ʿAbbās Iqbāl Āshtiyānī · A History of the Mongols · A Reader's Companion

الإيلخانات، والحضارةُ والمعارف

القسم الثالث

عباس إقبال الآشتياني · ترجمة د. عبد الوهاب علّوب · المجمع الثقافي، أبوظبي، ١٤٢٠ هـ / ٢٠٠٠ م

إيلخاناتُ إيران، والفترةُ بين العهدين الإيلخاني والتيموري، ثمّ الفصلُ الأخير في الحضارة والمعارف والصناعات في العصر المغولي.

ابدأ

يتناول هذا القسم من الكتاب الشطر الأخير من قصة المغول في إيران: قيام دولة إيلخانية مسلمة على يد غازان خان سنة ٦٩٤هـ، ثم انحلال هذه الدولة بعد وفاة أبي سعيد بهادر خان سنة ٧٣٦هـ، ثم العشرون سنة التي تلتها وتقاسمت فيها خمس أسر إيرانية ميراث الإيلخانات إلى أن محاها الأمير تيمور في العقدين الأخيرين من القرن الثامن. ثم ينتقل الكتاب في فصله التاسع إلى نوع آخر من الكلام: عرض للمصادر التي كُتب منها التاريخ السابق، ثم مسح للعلوم والآداب والفنون والعمارة والتجارة في العصر المغولي كله. والمدى الزمني للقسم إذن يمتد من سنة ٦٩٤هـ إلى سنة ٧٩٥هـ في الجانب السردي، ويرتد في الفصل التاسع إلى ما قبل الغزو لتفسير ما آلت إليه الحضارة الإيرانية بعده [ص ٢٦٨]، [ص ٣٦٢]، [ص ٤٧٤].

غازان خان: إسلام الدولة وانفصالها عن خانبالغ

يفتتح المؤلف الفصل السابع بجملة حكم لا بجملة سرد: ظل الإسلام دينًا رسميًا لإيران منذ جلوس غازان حتى زوال دولة الإيلخانات، وقامت الحكومة على أساس الشريعة، وزالت الطاعة التي كان الإيلخانات يدينون بها لقاآن خانبالغ، وبدأت الصلة بين العاصمتين في الانقطاع [ص ٢٦٨]. أي أن اعتناق الإسلام عنده حدث دستوري قبل أن يكون حدثًا دينيًا. دخل غازان تبريز في العاشر من ذي الحجة ٦٩٤هـ وجلس على العرش في يوم النوروز، وكان أول مرسوم أصدره يقضي باعتناق المغول للإسلام وتخريب الكنائس ومعابد اليهود والبوذيين والزردشت في كل أنحاء الدولة [ص ٢٦٨]. ولا يجمّل المؤلف نتائج ذلك: يقول إن التصريح صار فرصة اغتنمها «جماعة من المغرضين» لتحصيل الإتاوات ونهب الممتلكات، خاصة في أربيل والموصل وبغداد ومراغة ومدن أرمينيا، وإن المغول البوذيين اضطروا إلى «التظاهر باعتناق الإسلام ولكنهم ظلوا في باطنهم على دين آبائهم» [ص ٢٦٩]. وهذه ملاحظة لافتة، لأنها تنزع عن التحول صفة الإجماع في اللحظة نفسها التي يُقرَّر فيها.

ثم يسرد الكتاب سلسلة التصفيات التي رافقت تثبيت الحكم: تعيين صدر الدين الزنجاني وزيرًا والأمير نوروز أميرًا للأمراء، ثم تمرد الأمراء سوكاي وبرلا وأرسلان بدعوى إعادة المعابد البوذية وإضعاف المسلمين [ص٢٧٠–٢٧١]، ثم قتل الأمير نوروز في ٢٢ ذي القعدة ٦٩٦هـ بعد مؤامرة رسائل مزوّرة إلى سلطان مصر دُسّت في متاع تاجر بغدادي وهو سكران [ص٢٧٢–٢٧٣]، ثم شطر صدر جهان نصفين في ٢٢ رجب ٦٩٧هـ [ص ٢٧٤]. والمؤلف هنا لا يعلّق كثيرًا، لكنه يضبط الفاعلين بأسمائهم ويوثّق التواريخ باليوم، ويعترف صراحة بأن أحكامًا صدرت «بدون محاكمة أو تحقيق» [ص ٢٧٣].

الحرب على الشام: مجمع المروج ومرج الصفر

يخصص الكتاب نحو اثنتي عشرة صفحة لصراع غازان مع المماليك، ويقدّم له بسرد مطوّل للأوضاع الداخلية في مصر — قتل الملك الأشرف سنة ٦٩٣هـ، ثم كتبغا، ثم لاتشين، ثم عودة الملك الناصر [ص٢٧٦–٢٧٨]. وتفسيره لاندلاع الحرب سببي متعدد الطبقات: لجوء طائفة أويرات إلى الشام، وتمرد سُلامش في بلاد الروم بدعم لاتشين، ولجوء أمراء لاتشين إلى غازان، ثم هجوم أربعة آلاف من مسلمي الشام على ديار بكر وماردين سنة ٦٩٨هـ — وعند هذه النقطة استشار غازان العلماء «فأشاروا عليه جميعًا بضرورة حماية البلاد الإسلامية من اعتداء المعتدين» [ص ٢٧٨]. أي أن الغزو صار عند المؤلف مشروعًا شرعيًا بفتوى، بعد أن كان طموحًا قديمًا ينتظر ذريعة.

