Nabīl ʿAbd al-Ḥamīd ʿAbd al-Jabbār · A History of Social Thought · A Reader's Companion

ما قبل النظر، والمرحلةُ المعيارية

القسم الأول

أ. د. نبيل عبد الحميد عبد الجبار · دار دجلة، ٢٠٠٩

الإرهاصاتُ الأولى في حضارتَي وادي الرافدين ووادي النيل، ثمّ اليونان والسوفسطائيون وأفلاطون وأرسطو، والرواقية، والرومان (شيشرون وسينيكا)، والفكرُ الاجتماعي المسيحي.

ابدأ

يغطّي هذا القسم الصفحات ١–١٠١ من ملفّ الكتاب (المقدمة، والباب الأول، والباب الثاني حتى نهاية الفصل السادس)، وهي المساحة التي يمهّد فيها المؤلف لدعواه ثم ينفّذها على مادّتين متمايزتين: مادّة ما قبل النظر — حضارتا وادي الرافدين ووادي النيل — ثم مادّة الفلسفة اليونانية والرومانية والمسيحية الوسيطة. المؤلف أستاذ درس الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد، وأطروحته المعلنة أن الفكر الاجتماعي نشأ في «رحم» الفلسفة ونما تحت رعايتها حتى استقلّ علمًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ وهو يرى أن كتب تاريخ الفكر الاجتماعي أغفلت هذه «الرؤية» لأن مؤلفيها علماء اجتماع لا فلاسفة [ص ٩]. القسم كلّه، من ثمّ، مبنيّ ليخدم هذه الأطروحة: كل فصل يُقاس بمقدار ما يضيفه إلى مسار «الفكر» قبل أن يصير «علمًا».

المقدمة: الدعوى التي يقوم عليها الكتاب

يفتتح المؤلف بسيرة قصيرة لاهتمامه بالموضوع منذ دراسته الجامعية الأولى، ويقرّر أن الفكر الذي لا يتصل بواقع حياة الناس ولا يحفّز تغيير سلوكهم «بلا جدوى»، وأن تاريخ البشرية قطبان متفاعلان: واقع يُغني الفكر، وفكر يطوّر الواقع [ص ٨]. ثم يصوغ استعارة الأمومة التي تتكرر في الكتاب كلّه: الفلسفة «أمّ العلوم» و«الأم الرؤوم»، تتعهّد أبناءها بالرعاية حتى ينضج كلٌّ منهم فينفصل عنها متخذًا صيغة «العلم»، وهذا ما جرى للفكر الاجتماعي حتى استحال إلى «علم الاجتماع» [ص ٨–٩]. ويصرّح بأن كتابه قد لا يتضمّن معطيات جديدة عن آراء الفلاسفة، وأنه يكفيه أن يُقنع القارئ بصواب هذه الرؤية [ص ١٠]. الدافع الثاني المعلن تعليميّ صريح: حاجة دارسي علم الاجتماع إلى معرفة جذوره «بأسلوب بسيط، سلس، منظم»، والدافع الثالث دعوة من طلبته تكفّلوا بمتابعة إجراءات الطبع [ص ١٠]. المقدمة تختم بأمل رفد «المكتبة الكُردية والعربية»، وهي إشارة وحيدة في القسم إلى سياق التأليف.

تمهيد الباب الأول: الفرق بين «علم الاجتماع» و«الفكر الاجتماعي»

يقيم المؤلف تمييزًا اصطلاحيًّا يحكم بقية القسم: علم الاجتماع دراسة موضوعية تحليلية للظواهر الاجتماعية غايتها استخلاص القوانين؛ أما الفكر الاجتماعي فهو «الأنشطة والفعاليات والممارسات وأشكال التفكير البسيط» التي عرفتها المجتمعات منذ نشأتها، وتتخذ شكل الآراء والتشريعات والقوانين، وتفتقر غالبًا إلى الموضوعية والتجريد والترابط المنطقي [ص ١٣]. وعلى هذا الأساس يبرّر إدراج الحضارات الشرقية: كثير من الدارسين يردّون البدايات إلى فلاسفة اليونان، لكن ذلك لا يسوّغ إغفال «التربة الخصبة» التي هيّأت تلك البدايات، وأبرزها حضارتا وادي الرافدين ووادي النيل [ص ١٤]. المنهج المعلن للفصلين التاليين موحّد: أثر العقيدة الدينية، ثم نظام الحكم وانعكاسه على التركيب الاجتماعي، ثم الأسرة والتشريع الاجتماعي [ص ١٥].

