ʿAbbās Iqbāl Āshtiyānī · A History of the Mongols · A Reader's Companion

أين يقف الكتاب

تحليل

عباس إقبال الآشتياني · ترجمة د. عبد الوهاب علّوب · المجمع الثقافي، أبوظبي، ١٤٢٠ هـ / ٢٠٠٠ م

المؤلِّفُ والمترجِم وما لا يقوله الكتابُ عن نفسه، وبنيتُه، ومصطلحاتُه، وأطروحتُه، ومصادرُه بإحصائها، وحدودُه.

ابدأ

أرقام الصفحات بين معقوفتين — على هيئة [ص ١١٧] — تحيل إلى النسخة المعتمدة في هذا الدليل: نصّ مستخرَج من ملفّ PDF في ٥٦٢ صفحة. وهي أرقام صفحات هذا الملفّ، لا أرقام المطبوع؛ والفرق بينهما يتّسع كلّما تقدّمنا في الكتاب.

الكتابُ ومؤلِّفُه ومترجِمُه

صفحة العنوان تقول ثلاثة أشياء ولا تزيد: «تاريخ المغول منذ حملة جنكيزخان»، و«عباس إقبال»، و«ترجمة د. عبدالوهاب علّوب» [ص ١]. وصفحة الفهرسة التي تليها [ص ٢] مصابة في استخراجها إصابة بالغة، لكن يُقرأ منها الناشر — المجمع الثقافي بأبوظبي — ومراجعة حسن النابودة، ومدخل الموضوع «جنكيز خان، ١١٦٧–١٢٢٧م». وقد تحقّقتُ من بيانات النشر خارج الكتاب: المجمع الثقافي، أبوظبي، ١٤٢٠هـ/٢٠٠٠م.

وهنا يقف ما يقوله الكتاب عن نفسه. لا مقدّمة للمترجم، ولا كلمة للناشر، ولا ذِكر لعنوان الأصل الفارسيّ ولا لطبعته ولا لسنة تأليفه. عبارة «تاريخ مفصل» لا ترد في الكتاب كلّه ولا مرّة واحدة، ولا «مشروطيت»، ولا اسم مدينة النشر الفارسية. فالقارئ العربيّ يتسلّم ترجمةً لا تُعرّفه بما تُرجم عنه.

ما لم يقله الكتاب تحقّقتُ منه خارجه: عباس إقبال الآشتياني (١٨٩٦–١٩٥٦م)، مؤرّخ إيرانيّ وُلد بآشتيان وتوفّي برومة، وهذا الكتاب هو المجلّد الأول من «تاريخ مفصّل ايران از استيلاى مغول تا اعلان مشروطيت»، الصادر سنة ١٣١٢ شمسية (١٩٣٣–١٩٣٤م). والداخل يشهد لهذا: المؤلّف يتكلّم عن «المجلد الذى بين أيدينا»، ويَعِد بأن يتّبع النهج نفسه «في المجلدات الأخرى من الكتاب» [ص ٦–٧]. أمّا سنة ميلاده فتُقرأ في صفحة الفهرسة المشوّهة كأنّها ١٨٩٥، والمصادر المرجعيّة تقول ١٨٩٦؛ ولم أتحقّق من أيّهما الصواب.

ومقدّمة المؤلّف [ص ٥–٧] هي أصدق ما في الكتاب عن الكتاب. فيها يشكو تفرّق مصادر تاريخ إيران وضياع كثير منها وغياب المكتبات والمتاحف العامّة، ويقرّر أنّ ما بين يدي القارئ لم يُقصد به في البداية إلا «حدود المادة المطلوبة للدراسة في القسم الأدبي من المرحلة المتوسطة»، ثم اتّسع لأنّ المرور العابر تعذّر [ص ٦]. ويفسّر تصغير الخطّ في بعض الفقرات: إنّها منقولة عن مؤرّخي العصرين المغولي والتيموري، والغرض منها «بيان منهجهم في كتابة التاريخ» [ص ٧]. ثم يعترف اعترافًا نادرًا في مقدّمات الكتب: العمل «من تأليف كاتب لم يتخصص في هذا الباب بعينه»، وقيدُ الكتاب المدرسيّ «حال دون البحث المفصّل في القضايا الجزئية وإيراد الآراء المختلفة ومصادر المعلومات والبحث في صحة الروايات وسقمها»، والكتاب إنّما هو «تمهيد لمن يأتي من بعدنا» [ص ٧].