في موقعة مجمع المروج شرقي حمص، يوم الأربعاء ٢٧ ربيع الأول ٦٩٩هـ، انتصر غازان ودخلت قواته دمشق وبيت المقدس وغزة [ص ٢٨٠]. ويفسّر المؤلف الهزيمة المملوكية بتناحر الأمراء وسوء التدبير وسخط مغول الأويرات، حتى «أدرك أن أوضاع جيش مصر والشام حينئذ كانت تختلف كثيرًا عما كانت عليه أيام قطز وبيبرس وقلاوون» [ص٢٧٩–٢٨٠]. وفي مرج الصفر يوم ٢ رمضان ٧٠٢هـ انقلبت الآية: هُزم قتلغشاه، وغرق كثير من المغول في الطين وفي الفرات وهو في موسم الفيضان، ولم يعد إلى غازان في بغداد «سوى عدد قليل من الجنود الجوعى» [ص ٢٨٤]. وقد أورد المؤلف مراسلة لافتة بين غازان والملك الناصر: طلب غازان الخطبة والسكة والخراج، فردّ الناصر بأن خراج الشام ومصر وقف على الجهاد، وعرض حلًّا وسطًا في السكة، وأرفق ردّه بصندوق أسلحة [ص ٢٨٢].

الأحكام الغازانية: إصلاح الجباية والبريد والسكة والقضاء، ثم العمارة

هذا أطول أقسام الفصل السابع وأدقّها، ويمتد من [ص ٢٩٠] إلى [ص ٣٠٩]، ويعرض أربعة عشر بندًا من إصلاحات غازان. ومنهجه فيه أن يصف الخلل أولًا بتفصيل قاسٍ، ثم يورد نص المرسوم أو خلاصته. فيصف كيف كان الولاة يطالبون الرعية بالضرائب «عشر مرات أو عشرين في السنة الواحدة»، وكيف كان المبعوث من مخيم الإيلخان ذريعة لجباية جديدة، وكيف كان أصحاب الرواتب يُحالون إلى التقاعد كل سنة بحجة أولوية نفقات الخزانة [ص٢٩١–٢٩٢]. ويحكي أن المحصّلين كانوا يأخذون نساء المدينين وأطفالهم «ويطوفون بهم في الحارات كقطعان الأغنام أو يعلقونهم من أرجلهم» [ص ٢٩٥]. ثم يورد الإصلاح: منع المقاولة، وجباية واحدة في السنة، وقوائم عوائد لكل قرية تُختم في الديوان، وقانون أموال لكل ولاية يُنقش على لوح حجري أو معدني وتُحفظ نسخة منه في مكتبة تبريز مع لعنة على من يغيّره [ص ٢٩٥].

وعلى النسق نفسه يعالج نظام البريد — محطة كل ثلاثة فراسخ، خمسة عشر جوادًا في كل محطة، ستون فرسخًا في اليوم والليلة، وعلامات دائرية تُرسم أسفل الرسالة لتسجيل التزام الساعي أو تأخره [ص ٢٩٤]؛ وحظر الفائدة بمرسوم شعبان ٦٩٨هـ بعد شرح مطوّل لنشأة أزمة الحوالات من تجارة الأسلحة في عهد أباقا حتى «تجمعت في أيدي الناس حوالات مالية لا تكفي كل عوائد الممالك الإيلخانية لتسديد قيمتها» [ص ٢٩٦]؛ وتوحيد عيار السكة والأوزان والمكاييل على معيار تبريز [ص٢٩٧–٢٩٩]؛ وأربعة مراسيم في القضاء أوردها بنصوصها تقريبًا، فيها «طاس العدل» الذي تُغمر فيه الصكوك القديمة، وإسقاط الدعاوى التي مرّ عليها ثلاثون سنة [ص٣٠٢–٣٠٤]؛ وتسعة بنود في إقطاعات الجند صدرت سنة ٧٠٣هـ [ص ٣٠٥].

ويمضي الوصف إلى العمارة الغازانية: قبة شنب غازان جنوب تبريز، ارتفاعها مئة وعشرون ذراعًا وشارك في بنائها أربعة عشر ألف عامل، وحولها ثلاث عشرة منشأة عدّها المؤلف واحدة واحدة — جامع، ومدرستان شافعية وحنفية، وخانقاه، ودار سيادة، ومرصد، ومستشفى، ودار كتب، ودار قانون لحفظ الدفاتر [ص٣٠٦–٣٠٧]. ثم يورد شروط الوقفية بنصها الطويل، وفيها ما يبلغ حدّ تعيين حاضنة للّقطاء، ونثر أحمال القمح على أسطح الأبنية لتلتقطها الطيور في أشهر الشتاء الستة [ص ٣٠٨]. والمصدر مصرَّح به: «حبيب السير، ج٣، ص١٥٨» [ص ٣٠٩].

