Rania Adly Nour el-Din · Córdoba, Bride of al-Andalus · A Reader's Companion

العِلمُ والاختراع

القسم الثاني

رانيا عدلي نور الدين · عصير الكتب للنشر والتوزيع

منذر بن سعيد البلوطي، وعباس بن فرناس واختراعاتُه وتجربةُ الطيران، وبقيُّ بن مخلد ورحلتاه ومحنتُه، والزهراوي والجراحةُ و«التصريف».

ابدأ

ما يغطّيه هذا القسم والبنية التي وجدتها

تقع الصفحات ١٢٠–٢٢٥ من نسخة الـPDF كلُّها داخل الباب الأول من الكتاب، وعنوانه في الفهرس «نجوم أضاءت سماء قرطبة»، وهو باب تراجم لا باب موضوعات؛ أما الباب الثاني «قرطبة جوهرة العالم» فلا يبدأ إلا في صفحة ٢٦٨ فما بعدها، خارج هذا النطاق [ص ٦، ص ٧]. وترقيم المطبوع يقلّ عن ترقيم الـPDF بواحد، فما يسمّيه الفهرس صفحة ١٢١ هو ص ١٢٢ في الملف. وعلى هذا فالنطاق المكلَّف به يضمّ خمس تراجم: خاتمة ترجمة منذر بن سعيد البلوطي (تنتهي ص ١٢٠)، ثم ترجمة عباس بن فرناس كاملة (ص ١٢٢–١٤٢)، ثم بَقِيّ بن مخلد (ص ١٤٤–١٦٦)، ثم الزهراوي (ص ١٦٨–١٨٤)، ثم ابن حزم الأندلسي الذي يبدأ في ص ١٨٦ ويتجاوز حدَّ هذا القسم فينتهي عند ص ٢٣٨، فالنطاق ينقطع في وسط ترجمته. وكلُّ ترجمة تُستهلّ بصفحة عنوان تحمل اسم العَلَم ولقبًا بين قوسين — «رائد التجربة الأولى في الطيران»، «محدث الأندلس»، «الرائد الأول في علم الجراحة»، «فارس المناظرات» — وتسبقها صفحة بيضاء فاصلة (ص ١٢١، ١٤٣، ١٦٧، ١٨٥)، وتنقسم داخليًّا إلى مباحث بعناوين قصيرة تُنهيها المؤلفة بعلامة تشبه القوس. والمؤلفة تعرّف بنفسها في المقدمة بأنها باحثة دكتوراه في التاريخ الإسلامي، وتصرّح بأن منهجها قائم على عنصرين: «المتعة» و«الدروس أو العِبَر» [ص ١٢، ١٣، ١٦]، وهذا المنهج ظاهر في كل صفحة من الصفحات المقروءة: سردٌ لأخبار مأخوذة من مصادر وسيطة مسمّاة في الحواشي، يتخلّله خطابٌ مباشر للقارئ واستخلاصُ عبرة معاصرة.

خاتمة ترجمة منذر بن سعيد البلوطي

تنتهي هذه الترجمة في أول النطاق. تسوق المؤلفة نصًّا للبلوطي في شروط تولية القضاء والتثبّت من حال الشهود، ثم تعلّق عليه بأن القضاء «منصب مختص بالحكم في أحوال الناس» غايتُه تنظيم حياتهم لا التضييق عليهم [ص ١١٨]. وتُثبت له أبياتًا من نظمه في عدم الخوف في الحق لومة لائم، ثم تنتقل إلى وصف طبعه: مع ميله إلى المذهب الظاهري لم يكن يقضي ولا يفتي في الأندلس إلا بمذهب مالك لأنه المذهب المعمول به هناك، وكان كثير الدعابة، وتروي عن ابنه سعيد نادرة السائل الذي مرّ بهم وهم يفطرون في رمضان [ص ١١٩]. وتختم بنقل عن «المؤرخين» بغير تسمية: «كان على متانته وجزالته حسَن الخُلق كثير الدعابة… حتى إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار له ثورة الأسد الضاري»، ثم تذكر أنه بقي على حاله حتى ناهز التسعين وتوفي [ص ١٢٠]. وطريقة العمل هنا نمطيّة لكل ما يليها: نقلٌ مباشر بين علامتَي تنصيص، ثم تعليق وعظيّ. والآية المستشهد بها من سورة العصر في هذه الصفحة مضطربة الرسم في النص المستخرج، وحروفها متداخلة إلى حدّ يصعب معه قراءتها كما هي.

عباس بن فرناس: النسب والصلة بالبلاط وكتاب العروض

تُعرِّفه المؤلفة بأنه عباس بن فرناس بن ورداس، يرجع أصله إلى البربر، وقيل يُنسب إلى المولَّدة وأصله من كورة تاكرنا — وتشرح في الحاشية أن تاكرنا عاصمة مدينة رندة — وأنه وُلد وعاش في قرطبة، وكان مقرَّبًا من الأمير عبد الرحمن الأوسط، غير أن صلته الأوثق كانت بابنه محمد وليّ العهد [ص ١٢٢]. وهذه الترجمة هي أول موضع في النطاق تُثبت فيه المؤلفة حاشية مصادر صريحة: المقتبس لابن حيان بتحقيق محمود مكي، وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي، وجذوة المقتبس للحميدي، ونفح الطيب للمقري [ص ١٢٢]. ثم تنقل ثناء «المؤرخين» عليه بغير إسناد إلى واحد بعينه: «عالمًا مُفنِّنًا فيلسوفًا حاذقًا، وشاعرًا مفلقًا، ومُنجِّمًا مطبوعًا… حسن الاختراع، كثير الإبداع»، و«حكيم الأندلس الزائد على جماعة علمائهم بكثرة الأدوات والفنون» [ص ١٢٢، ١٢٣].

