حدود القسم وموضوعه
يؤلّف هذا القسم الفصل السابع من الكتاب، وهو الفصل الأخير في الباب الثاني، وعنوانه «الفكر الاجتماعي في إطار الديانة الإسلامية». يبدأ الفصل في صفحة الـPDF ١٠٢ (وهي ٩٥ في ترقيم المطبوع) وينتهي في صفحة ١٤٠ (المطبوع ١٣٣)، ويبدأ الباب الثالث «الفكر الاجتماعي في المرحلة الفلسفية – العلمية» في صفحة ١٤١ (المطبوع ١٣٤)؛ والفارق بين الترقيمين سبع صفحات ثابت على امتداد الفصل. ويتوزّع الفصل على قسمين متمايزين في الحجم والطريقة: تمهيد تاريخي يشغل نحو اثنتي عشرة صفحة (ص ١٠٢–١١٣) يردّ الفكر الاجتماعي العربي – الإسلامي إلى ثلاثة جذور — الموروث الاجتماعي قبل الإسلام، وتعاليم الدين الإسلامي، وحركة الترجمة — ثم أربع تراجم تشغل ما تبقّى، يصرّح المؤلف بمعيار اختيارها: نموذجان من المشرق الإسلامي هما الفارابي وإخوان الصفا، ونموذجان من المغرب الإسلامي هما ابن رشد وابن خلدون [ص ١١٤].
الجذور الثلاثة: القبيلة، وتعاليم الإسلام، والترجمة
يحصر الكتاب بنية المجتمع العربي قبل الإسلام في أربعة أنظمة: الأسري والقبلي والديني والسياسي [ص ١٠٢]. الأسرة عنده «الحُجيرة الأولى» في التكوين الاجتماعي، وفيها زواج داخلي ضمن القبيلة دافعه توسيع حجمها، وزواج خارجي هو المصاهرة بين القبائل وإقامة علاقات رحمية بدل العلاقات الصراعية. غير أنها لم تكن النظام المؤثر، لعجزها عن توفير الحماية، فذابت في النظام القبلي الذي «امتصّ خواص وصفات النظام الأسري، والنظم الأخرى، وطبعها بطابعه»؛ وللقبيلة مجلس من شيوخها يرأسه شيخ شرطه أن يكون من أشرافها وأشدّهم عصبية وأكثرهم مالاً، وأقسى عقوبة اجتماعية عندهم الطرد [ص ١٠٣–١٠٤].
وفي النظام الديني يقرّر الكتاب أن العرب وسائر الأمم السامية «هم بفطرتهم أهل توحيد»، وأن عبادة الأصنام كانت دخيلة عليهم أخذوها عن الأقوام الأخرى عن طريق التجارة [ص ١٠٤]. ويعرض لليهودية والمسيحية ومواطنهما في الجزيرة، ثم يخلص إلى أن المجتمع كان يعاني «فراغاً دينياً»، ولمّا لم تعرف شبه الجزيرة دولة مركزية كان ثمة «فراغ سياسي» أيضاً، فصار المناخ مهيّأً لاستقبال الدعوة الجديدة [ص ١٠٥–١٠٦].
وفي الجذر الثاني يقرّر أن تعاليم الإسلام — من القرآن ومن الحديث والسنة — نظّمت علاقات الإنسان على ثلاثة مستويات: علاقته بالخالق؛ وعلاقته بغيره من البشر في الأسرة والمحلة والأمة، وفيها يُدرج تنظيم الزواج والطلاق ورعاية الأقارب ثم البيوع والعقود وتقسيم الإرث؛ وعلاقته بوليّ الأمر، حقوقاً وواجبات [ص ١٠٧–١٠٨]. ويقرأ الأثر بلغة الأنظمة نفسها: الإسلام قوّض النظام الديني الوثني، وجمّد فعالية أنشط نظام في البنية — أي القبلي — فتحوّل الولاء من القبيلة إلى الدين، وصار النظام الديني محرّكاً ومهيمناً على سائر النظم [ص ١٠٨–١٠٩]. غير أن الكتاب يسجّل عودة العصبية القبلية إلى الفعل «كما كانت في الجاهلية»، لا سيما بين بني أمية وبني هاشم، مع ظهور عصبية المِصر بعد تأسيس البصرة والكوفة والفسطاط (وردت في النصّ المستخرج «عصبية المن») [ص ١١٠]، ثم تستّر النظام القبلي بغطاء النظام الديني، وإلغاء الشورى وحلول الوراثة محلّها، حتى صارت الخلافة «أقرب إلى السياسة منها إلى الدين» [ص ١١١].