وعند نعي غازان يظهر تحرير المؤلف صريحًا: يورد وصيته من تاريخ وصاف [ص ٢٨٧]، ثم يحكم بأنه «أعظم سلاطين أسرة الإيلخانات في إيران من ناحية إدارة شؤون الحكم»، ويستدرك في الجملة التالية بأن «الفضل الأكبر في مكانته هذه يعود إلى وجود وزير في كفاءة خواجه رشيد الدين فضل الله» [ص ٢٨٧]. وهو يجمع في ترجمته الشخصية بين إطراء وتنقيص من غير مواربة: كان ملمًّا بشيء من العربية والصينية والتبتية واللاتينية، محبًّا للحكمة، مقيمًا للمناظرات، «ولم يكن عهده يختلف عن سائر العهود من حيث سفك الدماء والمذابح» [ص ٢٩٠].

أولجايتو: سلطانية وجيلان والانتقال إلى التشيع

يبدأ حكم محمد خدابنده أولجايتو في ١٥ ذي الحجة ٧٠٣هـ بعد تصفية لافرنك بن كيخاتو والأمير هرقداق قبل إذاعة خبر وفاة غازان [ص٣٠٩–٣١٠]. وأبرز ما يسجّله المؤلف له بناء مدينة سلطانية، وهو مشروع بدأه غازان وأتمّه أولجايتو في عشر سنوات من سنة ٧٠٤هـ، فأحال مرعى قنغورألنك «إلى إحدى أعظم مدن المشرق الإسلامي» [ص ٣١١]. ثم يعلّق بجملة تكشف موقفه من تيمور: إن المدينة فقدت أهميتها بعد أبي سعيد، «ثم جاء الأمير تيمور الذي كان ماهرًا في تخريب البلاد فسوّى ما بقي قائمًا من المدينة بالأرض» [ص ٣١٢].

وفتح جيلان سنة ٧٠٦هـ يعرضه المؤلف كدرس في سوء التقدير. الدافع عنده شخصي: عيّر أحد أبناء الأمير أرغون آقا الإيلخانَ بعجزه عن غزو ولاية صغيرة مجاورة، «فتأثر أولجايتو وصمم» [ص ٣١٣]. وقسّم الجيش أربع فرق، وأخضع الولاية وفرض عليها خراجًا من الحرير، لكنه فقد قائد جيشه قتلغشاه — «الشخصية الأولى في الدولة» — بسهم جيلاني بعد أن رفض الصلح [ص ٣١٤].

أما التحول إلى التشيع فيرويه المؤلف كسلسلة أسباب مترابطة لا كقناعة مفردة. أعلن أولجايتو إسلامه على المذهب الحنفي، فتعصّب علماء الحنفية وآذوا غيرهم، ثم احتدمت مناظرة سنة ٧٠٧هـ بين صدر الدين جهان البخاري وقاضي القضاة الشافعي حتى غادر السلطان المجلس، فقال قتلغشاه أمام الأمراء: «أهذا اللغو هو الذي تركْنا دين آبائنا وقوانين جنكيزخان من أجله؟» [ص ٣١٥]. ثم عاصفة صواعق أخافت السلطان فقيل له إن البلاء من شؤم الإسلام، وظل مترددًا ثلاثة أشهر [ص ٣١٦]. ثم حجة الأمير طرمطاز، وهي الحجة السياسية الوحيدة في السلسلة: إن التشيع يقصر الولاية على ذرية جنكيزخان، بينما عقائد أهل السنّة تجيزها لأي مسلم [ص ٣١٦]. ثم منام رآه عند أضرحة النجف [ص ٣١٦]. ونتيجة ذلك حذف أسماء الخلفاء الثلاثة من الخطبة والسكة، واستقدام علماء الشيعة، وإنشاء مدرسة بجوار ضريح سلطانية فيها ستون معلمًا، ومدرسة سيّارة من خيام ترافق الجيش [ص ٣١٧]. ويصرّح المؤلف بأن دور العلامة الحلي وابنه فخر المحققين في ذلك كان «أكبر من غيره»، وأنهما هيّآ «أرضية قوية للعهود التالية» [ص ٣١٧]. ثم يورد رواية ابن بطوطة عن القاضي مجد الدين الشيرازي والكلاب الوحشية بنصّها الطويل، محيلًا إلى «رحلة ابن بطوطة، ص١٥١–١٥٣» [ص٣١٨–٣١٩]، ويعقّب بأن أولجايتو فتر حماسه لأن أهالي قزوين وشيراز وأصفهان لم ينصاعوا، وأمر في أواخر حياته بإعادة أسماء الخلفاء الراشدين إلى السكة والخطبة [ص ٣١٩]، ثم أصدر مرسومين بذلك وهو على فراش الموت في ٢٨ رمضان ٧١٦هـ [ص٣٢٣–٣٢٤]. غير أن سنة المرسوم الأول ترد في النص المطبوع بصورة مشوّهة («سنة ١٠٧هـ» [ص ٣١٧])، والأرجح من السياق أنها ٧٠٩ أو ٧١٠هـ؛ والنص هنا معطوب لا يُبنى عليه.