والمترجم يُعرَّف في آخر الكتاب في صفحة واحدة [ص ٥٦١]: أستاذ مساعد بكلّية الآداب بجامعة القاهرة، حاصل على الدكتوراه من جامعة ميشيغان، ويُتبع ذلك بقائمة طويلة من ترجماته عن الفارسية والإنجليزية — «تاريخ إسلام» لعلي أكبر فيّاض، و«صعود القوى العظمى وسقوطها» لبول كِنِدي، و«الموجة الثالثة» لهنتنغتون، و«أثينة السوداء»، وغيرها [ص ٥٦١–٥٦٢]. وسنة ميلاده مذكورة لكنّ رقمها مشوّه في الاستخراج، فلم أثبتها.

طبيعةُ الكتاب وبنيتُه

هذا تاريخ حديث تركيبيّ، لا حَوليّة ولا كتاب أخبار. لا إسناد فيه، ولا ترتيب على السنين، ولا تراجم مرصوصة على الوفيات. بناؤه تسعة فصول تحليليّة، يتقدّمها «بحث في مصطلحات»، ويسبقهما مقدّمة المؤلّف. وفهرس الكتاب [ص ٥٦٠] لا يذكر غير هذا.

وتوزيع الحجم يكشف الأولويّات أكثر ممّا تكشفه العناوين. الفصل الثاني، وهو فصل جنكيزخان نفسه وقيام دولته، خمسون صفحة [ص ٥٨–١٠٧]. أمّا الفصلان السابع والثامن — إيلخانات إيران، ثم الفترة بين العهدين الإيلخاني والتيموري — فمئتان وستّ صفحات [ص ٢٦٨–٤٧٣]، أي قرابة أربعين في المئة من الكتاب. جنكيزخان عند إقبال نقطة ابتداء، لا موضوع. والموضوع هو ما جرى لإيران بعده: تفكّك الدولة الإيلخانيّة إلى الجلايريّين والجوبانيّين وآل مظفّر ومن جاورهم [ص ٣٦٢]، وهي مساحة من التاريخ الإيرانيّ قلّما تُعرض بالعربيّة بهذا الطول.

والفصل التاسع وحده — «الحضارة والمعارف والصناعات في العصر المغولي» — ستّ وثمانون صفحة [ص ٤٧٤–٥٥٩]، سُدس الكتاب تقريبًا، خارج السياسة كلّها. وهو يفتتح بأطروحة صريحة: المئتا سنة التي مضت تفاصيلها في الفصول الثمانية «تُعدّ واحدة من الحقب الحزينة في تاريخ العالم الإسلامي عامة وإيران خاصة»، وهي في الوقت نفسه «من أكثر العهود إشراقًا في تاريخ العلم والفلسفة والأدب في إيران» [ص ٤٧٤]. ثم لا يمضي مباشرة إلى الحضارة، بل يبدأ بجردٍ للمصادر ولأصحابها واحدًا واحدًا — ياقوت الحموي [ص ٤٧٥]، وابن البزّاز، وأحمد بن زركوب صاحب «شيرازنامه» [ص ٥٢٠] — قبل أن ينتقل إلى التصوير والخزف والنسيج والتجارة مع البندقية وفينيسيا [ص ٥٤٠، ٥٥٥]. فمن أراد أن يعرف على أيّ شيء بُني الكتاب فمكانه الفصل التاسع، لا المقدّمة.

