نطاق هذا القسم
يغطّي هذا القسم من الكتاب ثلاثة فصول متّصلة: «ولاية خلفاء جنكيز حتى عهد هولاكو» [ص ١٣٧]، و«غزو هولاكو لإيران وزوال الخلافة العباسية» [ص ١٨٦]، و«سلاطين مغول إيران» [ص ٢١٨]. ويمتدّ زمنه من نجاة السلطان جلال الدين خوارزمشاه بعد عبوره نهر السند في أعقاب هزيمته أمام جنكيزخان، حتى جلوس غازان على عرش الإيلخانية في أواخر سنة ٦٩٤هـ واعتناقه الإسلام — أي قرابة سبعين سنة هجرية. ويتحرّك السرد في هذه المساحة على ثلاثة مستويات في آن واحد: مصير الدولة الخوارزمشاهية في شخص وارثها الأخير، وتحوّل الإمبراطورية المغولية من معسكر غازٍ إلى دولة لها عاصمة ودواوين وخلافة متنازع عليها بين بيوت جنكيز، ثم استقرار فرع هولاكو في إيران دولةً قائمة بذاتها. والمؤلف لا يسرد هذه المستويات الثلاثة بالتساوي: يقف عند الأول وقوف من يريد إصدار حكم، ويلخّص الثاني تلخيصًا مقصودًا، ويفصّل الثالث بوصفه تاريخ إيران نفسها.
جلال الدين خوارزمشاه: من ضفّة السند إلى تبريز
يفتتح الفصل الرابع بجلال الدين وقد نجا من قبضة جنود جنكيزخان وعبر نهر السند، فعاش على ضفّته اليسرى مع خمسة أو ستة من رفاقه، ثم استعاد قوّته بالإغارة على الهنود ونهب دوابّهم وأسلحتهم والتحاق الفارّين من جيش أبيه به [ص ١٣٧]. وتشابكت أموره مع ناصر الدين قُباجة حاكم بعض ولايات السند ومع شمس الدين التُتمش مؤسّس الأسرة الشمسية في دهلي، إلى أن انتصر على قباجة قرب لاهور وأرغم سلطان دهلي على الاعتذار إليه [ص ١٣٩]. وعاد إلى إيران عن طريق مكران فوصل كرمان في تسعة عشر وستمئة، وقد هلك أكثر جنده عطشًا ولم يبلغها منهم سوى أربعة آلاف تقريبًا [ص ١٣٩].
وفي هذه المنطقة من الكتاب تظهر صفحات لا تخصّ جلال الدين، بل تختم الفصل السابق: تقسيم ممالك جنكيز على أبنائه — القبجاق وروسيا الجنوبية وبلغار والقرغيز لجوجي ومن بعده لابنه باتو، وممالك القراخطائيين وما وراء النهر لجغتاي، والمعسكر الأصلي في أودية كيرولين وأنن وأرخن وسفوح قراقروم لتولي حسب تقاليد المغول في توريث الأصغر، ونصيب أقطاي ولي العهد وهو أقلّها [ص ١٤٠]. ومعها حواشٍ تفصيلية في اشتقاق لفظة «ياسا» وتقلّباتها في العربية والفارسية، وفي أن كلمة horde الأوربية تحريف لـ«أوردو»، وفي أن الأوربيين إنما سمّوا التتار «تارتار» لتشابه اللفظ مع كلمة تعني جهنّم [ص ١٤١]. ويصرّح المؤلف في هذه الحواشي بأنه استقى معظم موضوعات هذا الجزء من كتاب بارتولد عن تركستان [ص ١٤١] — وهو من المواضع القليلة التي يسمّي فيها مرجعه الحديث لا مصدره القديم.
ويقيم المؤلف في الصفحة نفسها حجّة سببية تستحقّ الوقوف: ثلاث مناطق إسلامية لم تطأها سنابك خيل المغول لأن أمراءها قبلوا دفع الخراج — جنوب إيران وبلاد الروم والهند الغربية — وهي بعينها المراكز الرئيسة لانتشار الفارسية، فصارت ملاذًا للفارّين من المذابح، ولولا ذلك «لما بقيت الكتب التي وصلتنا من أعمال شعراء الفارسية وأدبائها» [ص ١٣٨]. أي إن الخضوع السياسي عنده هو الذي أنقذ الأدب، ويسوق شاهدًا عليه مديح سعدي للأتابك أبي بكر بن سعد. ثم يعدّد في الصفحة نفسها ما يسمّيه إيجابيات الاجتياح المغولي: توحيد ممالك آسيا ذات الحضارات في نظام إداري واحد، وتأمين الطرق وانتعاش التبادل التجاري بين شرق آسيا وغربها وبين آسيا وأوربا [ص ١٣٨].
الكرج وأخلاط: حروب بلا حلفاء
استولى جلال الدين على تبريز في السابع عشر من رجب ٦٢٢هـ بعد فرار الأتابك أوزبك، وعفا عن أهلها على كراهيته لهم [ص ١٤٥]، ثم انصرف إلى حرب الكرج. ويسجّل المؤلف رسالة الكرج التي يخوّفونه فيها بأن المغول أنفسهم امتنعوا عن دخول كرجستان [ص ١٤٦]، ثم انتصاره على قوّاتهم في منطقة جرني وأسره الشقيقين إيفاني وشلفة، وهلاك نحو عشرين ألفًا من جيشهم. وفتح تفليس في الثامن من ربيع الأول ٦٢٣هـ فذبح أهلها ولم يُبقِ إلا على من أعلن إسلامه، وباع جنده نساء الكرج وأطفالهم [ص ١٤٧]. وهنا يوازن المؤلف بين قراءتين للحدث الواحد: المسيحيون يشبّهون مذبحة تفليس بمذبحة أورشليم على يد تيتوس ويعدّونها من أكبر الضربات التي وُجّهت إليهم في القوقاز، والمسلمون فرحوا بها ورفعوا جلال الدين إلى مكانة محمود سبكتكين واعتبروا ظهوره هبة إلهية. ثم يُدلي بحكمه هو في جملة واحدة: كانوا في تلك المذبحة «أشبه بالمغول» [ص ١٤٧].
أما أخلاط فهي عقدة هذا الفصل. حاصرها جلال الدين مرارًا وفشل، ودافع عنها الحاجب حسام الدين علي نائب الملك الأشرف دفاعًا مستميتًا [ص ١٤٩]، إلى أن سقطت في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة ٦٢٧هـ بعد حصار قرابة عشرة أشهر أكل فيها الأهالي لحوم الكلاب والخيل والقطط والجرذان، وبخيانة أحد أمراء الملك الأشرف. ويقول المؤلف صراحة إن الأمير الذي سلّمها «أعمل السيف في رقاب أهل أخلاط بصورة لا تقلّ عمّا يفعل بهم المغول» [ص ١٦١]. وقد جرّ هذا الحصار عليه تحالف الملك الأشرف الأيوبي مع علاء الدين كيقباد السلجوقي، فانهزم جلال الدين في ياسي جمن من أعمال أرزنجان في الثامن والعشرين من رمضان ٦٢٧هـ [ص ١٥٩].