الفصل الأول: وادي الرافدين

التفسير الذي يعتمده المؤلف بيئيّ–مادّي: الإيقاع الكوني القاسي المضطرب — فيضان دجلة والفرات على غير انتظام، والرياح، والأمطار التي تحيل الأرض بحرًا من الطين — أشعر الإنسان بالتفاهة والضعف والخوف، فكان ردّ فعله اللجوء إلى التديّن [ص ١٥–١٦]. ويصرّح بأن الدين «مثّل آنذاك انعكاسًا خياليًّا، داخل الوعي الاجتماعي، لعلاقات أفراد البشر مع الطبيعة»، وأن العقيدة قامت في أطوارها المبكرة على عبادة قوى الطبيعة ثم جُسّدت آلهةً على هيئة البشر ذكورًا وإناثًا، فرُدّ الخصب إلى عشتار وتموزي [ص ١٦–١٧]. ويقف عند احتفال رأس السنة (اثني عشر يومًا) وعند طقس تجديد سلطة الملك: يُجرَّد من سلطاته أمام رئيس الكهنة، ويعترف بأخطائه أمام رعيته، ثم تُعاد إليه سلطاته بعد التطهّر، فيكون التجديد على مستويين، سياسي ويوميّ [ص ١٨–١٩].

في البنية الاجتماعية يقسّم المجتمع إلى طبقة حاكمة (فئة دينية على رأسها الكاهن الأعظم الذي يجمع منصبه الديني إلى منصب الحاكم–إيشاكو، وفئة بيروقراطية ذات امتداد عمودي وأفقي، وفئة عسكرية نشأت من حاجة التجارة إلى الحماية ومن سعي الملوك إلى بسط السلطة المركزية) وطبقة محكومة (أحرار وعبيد) [ص ١٩–٢٣]. ويستخرج من القوانين البابلية تمييز «الأميلوم» و«الموشكينوم»، ويضرب له أمثلة من مقادير الفضة في الطلاق والاعتداء [ص ٢٣–٢٤]. وينتهي إلى حكم لافت: العبيد في المجتمع الرافديني تمتّعوا بحقوق واسعة — التجارة، والاستدانة لشراء الحرية، وحرّية أبنائهم من زواج بحرّ، واستئجار الأحرار — فلم يكونوا «عبيدًا بالمعنى التقليدي وإنما أشباه عبيد»، بخلاف عبيد اليونان والرومان [ص ٢٤–٢٥]. أما الأسرة فزوجة شرعية واحدة مع إباحة المحظيات، وحالات ثلاث لزواج ثانية، وعقد مكتوب شرط لصحة الزواج، ومكانة للمرأة مزدوجة: مساواة على مستوى السلّم الاجتماعي مع أهلية قانونية كاملة، وخضوع لسلطة الزوج داخل الأسرة إلى حدّ جواز رهنها ثلاث سنوات أو بيعها عقابًا على الخيانة [ص ٢٥–٢٧].

الفصل كلّه مصوغ بضمير الشرح المتّصل، بلا حاشية واحدة وبلا إحالة إلى لوح أو مادّة قانونية بعينها؛ قانون حمورابي والقوانين الآشورية تُذكر بالاسم في المتن ولا تُقتبس نصًّا.

الفصل الثاني: وادي النيل

الفصل أقصر كثيرًا من سابقه (خمس صفحات مقابل ثلاث عشرة) ويسير على المحاور نفسها. يرجع تمجيد المصريين لآلهتهم إلى ثلاثة أسباب — فائدة تُرجى، أو خوف من شرير يُتّقى، أو إعجاب بعظمة لا تُدرك — ويقرّر أن حبّ المعبود لذاته لم يتحقق إلا بعد تطورات عميقة في الفكر الديني المصري، وأن العقيدة كيّفت نظام الحكم فاصطبغت الدولة بالصبغة الدينية [ص ٢٨]. الحكّام ثلاثة مستويات: الملك–الفرعون–الإله وأسرته، ثم الوزير، ثم مجلس العشرة الكبار و«كاتم أسرار الملك»؛ والمحكومون متدرّجون على أساس المهنة: العبيد، فالفلّاح المرتبط بالأرض لا بالإنسان، فالعامل، فالمحاربون، فرجال الدين، وأرفعهم جميعًا «الكاتب» [ص ٢٩–٣١]. والخلاصة التي يصوغها: التدرّج في مصر «أفقيّ وليس عموديًّا»، لأن الفرد مرتبط أبديًّا بموقعه لا يستطيع تغييره — وهي عبارة تحتاج قارئها إلى تأمّل لأن المتوقّع من السياق عكس التسمية [ص ٣١]. وفي الأسرة: نظام فردي مع امتياز التعدّد لرجال الدين، وزواج الأخ من أخته في العائلة المالكة حفاظًا على «الدم الملوكي–الإلهي» وعلى ميراث ينحدر من الأم إلى البنت، وحرية اختيار الشريك، وعقد مكتوب، وطلاق مباح لكنّه مكلّف إلى حدّ يجعل «الهجر» أرخص من التطليق [ص ٣١–٣٢].