والتاريخ في الكتاب هجريّ في المقام الأول: كلمة «هـ» ترد ١٤٧٣ مرّة، والتأريخ الميلادي يظهر بين قوسين في مواضع متفرّقة. ولا خرائط في الكتاب، ولا شجرات أنساب، ولا فهرس أعلام، ولا قائمة مصادر جامعة؛ الإحالات كلّها حواشٍ في آخر كلّ فصل [ص ٣٩–٤٣، ٢١٦، ٥٥٨–٥٥٩].

مصطلحاتُه

«بحث في مصطلحات» [ص ٩–٤٣] ليس بحثًا في الفرق بين المغول والتتر. موضوعه، كما يقول الفهرس نفسه، أربع سوابق تركيّة: «آق – قرا – كوى – قزل» [ص ٥٦٠]. وأطروحته أنّ هذه الألفاظ ليست ألوانًا في المواضع التي ترد فيها، وأنّ ترجمتها ألوانًا تُفسد المعنى: تحويل «آق قويونلو» و«قراقويونلو» إلى «الخراف البيضاء» و«الخراف السوداء» «لا يفي بالمعنى المطلوب»، ومثله تحويل «قرا دنيز» إلى «درياى سياه» و«كوى مسجد» بتبريز إلى «مسجد كبود» [ص ٩]. فـ«قرا» تأتي بمعنى القويّ والشريف والمقدَّس وكثرة العدد [ص ١٢، ٢٨]، و«كوى» تدلّ على الحجم والتقدّم لا على الزُّرقة [ص ٢٩].

وأوضح أمثلته لقب مظفّر الدين ملك أربيل «كوك بورى». القزوينيّ قرأه «الذئب الأزرق» متابعًا ابن خلّكان، والبحث يردّه: لا ذئب بهذا اللون، والأتراك كانوا يلقّبون أبطالهم بأسماء الجوارح والسباع — طغرل وسنقر وطوغان وأرسلان وبوغا وبورى — ويضيفون إليها آق وقرا وقزل وكوى للمبالغة في وصف القوّة؛ فاللقب معناه «الذئب القويّ» [ص ٣٠]. وأثر هذا عمليّ لا لفظيّ: قارئ تاريخ المغول يصادف قراقوروم وقرا موران وقزل أرسلان وآق سراى في كلّ صفحة تقريبًا، فإن قرأها ألوانًا اختلّت عليه الجغرافيا والأعلام معًا.

أمّا ثنائيّة «المغول/التتر» فالكتاب لا يفرض فيها اصطلاحًا. يستعمل اللفظين مقترنين — «المغول والتتار» — ويقول صراحةً إنّ أتباع جنكيزخان «ينتمون لطوائف شتى من عشائر المغول والتتار فلا سبيل لإدراجهم جميعًا تحت مسمى واحد من حيث الصفات العرقية» [ص ١١٧]، ويقرّر أنّ العناصر المضمومة من المغلوبين فاقت المغول الأصليّين عددًا حتى «أصبحت الأغلبية في جيش جنكيز للأتراك والمغول المغلوبين» [ص ١١٦]. فموقفه أنّ «المغول» اسم لتحالف سياسيّ لا لعِرق، من غير أن يُلزم قارئه بضبط المفردة.

ويبقى في هذا البحث سؤال لم يُجب عنه الكتاب. صاحبه يسمّي نفسه «كاتب هذا المقال» [ص ٩]، وحواشيه تحيل على «دانشنامه ايران واسلام» [ص ٣٩، ٤٠] وعلى «دائرة المعارف فارسى مصاحب» [ص ٤١]. وقد تحقّقتُ من أنّ المجلّد الأول من «دانشنامه ايران واسلام» صدر سنة ١٣٥٤ شمسية (١٩٧٥–١٩٧٦م)، أي بعد وفاة إقبال بنحو عشرين سنة. فالبحث لا يمكن أن يكون من قلم إقبال. مَن كتبه، وهل أضافه المترجم أو الناشر الفارسيّ — لا يقول الكتاب شيئًا عن ذلك، ولم أتحقّق منه من مصدر آخر.

