يغطّي هذا القسم صفحات الكتاب من الخامسة إلى السابعة والثلاثين بعد المئة، ويضمّ مقدّمة المؤلف، وفصلًا اصطلاحيًّا في السوابق التركية «آق» و«قرا» و«كوك» و«قزل»، ثم ثلاثة فصول: أوضاع دول آسيا إبّان الغزو المغولي، وقيام دولة المغول، وسياسة جنكيز ونتائج الغزو. ومداه الزمني الفعلي يبدأ من وفاة السلطان علاء الدين تكش سنة ٥٩٦هـ وتولّي ابنه محمد خوارزمشاه [ص ٥٠]، وينتهي عند وفاة جنكيزخان في رمضان سنة ٦٢٤هـ ووفاة ابنه جوجي بعده بستة أشهر [ص ١٠٤]، مع استطرادات اصطلاحية تمتدّ إلى القرن التاسع الهجري. أما الكتاب في مجموعه فيشمل تاريخ إيران من ظهور جنكيزخان حتى قيام الدولة التيمورية، أي من أوائل القرن السابع إلى النصف الثاني من القرن التاسع [ص ٦].
مقدّمة المؤلف: كتاب مدرسي يطمح إلى منهج
تفتتح المقدّمة بشكوى منهجية لا بعرض للأحداث. يقرّر المؤلف أن تاريخ إيران، على كثرة مصادره، لم يُوضع فيه بعدُ كتاب جامع يراعي «المفهوم المعاصر لكلمة تاريخ»، أي الذي يوضّح سمات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأدبية في كل مرحلة إلى جانب الأحداث العسكرية والسياسية. ويردّ هذا النقص إلى أسباب مادية بعينها: تفرّق المصادر وضياع كثير منها، وغياب المكتبات والمتاحف العامة، وندرة الإصدارات النقدية لكتب الأقدمين، وعدم إلمام الشعب الإيراني بالمنهج الغربي في تدوين التاريخ. ويستنتج من ذلك مطلبًا سياسيًّا صريحًا: أن تتولى الحكومة ما يعجز عنه الأفراد من إنشاء المكتبات وجمع المصادر [ص٥–٦].
ويميّز بين نهجين في الكتابة التاريخية: البحث في القضايا الجزئية، وكتابة التاريخ العام لعصر أو لأسرة حاكمة؛ ويرى أن الثاني لا يتأتّى إلا بعد أن يُنجز المتخصّصون رسائلهم المفردة أولًا، ثم تُجمع وفق قواعد المنهج العلمي [ص ٦]. وهو صريح في وصف موقعه: الكتاب وُضع في حدود المادة المطلوبة للقسم الأدبي من المرحلة المتوسطة، غير أن المرور العابر على القضايا تبيّن أنه غير ممكن، فاختار الاستفاضة وطبع بعض الفقرات بخط أصغر — وهي مقتبسة في معظمها عن مؤرخي العصرين المغولي والتيموري لبيان منهجهم في كتابة التاريخ [ص٦–٧]. ويختم باعتراف مزدوج: أنه لم يتخصّص في هذا الباب، وأن التقيّد بكون الكتاب مدرسيًّا حال دون البحث المفصّل في الروايات وصحّتها؛ فهو «تمهيد لمن يأتي من بعدنا» [ص ٧].
بحث في مصطلحات: الألوان التي ليست ألوانًا
هذا الفصل أطول تمرين نقدي في القسم كله، وموضوعه سوابق أربع تتصدّر أسماء الأعلام والمواضع في المتون التركية والفارسية: آق، وقرا، وكوك، وقزل. والدعوى التي يقيمها المؤلف أن ترجمتها بالأبيض والأسود والأزرق والأحمر — وهي ترجمة درج عليها باحثون إيرانيون وغير إيرانيين — «لا تفي بالمعنى المطلوب»، وأنها سرت من أسماء القبائل إلى أسماء المواضع، فتحوّل «قرا دنيز» إلى «درياى سياه» و«كوك مسجد» في تبريز إلى «مسجد كبود» [ص ٩].
ويبدأ بعرض خصومه لا بدحضهم. فيَنقل عن مكرمين خليل أن «آق قويونلو» ترجع إلى صورة الخروف على البيارق والقبور، ويرجّح أنها من الطواطم؛ وعن مينورسكي أنها ترجع إلى لون القطعان؛ وعن ضياء جوك ألب — مستندًا إلى إدوارد شافان — أن الألوان الأربعة رموز للجهات الأربع والفصول الأربعة والرباعي الحاكم [ص٩–١٠]. ثم يلاحظ أن جامع التواريخ، حين يتحدث عن أبناء الأوغوز الستة، لا يذكر الألوان الرباعية أصلًا [ص ١٠].