ومن أخبار هذه الترجمة خبرٌ تُسنده المؤلفة إلى راويه: محمد بن عبد الملك بن أيمن، الذي حكى أنه رأى ببغداد رجلًا ظنّه عباس بن فرناس فسأل بعض جيرانه فقيل له إنه أبو عبادة البحتري الشاعر، «فعجبتُ من فرط تشابههما» [ص ١٢٣]. وتُعلّق المؤلفة على الخبر بتساؤل من عندها — لِمَ لم يتحقق الرجل بنفسه؟ — وتجيب بأن ابن فرناس اشتهر عند الناس بالسحر والشعوذة لاختراعاته، فخشي الرجل أن يكون قد سبقه إلى بغداد بسحره [ص ١٢٣، ١٢٤]. وتذكر أنه جمع الفلك والرياضيات والهندسة والكيمياء والطب والصيدلة والعلوم الشرعية والفلسفية واللغة والأدب والشعر، ووظّف بعضها في بعض [ص ١٢٤].

والخبر المحوري في هذا المبحث خبر كتاب العَرُوض للخليل بن أحمد الفراهيدي، ترويه المؤلفة عن الفقيه محمد بن عمر بن لبابة: حمله تجار إلى الأندلس فرُفع إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط، فلم يفهمه هو ولا علماء النحو والفقهاء، حتى صار الكتاب مطروحًا في القصر تعبث به الجواري ويتداعَون بالدعاء عليه: «صيَّر الله عقلك كعقل هذا الذي ملأ كتابه من مفاعيل مفاعيل». فطلبه ابن فرناس فانفتح له ما أُغلق على غيره، وأدرك أن ثمّة كتابًا سابقًا يوضّحه، فأُرسل إلى المشرق فجيء بكتاب «القرش»، وقيل بل طُلب من ابن فرناس أن يذهب لإحضاره [ص ١٢٥]. وكافأه الأمير بثلاثمئة دينار وكسوة، وقيل إنه أبطأ عليه فنظم فيه بيتًا يطلب إلحاقه بديوان أهل العطاء، فأعجب الأمير بشعره وازداد إعجابًا حين تغنّى به زرياب، فأجرى عليه ما يُجري على ندمائه، «رزقًا للشعر وآخر للتنجيم» [ص ١٢٦]. وتُثبت المؤلفة قصيدته في مدح الأمير، ثم تخلص إلى أن الفضل في إدخال علم العروض إلى الأندلس يعود إلى ابن فرناس [ص ١٢٦، ١٢٧].

اختراعات ابن فرناس وتجربة الطيران والاتهام بالزندقة

يبدأ هذا المبحث بجملة تتحدث فيها المؤلفة عن نفسها بصيغة المتكلم: «كانت معرفتي بشأن عباس بن فرناس تتلخص في تجربته في الطيران، ولكن عندما اتجهت إلى البحث عن سيرته هالني كمية الاختراعات التي قام بها» [ص ١٢٨]، وتربط ذلك مباشرة بما تسمّيه «التعتيم» على القدوات. ثم تعدّد: أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وأنتج الزجاج الشفاف الخالص من اللون، وأجرى أول تجربة لإنتاج عدسات الإبصار، وابتكر تقنية لتقطيع الكريستال الصلب بعد أن كان يُرسل إلى مصر، وصمّم أول ساعة مائية عُرفت بالميقاتة أو المنقانة وقدّمها للأمير محمد ونقش عليها أبياتًا من نظمه، وصنع آلة تُعرف بـ«ذات الحَلَق» لرصد حركة الشمس والقمر والكواكب وقدّمها للأمير عبد الرحمن بن الحكم وسطّر عليها شعرًا يذكر فيه بطليموس [ص ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠]. وتتوسّع المؤلفة هنا في مقارنة معاصرة: تجعله في مصافّ مخترعي الكهرباء والسيارة والطباعة والهاتف، وتنتقل من ذلك إلى خطاب عام عن «التعتيم» على أعلام التاريخ الإسلامي وعن سؤال «ماذا قدّمنا نحن لأمتنا وديننا؟»، وتستشهد ببيت «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت» [ص ١٣٠، ١٣١].

أما تجربة الطيران فتُروى في صفحتين: درس أجنحة الطير وشرّحها، وبحث في ثقل الأجسام ومقاومتها وضغط الهواء، وكسا نفسه ريشًا مصنوعًا من الحرير الأبيض لمتانته، وأعلن على الملأ أنه سيطير من قصر الرصافة في ظهر مدينة قرطبة [ص ١٣١]. وفي رواية الوقوع: «مدَّ لنفسه جناحين، وصعد إلى مكان مرتفع بالقرب من الرصافة، وطار في الهواء مسافة بعيدة إلا أنه لم يلبث أن وقع وتأذى»، والسبب أنه لم يصنع له ذيلًا ولم يدرك أن الذيل من عوامل الهبوط الآمن؛ ثم عاود المحاولة وهو ابن ستين عامًا [ص ١٣٢].