أطروحتُه

في المسألة الأولى — لماذا نجحت الحملة — يرفض إقبال التفسير بالعدد والوحشيّة، ويقسّم الجواب قسمين. القسم الأول انهيار ما كان في الطريق، ويعدّده تعدادًا [ص ١٢٨–١٣١]: حرب السلطان محمد خوارزمشاه على جماعة رجال الدين، وتجريده حملة على بغداد ورفعه اسم الخليفة من الخطبة والسكّة، وما أحدثه ذلك من أثر سيّئ بين المسلمين [ص ١٢٨]؛ وقسوته وقسوة أمّه تركان خاتون [ص ١٢٨]؛ وتناحر قوّاده حتى قبل بعضهم خدمة جنكيز كيدًا للسلطان [ص ١٢٩]؛ وقضاؤه على كلّ مُلك مستقلّ من كاشغر إلى العراق، فلم يبقَ «في ما وراء النهر وإيران من له القدرة على الوقوف في وجه المغول» [ص ١٣٠]؛ ونفور أهل خراسان والعراق وأفغانستان من حكم الخوارزمشاهيّين [ص ١٣٠]؛ والرعب الذي تملّكه بعد أوّل اصطدام بجيش جوجي فصار يحذّر ولاته ويدعوهم إلى التسليم [ص ١٣١]؛ وستّ وأربعون سنة من خلافة الناصر لدين الله «بالظلم بين الناس وجمع المال وإرسال الجواسيس» [ص ١٣١].

والقسم الثاني تنظيم جنكيز، في قائمة مرقّمة [ص ١٣٢]: حنكته وثباته وصبره وتواضعه؛ واطّلاعه الكامل على أوضاع ممالك خوارزمشاه «باستغلال معلومات التجار المسلمين والمترجمين والعارفين بالمسالك والطرق»؛ والياسا وأحكامها الصارمة؛ والاتفاق التامّ بين قوّاده وأبنائه، «حيث لم يكن لأيٍّ منهم رأي بعد رأي جنكيز»؛ ووحدة اللغة والعادات والهدف. والخلاصة في جملة واحدة على الصفحة نفسها: «تنظيم الإدارة يتفوّق على القوة والتدبير والدفاع».

وفي الحكم على جنكيز نفسه يقصد إقبال إلى ازدواج مقصود. جنكيز «أحد أكثر الفاتحين الذين سجّل التاريخ أسماءهم بطشًا وسفكًا للدماء»، و«ما أريق من دم وما خرب من مدن بأمر منه لم يعرفه التاريخ في أيّ عصر من عصور الفتوحات»؛ ومع ذلك «ينبغي الإقرار بأن فتح كل هذه الممالك وإدارة كل تلك المنطقة المترامية الأطراف لم يكن ممكنًا دون حيازة العقل والكفاءة» [ص ١٠٨]. أمّا «عدله» الذي أثبته له بعض المؤرّخين فيثبته إقبال ويضعه في نسبته: جيرانه فعلوا ما فعل، ويسمّي مذابحهم — مذبحة السلطان محمد لأهل سمرقند سنة ٦٠٩، وتنكيل جنود أبيه بأهل العراق سنة ٥٩٠، وذبح أهل تفليس سنة ٦٢٣ على يد جلال الدين منكبرني — «ولا فرق بينها وبين ما اقترفه المغول من جرائم» [ص ١٠٩].