الباب الثاني: التقسيم الثلاثي، ومعنى «المعيارية»، والسوفسطائيون

هنا يعلن المؤلف الهيكل الذي يحكم الكتاب كلّه، ويسنده إلى غيره لا إلى نفسه: «قد بدا للباحثين في تاريخ الفكر الاجتماعي وقضاياه» أن المسيرة لم تجرِ على وتيرة واحدة، «ولذا وجدوا أن من الأنسب» تقسيمها إلى ثلاث مراحل يكمل اللاحق منها السابق: الفلسفية–المعيارية، ثم الفلسفية–العلمية، ثم العلمية–الوضعية [ص ٣٥]. فالتقسيم منسوب إلى تقليد الدارسين، لا مقدَّم بوصفه اجتهادًا خاصًّا؛ والجديد المدَّعى في المقدمة هو «الرؤية» عن رحم الفلسفة، لا الترقيم الثلاثي.

ثم يشرح الحدّين: سُمّيت المرحلة «فلسفية» لأن نشأة الفكر الاجتماعي ونموّه جرَيا في أحضان الفلسفة، وسُمّيت «معيارية» لأن مهمّة الفكر الاجتماعي فيها كانت دراسة حال الإنسان وعلاقته بغيره «ليس كما هو متحقق بالفعل في الواقع، وإنما كما ينبغي عليه أن يكون» [ص ٣٦]. وحدودها الزمنية: من القرن الخامس قبل الميلاد إلى القرن الرابع عشر الميلادي، أي إلى انطلاق النهضة الأوروبية [ص ٣٦]. هذا التعريف هو المعيار الذي يزن به المؤلف كل مفكّر بعد ذلك، وهو أوضح ما في القسم من أثر التنظيم على المادّة.

السوفسطائيون ومسألة صورتهم المنقولة

يبدأ بنشأة الفلسفة في أيونيا لا في اليونان الأمّ، حيث عاش الناس في المدن ولم تجد المقدّسات القبلية موطنًا، فازدهرت «عقلية دنيوية رشيدة»، وحيث تساءل طاليس (حوالي ٥٨٥ ق.م) عن الجوهر الواحد وراء التنوّع؛ ويصرّح المؤلف أنه غير معنيّ بجواب طاليس، وإنما بالطابع الموحّد الذي أضفاه البحث في الطبيعة [ص ٣٦–٣٧]. ثم يفسّر الانعطاف نحو الإنسان بثلاثة عوامل: ردّ فعل على الفلسفة الطبيعية، وتراكم معلومات الرحّالة عن عادات الشعوب الذي دفع إلى الشكّ في وجود قانون طبيعي عامّ وإلى القول بأن «القانون هو العرف والدولة أساسها عقد»، وأخيرًا أثر الحروب الفارسية: انتصار البشر لا الآلهة أضعف سيطرة الدين وأصاب معبد دلفي بضربة شديدة لأن موقف أبولون كان «حياديًّا شائنًا» [ص ٣٧–٣٩]. ويستشهد بعبارة لأرسطو من كتاب السياسة عن اندفاع الناس بعد الحروب الفارسية [ص ٣٩].