وحجّته الموجبة لغوية-جغرافية: لو كان اللون هو المراد لما احتيج إلى تحديده في «آق بلاغ» و«آق شهر»؛ وليس ثمّة مرعى شتوي أبيض وآخر أسود حتى يقال «قرا قشلاق» و«قزل قشلاق»؛ ولا يُسمّى بستان معروف في الدنيا بخضرته «قرا جمن»؛ والموضع الواحد يُوصف بالألوان الأربعة كلها: آق داغ وقرا داغ وقزل داغ وكوك داغ [ص١٠–١١]. ومن هنا قاعدته: إذا اقترنت هذه الألفاظ بأسماء عامة أدّت معنى اللون المطلق؛ وإذا حوّلت الاسم العام إلى اسم علم أدّت معنى «كبير، عظيم، جليل، قوي، شريف، مقدّس»، أو دلّت على كثرة العدد؛ ونظيرها في الفارسية لفظ «شاه» في شاهراه وشاهكار [ص١١–١٢].
ثم يقسّم المادة ثلاثة أقسام — أسماء المواضع، والشخصيات التاريخية، والأسماء الدالة على العظمة والكثرة — ويسوقها موثّقة. فـ«آق سراى» قصر الأمير تيمور بشهادة خواندمير، و«آق دنيز» الاسم التركي للبحر المتوسط [ص١٢–١٣]. أما «آق قويونلو» فيفسّرها «كبار مُلّاك الأغنام»، مستندًا إلى أن امتلاك مئة رأس كان معيار الثراء عند التركمان، وإلى رواية أبي بكر تهراني أن بايندرخان ذبح في حفل واحد مئة وعشرين ألف رأس من الكباش [ص١٦–١٧]. و«آق أولى» و«قرا أولى» خيام ضخمة ومضاربها لا خيام ملوّنة؛ «فالسوابق في هذه المسمّيات لا تشير إلى المعنى اللوني، بل تفيد الضخامة وكثرة العدد» [ص١٧–١٨].
ويطّرد التحليل نفسه في «قرا»: قرا قروم القديمة بناها بوقوخان الأويغوري على أورخون وسُمّيت «قرا بالقاسون» أي المدينة الكبرى، والثانية شُيّدت بأمر جنكيزخان سنة ١٢٣٤م [ص ١٩]؛ و«قرا كليسا» كنيسة بُنيت بالأحجار الجيرية البيضاء «ولا تمتّ للون الأسود بصلة»، و«قرا سو» هو الفرات نفسه في المصادر [ص ٢٣]. ويلاحظ أن تغيير هذه الأسماء لم يكن إيرانيًّا وصينيًّا فحسب، بل روسيًّا أيضًا، فقد حوّل الروس «قزل سو» إلى كراسنوفودسك بالمعنى الحرفي [ص٢٢–٢٣]. وفي «كوك» يعترض صراحة على العلامة القزويني وابن خلكان في تفسير «كوك بورى» بالذئب الأزرق: «من البدهي أنه ليس ثمّ ذئب بهذا اللون»، وإنما كان الترك يلقّبون أبطالهم بأسماء الجوارح والحيوانات القوية ويضيفون إليها هذه السوابق مغالاةً في وصف القوة [ص ٣٠]. ويورد نقوش أورخون ورفض بارتولد أن تُترجم «كوك» فيها بالسماء الزرقاء، و«كوك دبتر» أي السجلات الملكية التي استعان بها رشيد الدين [ص ٣٢]. ويُلحق الفصل بحثًا في مدفن هولاكو، يستدلّ فيه بجامع التواريخ على أن «جبل شاهو قبالة دهخوارقان» هو الموضع الصحيح، وأن الباحثين ينقّبون خطأً في جزيرة شاهي البعيدة عنه [ص٣٨–٣٩].
آسيا الوسطى: جغرافيا وقبائل تُخلط أسماؤها
يفتتح الفصل الأول بمسح جغرافي مقصود به التعليل لا الوصف. فالمنطقة من بحر أختسك إلى بحر الخزر تغلب عليها الصحارى والمرتفعات، وهي لذلك قليلة السكان، «ولولا وجود دول ذات حضارة كالصين وإيران على طرفي هذه المنطقة لما كانت لها تلك المكانة». ومن هذا الوضع يشتقّ قانونين: أن الهجرات والغزوات اقتصرت على العرض الجغرافي فتركّزت دائمًا على أحد الطرفين، الصين أو إيران؛ وأن الصينيين والفرس اضطُرّوا لمهادنة البدو ودفع الجزية لهم حفاظًا على طرق القوافل [ص٤٤–٤٥].