ويستعمل المؤلف في هذه الحرب مصدرين متقابلين استعمالًا واعيًا. فعن حصار أخلاط ينقل نصًّا طويلًا كاملًا من «سيرة جلال الدين منكبرني» لمحمد النسوي كاتب السلطان الخاص، وفيه يروي النسوي بضمير المتكلّم كيف استُدعي ليلًا فوجد عند السلطان امرأة محتالة تعرض عليه شراء تسليم المدينة بخمسة آلاف دينار، وكيف ساق حججه في تكذيبها، وكيف زعزعت براهينه عزم السلطان ثم غلبه شغفه بفتح أخلاط فأعطاها ألف دينار، فانتشر الخبر الكاذب وقُتل بسببه رجل بريء [ص١٥٧–١٥٨]. وعن الهزيمة أمام السلاجقة ينقل صفحة من نصّ بلاغيّ من الجانب المقابل، يصف تعبئة علاء الدين كيقباد وركوبه بغلًا مقيّدًا بمشورة الملك الأشرف ليتحوّل «كل ثعلب في هذا الجيش الباسل إلى عشرة أسود»، ووقوف جلال الدين على تلّ يتحسّر: لو كان هذا الجيش لي وواجهت به جيش التتار لصرعتهم [ص ١٦٠]. فالمؤلف هنا لا يلخّص المصدرين بل يُبقي على صوتيهما.
النهاية عند ميافارقين، وحكم المؤلف على السيرة
بعد المجلس الذي عُقد لتتويج أقطاي، جُرّد جيش إلى إيران بقيادة جرماغون نويان في خمسين ألفًا، تضاعف حتى بلغ نحو مئة ألف بانضمام حكّام خوارزم المغول وشباب البلاد المفتوحة في خراسان [ص ١٦٣]. وطارد المغول جلال الدين من موغان إلى ماهان إلى كنجة إلى ديار بكر، وقد يئس من إمداد الخليفة والملك الأشرف وعلاء الدين كيقباد [ص ١٦٣]. وقُتل في الجبال المحيطة بميافارقين بيد الأكراد في منتصف شوال ٦٢٨هـ [ص ١٦٤]. ويروي المؤلف مقتله على لسان النسوي أيضًا: عرّف السلطان بنفسه سرًّا لكبير المحاربين الأكراد فقرّر إعادته، وتركه عند زوجته ومضى ليُحضر قبيلته، فجاء كرديّ مسلّح وسألها لماذا لا تقتلينه، فقالت إنه في حمى زوجي فهو في أمان، ثم لمّا علم أنه السلطان قتله ثأرًا لأخيه القتيل في حصار أخلاط [ص ١٦٥]. ويتبع ذلك بملاحظة عن الذاكرة الشعبية: بعد ثلاثين عامًا من مقتله كان الأهالي يجهلون طريقة موته ويعتقدون أنه حيّ، وكان أحدهم يخرج كل صباح فيقول «أنا السلطان» فيُدخل السرور على الناس ويلقي في قلوب التتار الرعب [ص ١٦٥].
ثم يخصّص المؤلف «نبذة من سيرة جلال الدين» هي أوضح مواضع التقويم الصريح في القسم كله. فيصفه قصير القامة قمحيّ اللون يتحدّث الفارسية والتركية، أمّه هندية، وهو ما كان أحد أسباب حقد تركان خاتون عليه وإقصائه عن ولاية العهد [ص ١٦٥]، ويعترف له بالشجاعة والحلم وقلّة الفحش في القول، ثم يبني عليه إدانة متدرّجة: قليل الدراية بإدارة شؤون الجيش، لا يتوانى عن البطش والقتل بلا رحمة، لا يعتبر شيئًا سوى السيف، وقد انغمس في اللهو والشراب حتى شنّ المغول غاراتهم عليه وهو غارق في معاقرة الخمر [ص ١٦٦]. ويسوق حادثة الغلام قلج ومبالغته في الحزن عليه — إخراج الأهالي للنواح، ومعاقبة المتقاعسين، وحمل رفاته معه في كل مكان وإرسال الطعام إليه — بوصفها «تصرّفات سفيهة» نفّرت منه أمراءه ودفعت وزيره إلى السعي للاستقلال عنه [ص ١٦٦]. ثم يختم بخلاصة صريحة: عادى الخليفة والإسماعيلية وملكة كرجستان والملك الأشرف وعلاء الدين كيقباد دون هدف محدّد ولا رؤية سياسية ولا حليف، حتى آثر بعض الإسماعيلية ومسلمو كنجة وتبريز الخضوع للمغول على التبعية له، وترك كثيرًا من مناطق إيران نهبًا للمغول مرّتين في عشر سنوات، وعرّض للقتل كثيرًا من المسلمين الذين كانوا على أهبة الاستعداد للجهاد [ص ١٦٧]. وهذا الحكم هو مفتاح ترتيبه للفصل كله: كل ما سبقه من وقائع مسوق ليؤدّي إليه.
أقطاي قاآن والحملة الثانية على البلاد الإسلامية
عُقد مجلس مبايعة أقطاي على ضفاف نهر كيرولين في ربيع ٦٢٦هـ، بعد وفاة جنكيز بعامين ونصف [ص ١٦٢]. ويعلّل المؤلف اختياره تعليلًا شخصيًّا لا مؤسسيًّا: كان يلوجوت ساي المستشار الصيني أشدّ من ألحّ على تنصيبه لأنه «أقوم نفسًا»، رغبةً في أن يحكم المغول شخص سليم النفس يتلافى ما حدث في عهد جنكيز من خراب، ثم وُلّي المستشار حكم الولاية الصينية فأدار ممالك المغول بعون من عمال التبت والأويغور والفرس والصين وعلّم التتار تدريجيًّا عادات الأمم المتحضّرة [ص ١٦٢].
ولا تقلّ الحملة الثانية عن الأولى في السرعة ولا في حجم المذابح، بحسب المؤلف، خاصة بعد أن استراح المغول من خصم خطير كجلال الدين، فاجتاحوا أذربيجان وأرّان وكرجستان والجزيرة والعراق دون عقبات، «وأبادوا تلك المناطق التي شهدت كثيرًا من التناحر بين الأمراء والمظالم من جانب جلال الدين وعمّاله» [ص ١٦٧]. ونجت تبريز وحدها لأن قاضيها ورئيسها رأيا الصلاح في الطاعة، فقدّما الهدايا وقبلا قائدًا عسكريًّا إقليميًّا وخراجًا سنويًّا باهظًا، واختار قادة المغول جماعة من نسّاجيها لصنع خيمة ثمينة لأقطاي [ص ١٦٨]. وأعلن الخليفة وعلماء بغداد الجهاد سنة ٦٣٤هـ، فانتصر المسلمون قرب تكريت بقيادة مجاهد الدين دويدار وشرف الدين إقبال شرابي وفكّوا أسر نحو خمسة عشر ألفًا، ثم انهزموا في خانقين في أواخر السنة نفسها [ص ١٦٩]. وفي هذا السياق يوجّه المؤلف أشدّ عبارته إلى ملوك المسلمين لا إلى المغول: هؤلاء السلاطين «الحمقى» يتناحرون دائمًا على مدينة أو قلعة ويعرّضون الأبرياء للهلاك، ولم يكن للخليفة نفوذ يوحّد قواهم لصدّ المغول في المعابر المنيعة بين أرمينيا وكردستان والشام [ص ١٧٠].