في السوفسطائيين يخصّص المؤلف صفحات للدفاع عنهم: أهميتهم في كونهم «أول المعلمين المحترفين» لا في المادّة التي علّموها، وصورتهم المشوَّهة مردّها ضياع كتاباتهم ووصول آرائهم عبر أفلاطون وأرسطو «خصميهم اللدودين»، وكونهم أجانب في أثينا يُحرمون الحقوق السياسية [ص ٤٠–٤٢]. ويقرّر أنهم لم يكونوا مدرسة ذات عقيدة بل طائفة معلمين، ويعدّد منهم بروتاغوراس وغورجياس وأنتيغون وغلوكون وكاليكس وثراسيماخوس [ص ٤٢]. ثم يعرض آراءهم من مصدرين فقط: رسالة «عن الحق» لأنتيغون — استخلاص تعارض القانون الوضعي مع القانون الطبيعي، وجواز التهرّب من الأول، والقول بتساوي البشر ونفي التفرقة بين اليوناني وغيره، وهو ما يجعله من أوائل القائلين بالكوزموبوليتيكية [ص ٤٣–٤٤] — ومحاورتا الجمهورية وغورجياس: ثراسيماخوس ونفي الحق الطبيعي وقصر الحق على ما تسنّه القوة [ص ٤٥]، وغلوكون الذي يُنسب إليه «أول طرح لنظرية العقد الاجتماعي» مع اقتباس حرفيّ من مطلع الكتاب الثاني [ص ٤٦]، وكاليكلس والحق الطبيعي للقوة وتعارض الطبيعة والعرف [ص ٤٧]. طريقة العرض هنا نمطية في القسم كلّه: فقرة شارحة، ثم اقتباس أو تلخيص، ثم «يمكن تلخيص آراء فلان فيما يلي» بنقاط مرقّمة. ويلاحَظ أن الكتاب يعدّ غلوكون سوفسطائيًّا، وأن أسماء أنتيفون وكاليكلس تَرِد في صيغ مضطربة (أنتيغون، كاليكس/كاليكلس)، والعرض في مجمله مبنيّ على مصدرَين أدبيّين لا على مسح للشهادات.

الفصل الثالث: أفلاطون

يُقدَّم أفلاطون بوصفه صاحب «أول بحث مستفيض في الشؤون الاجتماعية عند اليونان»، والاعتماد معلن على الجمهورية «لأنها الأكثر شمولًا والأوسع رواجًا» [ص ٤٨]. الأطروحات المنسوبة إليه: اضطرار الأفراد إلى الاجتماع لعجز الفرد عن الوفاء بحاجاته؛ الأسرة وحدة أساسية؛ ولا فرق بين الرجل والمرأة في القدرات، وما يبدو من تفاوت سببه أسلوب التربية، فلو أُعدّت البنت كما يُعدّ الولد لتساوت به [ص ٤٨]. ثم مبدأ التخصص وتقسيم العمل [ص ٤٩]، فتشخيص عيوب المجتمع القائم: شيوع الجهل، وإهمال التخصص، والأنانية المسرفة والجشع؛ وعلاجها بالمعرفة الفلسفية، وبمراعاة التخصص، وبتغيير نظام الملكية عبر «الشيوعية» في أوساط الحكام [ص ٥٢].

يُلحق المؤلف بهذا خلفية تاريخية موسّعة — الحرب البيلوبونيزية، وحكومة الثلاثين، وإعدام سقراط — ويستشهد بفقرتين من «الخطاب السابع» على لسان أفلاطون: «جميع أنظمة الحكم الموجودة الآن، وبدون استثناء، أنظمة فاسدة»، وشرط السعادة بتولّي الفلاسفة الحكم أو تحوّل الحكّام فلاسفة [ص ٥٠–٥١]. ثم قوى النفس الثلاث ومقارّها وفضائلها (العفة، الشجاعة، الحكمة) والعدالة رابعةً محصِّلة [ص ٥٢–٥٣]، وانعكاسها على طبقات ثلاث: المنتجون، الجند، الحكام أو الحرّاس [ص ٥٤]. والنظام التربوي–التعليمي هو أداة التنفيذ: إيداع الأطفال مؤسسات حكومية دون أن يعرفوا آباءهم، وتربية موحّدة للذكور والإناث، واختباران عامّان يفرزان الطبقات الثلاث [ص ٥٥–٥٦]. ويُختم بضمانتين: تناوب الفلاسفة على الحكم منعًا للطغيان، وتطبيق الشيوعية على الحكّام فلا أسرة ولا أبناء ولا ملكية [ص ٥٧]. يورد المؤلف في هذا الموضع حكم روسو على الجمهورية بأنها «أروع كتاب أُلّف عن التعليم» [ص ٥٦] — من غير إحالة إلى موضعه.