وتُتبع ذلك بخبر المحنة: اتهمه بعض فقهاء قرطبة بالكفر والإلحاد والسحر لاشتغاله بالكيمياء والفلك، وعدّوا الطيران تبديلًا لخلق الله، وحرّضوا العامة عليه فضربوه وهو يصلي بجامع قرطبة حتى فقد وعيه، وحُملت شهادات بالزندقة إلى القاضي سليمان بن أسود — منها «سمعته يقول مفاعيل مفاعيل»، و«رأيت الدم يفور من قناة داره» — فاستشار القاضي الفقهاء فلم يجد سبيلًا إلى معاقبته، فأطلق سراحه وحذّر الناس من التعرض له [ص ١٣٢، ١٣٣]. وتذكر أن الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط لما تولى قرّبه وجعله طبيبه الخاص، وتصف عنايته بالطب والصيدلة وتجريبه الدواء على نفسه، وتُدرج فقرة عن استفادة أطباء الأندلس من نباتات البلاد وأعشابها [ص ١٣٣، ١٣٤]. ومن اختراعاته أيضًا آلة تشبه السماء وضعها في بيته، يُخيَّل للناظر إليها أنها أفلاك ونجوم وغيوم وبروق ورعود [ص ١٣٤].

الصداقة التي انقلبت هجاءً، وخاتمة ترجمة ابن فرناس

تخصّص المؤلفة مبحثًا كاملًا لعلاقة ابن فرناس بالشاعر مؤمن بن سعيد. تبدأ بأبيات هجاء نظمها ابن سعيد في «سماء» ابن فرناس، وهي أبيات فاحشة اللفظ تنقلها المؤلفة كما هي، ثم بأبيات مازحه بها ابن فرناس فردّ عليه ابن سعيد بأشدّ منها [ص ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦]. ثم تعود إلى أول العلاقة فتُثبت أبياتًا نظمها ابن سعيد فرحًا بصديقه حين أدرجه الأمير في ندمائه، وتقف عندها وقفة إنشائية طويلة عن «قلب واحد في جسدين» سينقسم [ص ١٣٦، ١٣٧].

وخبر القطيعة تسنده المؤلفة إلى راوٍ مسمّى: محمد بن عتبة الشقّاق، صديق مؤمن بن سعيد. زار ابن فرناس صديقه راكبًا بغلة بلغت الغاية من الهزال، فلما خرج عثرت به البغلة فكاد يسقط، فتبعه ابن سعيد يصفّق ويضحك وقال له وقد تناول قشة من الأرض: «في هذه والله عثرت، وقد بلغ بها الجهد، فأشْبِع وإلا فبِع»، فغضب ابن فرناس وشتمه وقال: «وإلى ها هنا انتهيت بي؟ تنزلني منزلة من يُتهكَّم به؟! لتعلمنّ غِبَّها»؛ ومن يومها تهاجَيا ولم يصطلحا إلى أن ماتا [ص ١٣٨، ١٣٩]. وتلفت المؤلفة إلى أن الراوي كان حين روى الخبر قد جاوز التسعين، وتبني على ذلك استنتاجًا بأن الرجلين كانا شيخين كبيرين لا شابين متهورين [ص ١٣٩]. وتضيف خبرًا آخر عن إسحاق بن سلمة الحبيبي: التقيا على ضفة نهر قرطبة والسفن منحدرة إلى إشبيلية، فناداه ابن فرناس من خلفه فسأله مؤمن كيف عرفه ولم يرَ وجهه، فأجابه: «أنا أعرَفُ بقفاك مني بوجهك» [ص ١٤٠]. وتختم بنقلين عن «المؤرخين» في سبب الفساد ونسبته إلى مؤمن بن سعيد [ص ١٤٠، ١٤١].

وفي خاتمة الترجمة تنتقل المؤلفة إلى الحاضر: تذكر أن وكالة ناسا سمّت فوهات قمرية باسمه، وأن مركزًا فلكيًّا باسمه افتُتح في رندة أصل عائلته، وأن جسر عباس بن فرناس أُنشئ في قرطبة على نهر الوادي الكبير، وفي منتصفه تمثال له مثبَّت به جناحان يمتدّان إلى نهاية الجسر [ص ١٤١]. وهذه هي الإشارة العمرانية الوحيدة الملموسة في هذا النطاق كله، وهي إشارة إلى نُصُب حديث لا إلى أثر قديم. وتذكر أنه قضى حياته في بلاط بني أمية ومات في حياة الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط وقد جاوز الثمانين [ص ١٤٢].

بَقِيّ بن مخلد: الرحلتان إلى المشرق

تفتتح المؤلفة الترجمة بخبر بيعه ثوبه ليشتري أوراقًا وأقلامًا، وبلقبه «المكنسة» لكثرة ما كان يحصّله في كل بلد يحلّ فيه [ص ١٤٤]. وحاشية المصادر في هذه الترجمة هي الأوسع في النطاق: أخبار الفقهاء والمحدثين للخشني، وتاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي، وجذوة المقتبس للحميدي، ونفح الطيب للمقري، وبغية الملتمس للضبي، والصلة لابن بشكوال، ومعجم الأدباء لياقوت، والبيان المغرب لابن عذاري، والمغرب لابن سعيد [ص ١٤٤]. وتذكر أنه وُلد بقرطبة ونشأ بها وأخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ومحمد بن عيسى الأعشى، ثم رحل رحلتين إلى المشرق، مكث في إحداهما عشرة أعوام وفي الأخرى خمسة وعشرين، وسمع بالحجاز ومصر ودمشق وبغداد والكوفة من شيوخ تسمّيهم، وأن عدد من أخذ عنهم قيل مئة وأربعة وثمانون وقيل مئتان وأربعة وثمانون [ص ١٤٥]. وتروي أنه استعان بداود بن عيسى — وتترجم له في الحاشية — على شراء الكتب وجمع الدواوين [ص ١٤٥]، وتذكر التزامه صيام الدهر والحج كل عام في رحلتيه [ص ١٤٦].