وينتهي هذا المسار بخضوع سلاجقة الروم: عُزل جرماغون سنة ٦٣٩هـ لإصابته بالشلل وحلّ محلّه بايجو نويان [ص ١٧٠]، فانهزم غياث الدين كيخسرو في كوسه داغ بأرزنجان بعد أن تحقّق له النصر في البداية، وسقطت سيواس وقيسارية، وقبل الجزية السنوية، «وقد وضع قبوله لتبعية المغول نهاية لاستقلال سلاجقة الروم» سنة ٦٤٠هـ [ص ١٧١]. ويوازي المؤلف بين هذا كله وبين حملة الشرق والغرب: فتح كايفونج سنة ٦٣١هـ، وحملة باتو وسبتاي بمئة وخمسين ألفًا سنة ٦٣٥هـ، وإحراق فلاديمير وموسكو، وسقوط كييف سنة ٦٣٨هـ، وبقاء روسيا تحت الحكم المغولي قرنين ونصف قرن [ص ١٧٢]. ويفسّر انسحاب المغول من المجر بعد عام واحد تفسيرًا عرقيًّا لافتًا: «لمّا كان شعب المجر والمغول من أصل واحد، فقد جلوا عن بلادهم واكتفوا بتبعيتهم الرسمية» [ص ١٧٢].
جيوك ومنجو: صراع البيوت والسفارات المسيحية
يعالج المؤلف أزمة الخلافة بعد أقطاي (ت ٦٣٩هـ) معالجةً تقوم على النساء والولاءات لا على القواعد: تولّت توراكينا خاتون النيابة أربع سنوات ونيّفًا تقاوم المعارضين وتدفع العقبات التي يضعها باتو، بعون امرأة داهية من أهالي طوس تُدعى فاطمة [ص ١٧٥]، حتى انعقد المجلس سنة ٦٤٤هـ فحضره حكّام الخطا وخراسان والعراق ولرستان وفارس وأذربيجان وكرمان وكرجستان والموصل وحلب والجزيرة، وأوفد الخليفة العباسي وعلاء الدين صاحب ألموت رسولين «من باب الاحتياط والخوف» [ص ١٧٤]. ويلتفت المؤلف هنا إلى مسألة مصدرية صريحة: من بين الحاضرين سنباد شقيق هيتون ملك كيليكيا، وبلان كاربن سفير البابا إينوسان الرابع، وقد دوّن كلّ منهما شرحًا لرحلته، «كعدّ من المصادر المهمة للتعرّف على الأوضاع الجغرافية لممالك المغول وتاريخ ذلك العصر» [ص ١٧٤].
وبانتقال العرش إلى منجو سنة ٦٤٨هـ يسقط الفرع الأول من أسرة جنكيز — بنو أقطاي — وتنتقل الخلافة إلى أبناء تولي [ص ١٧٧]. ويصف المؤلف سياسة منجو بوصفها منعطفًا: خفّت حدّة الخشونة والقسوة «لطول مخالطتهم للأمم ذات الحضارة»، فخفّض الضرائب وأقرّ رواتب ثابتة للجنود، واستدعى من إيران عددًا من فضلاء الفرس لتولّي دواوين قراقروم، وسوّى في معاملته بين المسيحيين والبوذيين والتاؤيين والمسلمين وسمح لهم بالمناظرات الدينية في حضوره، حتى بلغت حرية المسلمين أن يُذكر اسم خليفة بغداد علنًا في الخطبة في بعض الأقطار [ص ١٧٩]. ويثبت المؤلف في هذا الموضع اقتباسًا طويلًا من «جامع التواريخ» لرشيد الدين بطبعة بلوشة، يصف مراسم التتويج وأمر منجو بألا يُحمَّل حيوان ولا يُراق دم ولا يُلوَّث ماء زلال في ذلك اليوم، ثم صورة منسوجة للملك وحوله الأمراء والخواتين والسقاة [ص ١٧٨].
ويجمع فصل السفارات خيوط السياسة الدينية كلها: مجلس ليون سنة ٦٤٣هـ وقرار إيفاد بعثتين تبشيريتين، ومشادّة رسل البابا مع بايجو نويان حين قالوا إنهم لم يسمعوا باسم خاقان المغول من قبل بل سمعوا عن قوم وحشيين، فطلب أمراؤه قتلهم ثم عفوا عنهم احترامًا لتقاليد السفارة [ص ١٨٠]، ثم بعثة جيوم دو روبروكي الذي مثل بين يدي منجو في قراقروم في الثاني والعشرين من شوال ٦٥٠هـ وسُمح له بمناظرة كهنة البوذية وعلماء المسلمين ولم يظفر بردّ مقنع في مشروع التحالف [ص ١٨١]. وهنا يقيم المؤلف صلة سببية مباشرة، مع تحفّظ محسوب: زار هيتوم ملك كيليكيا قراقروم وظلّ يذكّر خان المغول بتجديد اتفاقه مع جيوك لشنّ هجوم مشترك على المسلمين، وحصل على توصيات بتقديم العون للمسيحيين، «وكانت حملة هولاكو وزوال الخلافة العباسية من نتائج هذا التعهّد إلى حدٍّ ما» [ص ١٨١]. ويكرّر هذا التعليل عند مطلع حملة هولاكو حين يجعل الأرمن ثاني الأطراف التي أعانت المغول، لضغينة دينية جعلتهم يريدون أن يستولي المغول على بغداد ويقضوا على الإسلام قضاءً مبرمًا [ص ١٩١].
ثم يصرّح المؤلف بحدود موضوعه: لمّا كانت قصة حملة قوبيلاي وتوليه حكم الصين «ليست لها صلة كبيرة بتاريخ إيران»، يكتفي بنبذة عنها [ص ١٨١]. وهي نبذة تشمل تتويجه نفسه سنة ٦٥٨هـ في مجلس لم يحضره أحد من أفرع أسرة جنكيز الأربعة، والقضاء على أسرة سونج سنة ٦٧٨هـ، وقدوم ماركو بولو، ونفوذ الفرس واللغة الفارسية في جهازه الحكومي، ووزارة «السيد الأجلّ» خمسًا وعشرين سنة [ص١٨٢–١٨٤].
إيران قبل هولاكو: الولاة وبيت الجويني
يفتتح الفصل الخامس بتقرير بنيويّ: منذ اجتياح خوارزم ولمدة خمس وثلاثين سنة تقريبًا سارت الإدارة في إيران على وتيرة واحدة، إذ يرسل خوانين المغول شخصًا من منغوليا مباشرة ليتولّى إدارة البلاد وقيادة الجيش المقيم بها، ويستعين هذا الحاكم بعمّال ومعاونين من الفرس لجمع الضرائب وإدارة الشؤون الداخلية وقمع المعارضين [ص ١٨٦]. ثم يسرد الولايات المتعاقبة: جنتمور ٦٣٠–٦٣٣هـ [ص ١٨٧]، ونوسال ٦٣٣–٦٣٧هـ [ص ١٨٧]، وجرجوز ٦٣٧–٦٤١هـ [ص ١٨٨]، وهو أويغوري الأصل رقّاه علمه بالخطّ والكتابة والبلاغة، واتّسمت ولايته «بالعدل والكفاءة التامة» فضبط جمع الضرائب وأعمر طوس التي لم تكن تزيد على أطلال خربة، ثم أوقعت به دسائس شرف الدين الخوارزمي فقُتل [ص ١٨٩].