وفي المسألة الثالثة — ماذا ترك الغزو — يزدوج الحكم مرّة أخرى. الخراب مقرَّر: محو مدن الصين وما وراء النهر وإيران والعراق والشام، وقتل العلماء، وتدمير ملايين المجلّدات [ص ١١٧]. والأخطر أنّ أثره بطيء الظهور: «هذه الكارثة كانت من الكوارث التي لا تظهر آثارها على الفور؛ بل يستغرق ظهورها قرنًا أو قرنين من الزمان» [ص ١٣٥] — ولهذا يؤرّخ إقبال انحطاط العلوم والآداب الفارسية بالعصرين الصفويّ والأفشاريّ لا بالقرن السابع [ص ٤٧٤]. وفي المقابل: الغزو «لم ينجح في القضاء على الشعبين الصيني والإيراني أو على لغات هاتين الأمتين القديمتين وآدابهما؛ بل نفخ الروح في شعلة القوميتين الفارسية والصينية»، وجعل أحفاد جنكيز دعاة للإسلام والبوذية وللّغتين الفارسية والصينية، وقطع صلتهم بأصلهم [ص ١١٧]. ويعدّد النتائج الباقية [ص ١٣٦]: قيام علاقات سياسيّة وتبادل سفراء بين آسيا وأوربّا؛ واتّصال أهل العلم من الصينيّين والأويغوريّين والبوذيّين والفرس والعرب والأوربيّين، وانتشار التصوير الصينيّ في الممالك الإسلامية؛ وانتشار الفارسية في شرق آسيا، وعلوّ نجم الوزراء الفرس في الممالك غير المسلمة الخاضعة للمغول ودخولهم إدارات الصين.

وله في النقد مواضع يُحتذى بها. مسألة ابن العلقمي مثالًا: يعرض رواية ابن الطقطقى — الكاتب بعد الحادثة بخمس وأربعين سنة — التي تبرّئ الوزير وتردّ الأمر إلى ضعف الخليفة وظلم ابنه وتناحر الأمراء [ص ٢٠٥]، ثم يلاحظ الشكل المذهبيّ للتهمة، ثم يمتنع عن الحسم: «دور ابن العلقمي في سقوط الخليفة وتقدّم هولاكو يشوبه الغموض التام. وكما أنه لا سبيل لتصديق كل أقوال أهل الغرض، فلا سبيل كذلك للجزم بأن ذلك الوزير بريء من هذه المسألة» [ص ٢٠٦]. ويستعمل توافُق الشهادات حجّةً: ينقل عن دوسون أنّ ما كتبه مؤرّخو الشرق عن بشاعة المغول يصعب تصديقه لولا أنّ شهادة مؤرّخي الغرب «تتطابق تمامًا» معه [ص ١٣٣].

مصادرُه وكيف يستعملها

عدُّ أسماء المصادر في النصّ كلّه (٥٦٢ صفحة) يعطي هذا الترتيب: رشيد الدين ٩١ مرّة، والجويني ٥٨، ووصّاف ٣٧، و«جامع التواريخ» ٢٣، و«جهانكشا» ١٧، وحمد الله المستوفي ١٣، وبارتولد ١٢، وماركو بولو ٩، ودوسون ٧، وابن الأثير ٥، والنسوي ٥، و«طبقات ناصري» ٤، والجوزجاني ٣، وابن بطوطة ٣، وابن الفوطي ٣، و«حبيب السير» ٢، و«الحوادث الجامعة» مرّة واحدة. وابن خلدون والمقريزي وابن كثير: صفر. وهذه أعداد دنيا لا أعداد تامّة، لأنّ الاستخراج يقطع بعض الأسماء فتفوت العادّ: الجويني وحده يرد في صيغة مكسورة عشر مرّات إضافيّة، وابن الأثير مرّتين. أمّا الأصفار الثلاثة فقاطعة، إذ لا صيغة مكسورة لها في النصّ.

والتوزيع أدلّ من المجموع. من إحالات رشيد الدين الإحدى والتسعين، ثمانٍ وخمسون في الفصل السابع وحده — فصل الإيلخانات — وخمس وعشرون في الفصل التاسع؛ وليس له خارج هذين إلا ثماني إحالات في الكتاب بأسره. والجويني موزّع على غير هذا النحو: أربع وعشرون في الفصل التاسع، وتسع عشرة في السادس، وثمانٍ في الخامس. ووصّاف ثلاث وعشرون من سبع وثلاثين في الفصل التاسع. وبارتولد إحدى عشرة من اثنتي عشرة في «بحث في مصطلحات» وحده — قرينة أخرى على أنّ ذلك البحث غريب عن نسيج الكتاب.