وفي هذا الإطار يعالج مسألة التسمية. فالمنطقة الأولى هي الموطن الأصلي «لطائفة من الشعوب الصفراء عرفت فيما بعد باسم عام هو المغول والتتار» [ص ٤٧]. ثم يفصّل: قبيلتا التتار وقنقرات كانتا من أكثر قبائل آسيا الشمالية وحشية، وكانوا غالبًا من أتباع أباطرة كين يدفعون لهم الجزية، ولباسهم من جلود الكلاب والجرذان. «ومع أنهم لم يكن لهم شأن كبير فمن الغريب أن اسمهم أُطلق على كل العشائر الصفراء التي دانت لحكم جنكيزخان»؛ فكان «التتار» هو الاسم العام في الفترة الأولى من الغزو، ثم صار «المغول» علمًا عليهم فيما بعد [ص ٤٩]. فالتمييز عنده تاريخي لا عرقي: التتار قبيلة بعينها استُعير اسمها للكل، والمغول اسم غلب متأخّرًا؛ ويستعمل المؤلف بعد ذلك اللفظين متبادلَين. ويتمّ الجرد بذكر عشيرة قيات المعروفة ببورجقين وهي عشيرة جنكيز، والكرائيت الذين دخلوا المسيحية بعد اعتناق ملكهم لها سنة ٣٩٨هـ فانتشرت عنهم الأساطير في أوروبا، والنايمان، والأويغور المانويين وهم «أكثر تحضّرًا من سائر قبائل الترك والمغول»، وأتراك القرلق، والقراخطائيين [ص٤٩–٥٠]. أما الصين فمقسومة بين أسرة كين في الشمال وأسرة سونج الصينية الأصلية في الجنوب [ص ٤٨].
الممالك الإسلامية عشية الغزو: تشخيص للانهيار
يعرض المؤلف الدولة الخوارزمية بوصفها بناءً متضخّمًا مفرغًا من الداخل. فبعد وفاة تكش سنة ٥٩٦هـ آل الملك إلى علاء الدين محمد [ص ٥٠]، الذي انتزع من الغوريين هراة وفيروزكوه سنة ٦٠٩هـ وغزنين سنة ٦١١هـ، وضمّ مازندران وكرمان [ص ٥٢]، وأطاح بالقراخطائيين في ما وراء النهر سنة ٦٠٧هـ بعون كوجلك خان النايماني بعد أن كان أسلافه يؤدّون لهم خراجًا سنويًّا مقداره ثلاثون ألف دينار [ص٥٢–٥٣].
غير أن كل توسّع من هذه التوسّعات يقرأه المؤلف عبئًا لا رصيدًا. فخصومته مع الخليفة الناصر لدين الله (٥٧٥–٦٢٢هـ) دفعته إلى استصدار فتاوى بنزع الخلافة عن بني العباس، ورفع اسم الخليفة من السكة والخطبة، ثم تجريد حملة على بغداد سنة ٦١٤هـ انتهت بهلاك جنوده في الثلج على أبواب أسدآباد [ص ٥٥]. واغتياله الشيخ مجد الدين البغدادي سنة ٦١٢هـ «دون سبب واضح» أكسبه عداوة علماء الدين وزعزع أساس حكمه [ص ٥٤]. وإنشاؤه فرقة «قراول» من أتراك قنقلي — قوم أمه تركان خاتون — انتهى إلى أن جرّدوه من أية سلطة فعلية [ص ٥٥]. والخلاصة صريحة في تحميل المسؤولية: «كان زمام المسلمين في يد خليفة ضعيف يتبع أهواءه كالناصر لدين الله وملك غافل كالسلطان محمد»، وسائر الممالك الإسلامية منهمكة في الجهاد ضد الصليبيين والروم [ص ٥٤].
ظهور جنكيز وحادثة أترار
ولد جنكيز نحو سنة ٥٤٩هـ في منغوليا، واسمه المغولي تموجين، وأبوه يسوكاي بهادر زعيم قبيلة قيات الذي حرّر قبيلته من ربقة إمبراطور الصين. ومات أبوه وهو في الثالثة عشرة، فلجأ إلى أونج خان المسيحي زعيم الكرائيت ثم قتله وورث مكانته، وعُرف منذ ذلك الحين بجنكيزخان [ص ٥٨]. ثم هزم تايانك خان النايماني سنة ٦٠٠هـ، وقبيلة القرغيز سنة ٦٠٣هـ، وفرّ كوجلك بن تايانك إلى الجورخان القراخطائي فزوّجه ابنته [ص٥٨–٥٩].