الفصل الثالث: أرسطو

يُقدَّم أرسطو بوصفه «أقرب إلى النهج الإصلاحي المعتدل» منه إلى الراديكالي، والاعتماد معلن على كتاب السياسة [ص ٥٧]. يعرض المؤلف: الإنسان «حيوان سياسي واجتماعي»، ومَن لا يحتاج إلى الجماعة «إما بهيمة أو إله»؛ وتدرّج الاجتماع من الأسرة إلى القرية إلى المدينة، وهي أكملها لتوافر الاكتفاء الذاتي فيها، والعيش الرغيد يشمل السلوك الأخلاقي والنشاط العقلي [ص ٥٨–٥٩]. ثم موقفه من المرأة: أضعف جسمًا وأقلّ عقلًا، ووظيفتها تربية الأطفال تحت إشراف الرجل، ردًّا صريحًا على أستاذه [ص ٥٩]. ثم الرقّ نظامًا طبيعيًّا والعبد «آلة حيّة»، مسنودًا باقتباس طويل من السياسة (ك٤، ب٦، فق١) عن شعوب البلاد الباردة وشعوب آسيا والعنصر الإغريقي الوسط [ص ٦٠] — وهو أدقّ إحالة داخلية في القسم كلّه، إذ يذكر الكتاب والباب والفقرة.

ويعرض نقد أرسطو للجمهورية: شيوعية النساء تفضي إلى شيوعية الأولاد فإلى انتفاء المحبة، لأن «الولد الذي هو ولد الجميع ليس ولد أحد»؛ والملكية المشتركة تقتل الحافز وتُضعف الإنتاج، والخلافات تنشأ من فساد الناس لا من الملكية [ص ٦١]. ثم تصنيف الحكومات إلى صالحة (ملكية، أرستقراطية، ديمقراطية) وفاسدة (طغيان، أوليغاركية، ديماغوغية)، وترجيح حكم الطبقة الوسطى بمبدأ «خير الأمور الوسط» [ص ٦٣–٦٤]. ويستفيض في شروط المدينة الصالحة: عدد المواطنين نسبيًّا لا رقمًا، مع تقدير باحثين لحدّ أقصى نحو مائة ألف، واقتباسين من أرسطو عن توافق العدد والسعة وعن ضرورة أن يعرف المواطنون بعضهم بعضًا، وقبولٌ باللجوء إلى الإجهاض وإعدام المولودين مشوّهين لضبط العدد [ص ٦٤–٦٥]؛ ثم مساحة المدينة وموقعها ومرفأها وقسمة أراضيها حصّتين لكل مواطن [ص ٦٥–٦٦]؛ ثم ست طبقات وظيفية، مع قصر صفة «المواطن» على من لا يزاول عملًا يدويًّا [ص ٦٦–٦٧]. ويشير المؤلف إلى بحوث الليكيون عن دساتير مائة وثمانٍ وخمسين مدينة، ودستور أثينا المكتشف عام ١٨٩١، ويصفها بأنها دراسات تاريخية تجريبية أكثر منها فلسفية [ص ٦٢] — وهي أوضح موضع يقارب فيه الكتاب فكرة العمل الإمبيريقي في هذا القسم.

الفصل الرابع: بعد أرسطو والمدرسة الرواقية

الفصل مبنيّ على أطروحة تاريخية واحدة: وفاة أرسطو (٣٢٢ ق.م) خاتمة عهد، وتولّي الإسكندر فاتحة آخر؛ فمع الغزوات (٣٣١ ق.م) أفلت فكرة «المدينة–الدولة» وحلّ محلّها كيان أوسع، وانتهت مرحلة تصوير الإنسان لبنةً في المدينة وبدأت مرحلة تصويره فردًا له ذاتيته [ص ٦٨–٦٩]. ويربط ذلك بخطبة الإسكندر في «أبيس» ودعوته إلى «اتحاد القلوب» ورابطة كومنولث بين المقدونيين والفرس [ص ٦٩]. ويرصد نتيجتين: نموّ أنماط الدين التي تغذّي أمل الخلود الشخصي، وتحوّل المدارس الفلسفية إلى «منابر لبثّ التعاليم الأخلاقية» حتى صارت الفلسفة دين المتعلّم [ص ٧٠]. والمهمّة الفكرية الجديدة صياغة فكرتين معًا: الفرد ذا القدر الذاتي، والعالمية بوصفها مجتمعًا إنسانيًّا شاملًا [ص ٧١].