وأشهر أخبار الترجمة خبر لقائه بأحمد بن حنبل. تسوقه المؤلفة على لسان بَقِيّ نفسه: سأل فقيهًا ببغداد عن هشام بن عمار الدمشقي ثم عن أحمد بن حنبل فقيل له «ذاك سيدنا وخيرنا وأفضلنا»، فقصد بيته فاعتذر إليه ابن حنبل بأنه ممتحن ممنوع من التحديث، فاقترح عليه بَقِيّ حيلة: أن يأتيه كل يوم في زيّ سائل ينادي بالباب ومعه كاغده ومحبرته، فوافقه؛ فكان يلبس ثيابًا رديئة ويلفّ على رأسه خرقة بالية ويتوكأ على عصا، وكتب عنه في تلك الحال ما يربو على ثلاثمئة حديث، ثم انجلت المحنة فلزم حلقته [ص ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩]. وتُعقّب المؤلفة بسؤال موجَّه: «أين نحن الخلف من جهود السلف؟» [ص ١٤٩]. وتروي خبرين آخرين على لسانه: مسألة النكاح التي خالف فيها أصحابه فأخرج رزمة كتب دوّنها عن مالك وعيّن موضع المسألة منها من حفظه القديم [ص ١٤٩]، وخبره مع محمد بن سحنون بالقيروان حين رأى في بيته كتب أبي حنيفة فأنكر النظر فيها، فأجابه سحنون: «كيف كان يحلّ لنا أن نخطّئه ولم ننظر إلى مذهبه وما يقول؟» [ص ١٥٠، ١٥١]. وتترك التعليق على هذا الأخير للقارئ صراحةً.

ما أدخله بَقِيّ إلى الأندلس، ومحنته، ومؤلفاته وأخلاقه

تعدّد المؤلفة ما انفرد بإدخاله إلى الأندلس: مصنّف أبي بكر بن أبي شيبة، وكتاب «الفقه» للشافعي، و«التاريخ» لخليفة بن خياط وكتابه في «الطبقات»، و«سِير عمر بن عبد العزيز» للدورقي؛ وتضيف في حاشية تصحيحية أن هذا لا يعني أنه أول من أدخل الحديث إلى الأندلس، فأولهم صعصعة بن سلام الشامي [ص ١٥١، ١٥٢]. ثم تروي خبر إنكار أهل الرأي كتاب ابن أبي شيبة وتجريئهم العامة عليه، وكيف أحضر الأمير محمد بن عبد الرحمن الفريقين وتصفّح الكتاب جزءًا جزءًا ثم أمر خازن الكتب بوضعه في المكتبة وانتساخ نسخة له، وأمر بَقِيًّا أن ينشر علمه ومنع أن يتعرض له أحد [ص ١٥٢، ١٥٣]. وتُثبت ثناء بَقِيّ على الأمير محمد: «ما كلمت أحدًا من ملوك الدنيا أكمل عقلًا ولا أبلغ فضلًا» [ص ١٥٣]. ثم تستطرد إلى وزير الأمير هاشم بن عبد العزيز فتصفه بالمكائد والاستبداد، وتروي أسره في ثورة بغرب الأندلس وفداء الأمير له، ثم إساءته إلى المنذر بن محمد وانتقام المنذر منه بعد توليه: سجنه وتعذيبه ثم قتله في الدار التي كان بناها لنفسه، والفتك بأولاده [ص ١٥٣، ١٥٤].

وفي مبحث «محنة ابن مخلد» تنقل المؤلفة نصًّا صريح النسبة إلى «صاحب البيان المغرب»: أن ما جاء به بَقِيّ من علوم وروايات واختلافات فقهية «أغاظ فقهاء قرطبة أصحاب الرأي والتقليد… فحسدوه ووضعوا فيه القول القبيح عند الأمير حتى ألزموه البدعة… داعين إلى سفك دمه» [ص ١٥٥]. وتحكي أنه همّ بالفرار ثم لجأ إلى الوزير هاشم فرفع أمره إلى الأمير، فعُقدت مناظرة ظهر فيها بَقِيّ فأمّنه الأمير [ص ١٥٥، ١٥٦]. وتُتبع ذلك بخبر عن أسلم بن عبد العزيز يفسّر عناية هاشم به مع انعدام سابق صحبة بينهما، وفيه أن بَقِيًّا استخفى عند أمّ أسلم ما بين العشرة أيام والعشرين يصوم النهار ويقوم الليل ولا يأكل لهم شيئًا، «فكانت أمي تقول: إن قومًا يريدون قتل مثل هذا الرجل لقوم سوء» [ص ١٥٧].