الفصل التاسع إذن هو أكثف فصول الكتاب في ذكر المصادر جميعًا، لأنّه الموضع الذي تُوصف فيه لا الذي يُنقل عنه فقط. وابن الأثير حالة خاصّة: إحالاته الخمس كلّها في الفصل التاسع، لكنّه يظهر في الفصل الثالث موضعَ استشهاد مطوّل بوصفه «المؤرّخ الإسلامي الشهير عز الدين بن الأثير» الذي عاش بالموصل والجزيرة إبّان الاكتساح [ص ١٣٣، ١٣٥].

وطريقة الاستعمال مُعلَنة في المقدّمة: النقول الطويلة مقصودة لذاتها، «نهدف منها بصفة خاصة إلى بيان منهجهم في كتابة التاريخ» [ص ٧]. فالكتاب يورد صفحةً كاملة من «طبقات ناصري» في وصف جنكيز وفي حكاية الحاجب والمغوليّين النائمين [ص ١٠٨، ١١١]، ويسوق نصّ «جامع التواريخ» في وفاة هولاكو ومدفنه [ص ٣٩]. والإحالات نفسها موجزة إلى حدّ الشحّ: «طبقات ناصرى، ص ٣٧٤–٣٧٥» [ص ١١١]، «نزهة القلوب، ص ١٦» [ص ٢١٦]، «المعجم في معايير أشعار العجم، ص ٦٤٤» [ص ١٣١]، «وصاف، ص ٣٨٧» [ص ٣٦٠].

والأهمّ للقارئ العربيّ أنّ هذه الإحالات كلّها تشير إلى طبعات فارسية، وإلى ترجمات فارسية للأعمال الأوربية: «تركستان نامه، و. بارتولد، ترجمه إلى الفارسية كريم كشاورز» [ص ٤٠]، «تشكيل دولت ملى در إيران، والتر هنتس، ترجمه إلى الفارسية كيكاوس جهاندارى» [ص ٣٩]. وعبارة «ترجمه إلى الفارسية» وحدها ترد اثنتي عشرة مرّة. الترجمة العربية أبقتها كما هي، فليس في وسع قارئ لا يعرف الفارسية أن يتتبّع منها إحالة واحدة.

حدودُه

أوّلها أنّ العنوان يَعِد بأكثر ممّا يفي به. الكتاب تاريخ لإيران لا للمغول، والمؤلّف يقولها في مقدّمته: «المجلد الذى بين أيدينا يشمل تاريخ إيران منذ بداية ظهور جنكيزخان وحتى قيام الدولة التيمورية» [ص ٦]. القبيلة الذهبيّة، والجغتائيّون، ودولة يوان في الصين، وإمارات الروس، والأناضول — تدخل بقدر ملامستها إيران، وتخرج.

وثانيها غياب الجانب العربيّ. سقوط بغداد يأخذ فصلًا كاملًا في اثنتين وثلاثين صفحة [ص ١٨٦–٢١٧]، ولا يقوم تحته مصدر عربيّ واحد ذو شأن: صفر لابن كثير والمقريزي وابن خلدون، وثلاث إشارات لابن الفوطي، وإشارة واحدة إلى «الحوادث الجامعة». وعين جالوت تُذكر ثماني مرّات، والمماليك ثلاثًا وعشرين — حاضرين بوصفهم جيرانًا في السرد، غائبين بوصفهم مصدرًا.