أبو سعيد: الأمير جوبان ومقتل رشيد الدين

جلس أبو سعيد في غرة صفر ٧١٧هـ وهو في الثالثة عشرة، فكانت السلطة الفعلية للأمير جوبان [ص ٣٢٥]. ومقتل رشيد الدين فضل الله في ١٧ جمادى الأولى ٧١٨هـ هو ذروة هذا القسم، والمؤلف يرويه بمرارة صريحة: التهمة كانت دسّ السمّ لأولجايتو عن طريق ابنه ساقي الإيلخان، وشهد أميران بعد أن «اشتراهما علي شاه بالمال»، فأُعدم الابن عز الدين إبراهيم وهو في السادسة عشرة أمام أبيه، ثم شُطر جسد الوزير نصفين وهو في الثالثة والسبعين [ص ٣٢٧]. ثم نُهب الربع الرشيدي واتُّهم الرجل بأنه كان يهوديًا، «وهو اتهام حرم جثمان هذا الرجل الفاضل الراحة حتى وهو تحت التراب»، إذ أمر أميرانشاه بن تيمور بعد قرن باستخراج رفاته ودفنها في مقابر اليهود [ص ٣٢٧]. وموقف المؤلف من جوبان في هذه الواقعة موقف اتهام أخلاقي لا سياسي: إنه أصرّ على إعادة رشيد إلى الوزارة ثم «لم يدافع عنه حين تكالب عليه أعداؤه على الرغم من كل نفوذه وقدرته، وترك دماء هذا الوزير الكفء تهدر بأيديهم ظلمًا» [ص ٣٢٧].

ثم يجعل المؤلف من الحصيلة الإدارية بعد رشيد الدين حجةً على أهميته: استقلّ تاج الدين علي شاه بالوزارة ستّ سنوات، وكان «رجلًا عاديًا لا فضل له»، فاضطربت الشؤون الديوانية، «وهنا ندم أبو سعيد على قتل رشيد الدين وأدرك خطأه» [ص ٣٢٨]. ويسجّل عن علي شاه ملاحظة تلخّص العصر كله: إنه «كان الوزير الوحيد في بلاط المغول الذي مات ميتة طبيعية» [ص ٣٣٣].

وسقوط بيت جوبان يرويه على محور واحد: هوى أبي سعيد ببغداد خاتون ابنة جوبان وزوجة الشيخ حسن الجلايري، وقاعدة الياسا التي تُلزم الزوج بتطليق من يضع الخان عينه عليها [ص٣٣٣–٣٣٤]. فقُتل دمشق خواجه في ٥ شوال ٧٢٧هـ، وقُتل جوبان نفسه في هراة بيد الملك غياث الدين كرت، ووصل إصبعه ذو الرأسين دليلًا إلى قراباغ في محرم ٧٢٨هـ [ص ٣٣٦]. ثم قُتل تيمورتاش في مصر بأمر الملك الناصر في ٤ شوال ٧٢٨هـ بعد مراسلات سرية مع الإيلخان [ص ٣٣٨]. وحكم المؤلف على جوبان جامع: «كان رجلًا مسلمًا عادلًا وخيّرًا... إلا أن السذاجة كانت غالبة على طبعه؛ وتجلت هذه النقيصة واضحة عندما اتُّهم رشيد الدين فضل الله» [ص ٣٣٦].

وقد وثّق المؤلف علاقات أبي سعيد الخارجية بمعاهدة الصداقة مع مصر سنة ٧٢١هـ، وأورد بنودها الستة مرقّمة — من امتناع سلطان مصر عن تكليف الفدائيين الإسماعيليين بمهام في الممالك الإيلخانية، إلى رفع علمين على قافلة الحج، إلى صرف النظر عن تسلّم قرا سنقر [ص ٣٤٣]. ومات أبو سعيد في ١٣ ربيع الثاني ٧٣٦هـ على أطراف شروان، «واستشعر أطباؤه وجود آثار للسم في بدنه»، ويميل معظم المؤرخين — كما ينقل — إلى أن بغداد خاتون دسّته [ص ٣٤٢].

تفكك الدولة: إيلخانات بالاسم وحربا الحسنَين

يقدّم المؤلف تفسيرًا بنيويًا لسرعة الانهيار: لم ينجب أبو سعيد ذكورًا، ولمّا كان غازان قد قتل أمراء أسرة هولاكو أو أسقطهم من الاعتبار «فلم يكن هناك بعد وفاة أبي سعيد من يستطيع أن يمسك بزمام الأمور بيده» [ص ٣٤٥]. فتحوّل منصب الإيلخانية إلى أداة: أرباجاون، ثم موسى خان، ثم محمد خان، ثم ساتي بيك ابنة أولجايتو، ثم شاه جهان تيمور، ثم سليمان خان، ثم طغا تيمور خان، وآخرهم أنوشيروان العادل الذي «يعتبره البعض من القبجاق ويعتبره بعض آخر من نسل هولاكو ويرى بعض ثالث أنه من نسل كاوياني» — وهو تصريح بجهل النسب لا محاولة لترجيحه [ص ٣٥٨]. ومصير أنوشيروان نفسه «لم يكن معلومًا كمصير سليمان خان»، وكل ما بقي مسكوكات باسمه حتى سنة ٧٥٦هـ [ص ٣٥٩].

والمحرّك الفعلي في هذه العشرين سنة رجلان متسمّيان: الشيخ حسن الكبير الإيلكاني والشيخ حسن الصغير الجوباني. ويسرد المؤلف مناوراتهما بتفصيل، ومنها حيلة الرسالة المزوّرة التي أوقع بها الجوباني بين طغا تيمور والإيلكاني فخجل طغا تيمور وعاد إلى خراسان [ص ٣٥٤]. وقد قُتل الشيخ حسن الصغير ليلة الثلاثاء ٢٧ رجب ٧٤٤هـ بيد زوجته عزت ملك «في وضع مخجل»، ثم مزّق أعوانه جثتها [ص ٣٥٨]. وينهي المؤلف الفصل السابع بحدّ زمني يعلنه بنفسه: «ونحن نعتبر تلك السنة، أي ما بعد عشرين سنة من وفاة أبي سعيد... آخر سنوات حكم أسرة الإيلخانات، وبها نختتم تاريخ حكم المغول أو أبناء جنكيز» [ص ٣٥٩].