وفي المباحث الأخيرة تذكر أن أبرز مؤلفاته «تفسير القرآن» و«مسند النبي»، وتنقل ثناء ابن حزم عليهما: «أقطع أنه لم يؤلَّف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير محمد بن جرير ولا غيره»، ووصفه للمسند بأنه روى فيه عن ألف وثلاثمئة صاحب ونيّف ورتّبه على أبواب الفقه «فهو مسند ومصنف» [ص ١٥٨]. وتضيف قول محمد بن إسماعيل الصائغ حين عُرض عليه جزء من المسند: «ما اغترف هذا إلا من بحر علم» [ص ١٥٨]، وقول صاحب الجذوة، وندم قاسم بن أصبغ على ترك الرواية عنه [ص ١٥٩]. ثم مبحث في علاقته بأساتذته، وفيه خصومة ابنَي يحيى بن يحيى الليثي معه لتقديمه أبا مصعب ويحيى بن بكير على أبيهما في المسند، وحجّته في ذلك بحديثَي «قدّموا قريشًا» و«كبِّر كبِّر» وبأن أباهما لم يسمع «الموطأ» من مالك إلا مرة [ص ١٦٠]. ومبحث في علاقته بتلاميذه، فيه وصيته لهم ألّا يطلبوا العلم في أوقات الفراغ، وخبر التلميذ الذي صعد إليه في صومعة مسجده فقال إنه يريد أن يقتدي به فتهلّل وجهه وقال: «منذ قدمت من المشرق أختم القرآن في كل يوم وليلة شتاءً وصيفًا» [ص ١٦١، ١٦٢]. ومبحث في معاملته العامة: مشيه على قدميه من قرطبة إلى إشبيلية ثم إلى إلبيرة في حاجة رجلين، وسعيه في إطلاق قريب رجل كان قد شهد عليه بالزندقة، وموقفه المركّب من محمد بن وضاح — يحمل عليه ولا يحضر جنازته لو مات، ويمنع مع ذلك من الكلام في عرضه — وخبر المرأة التي أُسر ابنها عند الفرنج فدعا لها فسقط قيده في الساعة نفسها [ص ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥]. وتؤرّخ وفاته بسنة ٢٧٦هـ/٨٨٩م [ص ١٦٦].

الزهراوي: الجراحة والصيدلة و«التصريف»

تفتتح المؤلفة هذه الترجمة بنقل عن المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب»، ثم تسأل: «فمن هو هذا العالم الطبيب، عميد الجراحين الذي كرّمه العالم وغفل عنه أهل حضارته؟» [ص ١٦٨]. وتُعرّفه بأنه أبو القاسم خلف بن العباس الأنصاري الزهراوي، وُلد في قرطبة وفي مدينة الزهراء تحديدًا فنُسب إليها، وتذكر أن عبد الرحمن الناصر بناها وجعلها عاصمة له وأسّس فيها مستشفى [ص ١٦٨]. وتصف نشأته في جوّ علمي جعل قرطبة في مصافّ القيروان والإسكندرية وبغداد، وتذكر أنه كان يخصّص نصف نهاره لعلاج المرضى مجانًا ويدوّن الملاحظات السريرية [ص ١٦٨، ١٦٩]، وأنه تلقّى تعليمه في مستشفى الزهراء [ص ١٧٠].

وتُبنى هذه الترجمة، بخلاف ما قبلها، على شهادات مؤلفين محدثين ومستشرقين أكثر مما تُبنى على المصادر الوسيطة. تنقل عن «كاميل» في كتاب الطب العربي أن الجراحة في الأندلس كانت تتمتع بسمعة أعظم من سمعتها في باريس أو لندن أو إدنبره، وأن ممارسيها في سرقسطة كانوا يُمنحون لقب طبيب جراح بينما لقبهم في أوروبا «حالق جراح» [ص ١٧٠]؛ وعن الدوميلي في «العلم عند العرب» أنه أشهر أطباء الأندلس [ص ١٧١]؛ وعن المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في «شمس الله تسطع على الغرب» فقرة مطوّلة تعدّد فيها أعماله، منها إجراؤه شق القصبة الهوائية على خادمه، وإيقاف النزيف بربط الشرايين الكبيرة قبل أمبرواز باري بستمئة سنة [ص ١٧٦، ١٧٧]؛ وعن ابن أبي أصيبعة في «عيون الأنباء» أنه «طبيب فاضل خبير بالأدوية المفردة والمركبة» [ص ١٧٨، ١٨٢]؛ وعن جورج سارتون في «المدخل إلى تاريخ العلوم» [ص ١٨٠، ١٨٣]؛ وعن جاك ريسلر في «الحضارة العربية» وعن الجراح الفرنسي إميل فورج [ص ١٨٣]؛ ومن المحدثين د. مصطفى شحاته في مقال بمجلة الفيصل الطبية ود. أمين خير الله في «الطب العربي» [ص ١٨٢].

أما الابتكارات فتُعدَّد تعدادًا: ربط الشرايين والأوعية بالخيوط الحريرية لوقف النزيف، وخياطة الجروح بإبرتين وخيط واحد، واستخدام خيوط من أمعاء الحيوان، ووصف طريقة تفتيت حصيات مجرى البول وإخراجها بالكلاليب جزءًا جزءًا، وتطوير جراحة شق القصبة الهوائية — وتذكر أنه أجراها على الماعز وتابع حالته وتوصّل لأول مرة إلى إمكانية التئام الغضاريف — مع تنبيه إلى أن المصريين القدماء ابتكروا هذه الجراحة وأن الإغريق تراجعوا عنها لخطورتها [ص ١٧٢، ١٧٣]. وتضيف تعقيم الآلات بمادة صفراء، والمحقنة الشرجية، وآلة خفض الحرارة، وآلات لعلاج انسداد فتحة البول عند حديثي الولادة، وجراحة صابونة الركبة، وتوسيع باب الرحم، ووصف أوضاع شاذة للجنين، وعمليات البتر، وعلاج الشلل الناشئ عن كسر فقرات الظهر وتسميته «الاسترخاء»، واستئصال ورم اللحمية من الأنف، وأكثر من مئتي مخطط لأدوات طبية، وتصنيف علاج السرطان بالاستئصال التام أو الترك [ص ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥]. وتذكر مسألة «وضع ولرت» وأن الزهراوي سبق إليه ولم يُنسب إليه [ص ١٧٥]. وتصرّح بأنه زاول المهنة في أواخر القرن العاشر وأوائل الحادي عشر الميلاديين أيام الحكم المستنصر وابنه هشام المؤيد [ص ١٧٧].