والخيط الذي يهمّ المؤلف في هذا كله هو صعود بيت الجويني. فبهاء الدين محمد الجويني صاحب الديوان خدم الولاة المتعاقبين بأمانة حتى وفاته سنة ٦٥١هـ في الستين [ص ١٩٠]، وألحق ابنه عطا ملك وهو دون السابعة عشرة منشئًا في إدارة الأمير أرغون، فظلّ كاتبًا خاصًّا له نحو عشر سنوات ورافقه في أسفاره إلى منغوليا، «وهي الأسفار التي اطّلع فيها عطا ملك على أوضاع الممالك الأصلية للمغول وتعرّف على حياتهم وتاريخهم وجمع خلالها مادّته ومعلوماته القيّمة لتدوين كتابه النفيس تاريخ جهانكشا» [ص ١٩٠]. وهذه إحدى أهم صفحات الكتاب من جهة المنهج، لأن المؤلف يشرح فيها كيف تكوّن أهمّ مصدر يعتمده، ومن أين جاءت معرفته، ولمن كان يعمل صاحبه.
هولاكو والإسماعيلية: سقوط ألموت
يقدّم المؤلف لحملة هولاكو بتحليل لأسبابها لا بسردها. فالإسلام لم يُقهر في الجزء الغربي من آسيا: للإسماعيلية قلاع حصينة في قهستان وألموت والوديان الجنوبية للبرز، والخلافة الاسمية قائمة في بغداد ولخليفتها نفوذ ديني يمكّنه من تحريك الأمراء المطيعين بإشارة، ومصر والشام تحت الأيوبيين [ص ١٩٢]. ثم يعدّد من أعان المغول على القضاء على هذا كله: أولًا المسلمون من رعاياهم ممن ضاقوا ذرعًا بالإسماعيلية فكانوا يحرّضون المغول على هدم معاقلهم [ص ١٩٢]، وثانيًا الأرمن [ص ١٩١]. ويشهد على النقطة الأولى بنصّين منقولين: قول ابن الطقطقي في «الفخري» على لسان إمام الدين يحيى بن افتخار إن أهل قزوين كانوا يخفون متاعهم في سراديب تحت منازلهم خوفًا من نهب الملاحدة ويعيدون إخراجه في الصباح [ص ١٩١]، ورواية عن ثقات بأن كل تاجر في سوق قزوين كان يُبقي سلاحه حاضرًا في دكانه، وأن القاضي شمس الدين القزويني ذهب إلى منجوخان فوصف حكمه بالضعف والعجز حتى أغضبه، فلمّا سأله الخان عن العجز الذي رآه في بلاده أجابه: أيّ عجز أكبر من أن تقوم فئة من الملاحدة ببناء عدة قلاع يتجبّرون بأموالكم وينتظرون أن تفتر دولتكم [ص ١٩٣].
وسار هولاكو وهو في السادسة والثلاثين على رأس مئة وعشرين ألفًا من خيرة الجند، ومعه جماعة من رماة النفط من الخطا وعدد من العربات والمجانيق، فخرج في ربيع الأول ٦٥١هـ [ص ١٩٤]. وسبقه كيتو بوقا في اثني عشر ألفًا إلى قهستان، فأخفق أمام جردكوه على الرغم من فتحه قلاعًا كثيرة [ص ١٩٤]. وضُرب الحصار على ميمون دز في أواخر رمضان ٦٥٤هـ، ثم خرج ركن الدين خورشاه في أواخر ذي القعدة فمثل بين يدي هولاكو، بمشورة من خواجة نصير الدين الطوسي الذي كان آنذاك داخل الحصن [ص١٩٥–١٩٦]. وصمدت جردكوه ولنبه سر وألموت وحدها من بين المئة قلعة، ثم سقطت ألموت بعد ثلاثة أيام من القتال الشرس [ص ١٩٦].
وأدقّ ما في هذه الصفحات ما يرويه المؤلف عن مكتبة ألموت: استأذن عطا ملك الجويني — وكان مرافقًا للحملة — في الاطّلاع على كتب المكتبة التي ذاع صيتها في أرجاء الدنيا وأن يحصل على النفيس منها على أن يُحرَق ما يتعلّق بأفرع المذهب الإسماعيلي، فدخلها وانتقى المصاحف وأدوات التنجيم والرصد وغيرها من نفائس الكتب، وأتلف بقيّتها [ص ١٩٦]. ومن بين ما أُنقِذ كتاب «سرگذشت سيدنا» في سيرة حسن الصبّاح وخلفائه، ضمّنه عطا ملك المجلد الثالث من «جهانكشاي جويني»، وبقي منه جزء أكثر تفصيلًا في «جامع التواريخ» لرشيد الدين [ص ١٩٧]. فالمؤلف يبيّن هنا كيف صار المصدر الوحيد الباقي عن الإسماعيلية من صنع الرجل الذي أحرق سائر كتبهم.
فتح بغداد وزوال الخلافة العباسية
يبني المؤلف سقوط بغداد على تشخيص للخليفة قبل أن يبنيه على الحملة. فالمستعصم بالله، السابع والثلاثون والأخير من بني العباس، رجل متديّن هادئ الطبع عفّ اللسان حسن الأخلاق، «ولكنه كان ضعيفًا ولا دراية له بشؤون السياسة والحكم»، يقضي وقته في مجالس السماع والنساء والمهرّجين أو في مكتبته دون فائدة، ويولّي أدنياء الناس كبار الأعمال، ولم يكن في بلاطه كفؤ سوى وزيره مؤيّد الدين بن العلقمي [ص١٩٧–١٩٨]. ويضيف سببين بنيويّين: نقض المستعصم عادة الخلفاء في سجن أبنائهم احتياطًا فترك أبناءه الثلاثة طلقاء واستغلّ أكبرهم ضعف أبيه، وانقسام حاشيته إلى فرق متعادية كلٌّ منها يفكّر في الإطاحة به [ص١٩٨–١٩٩]. ويثبت له جملة تلخّص الموقف كله: كلّما بلّغوه باقتراب التتار قال «تكفيني بغداد ولا حاجة بي للبلاد الأخرى» [ص ١٩٨]. ويضيف الشرخ المذهبي: فتنة الشيعة والسنّة سنة ٦٥٠هـ، وإغارة الابن الأكبر أبي بكر على الكرخ وضريح الإمام موسى بن جعفر، «مما أدّى إلى بغض الشيعة عامة للخليفة وبني العباس» وإلى تألّم الوزير الشيعي [ص ٢٠٠].
ثم تأتي الوقائع مرتّبة بدقّة. أقام هولاكو في همدان وأطراف كرمانشاه قرابة عشرة أشهر ومعه بدر الدين لؤلؤ وأبو بكر بن سعد ونصير الدين الطوسي وعطا ملك الجويني [ص ٢٠٠]. وفي العاشر من رمضان ٦٥٥هـ أرسل يطلب استسلام الخليفة أو إيفاد سليمان شاه وابن العلقمي والكاتب الثاني [ص ٢٠٠]، فأجابه الخليفة بتهديدات يذكّره فيها بمصير يعقوب بن ليث والسلطان محمد السلجوقي والسلطان محمد خوارزمشاه. ويعلّق المؤلف بحدّة: هذه «التهديدات الجوفاء» لم تؤدِّ إلا إلى إثارة حنق هولاكو وزيادة عزمه [ص ٢٠١]. وتحرّك هولاكو من طريق كرمانشاه وحلوان في أوائل ذي الحجة ٦٥٥هـ بعد أن استقطب العشائر بالمال وأخضع الأكراد، وأمر سونجاق وبايجو بمحاصرة بغداد من الغرب وكيتو بوقا بالقدوم من لرستان وخوزستان [ص ٢٠١]. وانهزم مجاهد الدين الكاتب الثاني قرب الأنبار فقُتل من جيشه اثنا عشر ألفًا [ص ٢٠٢].