الفصل الثامن: أسر الأطراف من هراة إلى بغداد

يعلن الفصل الثامن غرضه ونطاقه سلفًا: خمس أسر جديدة نشأت بعد أبي سعيد — الإيلكانيون أو آل جلاير، والجوبانيون، وآل مظفر، وآل إينجو، والسربداريون — إلى جانب خمس أسر أقدم بقيت من قبل الغزو: أتابكة فارس السلغوريون، وأتابكة لرستان، وأتابكة يزد، وقراخطائيو كرمان، وآل كرت في هراة [ص٣٦٢–٣٦٣]. ويقدّم المؤلف اعتذارًا منهجيًا صريحًا عن إدراجها كلها: «ينبغي أن نعلم أن هذه الأسرات لم يكن لأيٍّ منها أهمية سياسية كبيرة، وإذا وجّهنا إليها بعض اهتمامنا فإن هذا لما لها من صلة بتاريخ إيران وآدابها ونشأة أهل العلم والأدب فيها، ولولا كتابات الأدباء والشعراء لاندثرت أسماء معظمها» [ص ٣٦٣]. أي أن معيار الاختيار عنده أدبي لا سياسي، وهو يقوله بصوته.

ويسير الفصل على نسق واحد: نسب الأسرة، ثم سلسلة أمرائها بأحداثهم، ثم قائمة بالأسماء والتواريخ. وفيه بعض أقوى مشاهد الكتاب سردًا، وأبرزها وقائع هراة: مقتل الأمير دانشمند بهادر داخل قلعة اختيار الدين في صفر ٧٠٦هـ بعد أن ضحك من تحذير المنجّم، ثم الحصار الذي أعقبه حتى «مات ما يقرب من مئة ألف شخص من قلة الخبز وتساقطوا في الشوارع» [ص٣٧٠–٣٧٣]، وهي رواية منقولة بطولها عن «حبيب السير، ج٣، ص٣٧٣».

وفي أتابكة فارس يقدّم أطروحة صريحة: إن قبول الأتابك أبي بكر بن سعد تبعية أقطاي ودفع الخراج سنويًا «أنقذ جنوب إيران من تخريب جند المغول»، فصارت فارس «مركزًا للشعراء وأهل العلم ممن فروا أمام طوفان المغول» [ص٣٨١–٣٨٢]. وهذا هو التفسير نفسه الذي يعيد استخدامه في الفصل التاسع. وفي كرمان يترجم لصفوة الدين بادشاه خاتون وينقل من «مجمع الأنساب» مقطوعات من شعرها معلّقًا: «وقد أوردنا هنا بعض أبيات لها حتى يعرف العالم فضلها» [ص٤٠١–٤٠٢]. وفي آل مظفر يتتبع مبارز الدين محمد من ميبد إلى شيراز إلى تبريز، ثم سمل عينيه على يد ابنيه في ١٩ رمضان ٧٥٩هـ [ص ٤١٧]، وينهي الأسرة بقتل جميع أفرادها «كبيرهم وصغيرهم» في العاشر من رجب ٧٩٥هـ بقرية ماهيار بعد مصرع شاه منصور أمام تيمور [ص ٤٣٢]. وحكمه عليهم مركّب: «على الرغم من تعقّل آل مظفر وبسالتهم ونشرهم للعلم والأدب فقد غلب عليهم التعصب والبطش والنفاق والتناحر بين الإخوة وسمل الأعين... وهي سمات أدت إلى زوال دولتهم» [ص ٤٣٣].

أما السربدارية فيمنحهم المؤلف مكانة خاصة يبرّرها بوضوح: ليسوا أوسع الأسر نفوذًا ولا أطولها بقاء، لكن «بقيامهم كمعارضة لأهل السنّة ورفعهم لراية التشيع وسعيهم لنشره وبداية ظهوره كدعوة لفرقة من الفرق وترسيخ العلاقة بين مريد ومراد، يمكن اعتبارهم أول مريدي الشيخ صفي الدين الأردبيلي وأبنائه» [ص ٤٥٦]. أي أنه يقرأهم استباقًا للدولة الصفوية. ويؤرّخ لهم من مقتل الشيخ خليفة في ٢٢ ربيع الأول ٧٣٦هـ ومبايعة عبد الرزاق الباشتيني في ١٢ شعبان ٧٣٧هـ، ويشرح اسمهم من قول شباب بيهق: «وإلا سنجد رقابنا على أعواد المشانق» [ص٤٥٧–٤٥٩]. ويسجّل أن الشهيد الأول الشيخ شمس الدين محمد المكي وضع «اللمعة الدمشقية» باسم علي مؤيد السربداري وأرسلها إلى خراسان [ص ٤٥٦]، [ص ٤٦٦]. وعند مقتل الشيخ حسن الجوري في موقعة زاوة ١٣ صفر ٧٤٣هـ يمتنع عن الترجيح: «مقتله الذي لا نعلم ما إذا كان قد تم بتحريض من الأمير مسعود أم لسبب آخر» [ص٤٦٠–٤٦١].