وفي الصيدلة تذكر أنه بحث في تحضير عقاقير معدنية ونباتية وحيوانية وأعطاها أسماء بخمس لغات: اليونانية والسريانية والفارسية والبربرية والعربية، واعتمد على ديسقوريدس وجالينوس وبولس، وعلى الرازي وابن الجزار وابن جلجل، وأنه أول من استعمل قوالب خاصة لصنع الأقراص الدوائية، وأنه ألّف «أعمار العقاقير المفردة والمركبة» [ص ١٧٧، ١٧٨]. وفي المؤلفات يقع الثقل على «التصريف لمن عجز عن التأليف»، وتصفه بأنه ثلاثون مقالة، وتنقل منه نصًّا طويلًا يشرح فيه الزهراوي سبب إفراد مقالة العمل باليد ويحيل على تشريح جالينوس وقول أبقراط [ص ١٧٩]. وتذكر أن المقالة الثلاثين أشهر فصوله، وأن جيرارد الكريموني ترجمه إلى اللاتينية في طليطلة في أواخر القرن الثالث عشر، وتُثبت تواريخ طبعات وترجمات: البندقية ٨٩٩هـ/١٤٩٥م، وستراسبورغ ٩٣٨هـ/١٥٣٢م، وبال ٩٥٠هـ/١٥٤١م، وأن الكتاب لم يُترجم كاملًا في وقت واحد فظهر جزء العقاقير ٨٧٦هـ/١٤٧١م، والجراحة ٩٠٢هـ/١٤٩٧م، والباطني ٩٢٥هـ/١٥١٩م، وأمراض النساء ٩٧٣هـ/١٥٦٦م [ص ١٧٩، ١٨٠]. وتختم الترجمة بمطلب صريح: أن يُخصَّص في المستشفيات جناح للجراحة باسم أبي القاسم الزهراوي تُوضع تحته نبذة تعرّف به [ص ١٨٤]. والنبرة في هذه الترجمة أكثر مباشرة في الشكوى من «طمس تاريخنا» ونسبة إنجازاته إلى غيره [ص ١٧٥، ١٨١، ١٨٣].

ابن حزم: النشأة والبيت والنكبات

تبدأ الترجمة بقول الفتح بن خاقان: «بنو حزم فتية علم وأدب» [ص ١٨٦]، وحاشيتها أطول حواشي النطاق: نفح الطيب، وجذوة المقتبس، والصلة، ومعجم الأدباء، ووفيات الأعيان، وطوق الحمامة، ثم عدد من الدراسات الحديثة ورسائل ماجستير من جامعة أم القرى [ص ١٨٦]. وتنقل وصفًا مسجوعًا له: «رجل في أمّة، وأمّة في رجل، فهو مفسر مع المفسرين، ومحدّث مع المحدثين…» [ص ١٨٧]. وتؤرّخ مولده سنة ٣٨٤هـ/٩٩٤م بقرطبة، وتنقل عن تلميذه صاعد الأندلسي تحديد الموضع والوقت: «وُلدت بقرطبة في الجانب الشرقي من ربض منية المغيرة، قبل طلوع الشمس وبعد سلام الإمام من صلاة الصبح، آخر ليلة من شهر رمضان» [ص ١٩٠]. وتعرض الخلاف في نسب أسرته بين العربي والفارسي وتصرّح بأن ذلك لا يعنيها، وتذكر أن جده الثاني خلفًا دخل الأندلس مع عبد الرحمن الداخل، وأن أصل الأسرة من قرية «منت ليشم» في مقاطعة ولبة جنوب غرب الأندلس [ص ١٨٧، ١٨٨، ١٩٠].

وتُفرد صفحات لأبيه أحمد بن سعيد: وزير المنصور بن أبي عامر ثم ابنه المظفر، وصفه ابن بشكوال بأنه «من أهل العلم والأدب والخبر، وكانت له في البلاغة يد قوية»، ونقلت له وصية شعرية لابنه، ونقلًا عن «المؤرخين» أنه «بنى بيت نفسه» بالخلال الفاضلة ورجاحة العقل [ص ١٩٠، ١٩١، ١٩٣]. وتقف طويلًا عند تربيته على أيدي النساء والجواري في قصر أبيه، وتُثبت قول ابن حزم نفسه: «لقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري؛ لأني رُبّيت في حجورهن… وهنّ علمنني القرآن وروَّينني كثيرًا في الأشعار، ودرَّبنني على الخط» [ص ١٨٨]. وتُتبع ذلك بمقارنة مطوّلة بواقع تربية الأبناء اليوم وبالمربيات [ص ١٨٩، ١٩٣، ١٩٤]. وتذكر أن أباه وجّهه إلى أبي علي الحسين الفاسي، وأنه كان يصطحبه وهو ابن ثلاث عشرة إلى مجالس العامة [ص ١٩٤].