وأرقام الحصار في النصّ غير متّسقة: يُذكر أن قوات سونجاق وبايجو حاصرت المدينة من الغرب في الخامس عشر من محرم ٦٥٦هـ وأن هولاكو نزل شرقيّها في الحادي عشر، ثم يقال إن الحصار بدأ يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من محرم واستمر إلى نهاية الشهر [ص ٢٠٢]. ولمّا لم تكن على أطراف بغداد أحجار، كان التتار يجلبونها من جبال حمراوين وجلولا ويجتثّون النخيل من جذوره فيرمون به المدينة [ص ٢٠٢]. وأُخرِج سليمان شاه والكاتب بأتباعهما وحشد كبير من الأهالي بدعوى الزحف بهم على الشام ومصر، فقُتلوا عن آخرهم، وأُرسِلت رؤوس الثلاثة إلى بدر الدين لؤلؤ في الموصل فعلّقها على المشانق وهو يبكي خوفًا من هولاكو [ص ٢٠٢]. وخرج الخليفة بأبنائه الثلاثة ومعهم ثلاثة آلاف من سادات بغداد وأئمّتها وقضاتها وأعيانها في الرابع من صفر ٦٥٦هـ، فأمره هولاكو بمنع من بقي من الجهاد، فوضع الأهالي أسلحتهم فأخرجهم بدعوى إحصائهم وقتلهم جميعًا [ص ٢٠٢].
وفي التاسع من صفر دخل هولاكو بغداد وسلّمه المستعصم بيده مفاتيح خزائن ظلّت في يد أجداده خمسة قرون [ص ٢٠٣]. وهنا يترك المؤلف السرد لنصّ آخر، فينقل فقرة من «رساله كوچك فتح بغداد» المنسوبة إلى نصير الدين الطوسي: أنزل هولاكو خواصّ الخليفة عند بوابة كلواذ، ثم أمر باستدعائه وبتقديم الهدايا فوزّعها فورًا، ثم وضع أمامه طبقًا من ذهب وأمره أن يأكل، فقال الخليفة لا أستطيع، فقال له: إذن لِمَ تأخّرت ولم تفتح هذه البوابات الحديدية ولماذا لم تأتِ إلينا على ضفاف جيحون؟ فأجاب: هكذا كان أمر الله، فقال الملك: وما سيجري عليك من قضاء الله أيضًا. وفي النصّ نفسه أن معه سبعمئة من الحريم وألفًا ومئتي خادم، وأن الملك غادر في الرابع عشر من صفر [ص ٢٠٣].
وخُرّبت الأضرحة ومنها ضريح الإمام موسى الكاظم، ثم أمر هولاكو بعد أسبوع بوقف القتل والغارات، وغادر في الرابع والعشرين من صفر لسوء الجوّ، ثم استدعى المستعصم فقتله هو وابنه الأكبر، وقُتل الأوسط بعد أيام، ونجا الأصغر مبارك شاه إذ وهبه هولاكو لزوجته فسلّمته إلى نصير الدين الطوسي وزوّجوه بامرأة مغولية [ص ٢٠٣]. ويسجّل المؤلف الحصيلة في جملتين: «هكذا سقطت دولة بني العباس التي دامت خمسمئة وخمسًا وعشرين سنة وزالت الخلافة تمامًا»، ثم يورد عدد الضحايا بصيغة التمريض: «ويقال إن عدد ضحايا بغداد بلغ ثمانمئة ألف قتيل» [ص ٢٠٣]. ثم أُعيد ابن العلقمي وزيرًا كما كان، وبدأ إعمار ما تخرّب ودفن الجثث، بينما استولى القوّاد على الحلّة والكوفة والنجف، وقُتل من أهل واسط أربعون ألفًا لمّا قاوموا [ص ٢٠٣].
وفي «نتائج غزو بغداد» يميّز المؤلف بين السلطة والمكانة: لم يبقَ للخليفة نفوذ سياسي، لكن مكانته الروحية ظلّت كما هي، فلم يجد المسلمون بعد خضوعهم للمغول ما يحول دون تلاوة الخطبة باسمه [ص ٢٠٦]. ويسجّل حزن أهل السنّة خاصة، وينقل قصيدة سعدي في رثاء المستعصم مطلعها في التعريب: «للسماء حقّ إن أمطرت دمًا على زوال ملك المستعصم أمير المؤمنين»، ويثبت أصلها الفارسي في الحاشية مع تعريف بسعدي وتاريخ وفاته بين ٦٩١ و٦٩٤هـ [ص٢٠٧، ص٢١٦]. ثم يمدّ الخيط إلى ما بعد عصره: خلوّ الأرض من وليّ للأمر كان ذريعة اتّخذها العثمانيون في إحياء مسألة الخلافة واعتبار أنفسهم خلفاء للخلفاء العباسيين [ص ٢٠٧].
ابن العلقمي، أو كيف يتصرّف المؤلف في رواية متنازع عليها
يفرد المؤلف لوزير المستعصم بحثًا مستقلًّا هو أوضح موضع في القسم يُظهر طريقته في التعامل مع مصادر متعارضة. يبدأ بترجمة محايدة: كان من فضلاء عصره، اشتهر بحسن الخطّ وقرض الشعر والإنشاء، راعيًا لأهل العلم، يقتني مكتبة تحوي عشرة آلاف مجلد مخطوط، وباسمه وضع ابن أبي الحديد «شرح نهج البلاغة» [ص ٢٠٤]. ثم يقرّر أن المؤرخين يوردون في دوره «روايات متضاربة» وأن «حقيقة الأمر يشوبها قدر من الغموض» [ص ٢٠٤].
ويعرض الطرفين متقابلين. فمعظم المؤرخين المسلمين، وخاصة أهل السنّة ممن تحسّروا على زوال بني العباس، يقولون إنه غضب لتشيّعه بعد مذبحة الكرخ وتخريب ضريح الإمام موسى على يد ابن الخليفة، فدأب على مراسلة هولاكو والطوسي دون علم الخليفة يخبرهم بضعفه وسهولة فتح بغداد، وأبعد جيش الخليفة بحجّة أن الصلح مضمون، بل يُروى أنه أمر بفتح سدّ أحد الأنهار فغرقت جماعة من جيش الخليفة [ص ٢٠٤]. وفي المقابل، يبرّئه المؤرخون الشيعة ومنهم ابن الطقطقي في «الفخري» — ويلاحظ المؤلف أنه دوّنه سنة ٧٠١هـ، أي بعد غزو بغداد بخمس وأربعين سنة — ويردّون الأحداث إلى ضعف الخليفة وظلم ابنه وتناحر الأمراء، وينقلون عن ابن أخت الوزير كمال الدين بن الضحّاك مشهدًا حضره بنفسه: أن هولاكو طلب الوزير فقال الوزير للخليفة ومن الذي سيتولّى شؤون دار الخلافة إذا خرجت؟ فأجابه الخليفة لا مفرّ من أن تذهب إليه، ثم يستنتجون: ولو كان خائنًا لما وثق به هولاكو ولما ترك له بغداد [ص ٢٠٥].