الفصل التاسع: المؤرخ يعرض مصادره ويحاكمها

الفصل التاسع مختلف الجنس عمّا سبقه. يفتتحه المؤلف بمفارقة يبنيها بنفسه: هذه المئتا سنة «من الحقب الحزينة في تاريخ العالم الإسلامي عامة وإيران خاصة»، لكنها «من أكثر العهود إشراقًا في تاريخ العلم والفلسفة والأدب في إيران»، وتفسيره لذلك سببي زمني: لأنها أعقبت قرون النهضة العباسية مباشرة «ولم تكن النتائج السلبية للاحتلال المغولي قد ظهرت بعد»؛ وهذه النتائج إنما ظهرت في العصرين الصفوي والأفشاري [ص ٤٧٤].

ثم يفعل ما لا يفعله كثير من الكتب العامة: يوقف السرد ليُطلع القارئ على أدواته. فيترجم لياقوت الحموي وابن الأثير والنسوي وابن أبي الحديد ومنهاج السراج بوصفهم «المؤرخين الإسلاميين الوحيدين الذين عاصروا بداية اجتياح المغول ورأوا فظائعهم بأعينهم» [ص ٤٧٩]، ثم للجويني وفيه ملاحظة دقيقة: أن الجويني وحده كتب قبل أن تنقسم الممالك الجنكيزية بين أبناء جنكيز الأربعة، ولذلك جاء تاريخه عامًا، بينما ركّز وصاف ورشيد الدين على ما خضع للإيلخانات [ص ٤٨٠]. ثم لوصاف الذي عرض مجلده الأول على غازان في منزل عانة على الفرات في ١٣ رجب ٧٠٢هـ [ص ٤٨١]، ثم لرشيد الدين وجامع التواريخ بمجلداته الأربعة [ص ٤٨٣]. ويحدّد «الأركان الأربعة لتاريخ المغول»: سيرة جلال الدين، وجهانگشا، وتاريخ وصاف، وتاريخ غازاني، «وكل ما كتب عن تاريخ المغول بعد تدوين هذه الأعمال كانت معلوماته الأساسية مستمدة من هذه الكتب الأربعة» [ص ٤٨٤]. ويعترف بموقعه من هذه السلسلة: «استقينا معظم المعلومات التي أوردناها عن تاريخ الحقبة الفاصلة بين فتح بغداد وأواسط عهد أبي سعيد من تاريخ وصاف ومن جامع التواريخ» [ص٤٨١–٤٨٢].

ونقده للمؤرخين المحدثين حاد وصريح. «التاريخ السري للمغول» المكتوب سنة ٦٣٧هـ «ليس على شكل تاريخ، بل حكاية منظومة بصورة ملحمية، ولا يمكن الاعتماد تمامًا على ما ورد فيها» [ص ٤٨٧]. ودوجيني يفيد في آسيا الشرقية أكثر مما يفيد في الغربية لاعتماده على الوثائق الصينية [ص ٤٨٨]. ودوسون «لايزال يمثل أشمل ما كتبه الأوربيون عن تاريخ المغول» مع ما فيه من نقص وأخطاء. وهاورث «لا يعرف الفارسية والعربية وبالتالي لم يرجع للمصادر الأصلية مباشرة، فالأخطاء في كتابه كثيرة»، وهو ينظر للمغول نظرة إعجاب «ولكنه كدوسون لا يذكر فظائعهم» [ص ٤٨٨]. وأقسى ما يقوله في ليون كاوون: كتابه «لا يقوم على أي أساس علمي أو تاريخي. وقد أدى ظهوره إلى إلهاب حماس الشباب التركي المتعصب وتأجيج نار العصبية بينهم» [ص ٤٨٩]. ويضبط أخيرًا مسألة اصطلاحية: لفظ «مغول» انتشر منذ عهد الجويني، أما «تتر» و«تتار» فمعروف عند المسلمين قبل القرن السابع [ص ٤٧٩].

العلوم والآداب واللغة الفارسية تحت الحكم المغولي

يقرّر المؤلف أولًا أن المغول «لم يكن لديهم إدراك لهذا النوع من اللطائف ولا حاجة بهم لها»، وأن اهتمامهم انحصر في النجوم والكيمياء والفلك، وفي الكاتب والمنشئ لتسوية الأعمال الديوانية. ولذلك: «الفرع الوحيد من المعارف الذي كان لهم دور في تطوره في إيران في عصر الإيلخانات هو علم التاريخ» [ص٤٨٩–٤٩٠]. وهذا حكم صريح وحاسم، يقيّد كل ما يليه.

ثم يذكر الأثر الإيجابي الوحيد الذي يعترف به: ربط ممالك الشرق والغرب عن طريق إيران، وتوافد علماء الصين والأويغور والتبت وأوربا وأرمينيا على عاصمة الإيلخانات وانتشار معارفهم بين الفرس [ص ٤٩٠]. أما اعتناق الإسلام فيصفه بأنه تمّ «بجهود الوزراء والعمال الفرس»، وأنه أدى إلى «تخفيف حدة التعصب المغولي والمسيحي وإلى زيادة الطمأنينة بين الناس في عهود غازان وأولجايتو وأبي سعيد» — ثم يقيّد ذلك فورًا: «ومع ذلك فلا سبيل لمقارنة تلك العهود بالعصور الزاهرة للسلاجقة والخوارزمشاهيين والخلفاء العباسيين» [ص ٤٩٠].