ثم تسرد النكبات متتابعة: أخوه أبو بكر مات في طاعون قرطبة سنة ٤٠١هـ وله اثنتان وعشرون سنة، ووالده مات غمًّا سنة ٤٠٢هـ، وجاريته «نُعَم» ماتت سنة ٤٠٣هـ وسنّه دون العشرين — وتُثبت وصفه لها ولفجيعته فيها: «فأقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي… فوالله ما سلوت حتى الآن» — ثم انتهاب جند البربر منازل قرطبة وخروجه إلى المِرْية في أول محرم ٤٠٤هـ، وتنقل قوله: «وغابت عن بصري بعد تلك الرؤية الواحدة ستة أعوام أو أكثر» [ص ١٩٦، ١٩٧، ١٩٨]. وتُعقّب بفقرة عامة عن أن أهل العلم «أرقّ الناس قلوبًا» [ص ١٩٨].

ابن حزم: طلب العلم، والمذهب الظاهري، والرحلات

تذكر أن أول سماعه كان قبل سنة ٤٠٠هـ وأول شيخ سمع منه ابن الجسور، وتترجم له في الحاشية [ص ١٩٩]. ثم انصرافه إلى الفقه ببلنسية في أواخر ٤٠٧هـ وأوائل ٤٠٨هـ على ابن دحون [ص ٢٠٠]. وتروي على لسانه سبب توجهه إلى الفقه: حضوره جنازة رجل من أصحاب أبيه، وجهله بحكم تحية المسجد وهو ابن ستة وعشرين عامًا، ثم صلاته إياها في غير موضعها، فضاقت نفسه فقصد ابن دحون فدلّه على «الموطأ»، فبدأ به وتابع ثلاثة أعوام ثم ابتدأ المناظرة [ص ٢٠٠، ٢٠١]. وتَعرض تحوّله من المالكي إلى الشافعي ثم إلى القول بالظاهر، وتعلّل صدوده عن المالكية بما رآه «من مساوئ كبار علمائه؛ إذ كانوا يتقربون للحكام» [ص ٢٠٢، ٢٠٣]. وتُلخّص ثلاثة معالم للمذهب الظاهري بنصوص من ابن حزم: حمل اللفظ على ظاهره مع مسوّغَين للعدول (نصّ آخر أو إجماع صحيح)، وإبطال القول بالرأي، ورفض التقليد؛ وتنبّه على أن ابن حزم وأهل الظاهر لا يعدّون أنفسهم أصحاب مذهب [ص ٢٠٣، ٢٠٤].

وتروي مناظرته مع أبي الوليد الباجي والجواب المشهور: «تعذرني فإن أكثر مطالعتي كانت على سُرج الحراس» — وتشرح في الحاشية أن سُرج الحراس مصابيح من يطوفون ليلًا — فردّ ابن حزم: «وتعذرني أيضًا فإن أكثر مطالعتي كانت على منائر الذهب والفضة»، مع رواية ثانية للموقف وجوابٍ آخر، وتُتبعه بثناء ابن حزم على الباجي [ص ٢٠١، ٢٠٢]. وفي مبحث الرحلات تذكر أنه لم يرحل خارج بلاد المغرب على عادة الأندلسيين، وتعدّد تنقلاته: من شرق قرطبة إلى غربها سنة ٣٩٩هـ، والمِرْية سنة ٤٠٤هـ، ثم شاطبة، ثم القيروان، ثم جزيرة ميورقة حيث لقي الباجي وجرت بينهما مناظرات، ثم إشبيلية حيث أُحرقت كتبه ومُزّقت علانية، ثم رجوعه إلى قرية أجداده من بادية لبلة حيث بقي ينشر العلم إلى أن توفي [ص ٢٠٥، ٢٠٦]. وتناقش قول الأندلسيين في ترجمة العالم «ولم تكن له رحلة»، وتردّ الاستغناء إلى ازدهار الأندلس العلمي واستقلال شخصيتها [ص ٢٠٧].

ابن حزم: البيئة العلمية، والآثار، والصفات، والمناصب

تصف الحياة العلمية في عصر ملوك الطوائف بأنها نهضت وازدهرت رغم سوء السياسة، وتذكر أبا عمر بن عبد البر وأبا الوليد الباجي، وأثر حركة الترجمة في كتابَي المنطق و«الفِصَل»، وترجع الفضل إلى عبد الرحمن الناصر الذي حكم نحو خمسين سنة وإلى ابنه الحكم المستنصر، وتصف عادته في التعليق بخطه على كتب خزانته [ص ٢٠٨]. وتنقل عن ابن خلدون أن هذه الكتب بقيت بقصر قرطبة إلى أن بِيع أكثرها في الفتنة البربرية وأمر بإخراجها الحاجب «واضح»، ونُهب ما بقي، وتؤرّخ فتن قرطبة بين ٣٩٩هـ و٤٠٣هـ [ص ٢٠٨، ٢٠٩].