ويولي المؤلف الأويغور عناية خاصة: انتزعوا وادي تاريم من التخاريين الآريين واختلطوا بهم، واعتنق خانهم المانوية، ودخل الخط السرياني إليهم عن طريق المبشّرين المسيحيين القادمين من إيران فنشأ عنه الخط الأويغوري [ص٥٩–٦٠]. ويقرّر أن آثار تورفان تدلّ على أن حضارتهم «كانت حضارة آرية خالصة» وأن اتصالهم بالفرس فاق اتصالهم بالصين، وأن طراز التصوير المانوي الفارسي انتقل عنهم إلى الصين ثم عاد إلى إيران فنبع منه التصوير المغولي والتيموري والصفوي [ص٦٠–٦١]. وملك الأويغور هو الذي قتل عامل الجورخان وأرسل بطاعته إلى جنكيز [ص ٦١].
وقع أول اصطدام بين الطرفين في شتاء ٦١٢هـ حين التقى خوارزمشاه فرقةً بقيادة جوجي كانت تطارد المتمردين، فردّ على رسالتها بأن «الكفار عنده جميعًا سواء» وأمر بالهجوم؛ ولم تسفر المعركة عن نتيجة، لكنها أظهرت له القوة العسكرية للمغول [ص ٦٢]. ثم أوفد السيد الأجلّ بهاء الدين الرازي إلى بكين المفتوحة، وردّ جنكيز برسالة يعدّ فيها نفسه ملكًا على الشرق وخوارزمشاه حاكمًا على الغرب، ويتطلّع إلى السلام وحرية القوافل [ص ٦٣].
ويصرّ المؤلف على أن الدافع الأول للحملة تجاري: «كان كل هدف جنكيزخان في بادئ الأمر هو فتح الطريق التجاري وطريق القوافل القديم بين إيران والصين» [ص ١٠٩]، وأن جنكيز كان يؤمّن الطرق للقوافل بينما «لم يكن خوارزمشاه نفسه يولي اهتمامًا لهذه الأمور» [ص ٦٤]. وبعد معاهدة وُقّعت في ربيع ٦١٥هـ خرج نحو أربعمئة وخمسين تاجرًا فدخلوا أترار، فقتلهم أميرها إينالجق المعروف بغايرخان — وهو من أقرباء تركان خاتون — ونهب أموالهم [ص٦٤–٦٥]. ولمّا طالب جنكيز بتسليمه لم يستطع السلطان، لأن معظم قادته من أقربائه، فقتل الرسل، «وبحركة حمقاء واحدة أطلق طوفان المغول بيده» [ص ٦٥]. ويثبت في الحاشية أن بعض المؤرخين ينسب الأمر بالقتل إلى خوارزمشاه نفسه، ويعلّق: «على أية حال فمسؤوليته عن هذا الأمر واضحة» [ص ١٠٥].
ما وراء النهر: بخارى وسمرقند وأترار وخجند
قبل الحملة صفّى جنكيز جبهته الشرقية: أرسل جبه نويان ففتح كاشغر دون عناء، وأعلن حرية الأديان وألغى القيود التي فرضها كوجلك على مسلمي ختن وكاشغر، فقُتل كوجلك ودالت دولة النايمان سنة ٦١٥هـ [ص٦٥–٦٦]. ويقرأ المؤلف الأثر النفسي لهذه السهولة: لم يعد بوسع خوارزمشاه أن يزعم أن المغول أعداء الإسلام ليستنفر الناس للجهاد، بل عدّ مسلمو كاشغر تحريرهم «رحمة مرسلة من السماء» [ص ٦٦].
خرجت الحملة في خريف ٦١٦هـ. ويعرض المؤلف الأرقام عرض ناقد: يقال إن جنود جنكيز كانوا بين ستمئة ألف وسبعمئة ألف، «إلا أن هذا الرقم مبالغ فيه دون شك، ويذهب الباحثون المحدثون إلى أن عدد جنود جيشه لم يزد عن مئتي ألف» [ص ٦٦]. وأشار الإمام شهاب الدين الخيوقي بمنع المغول من عبور سيحون، فأعرض السلطان عن رأيه ووزّع جيشه على المدن، بينما قسّم جنكيز جيشه أربع فرق عند أترار في رجب ٦١٦هـ [ص ٦٧].
يسير السرد بعدها على نسق ثابت: عرض الطاعة، فالمقاومة أو التسليم، فالإخراج إلى الصحراء، ففصل الحرفيين، فسَوق الشباب في «الحشر» — وهو في تفسير المؤلف الأفراد المعاونون الذين يُستخدمون في ردم الخنادق وتخريب القلاع [ص ١٠٤]. سقطت زرنوق ونور بالأمان، ودخلت بخارى في الرابع من ذي الحجة ٦١٦هـ [ص٦٨–٦٩]. وهنا يترك المؤلف السرد للجويني فينقل مشهد دخول جنكيز المسجد الجامع، وأوراق المصاحف تُداس تحت الأقدام، وجواب الإمام ركن الدين إمام زاده: «اسكت! إنها ريح الله قد هبّت، ولا مجال للكلام»، ثم قول الهارب حين سُئل عن حال بخارى: «جاؤوا وخرّبوها وأحرقوها وقتلوا أهلها وحملوا متاعها ومضوا» [ص ٧٠].