ثم الرواقية: مدرسة زينون الكتيومي (قبيل ٣٠٠ ق.م)، «الرابعة والأخيرة من المدارس الفلسفية العظيمة» في أثينا، ويستشهد بقول بلوتارك إن الإسكندر أسّس نوع الدولة الذي اقترحه زينون [ص ٧٣]. الأطروحات المنسوبة: تشبيه الحياة بمسرح والإنسان بممثّل يؤدّي دوره؛ والتوافق الأخلاقي بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة؛ ووهب الله الإنسانَ العقل والكلام والقدرة على التمييز؛ والبشر أبناء الله وإخوة؛ ودولة عالمية دستورها «العقل المنزّه عن الخطأ» وهو القانون الطبيعي وقانون الله [ص ٧٤]. ويورد قول كريسيبوس إنه لا يوجد إنسان عبد بالطبيعة، وإن العبد يجب أن يُعامل «عاملًا مستأجرًا مدى الحياة»، ويقابله صراحةً بتعريف أرسطو للعبد بأنه آلة حيّة [ص ٧٥]. ويختم بقاعدة القانونين: قانون المدينة العادي، والقانون الطبيعي للدولة العالمية وهو الأكمل [ص ٧٦]. القيمة التي يعقدها المؤلف للرواقية أنها فسّرت المثل العليا بما يناسب الدولة العالمية، ورسمت خطوط أخوّة إنسانية عالمية [ص ٧٧].

الفصل الخامس: الحضارة الرومانية — شيشرون وسينيكا

يقرّر المؤلف صراحةً أن «مساهمة العصر الروماني في تطور الفكر الاجتماعي أضعف من مساهمة غيره من العصور»، وأن أحدًا من مفكّري الرومان لم يبلغ مرتبة أفلاطون وأرسطو، وأن دورهم كان الاستيعاب والتفسير والنشر، وأثرهم الملموس مرّ عبر النظام القانوني [ص ٧٨]. ويشرح نشأة قانون الشعوب Ius gentium من تعيين قاضٍ خاصّ للأجانب حوالي منتصف القرن الثالث قبل الميلاد، وقربَه من القانون الطبيعي Ius naturale المترجم عن اليونانية [ص ٧٩]. ثم يقسم تطوّر الأفكار خطّين: قانونيًّا يمثّله شيشرون، ودينيًّا يمثّله سينيكا — وهو تقسيم من صنع المؤلف يقول فيه صراحة إنه اختار هذين القطبين لتمثيل الاتجاهين [ص ٨٠].

شيشرون (١٠٧–٤٣ ق.م): يفتتح المؤلف بأن مؤلفاته «لم تكن في الواقع، وكما يعترف هو نفسه، إلا تجميعًا واضحًا لآراء»، ثم يعدّ أعظم إسهامه صياغة نظرية الرواقيين في القانون الطبيعي صياغةً انحدرت إلى الفكر الأوروبي حتى القرن التاسع عشر، ومنه إلى رجال القانون الرومان ثم إلى آباء الكنيسة [ص ٨٠–٨١]. ويورد أطول اقتباس في القسم كلّه من «الجمهورية» عن القانون الحقّ الخالد الذي لا يفرض حكمًا على روما وآخر على أثينا [ص ٨١]، ثم اقتباسًا من «القوانين» عن أننا خُلقنا للعدالة وأن العادات السيئة والمعتقدات الزائفة هي ما يفرّق البشر [ص ٨٢]. والنقطة التي يبني عليها المقارنة: أرسطو يقصر الزمالة على قلّة مختارة لأن البشر غير متساوين، وشيشرون يستنتج من خضوعهم لقانون واحد أنهم ينبغي أن يكونوا متساوين، والعبد عنده أقرب إلى عامل استُؤجرت خدماته مدى الحياة، والإنسان غاية لا وسيلة [ص ٨٢–٨٣].

سينيكا (٢–٦٦ م): يقدّمه وزيرًا لنيرون، متشائمًا يائسًا في السياسة إلى حدّ أن السؤال عنده ليس أيقوم الحكم المطلق أم لا بل مَن يكون الطاغية، وأن الاعتماد على الطاغية أفضل من الاعتماد على الجماهير [ص ٨٣]. والجديد الذي ينسبه إليه: تصوّر وظيفة اجتماعية لا تتطلب منصبًا في الدولة، فالحكيم يخدم الإنسانية بتأمّلاته ويشغل مكانة «أنبل» من الحاكم [ص ٨٤]. ثم عناصر تُقرّبه من المسيحية: الجسد «سجن الروح»، والخطيئة المتوارثة، وتأصّل الإثم، وإعلاء الرحمة والشفقة، وأثر ذلك في القانون الروماني في حماية الأطفال والنساء والعبيد [ص ٨٤–٨٦]. ويقف عند «الرسالة التسعين» ووصف العصر الذهبي حيث لم يكن بالناس حاجة إلى حكومة ولا قانون قبل أن توقظ فيهم الرغبة في التملّك، فتكون الحكومة «الداء الضروري لعلاج الشر المتأصل في الإنسان» وفي الوقت نفسه «الوسيلة الإلهية» لحكم الجنس البشري [ص ٨٦–٨٧]، ويصرّح أن هذا التصوير هو قوام العقيدة المسيحية، فيمهّد للفصل التالي.