وفي علومه وآثاره تنقل ثناء تلميذه صاعد وثناء الذهبي، وقول ابن بسّام في «الذخيرة» عن مجالسه في الملل والنِّحَل، وتذكر «الفِصَل في الملل والأهواء والنحل»، وتُثبت من «المحلى شرح المجلى» قوله: «وإنما كتبنا كتابنا هذا للعامّي والمبتدئ وتذكرة للعالم» [ص ٢٠٩، ٢١٠، ٢١١]. وتذكر عدد مؤلفاته نقلًا عن صاعد بن أحمد عن ابن ابن حزم الفضل المكنّى أبا رافع: نحو أربعمئة مجلد تشتمل على نحو ثمانين ألف ورقة، وُصفت بأنها تعادل حِمل بعير، مع تعقيب صاعد بأن ذلك لم يُعلم لأحد في دولة الإسلام قبله إلا للطبري [ص ٢١١، ٢١٢، ٢١٣]. وتعدّد كتبًا أخرى: «الإحكام لأصول الأحكام»، و«الإجماع ومسائله»، و«التقريب لحد المنطق»، و«أخلاق النفس»، و«الإيصال إلى فهم كتاب الخصال»، وكتابًا في مراتب العلوم [ص ٢١١]. وتذكر أن قسطًا كبيرًا من كتبه أُحرق قبل موته بتأليب العلماء للسلاطين [ص ٢١٢]. ومن تلاميذه: شريح بن محمد الرعيني صاحب «الكافي في القراءات»، وصاعد بن أحمد التغلبي، والحميدي صاحب «جذوة المقتبس» [ص ٢١٤].

وفي صفاته تنقل شهادة اليسع بن حزم الغافقي في حفظه، وشهادة الشيخ محمد أبو زهرة من المحدثين [ص ٢١٥]، وخبره مع أبي عمر بن عبد البر بسكة الحطابين من إشبيلية [ص ٢١٦]، ونصّ «طوق الحمامة» في عفافه [ص ٢١٦]، ونصّه في الوفاء: «ما شيء أثقل عليّ من الغدر» [ص ٢١٧]، وأبياتًا في الاعتزاز بالنفس منها «أنا الشمس في جوّ العلوم منيرة / ولكنّ عيبي أن مطلعي الغرب» [ص ٢١٨]. وتُفرد لحدّة طبعه تعليلين ينقلهما عنه: علّة بدنية — «ولّدت عليّ رَبوًا في الطحال شديدًا، فولّد ذلك عليّ من الضجر وضيق الخُلُق وقلة الصبر والنَّزَق» — وجفوة معاصريه وكيدهم وإحراق كتبه؛ وتنقل قوله إن استثارة خصومه له كانت سببًا في تواليفه: «ولولا استثارُهم ساكني واقتداحُهم كامني ما انبعثتُ لتلك التواليف» [ص ٢١٩]. وتسوق ردّه على رسالة ابن عمه المغيرة، وتنبّه إلى أن نصّ الرسالة نفسه غير معروف وإنما يُستدلّ على مضمونها من الجواب [ص ٢٢٠].

ويلي ذلك مبحث ثناء مكتظّ بالنقول: الحميدي، وابن بسّام («كان كالبحر لا تكفّ غواربه»)، والذهبي في ثلاثة مواضع، وابن كثير، والسيوطي، والمستشرق الإسباني بالنثيا [ص ٢٢١، ٢٢٢، ٢٢٣]. ثم مبحث المناصب: ولاءه للبيت الأموي، ووزارته للمرتضى عبد الرحمن بن محمد الأموي حتى اغتياله، ثم وزارته لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار الذي بايعه أهل قرطبة في رمضان ٤١٤هـ ولقّبوه المستظهر وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، ولم تدم وزارته أكثر من سبعة وأربعين يومًا إذ ثار عليه ابن عمه المستكفي فقتله في السنة نفسها؛ ثم عودته إلى الوزارة أيام هشام بن المعتدّ بالله بين سنتَي ٤١٨ و٤٢٢هـ، وهو آخر عهده بالسياسة [ص ٢٢٤، ٢٢٥]. وينقطع النطاق عند فقرة تصفه بأنه شخصية اجتمعت فيها متناقضات: حرية الرأي والعقلية المتفتحة والشاعرية من جهة، والتشدد وحدّة الطبع واللسان من جهة أخرى، مع تقييد التشدد بأنه لم يكن موجَّهًا إلا نحو من يتطاول على الدين [ص ٢٢٥].

ملاحظات على حال النص

النصّ في هذا النطاق مقروء في جملته، والعطب المتبقّي محصور في مواضع قليلة يمكن تعيينها. أوضحها الآية من سورة العصر في ص ١٢٠، وحروفها متداخلة إلى حدّ لا يُقرأ معه الرسم كما هو. وفي أبيات الشعر يتكرّر انفكاك الشطر الثاني إلى كلمات مبعثرة في أسطر مستقلّة — كما في أبيات ص ١٢٧ في ذكر «العُمَرين»، وأبيات ص ١٣٦ الهجائية، وأبيات ص ٢٦٢ خارج النطاق — وهو عطب تخطيط أعمدة لا عطب حروف، والمعنى يُستعاد من السياق لكن ترتيب الكلمات داخل الشطر غير موثوق. وفي البيت الثاني من نظم ابن حزم في ص ٢١٤ تنتهي القافية بكلمة «المَحاض» وهي ناقصة على ما يبدو. وتتكرّر في النص كلّه صور إملائية ناتجة عن معالجة اللام-ألف والهاء المربوطة: «هبا» في موضع «بها»، و«إال» في موضع «إلا»، و«ألنه» في موضع «لأنه»، و«الصالبة» في موضع «الصلابة»؛ وهي منتظمة ولا تُشكل على القراءة. والصفحات ١٢١ و١٤٣ و١٦٧ و١٨٥ فارغة، وهي فواصل بين التراجم لا صفحات مفقودة.