ويشرح صعود النثر الفارسي بأسباب مرقّمة: اتساع نفوذ الملوك المتحدثين بالفارسية من فرغانة إلى سواحل المتوسط، وانقطاع الصلة المباشرة بين المراكز العلمية الشرقية وبغداد ودمشق ومصر فظهرت الحاجة إلى كتب علمية بالفارسية، ثم سبب ثالث حاسم: أن الإيلخانات «لم يكونوا يفهمون اللغة الفارسية ولم يألفوا سماع مدائح الشعراء أو رعايتهم كملوك المسلمين، فكسد سوق شعراء المديح» [ص٥٠٢–٥٠٤]. ومن هنا تفسيره لتحوّل الشعر: انتشار الفكر الصوفي، وأثر الكارثة نفسها — «وربما كان لكوارث عصر اجتياح المغول وزوال عهود الاستقرار والنشاط وحلول عهد التسليم والتأمل والعبرة من تقلب الأيام دور في سيطرة هذا الاتجاه» [ص ٥٠٥]. ويسجّل أيضًا أن كتابة التاريخ ازدهرت لسببين: جسامة الحدث نفسه، وتشجيع الإيلخانات على إحياء أخبار أسلافهم [ص٥٠٥–٥٠٦]. ويلاحظ أن ألفاظًا مغولية وتركية كثيرة دخلت الفارسية في هذا العصر، لكنها كانت في معظمها مصطلحات إدارية وحكومية «فقد اندثرت تدريجيًا بعد زوال سيطرتهم» [ص٥٠٦–٥٠٧].

وأطول استطراد شخصي في الكتاب كله هو ما يكتبه عن سعدي. يقول إن أسلوبه صار ميزان الفصاحة، وإن لغة طهران المكتوبة اليوم هي لغة سعدي، وإن عودة الشعر والنثر الفارسيين إلى الصواب في أواخر عهد آل زند كانت عودة إلى أسلوبه [ص٥٢٩–٥٣١]. والمؤلف يدرك أنه خرج عن موضوعه ويقول ذلك بنفسه: «ومع أن هذا الموضوع يخرج عن نطاق هذا الكتاب وينبغي تناوله بالبحث ضمن تاريخ الأدب الفارسي، فلابد لنا أن نتناول هذه النقطة بشيء من الإيجاز في هذا المقام» [ص ٥٢٩]. وفي المقابل، يعرض حكمًا اجتماعيًا لافتًا حين يترجم لعبيد الزاكاني: إن أعماله تدلّ على أن «أخلاق الناس تدنت إلى أدنى الدركات في أواخر عهد الإيلخانات» حتى صارت الفضائل «دينًا بائدًا» وحلّت محلها «الدين المختار»، وأن الزاكاني قدّم بالهزل «ما لم يتمكن من تقديمه بلغة الجد» [ص٥٣٦–٥٣٧].

التصوير والعمارة والصناعات وطرق التجارة

في التصوير يقدّم المؤلف أطروحة دائرية: أصل التصوير الفارسي مانوي ساساني، نقله المانوية إلى الأتراك الأويغور، ونقله المغول بعد إخضاع بلاد الأويغور إلى الصين حيث تأثر بذوق فناني تلك البلاد، «وكان هو طراز التصوير نفسه الذي عاد إلى إيران في عهد الإيلخانات على أيدي الفنانين الصينيين واشتهر باسم الطراز الصيني» [ص ٥٤٠]. ويفسّر انصراف الفرس المسلمين عن التصوير بتحريم الإسلام له منعًا لعبادة الأوثان، ويقول إن شغفهم انصرف إلى «تجويد الخط العربي وابتكار أشكال جديدة منه» [ص ٥٤١]. ويجعل نسخ جامع التواريخ المصوَّرة، المحفوظة في مكتبات أوربا، «أول نماذج التصوير في العصر المغولي التي امتزج فيها الطراز الإسلامي قبل عصر الإيلخانات بالطراز الصيني» [ص ٥٤٢].

وفي الصناعات يربط الإنتاج بالسياسة المالية ربطًا مباشرًا. نُسجت الأقمشة بخيوط الذهب في تبريز وبغداد ومرو وطوس وشوشتر وشيراز ونيسابور لأن الأمراء كانوا ملزَمين بإهداء الإيلخان سلعًا كل سنة [ص ٥٤٣]. وفي عهد كيخاتو ووزارة الزنجاني «حلّت كارثة بصناعة نسج الأقمشة النفيسة بسبب ندرة الذهب والفضة»، ومن أحكام العملة الورقية وقف نسج الأقمشة الذهبية إلا للإيلخان وأسرته؛ ثم عادت في عهد غازان بعد أن عمرت الخزانة [ص٥٤٣–٥٤٤]. ويلاحظ أن الفكر الصوفي نفسه شجّع الفنون الدقيقة لأن المتصوفة «كانوا يرون في كل نقش جميل مظهرًا لتجلي نور الحق»، وأن ذلك كان من أسباب نفرة أهل الزهد منهم [ص ٥٤٥]. ويتتبع كلمة «العتابي» من حيّ في الموصل إلى الأسواق الأوربية، ويقول إن الكلمة الأوربية اشتُقت منها [ص ٥٤٥]، [ص ٥٥٩].