وفي سمرقند ساق المغول أسرى بخارى أمامهم وأعطوا كل عشرة منهم علمًا ليُوهموا أهلها بكثرة الجيش [ص ٧١]. واستُدرج مقاتلو المدينة إلى كمين فقُتل منهم بين خمسين وسبعين ألفًا، ثم تخاذل الجيش الخوارزمي بقيادة طغاي خان شقيق تركان خاتون بدعوى أن جنوده «ينتمون إلى جنس المغول نفسه»؛ ودخلت المدينة في عاشوراء ٦١٧هـ، وهلك أكثر من ثلاثين ألفًا من القنقلي والترك [ص ٧٢]. أما أترار فقاومت نحو خمسة أشهر، وحين خرج القراجة الخاص وانضمّ إلى جنكيز عدّه ابناه جغتاي وأقطاي خائنًا لوليّ نعمته وأعدماه؛ وصمد إينالجق فوق القلعة يرمي بأحجار تقتلعها الإماء من الجدران حتى أُخذ فقُتل [ص ٧٣]. وفي خجند يفرد صفحات لتيمور ملك وقلعته وسط النهر ومَهربه المسلّح [ص٧٤–٧٦].
نهاية خوارزمشاه، وخوارزم، وخراسان
كلّف جنكيز ثلاثة تومانات بقيادة جبه وسبتاي وتغاجار بمطاردة السلطان وحدَه، وأمرهم ألا يتعرضوا للبلاد التي يمرّون بها [ص ٧٦]. وفرّ السلطان من بلخ إلى نيسابور فبسطام فالري فقلعة فرزكن، حيث كان بوسعه بجيش ابنه ركن الدين البالغ ثلاثين ألفًا أن يواجه جنود سبتاي وجبه المجهدين، «ولكن كان الهلع من المغول قد تملّكه تمامًا» [ص ٧٧]، ورفض عرض الأتابك نصرة الدين هزار أسب أن يحشد له مئة ألف من فارس ولرستان [ص ٧٨]. ومات بجزيرة آبسكون في شوال ٦١٧هـ ولم يوجد له كفن فكُفّن في قميص أحد حاشيته، ثم أخرج المغول رفاته وأحرقوها بأمر أقطاي [ص ٧٩].
ويُفرد للعاصمة جرجانية عرضًا حضاريًّا قبل مذبحتها: مركز للعلوم والآداب ومكتبات كبرى، أقام بها الزمخشري ورشيد الدين الوطواط ونجم الدين كبرى وفخر الدين الرازي [ص٧٩–٨٠]. دام حصارها نحو أربعة أشهر من ذي القعدة ٦١٧هـ إلى صفر ٦١٨هـ، وقاتل أهلها حيًّا حيًّا، ولمّا سقطت فُصل أكثر من مئة ألف من أرباب الحرف وأُرسلوا شرقًا، ووقع على كل جندي مغولي أربعة وعشرون رجلًا ليقتلهم؛ «فكانت أعداد قتلاهم من الكثرة بحيث أحجم المؤرخون عن تسجيلها لأنهم لم يصدّقوها». ويعلّل طول الحصار سياسيًّا: جوجي لم يكن يرغب في تخريب مدينة يريدها في نطاق سيطرته، فوقع الخلاف بينه وبين أخيه جغتاي حتى وضع جنكيز الجيوش تحت إمرة الثاني [ص٨٢–٨٣].
وأما تركان خاتون فقد أمرت قبل رحيلها بإغراق الأمراء المسجونين في جيحون [ص ٨٠]، ثم تحصّنت بقلعة إيلال، فانقطع عنها المطر في منطقة تُعرف بغزارته حتى اضطُرّت للنزول، ثم أُرسلت إلى قرا قروم وماتت بها سنة ٦٣٠هـ [ص ٨٤]. وحكم المؤلف عليها من أقسى ما في الكتاب: امرأة كفؤة حسنة التدبير، لكنها «على القدر نفسه من الجرأة في سفك الدماء وحبّ الدنيا»، وكانت هي وأقرباؤها من الأتراك «من الأسباب الرئيسة لفساد أمر خوارزمشاه» [ص٨٥–٨٦].