ثم يقول المؤلف رأيه في الروايتين معًا. لا يمكن القول إنه لا دخل له في تقدّم المغول كما يدّعي ابن الطقطقي؛ فحتى لو سلّمنا بخطأ كل ما نسبه إليه أهل السنّة واعتبرناه نابعًا من تعلّقهم بأسرة الخلفاء، فلا بدّ من الأخذ في الاعتبار أنه كان فارسيًّا شيعي المذهب، وأن له حقدًا على العباسيين بسبب مسألة الكرخ وذبح شيعة بغداد، وأن بينه وبين عمّال الخليفة عداءً سياسيًّا [ص ٢٠٥]. ويعرض في السياق نفسه فرضية أوسع رواها بعض المؤرخين: أن حملة هولاكو تمّت بتحريض من الفرس ثأرًا للدولة الساسانية، حتى قيل إن بعضهم حرّض المغول على إلقاء كتب الخلفاء في دجلة انتقامًا للكتب التي أهدرها العرب في النهر نفسه عند فتح المدائن. ويوقف المؤلف هذه الفرضية عند حدّها: «ولا سبيل للاستدلال على صحة هذا الخبر أو سقمه، ولا ندري ما إذا كانت هذه من الاتهامات التي يوجّهها أهل السنّة للفرس الشيعة أم أن الفرس كان لهم دور» [ص٢٠٥–٢٠٦]. ثم يخلص إلى صيغة معلّقة صريحة: دور ابن العلقمي «يشوبه الغموض التام»، فلا سبيل لتصديق كل أقوال أهل الغرض ولا للجزم ببراءته، ويتوقّف حلّ هذا اللغز على التمحيص الدقيق لأوضاع بغداد آنذاك [ص ٢٠٦]. وهو موقف نادر في كتاب يكثر فيه إصدار الأحكام.
من الشام إلى عين جالوت، ومرصد مراغة
بعد بغداد اتّجه هولاكو إلى الجزيرة والشام في رمضان ٦٥٧هـ، فسقطت حلب في أسبوع واحد وصمدت قلعتها أربعين يومًا [ص ٢٠٩]، وبادر أهل دمشق بالطاعة خوفًا من مصير حلب فخضعت سنة ٦٥٧هـ [ص ٢١٠]. ثم بلغه نبأ وفاة منجو فترك كيتو بوقا على حدود الشام وعاد إلى أخلاط في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ٦٥٨هـ [ص ٢١٠]. ويعود المؤلف بالسرد إلى مصر ليشرح كيف نشأت القوة التي أوقفت المغول: انتصار الملك الصالح أيوب بالمماليك وبفلول جيش جلال الدين المعروفين بـ«الخوارزمية»، وأسر لويس التاسع في الثاني من محرم ٦٤٨هـ، ومقتل توران شاه في المحرم نفسه ونهاية الحكم الأيوبي لمصر، وشجرة الدرّ وأيبك، ثم قطز الذي يقول المؤلف إن «بعضهم يزعم أنه من أمراء الأسرة الخوارزمشاهية الفارّين» [ص٢١٠–٢١٢]. فقتل قطز رسل هولاكو وزحف إلى فلسطين، وأنزل بقوات المغول في عين جالوت هزيمة ساحقة وأُسِر كيتو بوقا فضُربت عنقه، في رمضان ٦٥٨هـ [ص ٢١٢].
ويقوّم المؤلف الموقعة تقويمًا مزدوجًا: «مع أن موقعة عين جالوت ليست لها أهمية كبرى من الناحية العسكرية، فقد كانت أهميتها تكمن في أن المغول لم تعد لهم من بعدها قدرة على فتح الشام ومصر» [ص ٢١٥]. ويضمّ إليها عاملًا ثانيًا في تخفيف عداء المغول للإسلام: اعتناق مغول صحراء القبجاق والخزر وتركستان له [ص ٢١٦]. وقبل ذلك يقول صراحة إن كيتو بوقا شرع بعد فتح دمشق في تحويل مساجدها إلى كنائس، وإنه «لولا كفاءة الأمير قطز وانتصاره في عين جالوت لقضى المغول على آخر معاقل الإسلام في فلسطين وشمال أفريقيا» [ص ٢١٥].
وفي الجانب الآخر من صورة هولاكو يضع المؤلف مرصد مراغة. اتخذ هولاكو مراغة مقرًّا، وربما لاعتدال جوّها وقربها من الشام ومصر، وأمر نصير الدين الطوسي ببناء مرصد [ص ٢٠٨]. ويورد رشيد الدين أن منجو نفسه كان قد طلب إرسال الطوسي إليه لبناء مرصد في منغوليا، فرأى هولاكو تنفيذ الأمر في إيران. وقال الطوسي إن العمل يحتاج نحو ثلاثين سنة فطلب هولاكو إتمامه في اثنتي عشرة، فشرع في إعداد زيج جديد سنة ٦٥٧هـ بالاستعانة بأزياج سابقة، واستُدعي عالم نجوم صيني لمعاونة المنجّمين المسلمين في ترتيب التاريخ الصيني وأسلوب الحساب عند الصينيين، ووُضعت تحت تصرّفه أدوات الرصد المستولى عليها من بغداد وأوقاف ممالك المغول كلّها [ص ٢٠٨]. واستغرق البناء قرابة خمس عشرة سنة، ونُشرت نتيجته في «زيج أيلخاني» سنة ٦٦٣هـ في عهد أبقا خان، وبلغت تكاليفه نحو عشرين ألف دينار، وعمل فيه قطب الدين الشيرازي ومؤيّد الدين العرضي الدمشقي ومحيي الدين المغربي وفخر الدين المراغي وفخر الدين الأخلاطي ونجم الدين الكاتبي القزويني [ص ٢٠٨].
الإيلخانيون: أباقا وبيبرس، ونهاية بيت الجويني
يفتتح الفصل السادس بتقرير تفسيري: خلفاء هولاكو الذين حكموا إيران يُعرفون بسلاطين المغول أو الإيلخانيين، ولمّا لم تعد لهذه الأسرة صلة كبيرة بخوانين منغوليا ولا تخضع لسلطة بلاط قراقروم فهي «تعد أسرة مستقلة»، ومنذ تتويج أباقا في رمضان ٦٦٣هـ اتّبع خلفاء هولاكو نهج سلاطين إيران و«يعدّون في الحقيقة صنفًا مستقلًّا من ملوك تلك البلاد» [ص ٢١٨]. وهذا هو المفصل الذي يجعل بقية الكتاب تاريخًا إيرانيًّا لا مغوليًّا.
ويقيس المؤلف نجاح أباقا بمقياس الإدارة لا الحرب: هيّأ شمس الدين محمد الجويني صاحب الديوان وأخوه عطا ملك أسباب ازدهار دولته، فشهدت إيران في عصرهما رخاءً كبيرًا، وقيل إن بغداد في عهد عطا ملك كانت أكثر ازدهارًا مما كانت عليه في عصر الخلفاء، إذ بنى القرى وشقّ الترع وأحال الأراضي البور حقولًا يانعة [ص ٢١٩]. وفي مقابل ذلك يعرض سياسته الخارجية عرضًا نقديًّا: تربّى في كنف دوقوز خاتون وتزوّج مريم ابنة إمبراطور الروم الشرقية ميخائيل باليولوجوس، ويقال إنه تعمّد قبل الزواج بطلب من عروسه [ص ٢٢٠]، وتوالت رسائله إلى الباباوات كليمان الرابع وغريغوار العاشر ويوحنا الحادي والعشرين ونيكولا، وإلى إدوارد الأول ملك إنجلترا [ص٢٢٠–٢٢١]. ويحكم المؤلف: «كانت نتيجة تلك السياسة أن سعى أباقا خان طوال مدة حكمه إلى القضاء على الإسلام بعون من البابا وملوك أوربا»، وأن مسلمي إيران والعراق سخطوا عليه ومالت قلوبهم إلى سلطان مصر، «وكان لهذه النقطة الأخيرة دور كبير في فشله في تحقيق هدفه» [ص ٢٢٢].