وفي العمارة يواجه المفارقة صراحة: «قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى أن نربط بين المغول والعمارة والبناء»، لأنهم كانوا طوائف بدو ورموزًا للخراب — ثم يفسّر التحول بضرورة الإدارة: بعد انتهاء مرحلة الفتوحات «خضع المغول سواء أشاؤوا أم أبَوا لعادات رعاياهم» [ص ٥٤٦]. ويضيف تفسيرًا دينيًا: قبل الإسلام كانوا يدفنون ملوكهم في مواضع سرية، ولذلك «فإن معظم المنشآت والآثار الباقية من عصر المغول ترجع إلى عهد غازان وما بعده» [ص ٥٤٧]. ويحصي ستة آثار باقية، أهمها ضريح سلطانية، بناء مثمّن طول كل ضلع منه ثمانون ذراعًا وارتفاع قبته مئة وعشرون [ص ٥٤٨]. ويقدّم فيه ملاحظة فنية دقيقة: كان الخزف يُستعمل قبله في أجزاء من المبنى، «وكان ضريح سلطانية أول نموذج لتكسية المبنى كله بالخزف»، ويرجّح بعض الباحثين أن ذلك أثر مغولي مأخوذ من عادة تزيين خيام الخوانين من الداخل والخارج [ص ٥٤٩].

أما التجارة فهي خاتمة الكتاب وموضع أوضح أطروحاته. يقول إن الدولة المغولية الموحدة أسقطت الحواجز، وإن جنكيزخان «استنّ في قانونه بنودًا خاصة لصيانة طرق القوافل» [ص ٥٥٠]. ويعرض ثلاثة طرق كبرى بين الشرق وموانئ بحر آزوف والبحر الأسود، وثلاثة طرق تربط تبريز بالخليج، وطريقين إلى البلاد المسيحية عبر أرمينيا الكبرى والصغرى [ص٥٥٢–٥٥٣]. ويستشهد بأودوريك دي بوردينون الذي زار تبريز في عهد أبي سعيد: «إن تبريز من ناحية البضائع هي أهم مدن العالم، وهي بالنسبة لإيلخان إيران أهم من فرنسا كلها بالنسبة لمليكها» [ص ٥٥٤]. ويوثّق اتفاقية أبي سعيد مع تجار فينيسيا سنة ٧٢٠هـ وإعفاءهم من كل الضرائب عدا الرسوم الجمركية، ووصول أول قنصل إلى تبريز سنة ٧٢٤هـ [ص ٥٥٥]، [ص ٣٤٥]. ثم يقدّم قراءته السببية الأخيرة: إن الإيلخانات المسلمين، منافسةً للمماليك وبتشجيع من التجار الإيطاليين، «تمكنوا من تحويل طرق التجارة الشرقية عن الإسكندرية إلى تبريز... وطبقوا سياسة اقتصادية جديرة بالثناء» [ص ٥٥٦]. ثم إن موت أبي سعيد أغلق الطرق، ثم جاء العثمانيون فأغلقوا منافذ المتوسط، فبحث الأوربيون عن بدائل، «وهو ما انتهى بكشف طريق رأس الرجاء الصالح واكتشاف الأمريكتين» — ومن هنا عزلة إيران. ويسمّي المؤلف ذلك صراحة: هذه، مع قناة السويس والتنافس الإنجليزي الروسي في القرن التاسع عشر، «هي الأسباب الحقيقية لتخلف إيران في وقت وضعت فيه أوربا أقدامها على طريق الرقي والتقدم» [ص ٥٥٧]. وهذه آخر جملة موضوعية في متن الكتاب، ويَعِد فيها بفصول تالية لم يشملها هذا المجلد.

ملاحظة على حال النص

النص المقروء سليم في المتن السردي إلى حدّ بعيد، لكنه معطوب في مواضع محدّدة يجب ألّا تُنقل عنه أرقامها. أشدّ المواضع تلفًا هي جداول الأنساب وقوائم التواريخ في نهايات التراجم: قائمة إيلخانات إيران [ص٣٥٩–٣٦٠]، وقائمة آل كرت [ص ٣٧٥]، وقائمة أتابكة فارس وملوك شبانكاره [ص٣٩٤–٣٩٥]، وقائمة أتابكة يزد [ص ٣٩٨]، وقوائم أتابكة اللر الكبير والصغير [ص ٤٣٩]، [ص ٤٤٣]، وقائمة آل جلاير [ص ٤٥٥]، وقائمة السربدارية [ص ٤٦٧] — ففيها أرقام مقلوبة ومفكّكة وحروف لاتينية دخيلة. كذلك تلفت بعض التواريخ داخل المتن نفسه، ومنها سنة مرسوم أولجايتو بحذف أسماء الخلفاء الثلاثة [ص ٣١٧]. وعناوين الفصول نفسها مشوّهة في الطبعة الممسوحة: «الفصل السابع» يظهر «ال!مل السابح» [ص ٢٦٨]، و«الفصل التاسع» يظهر «ال!ملى التاسع» [ص ٤٧٤]. وفي الحواشي مواضع لا تُقرأ، منها سطر في أسفل [ص ٥٥٩].