وثالثها أنّ إطاره العلميّ إطار ثلاثينيّات القرن العشرين. العِرق فيه فئة عاملة: «الجنس الأصفر» [ص ١١٥]، و«سمات عرقية ظاهرية تجمع بين كل شعوب المغول والتتار» [ص ١١٧]، و«ورثة الشعب الآريّ المتحضّر» في الكلام على الأويغور [ص ٥٩]. بل إنّ «الوحدة العرقية» تُعدّ من أسباب انتصار جنكيز [ص ١٣٢] في الصفحة التي تلي إقرار الكتاب بأنّ جيشه صار في أغلبه من غير المغول [ص ١١٦].

ورابعها ما اشترطه المؤلّف على نفسه ولم يتراجع عنه: أنّه غير متخصّص، وأنّ القيد المدرسيّ منعه من البحث المفصّل ومن إيراد الآراء المختلفة ومن تمحيص الروايات [ص ٧]. وخامسها تسعون سنة من البحث مرّت بعده؛ فليس في الكتاب شيء من العمل اللاحق على المصادر المغولية والصينية، ولا من الأدلّة النقديّة والأرشيفيّة الإيلخانيّة، ولا من المراجعة الطويلة لأرقام القتلى.

وسادسها أنّ الطبعة العربية لم تُضِف شيئًا: لا مقدّمة، ولا فهرس أعلام، ولا خريطة، ولا شجرة نسب، ولا ببليوغرافيا محدَّثة. وحواشي المترجم في الكتاب كلّه ثماني حواشٍ، كلّها تفسير لمصطلح أدبيّ فارسيّ أو لوحدة وزن [ص ٣٦٠، ٣٦١، ٤٧٠، ٤٧٣]. وسابعها يخصّ هذه النسخة بعينها: استخراج النصّ مصاب في الأرقام خاصّة، وصفحة الفهرسة [ص ٢] شبه ذاهبة، فأيّ رقم يُؤخذ منها يحتاج إلى مقابلة بالمطبوع.

كيف تقرأ هذا الكتاب اليوم

اقرأ مقدّمة المؤلّف أوّلًا [ص ٥–٧]. هي أربع صفحات تحدّد ما وُضع له الكتاب وما يعترف بعجزه عنه، ولا يناقضها شيء ممّا يليها.

ثم عامِله بوصفه هيكلًا سرديًّا لتاريخ إيران بين الحملة الأولى وقيام التيموريّين، لا بوصفه تفسيرًا للظاهرة المغولية. مركز ثقله الفصول من السادس إلى الثامن [ص ٢١٨–٤٧٣]: مئتان وستّ صفحات على الإيلخانات وما بعدها، والأُسر التي تقاسمت إيران بين الجلايريّين والجوبانيّين وآل مظفّر. هذه هي المادّة التي يصعب أن تجدها بالعربية بهذا التفصيل.

والفصل التاسع [ص ٤٧٤–٥٥٩] يُقرأ وحده قراءةً مستقلّة، دليلًا مشروحًا لمؤرّخي العصر وشعرائه وفنونه. من كان سؤاله عن المصادر لا عن الوقائع فليبدأ منه.

و«بحث في مصطلحات» [ص ٩–٤٣] أداة مراجعة لا مدخل. اقصده حين يمرّ بك اسم فيه آق أو قرا أو كوى أو قزل؛ وقراءته من أوّله إلى آخره قبل الكتاب تُوقف القارئ خمسًا وثلاثين صفحة قبل أن يبدأ التاريخ.

وخذ الأرقام بحذر مزدوج: أرقام المذابح التي ينقلها إقبال عن مؤرّخي القرن السابع، وأرقام هذه النسخة المستخرَجة. وحيث يلامس الكتاب بغداد والشام ومصر فأكمِل من الجانب العربيّ، فالكتاب لا يستعمله. واقرأ لغته العرقيّة على أنّها لغة زمانها. وإن أردت تتبّع إحالة من إحالاته فأنت محتاج إلى الفارسية؛ وإلّا فالحواشي عندك دليل عناية، لا طريق يُسلَك.