وتشغل حروب بيبرس وقلاوون مساحة واسعة، ويعدّها المؤلف سلسلة متّصلة: «كانت موقعة حمص رابع فتوحات المسلمين بعد أبلستين والبيرة وعين جالوت» [ص ٢٣١]. ويسجّل هزيمة المغول في أبلستين في العاشر من ذي القعدة ٦٧٥هـ ومقتل قائديهم [ص ٢٣٠]، ثم يفرد لانتقام أباقا صفحة قاسية: أرسل جنوده بين قيسارية وأرزن الروم وأمر بذبح مسلمي تلك البلاد، «ويقال إنهم قتلوا مئتي ألف من الأبرياء في أسبوع ويقال خمسمئة ألف» [ص ٢٣٢] — والمؤلف هنا يثبت الروايتين ولا يرجّح. ويسجّل أيضًا موقف بيبرس من أهل الروم: أحسن معاملتهم ولم يسمح بأذى من جيشه، ووجّه اللوم لقوّاد السلاجقة لمساعدة الكفار، وقال إن هدفه من الحملة تحرير البلاد من ربقة المغول لا تخريب مدنها [ص ٢٣٢]. أما مصرع معين الدين بروانه فيرويه على وحشيّته: مُثّل بجثّته وطُبخت في قِدر وأكل كل من الحاضرين قطعة من لحمه، «وتناول أباقا نفسه قطعة من لحمه» [ص ٢٢٩].
وأطول خيط داخلي في هذا الفصل هو صراع مجد الملك اليزدي مع بيت الجويني، ويقول المؤلف إنه «من أهم الأحداث الداخلية التي شهدتها ولاية أباقا خان» [ص ٢٣١]. ويتتبّعه في أربع محاولات متعاقبة بين سنتَي ٦٧٧ و٦٨٠هـ: الوشاية عبر الأمير أرغون، ثم عرض التهمة على أباقا في سلطانية، ثم مصادرة أملاك عطا ملك بدعوى إخفاء أموال الضرائب، ثم استئجار شهود من مسيحيي بغداد ورعاعها [ص٢٣٣–٢٣٥]. وانقلبت الشهادة الأخيرة على أصحابها لأن الأعرابيَّين اللذين أُحضرا كان عطا ملك قد أوفدهما فعلًا لدعوة أمراء الشام إلى تبعية المغول [ص ٢٣٥]. وانتهى مجد الملك مقتولًا في الثامن من جمادى الأولى ٦٨١هـ، مزّقه خصومه إربًا وشووا جثّته وأرسلوا أوصاله إلى بغداد وتبريز وشيراز والعراق [ص ٢٣٨]. ثم انتهى البيت كله على يد أرغون: أُعدم شمس الدين صاحب الديوان في الرابع من شعبان ٦٨٣هـ قرب أهر بأذربيجان، وأُعدم أبناؤه الأربعة في السنة نفسها، وحفيده ومنصور بن عطا ملك سنة ٦٨٨هـ، وخواجه هارون سنة ٦٨٥هـ [ص ٢٤٦]. ويختم المؤلف الفصل بنقل طويل من «تاريخ وصّاف» يصف زيارة الراوي لمقابرهم في جرنداب بتبريز سنة ٦٩٢هـ وقصيدة مثبتة على الجدار المواجه للقبور [ص ٢٤٧].
من تكودار إلى غازان: الإسلام، وسعد الدولة، والعملة الورقية
يجعل المؤلف من العقد الفاصل بين ٦٨١ و٦٩٤هـ صراعًا على هوية الدولة لا على العرش وحده. فتكودار — السلطان أحمد — عُمّد في صباه على التقاليد المسيحية ثم مال إلى الإسلام بعد اختلاطه بالمسلمين، وأشهر إسلامه أول ما تولّى وكتب إلى علماء بغداد وأعيانها، فتبعته جماعة من المغول [ص٢٣٦–٢٣٧]. وولّى الشيخ كمال الدين عبد الرحمن الرافعي شيخًا للإسلام ووضع أوقاف الدولة تحت تصرّفه، فشطب رواتب النصارى واليهود من الدفاتر الإيلخانية وأحال المعابد البوذية والكنائس إلى مساجد وأمر بتخريب كنيسة تبريز [ص ٢٣٨]. وأرسل الرافعي وقطب الدين الشيرازي إلى قلاوون في أواخر جمادى الأولى ٦٨١هـ يبلغه إسلامه وتخلّيه عن فكرة الحملة على مصر، فأثنى قلاوون على إجراءاته ونشأت بين الملكين صداقة [ص٢٣٩–٢٤٠]. ويرى المؤلف أن هذا التحوّل نفسه هو ما قتله: كان اعتناقه الإسلام وتحويل المعابد والكنائس إلى مساجد سببًا في إثارة حنق كثرة من أمراء المغول [ص ٢٣٩]، وزاد حقد أرغون عليه بعد مقتل قونغرتاي لأن سفك دم أمير مغولي بيد قريب له يخالف الياسا الجنكيزية، «وتيقّن أنه تخلّى عن قوانين أجداده ولم يعد يولي احترامًا للياسا بعد اعتناقه للإسلام» [ص ٢٤٢]. وبعد مقتله في السادس والعشرين من جمادى الأولى ٦٨٣هـ يكتب المؤلف جملة تلخّص قراءته للعقد كله: «بمصرعه انكسرت شوكة المسلمين والفرس... وسادت من جديد إلياسا الجنكيزية والتقاليد المغولية محلّ شريعة الإسلام» [ص ٢٤٤].
وفي عهد أرغون يبلغ هذا الانقلاب ذروته بوزارة الطبيب اليهودي سعد الدولة من أهالي أبهر بزنجان. ويشرح المؤلف صعوده شرحًا إداريًّا: كان يعرف أوضاع موظفي بغداد ومسؤوليها الماليين، فشفى أرغون من وعكة فقرّبه إليه، ثم كشف له أن بوغا وأخاه آروق يحصّلان الأموال الديوانية لحسابهما، فأُرسل إلى بغداد فجمع في مدة قصيرة أموالًا طائلة، فثبت للإيلخان أن آروق لا يودع الخزانة سوى عُشر ما يجمع، فولّاه الوزارة وفوّض له الحلّ والعقد [ص٢٤٩–٢٥٠]. ولا يكتفي المؤلف بإدانته، بل يعترف له بالكفاءة: أمر الأمراء والولاة بالفصل في الدعاوى على وفق الشريعة الإسلامية واسترداد حقوق المظلومين، وأقنع الإيلخان بأن كثرة أسفار المبعوثين لتحصيل الأموال هي السبب الأول لخراب البلاد، فرُفع كثير من المظالم وعمرت الخزانة حتى بلغت الموارد ألف تومان من الذهب [ص ٢٥١]. ثم انقلب الأمر إلى استبداد مطلق ومشروع أشدّ غرابة: أوهم أرغون بأن النبوّة انتقلت بالتوارث من جنكيزخان إليه وأنه رسول من عند الله، وأنه ينبغي ضرب عنق كل من يرفض دينه الجديد، وقرّر إحالة الكعبة إلى معبد وأعدّ سفنًا في بغداد، وأرسل قوائم بأسماء مئتي شخص من أعيان خراسان وسبعة عشر من شيراز لقتلهم [ص٢٥٢–٢٥٣]. وأنهى المرض هذا كله: صنع له السحرة من البخشيين والقاميين مادة مركّبة من الزئبق والكبريت لإطالة عمره، «وكانت هذه المادة سببًا في مرض الإيلخان وإصابته بالشلل وموته» [ص ٢٥٣]. فقُتل سعد الدولة في آخر صفر ٦٩٠هـ ومات أرغون بعده بأيام [ص ٢٥٤].