وفي خراسان يقدّم المؤلف صورة ما فُقد قبل أن يصف فقدَه. فينقل عن ياقوت الحموي وصفه لمرو سنة ٦١٦هـ وفيها عشر مكتبات وقفية «لم أر مثلها»، وقوله: «ولو لم تسقط هذه المدينة في قبضة التتار لما غادرتها حتى الموت» [ص ٨٨]. ثم يروي حصار تولي لها خمسة أيام سنة ٦١٧هـ، وتقييد مجير الملك بعد الأمان، وإحراق ضريح السلطان سنجر ونبش القبور؛ ويقدّر القتلى بنحو سبعمئة ألف، بينما ينقل عن الجويني أن السيد عز الدين ناسبة ظلّ ثلاثة عشر يومًا يحصيهم فبلغوا ألف ألف وثلاثمئة ألف [ص٩٠–٩١]. وفي نيسابور قُتل تغاجار صهر جنكيز بسهم في ثالث أيام الحصار، فسقطت المدينة في العاشر من صفر ٦١٨هـ، وقُطعت رؤوس القتلى لأن جرحى مرو كانوا يختبئون بين الجثث؛ وأمرت ابنة جنكيز بألا يُترك حيًّا حتى كلاب المدينة وقططها، وأن تُقلب الأرض للزراعة، والقتلى ألف ألف وسبعمئة وسبعة وأربعون ألفًا نقلًا عن معجم البلدان [ص٩٢–٩٣]. أما هراة فاستسلمت أولًا فلم يقتل تولي سوى اثني عشر ألفًا من أتباع جلال الدين [ص ٩٣]؛ ثم ثارت، فكتب جنكيز إلى ابنه: «لو كنت قد أقمت مذبحة جماعية لأهالي هراة لما نشبت هذه الفتنة»، وحاصرها إيلجيكداي ستة أشهر وسبعة عشر يومًا حتى سقطت في جمادى الآخرة ٦١٩هـ، ولم يبقَ فيها سوى ستة عشر شخصًا انضمّ إليهم أربعة وعشرون من الجوار فعاشوا في المسجد الجامع خمس عشرة سنة [ص١٠٠–١٠١].
جلال الدين منكبرني: انتصار بلا أثر
حُرم جلال الدين ولاية العهد لصالح أوزلاغ شاه بضغط تركان خاتون لأن أمّ الأخير من قبيلتها [ص ٩٥]، ولمّا نُصّب وليًّا للعهد بعد وفاة أبيه خرج عليه قتلغ خان خال أوزلاغ في سبعة آلاف جندي ففرّ في ثلاثمئة فارس [ص ٨١]. جمع بغزنة جيشًا مختلطًا من الترك والأفغان والغوريين والخلج والقرلق، وهزم قوتوقو نويان عند بروان في معركة استمرت يومين، بعد أن كشف حيلة التماثيل التي أُجلست على الخيل لإيهام جيشه بوصول المدد [ص٩٦–٩٧]. «وساد الفرح كل البلاد نتيجة لهذا النصر الذي حققه المسلمون»، فثار أهل خراسان وجنوب ما وراء النهر وقتلوا رؤساء شرطة المغول. ثم انفرط العقد على غنيمة: خلاف بين أمين ملك وسيف الدين أغراق على جواد، وضربة سوط، وامتناع السلطان عن التحقيق، فانقسم الجيش وقتل كل فريق قائد الآخر خلال ثلاثة أشهر «وجاء المغول وأجهزوا على من تبقى منهم» [ص ٩٧]. وفي الثامن من شوال ٦١٨هـ على ضفاف السند قُتل ابنه ذو الثماني سنين بأمر جنكيز، وأُغرق حريمه بطلبهنّ، وعبر هو النهر سالمًا إلى الهند [ص٩٧–٩٨]. ويقرأ المؤلف مصيره في ضوء أبيه: كان «على الرغم من شجاعته يشبه أباه في الافتقار إلى حسن التدبير» [ص ١٣٠].
سياسة جنكيز: الحكم عليه، والياسا، ونظام الدولة
يفتتح الفصل الثالث بعنوان «حكم التاريخ على جنكيزخان»، وهو أوضح موضع يفصح فيه المؤلف عن رأيه. يجمع أولًا الأوصاف الحسّية من طبقات ناصري ومن سفير أباطرة الصين، ثم يقرّر أنه «أحد أكثر الفاتحين الذين سجّل التاريخ أسماءهم بطشًا وسفكًا للدماء»، ويردف فورًا: «ولكن ينبغي الإقرار بأن فتح كل هذه الممالك وإدارة كل تلك المنطقة المترامية الأطراف لم يكن ممكنًا دون حيازة العقل والكفاءة والتدبير» [ص ١٠٨]. ويعالج صفة «العدل» التي نسبها إليه بعض المؤرخين المنصفين بتحفّظ مزدوج: أنها عدل السيّاف الذي لا يفرّق بين غني وفقير ولا مسلم وغير مسلم، وأنها لا تُقاس إلا بمعايير معاصريه — فمذبحة خوارزمشاه لأهل سمرقند سنة ٦٠٩هـ وذبح جلال الدين لأهل تفليس سنة ٦٢٣هـ «من جنس العمل نفسه»؛ ويضيف أن جنكيز، خلافًا لتيمورلنك ونادر، لم يمثّل بالجثث ولم يُقم تلال الجماجم [ص ١٠٩].
