طلب الإعفاء مرارًا فرفض الحكم [ص ١١٣]. وتُورد محاسبته لنفسه: «يا نفس، ما لي أراك تعظين ولا تتعظين، وتزجرين ولا تزدجرين» [ص ١١٤]. ثم بابٌ لأشعاره في الموت والزهد [ص ١١٥–١١٦]. وأهمّ ما في آخر الترجمة نصّ نظري طويل له في العدالة والشهادة: تفاوت العدالة بين طبقات الأزمنة، وأن من غلب خيره شرّه وتنزّه عن الكبائر وجب أن تُعمل شهادته، وأن القضاة إنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر، وأن على القاضي أن يقبل شهادة أماثل أهل البلد وفقهائهم وأصحاب صلواتهم وإلا «ضاعت حقوق ضعيفهم وقويّهم» [ص ١١٦–١١٨]. وتذكر أنه كان يميل إلى المذهب الظاهري لكنه لم يكن يقضي ولا يفتي إلا بمذهب مالك لأنه المذهب المعمول به في الأندلس [ص ١١٩]. وتُختم بدعابته مع السائل في رمضان [ص ١١٩]، وبقول المؤرخين إنه «إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار له ثورة الأسد الضاري» [ص ١٢٠]، ثم وفاته وقد ناهز التسعين [ص ١٢٠].

المصادر وطريقة التوثيق وحال النصّ

نمط التوثيق في هذا القسم موحَّد: حاشية واحدة عند عنوان كل ترجمة تسرد المصادر والمراجع بأرقام أجزائها وصفحاتها، ثم لا يكاد المتن يُوثَّق بعد ذلك. حاشية الليثي تُحيل إلى ابن فرحون «الديباج المذهب»، والخشني «أخبار الفقهاء والمحدثين»، وابن حيان «المقتبس» بتحقيق محمود مكي، والحميدي «جذوة المقتبس»، وابن الفرضي «تاريخ علماء الأندلس»، والمقري «نفح الطيب»، والقاضي عياض «ترتيب المدارك»، وابن سعيد «المغرب»، مع مرجعين حديثين: عبد العزيز سالم «قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس»، وعمر شلبي «عبد الرحمن الثاني (الأوسط)» [ص ٢٠]. وحاشية الغزال تضيف الذهبي «تاريخ الإسلام»، والضبي «بغية الملتمس»، وأبا عبد الله القرطبي «بهجة المجالس»، وسلمى الجيوسي «الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس» [ص ٤٨]. وحاشية ابن حبيب تضيف ابن عذاري «البيان المغرب»، والسيوطي «بغية الوعاة»، والزبيدي «طبقات النحويين واللغويين»، و«مطمح الأنفس» منسوبًا إلى «الإشبيلي»، ومحمد سعيد الدغيل «الحياة الاجتماعية في الأندلس» [ص ٨٠]. وحاشية البلوطي تضيف العُذري «نصوص عن الأندلس»، وياقوت الحموي «معجم الأدباء»، وأبا الحسن النباهي «تاريخ قضاة الأندلس (المرقبة العليا)» [ص ٩٤]. وفي حاشية الغزال يُنسب «البيان المغرب» إلى ابن سعيد [ص ٤٨]، بينما يُنسب في حاشية ابن حبيب إلى ابن عذاري [ص ٨٠] وفي المقدمة إلى ابن عذاري كذلك [ص ١٥]؛ وهو تعارض داخل الكتاب نفسه. وإلى جانب حواشي المصادر نوع ثانٍ من الحواشي: شروح لغوية قصيرة للألفاظ الغريبة، مثل «الأتُن: أنثى الحمار» [ص ٥٦]، و«الدالية: شجرة الكروم» و«زبرت: شذّبت» [ص ٧٥]، و«القراميد» [ص ٩٤]، و«وجموا» و«أُرتِج عليهم» [ص ١٠٥]، و«نعتاض: نستغني عنه» [ص ١١٠].

أما حال النصّ فيجب التنبيه عليه في ثلاثة مواضع. الأول أن أبيات الشعر كثيرًا ما ترد أشطرها معكوسة الترتيب في المستخرَج، فيتقدّم العجز على الصدر؛ ولذلك اقتُصر أعلاه على مضامين المقطوعات وأغراضها دون الاعتماد على ترتيب أشطرها. والثاني أن الآيات القرآنية المقتبسة هي أكثر مواضع النص تضرّرًا، إذ سقطت من رسمها حروف في مثل آيتَي الشعراء [ص ٩٥] وآية القارعة [ص ١١٧]، فأُشير إلى مواضعها ولم تُنقل بحروفها. والثالث أن بيتَي الغزال في إدراكه خمسة من الأمراء يردان مرتين في صفحة واحدة بصيغتين مختلفتين، إحداهما ناقصة [ص ٥٢]، كما تتكرّر مقطوعتان لابن حبيب في صفحتين متجاورتين [ص ٨٩–٩٠]؛ ولم يتّضح من النصّ وحده أهو تكرار في المطبوع أم أثر من آثار الاستخراج. وفي [ص ٣٥] تذكر المؤلفة أنها لم تقف على اسم القاضي المعنيّ، وفي [ص ٨٢] أنها لم تقف على اسم الراوي، وهو تصريح منها بحدود مادّتها لا خللٌ في النص.