أما كيخاتو (٦٩٠–٦٩٤هـ) فيقدّمه المؤلف نموذجًا لانهيار مالي كامل، ويسنده بأرقام: بلغت ديون الوزارة في غضون عامين قرابة خمسمئة تومان، وتفشّى وباء في قطعان أغنام المغول، وكانت نفقات مطبخ الأمراء في عهدي أباقا والسلطان أحمد لا تزيد على خمسة وأربعين تومانًا فبلغت في عهده مئة وخمسة وستين [ص ٢٥٨]. ومن هذا المأزق وُلدت تجربة العملة الورقية: اقترح عزّ الدين محمد بن مظفر بن عميد، وهو على دراية بأوضاع الصين، تداول «الجاو» بدلًا من الذهب والفضة، فصدر المرسوم في جمادى الآخرة ٦٩٣هـ بوقف التعامل بالمعدنين وأُنشئت في كل مدينة إدارة تُسمّى «جاوخانه» [ص٢٥٨–٢٥٩]. ويصف المؤلف الورقة وصفًا ماديًّا: قطعة مستطيلة دُوّنت على حوافّها كلمات بالخطّ الخطائي والشهادتان في أعلاها وتحتهما لقب كيخاتو المغولي، وفي وسطها دائرة، وتراوحت قيمتها بين نصف درهم وعشرة دنانير، وعليها تهديد بالياسا لمن يغيّر أو يبدّل [ص ٢٥٩]. ثم يترك الوصف لشاهدين معاصرين: نصّ من «تاريخ وصّاف» عن آلية الاستبدال وتعويض أرباب الحرف [ص ٢٥٩]، ونصّ أطول من «جامع التواريخ» يصف تبريز وقد خلت تمامًا من الناس، والأهالي يلجؤون إلى البساتين لتناول الفاكهة، والأوباش يتربّصون في الليل على نواصي الحارات فيأخذون الغلّة ويقولون خذ العملة الورقية ثمنًا لها، حتى أمسك أحد الدراويش بخناق الوزير في السوق وقال له: رائحة أكباد الناس المحترقة زكمت أنوف الدنيا فأنعم بأنفك، فتأثّر وأصدر مرسومًا بالتعامل بالذهب [ص٢٦٠–٢٦١]. وأُلغيت التجربة، وسمّاها الناس «العملة الورقية غير المباركة» ولقّبوا الوزير «جاويان» [ص ٢٦٠].
ويُختم القسم بمشهدين متتاليين. الأول لقاء غازان وبايدو بعد معركة هشترود في الخامس من رجب ٦٩٤هـ: تعانقا واتفقا على ألا يحشد أحدهما جيشًا ضدّ الآخر، وتبادلا الأنخاب وأذابا قدرًا من الذهب في الشراب على عادة المغول، «وشرب الجميع عدا الأمير نوروز الذي اعتذر عن عدم الشرب بسبب عقيدته الإسلامية» [ص ٢٦٤]. والثاني إسلام غازان في الرابع من شعبان ٦٩٤هـ في لار بدماوند، اغتسل وارتدى حلّة جديدة وأعلن إسلامه بين يدي الشيخ صدر الدين إبراهيم ابن الشيخ سعد الدين بن حمّوية الجويني، فتبعه نحو مئة ألف من المغول وصار يُعرف بمحمود [ص ٢٦٥]. والمؤلف هنا لا يجمّل الدافع: يسبق المشهدَ بقول الأمير نوروز لغازان إن كل المسلمين سيتّخذون جانبه وتزداد قوّته لو اعتنق الإسلام، وبنبوءة منجّمين وعلماء بظهور سلطان سنة ٦٩٠هـ يستردّ الإسلام في كنفه مجده [ص ٢٦٥]، ثم يقرّر صراحة: «مع أن اعتناق غازان للإسلام كان لمصلحة في بادئ الأمر وتنفيذًا لسياسة مرسومة، فقد عاد إسلامه بفائدة كبرى»، هي إعادة العمّال الأكفاء من المسلمين إلى وظائفهم بعد إقصائهم منذ زوال دولة بيت الجويني وتسلّط المتعصّبين من التتار والنصارى واليهود، وانتهاء التنافس بين العنصر المسلم الفارسي وبين التتار والنصارى بانتصار الأول [ص ٢٦٦]. وقُتل بايدو في الثالث والعشرين من ذي القعدة ٦٩٤هـ بعد ثمانية أشهر من الولاية، وكان يدين بالمسيحية «ولكنه لم يكن يعادي الإسلام؛ ولكي يستميل قلوب المسلمين كان يوفد ابنه لأداء الصلاة معهم» [ص ٢٦٧].
ملاحظة على حال النصّ
نصّ هذه الصفحات مقروء في مجمله، غير أن فيه مواضع اضطراب ينبغي التنبيه إليها. أولها اختلال ترتيب الصفحات في مواضع ثلاثة على الأقل: يقع في مطلع الفصل الرابع أن الصفحات ١٣٨ و١٤٠ و١٤١ تحمل خاتمة الفصل الثالث وحواشيه — تقسيم ممالك جنكيز والاصطلاحات المغولية — مقحمةً بين صفحات سرد جلال الدين المتّصل ١٣٧ و١٣٩ و١٤٢. وفي فاتحة حملة هولاكو تسبق الصفحة ١٩٢ الصفحةَ ١٩١ منطقيًّا، فالأولى تعدّد «أولًا المسلمون» والثانية تبدأ بـ«ثانيًا الأرمن». وفي فصل الإيلخانيين يجري السرد على الترتيب ٢٢٨ ثم ٢٣٠ ثم ٢٣٢ ثم ٢٢٩ ثم ٢٣١. وثانيها أن عنوانًا في الصفحة ١٨٩ يقرأ «ولاية جورماغون (٦٤١–٦٥١هـ)» بينما يسرد النصّ تحته ولاية الأمير أرغون آقا ومدّتها ونيابته وأسفاره الأربعة إلى بلاط الخان [ص ١٩٠]، وهو خلل ظاهر في العنوان أو في نقله. وثالثها أرقام مطموسة لا يمكن الوثوق بها: مدّة حكم الإسماعيلية عند سقوط ألموت [ص ١٩٦]، وسنوات حكم أسرة قراخطائيي كرمان [ص ١٤٣]، وتاريخا بدء حصار بغداد المتعارضان في الصفحة نفسها [ص ٢٠٢]. والصفحة ٢١٧ خالية إلا من ترقيمها. والصفحة ٢٦٨ تفتتح الفصل السابع «إيلخانات إيران»، فهي أوّل ما يلي هذا القسم لا آخره.