الفصل السادس: الفكر الاجتماعي في إطار الديانة المسيحية

يحدّ المؤلف «العصر الوسيط» من القرن الأول الميلادي إلى سقوط القسطنطينية (١٤٥٣ م)، ويقرّر خضوع الفكر الإنساني فيه للدين [ص ٨٨]. ويعرض انتشار المسيحية غربًا لا شرقًا، واجتذابها الطبقات الدنيا، ومناداتها بحرية الاعتقاد أيام الاضطهاد، ثم تخلّيها عن تلك الدعوة بعد اعتراف قسطنطين (٢٧٤–٣٣٧ م) بها دينًا رسميًّا [ص ٨٩–٩٠]. ويقرّر أن المسيحيين الأوائل لم يعنوا بالتنظير الاجتماعي، وأن أفكارهم الاجتماعية والسياسية لم تكن شديدة المغايرة لأفكار الوثنيين، ويستشهد بتعاليم القديس بولس لأهل أثينا وبقوله «ليس هناك يهود وإغريق، ولا حرّ وعبد، ولا ذكر وأنثى» [ص ٩٠]. والجديد الذي يحدّده: افتراض طبيعة مزدوجة للإنسان ورقابة مزدوجة عليه [ص ٩١].

أوغسطين (٣٥٤–٤٣٠): يُقدَّم واسطةً نقلت الفكر الأفلاطوني إلى العصر الوسيط، وهو يُجلّ أفلاطون حتى لقّبه «نصف الإله» [ص ٩١–٩٢]. أساس الحياة الاجتماعية عنده قانونان: طبيعيّ يكتشفه العقل وقوامه قضيّتان (ألّا يفعل المرء بغيره ما لا يريد أن يُفعل به، وأن يُعطى كل ذي حقّ حقه)، ووضعيّ اقتضته معصية آدم واختلال الطبيعة البشرية، ومن هنا تُبرَّر السلطة الزمنية واستخدامها القوة، وتكون الملكية الفردية والرقّ عقابًا على الخطيئة [ص ٩٢–٩٣]. والكنيسة تُشرف على الدولة والدولة تساعد الكنيسة، دون فصل بين السلطتين [ص ٩٣–٩٤]. ثم «مدينة الله»: كتاب دفاع عن المسيحية ضدّ اتّهامها بانحلال الإمبراطورية، تتصارع فيه مدينة الأرض — مدينة الشيطان المتجسّدة في إمبراطوريات الآشوريين والرومان الوثنية — ومدينة الله المتجسّدة في الكنيسة، وهما متداخلتان لا تنفصلان إلا يوم الحساب، والناس جميعًا «ضيوف» في مدينة الأرض [ص ٩٤–٩٦].

توما الأكويني (١٢٢٧–١٢٧٤ م): يُقدَّم فاعلًا لأرسطو ما فعله أوغسطين لأفلاطون. يروي المؤلف وصول مؤلفات أرسطو عبر المصادر العربية واليهودية في الأندلس، ووَصْمها بالكفر، وتحريم قراءتها في جامعة باريس عام ١٢١٠ م، ثم عدول الكنيسة «بحكمة» إلى التجديد بدل المنع حتى صارت مؤلفات أرسطو حجر الأساس في فلسفة روما الكاثوليكية، بفضل ألبرت الأكبر وتلميذه [ص ٩٧]. ويعرض من «الخلاصة اللاهوتية» تراتب العلوم — الفلسفة فوقها ثم اللاهوت الذي يعلو على العقل ولا يناقضه — وتراتب الكون درجاتٍ من الله إلى أدنى المخلوقات [ص ٩٧–٩٨]. وركائز المجتمع ثلاث: الإنسان اجتماعي بطبعه، ووحدة الأغراض، وضرورة سلطة عليا وقانون [ص ٩٩]. والحكم أمانة، والسلطة خدمة يدين بها الحاكم للمجتمع، والحكومات صالحة (حكومة الأفراد الأحرار) أو طالحة (حكومة الأفراد الأرقّاء)، فالحرية دليل عدالتها والعبودية دليل فسادها [ص ١٠٠]. ويختم بأن الأكويني نادى بالقضاء على الرقّ خلافًا لمسلّمات عصره، وأن آراءه في صيغتها النهائية «طروحات دينية–مسيحية مغلّفة بغلاف فلسفي–أرسطي» [ص ١٠١].