ويردّ صراحة على من شبّه الغزو بهجرة جماعية للبدو الرحل: «استعداد جنكيز للحملة وحرصه وتعقّله وانضباطه ومراجعته المستشارين وتحريك الجيوش وفق خطة سليمة يكذّب هذا التشبيه»؛ ويعلّل مذبحتَي نيسابور وباميان بالعقيدة لا بالغضب، فقتل فرد من أسرة الخان إثم عظيم عندهم [ص ١١٠]. ويسوق من طبقات ناصري حكاية المغوليَّين اللذين ناما في النوبة فقُتلا باعتراف بلا بيّنة، وقول الحاجب: «أنتم أيها العرب تفعلون الشيء وتكذبون… لذا فقد ابتلاكم الله بنا» [ص ١١١]؛ وسؤال جنكيز للقاضي وحيد الدين البوشنجي: هل يبقى اسمي قويًّا من بعدي؟ فأجاب: «الاسم الذي يبقى هو الناس، فكيف يبقى الاسم ما دام عبيد الخان يقتلون الناس؟» [ص ١١٢].
ويخصّ المستشارين بفصل مستقل: محمود يلواج من المسلمين، وتاتاكوس من الأويغور، ويلوجوت ساي من الصينيين — وقد حال هذا الأخير دون إبادة أهل شمال الصين حين اقترح أحد القادة قتلهم وتحويل ولاياتهم مرعى، فأقنع جنكيز بأن الضرائب تحقّق الهدف نفسه؛ ويعقد المؤلف بينه وبين نصير الدين الطوسي «في خدمة سفّاح آخر هو هولاكو بعد ذلك بنصف قرن» مقارنة صريحة [ص١١٣–١١٤].
ويشرح الياسا بوصفها تدوينًا لعرف قائم لا اختراعًا: كانت للمغول عادات لم تُدوَّن لجهلهم بالكتابة، فأبقى جنكيز على بعضها وأضاف إليها أحكامًا، وأمر بتدوينها بالخط الأويغوري في لفائف تُحفظ في الخزائن؛ ويُرجع إليها كلما ارتقى خان العرش أو وقع حادث جسيم [ص ١١٤]. ويميّز عنها «البيليك»، أي أقوال الخوانين المدوّنة على العادة الصينية والتي كانت تُعلن بعد موتهم [ص ١١٥]. ثم يعرض العادات: اليورت والأردو، ومجالس القوريلتاي، وأن أصغر الأبناء يرث مخيّم الأجداد — ومن هنا كان نصيب تولي أقلّ من إخوته — ومصطلحَي الأوروغ والأولوس [ص ١١٩]، والصيد الجماعي الذي يقرّر نقلًا عن الجويني أن الغرض منه «تدريب جموع الجيش على الرماية وركوب الخيل» لا الصيد ذاته، والخرافات: البخشي والقام، والتنبّؤ بعظام الكباش في النار [ص١٢٠–١٢٢].
أما التنظيم فيعرضه بدقّة اصطلاحية: الكشيكجي حرسًا خاصًّا، والبهادر ألفًا من صفوة المحاربين، والنويان لقبًا لأمراء الأسرة، والجيش أعشارًا نازلة من التومان إلى العشرة، ومنازل البريد «يام» [ص١٢٣–١٢٥]؛ ثم الدعوة إلى الطاعة «إيلي» ومن رفض فهو «ياغي»، واليرليغ المختوم بالتمغا للمستسلمين [ص١٢٥–١٢٦]. ويلاحظ أن الغالب انهزم ثقافيًّا: «فبعد جيلين من حكم المغول خضع أحفاد جنكيز لعادات الرعايا المغلوبين تمامًا»، وثأر الوزراء والمستشارون من الصينيين والفرس والأويغور «بقوة التدبير للهزيمة التي أخضعتهم بقوة السيف» [ص ١١٦].
أسباب النصر والهزيمة، وآثار الغزو
يجمع المؤلف تعليلاته المبثوثة في أحد عشر سببًا لهزيمة خوارزمشاه: غلبة المرتزقة الأتراك من قبجاق وقنقلي على جيشه وخضوعهم لأمّه لا له؛ ونفوذ تركان خاتون وانعدام الوفاق بينهما حتى في اختيار وليّ العهد والوزير؛ وأثر حملة بغداد وعزل الخليفة في نفوس المسلمين بعد نكسة أسدآباد؛ وقسوته وقسوة أمّه مع المغلوبين ومع من أسدى إليهما الخدمات؛ وتناحر أمرائه حتى قبل بعضهم خدمة جنكيز كيدًا للسلطان؛ وافتقاره إلى التدبير، إذ هدم بالقضاء على القراخطائيين «السدّ الذي كان يفصل بين بلاد التتار والمغول والممالك الإسلامية»، وكانوا على شركهم يعاملون أهل ما وراء النهر بالعدل ويكتفون بالخراج؛ ونفور أهل خراسان والعراق وأفغانستان من حكمه؛ وفساد إدارته؛ وذعره من المغول حتى صار يدعو الأهالي في فراره إلى التسليم؛ وأخيرًا الخليفة الناصر الذي أمضى ستة وأربعين سنة يضرب سلاطين إيران بعضهم ببعض ويحرّض القراخطائيين والتتار على الخوارزميين، ثم أرسل جيشًا لمحاربة جلال الدين حين استنجد به [ص١٢٧–١٣١].
ويقابل ذلك بخمسة أسباب لتقدّم جنكيز: حنكته وثباته وتواضعه؛ وإطلاعه الكامل على أوضاع ممالك خوارزمشاه عن طريق التجار المسلمين والعارفين بالمسالك؛ والياسا وأحكامها الصارمة؛ والاتفاق التام بين أبنائه وقادته «حيث لم يكن لأيٍّ منهم رأي بعد رأي جنكيز»؛ ووحدة العرق واللغة والعادات والهدف بين جنوده. ولا يخفي بطولات المغلوبين — دفاع إينالجق وتيمور ملك وشمس الدين الجوزجاني — لكنه يخلص إلى أن «تنظيم الإدارة يتفوّق على القوة» [ص١٣١–١٣٢].
وفي الآثار يعتمد على شهادات المعاصرين بدل الحكم المباشر. يستشهد بدوسون: لولا اتفاق وثائق أمم العالم لكان تصديق ما كتبه مؤرخو الشرق عسيرًا، وشهادة مؤرخي الغرب مطابقة لها تمامًا. ويحيل على ابن الأثير الذي فرغ من كامل التواريخ سنة ٦٢٨هـ، وعلى ابن قيس الرازي، وعلى رسالة ياقوت الحموي المؤرخة سنة ٦١٧هـ إلى القاضي القفطي والتي أورد ابن خلكان نصّها في ترجمته [ص ١٣٣]. (نصوص هذه الاستشهادات ساقطة من النسخة المقروءة: تُقدَّم بعبارة الإحالة ثم يلي بياض.) وينقل بطوله وصف ماتيو باريس لسنة ١٢٤٠م، وفيه أن التتار «أمة ملعونة» تدفّقت كالجراد فأحالت شرق أوروبا يبابًا [ص ١٣٤]، ثم شكوى الجويني بعد نصف قرن: «اندرست المدارس وانطمست معالم العلم» [ص ١٣٥]. ويقرّر أن الصدمة التي تلقّتها الحضارة أشدّ من الذبح ذاته، لأن آثارها لا تظهر على الفور بل بعد قرن أو قرنين، «فلم يبقَ هناك عالِم يُستقى منه العلم ولا كتاب يُهتدى به» [ص ١٣٥]. ومع ذلك يسجّل أن الغزو لم يقضِ على الشعبين الصيني والإيراني ولا على لغتيهما، بل «نفخ الروح» في القوميتين [ص ١١٧]، ويدرج في المكاسب علاقات سياسية بين آسيا وأوروبا، واتصال أهل العلم من الصينيين والأويغوريين والفرس والعرب والأوروبيين، وانتشار التصوير الصيني في الممالك الإسلامية والفارسية في شرق آسيا [ص ١٣٦].
ملاحظة على حال النصّ
النسخة المقروءة مستخرَجة آليًّا وفيها مواضع تالفة. الصفحتان ١٩ و٢٠ مكرّرتان بنصّ واحد تقريبًا. وترتيب صفحات فصل المصطلحات مضطرب، فالصفحة ٢٥ تصل بالصفحة ٢٧ بينما تفصل بينهما الصفحة ٢٦؛ ومثله تداخل الصفحات ٥٣ و٥٤ و٥٥. والصفحتان ٦١ و٦٢ مشوّشتان بأخطاء استخراج. وفي الصفحات ١٣٣–١٣٥ تُقدَّم استشهادات بابن الأثير وابن قيس الرازي ثم لا يَرِد نصّها. وقائمة «آثار الغزو المغولي» في الصفحة ١٣٦ تبدأ من البند الثالث؛ وقائمة «تقسيم ممالك المغول» تنقطع عند بندها الثاني ببداية الفصل الرابع في الصفحة ١٣٧. كذلك تظهر بعض الأرقام مبتورة، وقد اقتصرتُ على ما استقام منها.