طريقة العرض والمصادر

الكتاب في هذا القسم يجمع بين الشرح المتّصل والاقتباس المباشر، لكن الاقتباس محصور في المتون الفلسفية الكبرى: السياسة لأرسطو، والجمهورية والخطاب السابع لأفلاطون، والجمهورية والقوانين لشيشرون، والرسالة التسعين لسينيكا، وفقرات من رسائل بولس. الفصلان الأولان — الرافدين والنيل — خاليان من الاقتباس تمامًا، ومادّتهما معروضة بلغة الشرح دون نصّ واحد من قانون حمورابي أو من النصوص المصرية. ولا توجد في الصفحات ١–١٠١ حاشية واحدة ولا إحالة مرقّمة؛ الإحالة الوحيدة الدقيقة داخل المتن هي «ك٤، ب٦، فق١» من السياسة [ص ٦٠]. والمصادر مجموعة في قائمة واحدة غير مرتّبة على الفصول في آخر الكتاب، فيها ما يقرب من سبعة وأربعين عنوانًا [ص ٢١٥–٢١٧]، أغلبها مراجع عربية ومترجمات — راسل، وسباين، وباركر، وبدوي، وأوبنهايم، وبوتول — وبعضها متون أصلية (المقدمة، الشفاء، رسائل إخوان الصفا، السياسة، الجمهورية). أي أن العرض في مجمله وسيط: يُقرأ الفيلسوف من خلال مترجميه وشُرّاحه لا من طبعة محقّقة يُحال إليها.

أما التصنيف الذي يفرضه الكتاب على المادّة فهو حجّته الحقيقية: ثلاث مراحل منسوبة إلى «الباحثين» لا إلى المؤلف [ص ٣٥]، تُقرأ داخل استعارة الرحم والانفصال المعلنة في المقدمة [ص ٨–٩]. ونتيجة هذا التنظيم أن يُقاس كل مفكّر بموقعه من المسار: الرافدينيون والمصريون «إرهاصات» لا فكر نظري، والسوفسطائيون لحظة الولادة، وأرسطو ذروة، والرومان أضعف الإسهامات، وأوغسطين والأكويني قناتان لنقل أفلاطون وأرسطو إلى العصر الوسيط. عرض المفكّرين، تبعًا لذلك، متفاوت العمق: أفلاطون وأرسطو يستغرقان نحو عشرين صفحة، والسوفسطائيون سبعًا، بينما لا يتجاوز عرض الرواقية خمس صفحات مبنية على مبادئ عامّة دون تمييز بين رواقية مبكّرة ومتأخّرة إلا إشارة عابرة عند الحديث عن سينيكا [ص ٨٥]، ولا يُذكر من الرواقيين بالاسم سوى زينون وكريسيبوس.

مواضع الخلل في النص

النصّ المقروء يحمل عيبًا مطّردًا في تسلسل حروف «لا»، فتظهر أسماء وكلمات مقلوبة (أفالطون بدل أفلاطون، الفالسفة، عالقة، الخالص، ثالث بدل ثلاث، إال بدل إلا)؛ وهو عيب صياغة رقمية لا يمسّ المعنى غالبًا، لكنه يجعل قراءة أسماء الأعلام في المتن غير مأمونة. وإلى جانبه مواضع تكرار أو سقط: فقرة مكرّرة عن أثر الانتصار على الفرس [ص ٣٩]، وجملة مكرّرة عن حقّ العبد في الشهادة ورفع الدعوى [ص ٢٩]، وعبارة مكرّرة في المقدمة عن «النهج الذي اتبعته المعارف المختلفة» [ص ٩]، وتكرار «وجود نظام» في الحديث عن النظام القانوني العالمي [ص ٧٥]، وجملة مبتورة تبدأ بلا فاعل عند الكلام على امتيازات الكهنة [ص ٢٠]، وجملة ناقصة عند تعريف المساواة عند شيشرون [ص ٨٣]، وأخرى ناقصة في وصف صراع المدينتين [ص ٩٦]. وفي المتن نفسه سهوٌ في التأريخ: تُذيَّل سنتا أوغسطين (٣٥٤–٤٣٠) بـ«ق.م» [ص ٩١]. وفهرس المحتويات [ص ٤–٥] وصل مضطرب الترتيب داخل السطر الواحد، فأرقام صفحاته مطبوعة لا تطابق ترقيم الملف.