والجذر الثالث حركة الترجمة، يبدؤها الكتاب بخبر خالد بن يزيد بن معاوية وأمره بترجمة كتب الصنعة، ناقلاً عن ابن النديم في «الفهرست» [ص ١١١]، ثم يعرض لثلاث محطات عباسية عند المنصور والرشيد والمأمون، وهذا الأخير عهد إلى حنين بن إسحق بترجمة ما في بيت الحكمة [ص ١١٢]. ويحدّد ممّا ترجمه حنين ويهمّ الموضوع: «الجمهورية» و«القوانين» لأفلاطون، و«الأخلاق إلى نيقوماخوس» لأرسطو. ثم يتوقف عند مسألة يبني عليها لاحقاً: كتاب «السياسة» لأرسطو لم تتهيّأ الفرصة لترجمته في تلك الحقبة، فظلّ مضمونه مجهولاً للفلاسفة المسلمين «بما فيهم ابن رشد أشهر شرّاح فلسفة أرسطو من العرب» [ص ١١٣]؛ وتعود الفكرة في ترجمة ابن رشد تفسيراً لكون آرائه الاجتماعية أفلاطونية لا أرسطية.
الفارابي
تشغل ترجمة الفارابي نحو خمس صفحات (ص ١١٤–١١٨)، وهي أقصر التراجم الأربع. تبدأ بتعريف موجز: محمد أبو نصر الفارابي (٢٥٩ – ٣٣٩هـ)، وُلد في قرية وسيج في ولاية فاراب، وحصل على علومه في بغداد، ثم ارتحل إلى حلب واستقرّ في مجلس سيف الدولة الحمداني [ص ١١٤]. ويسمّي الكتاب مؤلَّفَين اثنين لا غير: «أهل المدينة الفاضلة» و«كتاب السياسات المدنية»، ويقول إنه ضمّنهما آراءه الاجتماعية. ولا تُذكر طبعة ولا محقّق ولا رقم صفحة، هنا ولا في أي موضع آخر من الفصل؛ والعرض كلّه تلخيص بصيغة الغائب، من غير اقتباس حرفي واحد عن الفارابي.
ينظر الفارابي — كما يعرضه الكتاب — إلى المجتمع البشري من خلال حاجة الفرد إلى الاجتماع: الإنسان يحتاج في وجوده وفي سعيه إلى الكمال أشياء كثيرة لا يقوم بها وحده، فاضطُرّ البشر إلى الاجتماع. ويقسم الاجتماعات إلى ناقصة على ثلاثة أنواع — اجتماع أهل المنزل، وأهل الحيّ أو المحلة، وأهل القرية — وكاملة على ثلاثة: عظمى وهي اجتماع الجماعة كلها في المعمور، ووسطى وهي اجتماع أمة في جزء معمور، وصغرى وهي اجتماع أهل المدينة [ص ١١٤–١١٥]. وأحسنها اجتماع سكان المعمورة في دولة واحدة، غير أنه صعب التحقيق، فقصر اهتمامه على المدينة، وهدفها بلوغ الخير والتعاون على السعادة، والمدينة التي يقوم اجتماعها على ذلك هي «المدينة الفاضلة» [ص ١١٥].
ويورد الكتاب تشبيه الفارابي للمدينة الفاضلة بالجسم التام الصحيح، وأن موقع الرئيس فيها كموقع القلب من الجسم، ثم يفصّل شروط رئيسها على ثلاثة أصناف: فطرية ومكتسبة تشمل سلامة الأعضاء والحواس وحسن التصور وسهولة التذكر والفطنة والفصاحة وحبّ الصدق والإعراض عن مغريات الدنيا والتحلّي بالعدل والشجاعة؛ وروحية يقصد بها امتلاك القابليات التي تتيح اتحاد فكره بـ«العقل الفعال» المنبعث عن الله مباشرة، فيتلقّى «نفحات الوحي». وخلاصة الكتاب أن هذه المواصفات تجعل منه جامعاً لصفات الفيلسوف والنبي في وقت واحد [ص ١١٥–١١٦].
ويُبنى بقية العرض على مقارنة صريحة بأفلاطون. أوجه التشابه ثلاثة: جعل الخير والسعادة غاية كل اجتماع بشري؛ والقول بضرورة الاجتماع لعجز الفرد عن كفاية نفسه؛ والاقتصار على «اجتماع المدينة» رغم أن اتساع الدولة الإسلامية في زمانه كان يسمح بالحديث عن «اجتماع أمة» [ص ١١٧]. وأوجه الاختلاف خمسة، يقدّمها الكتاب على أنها محاولة للحياد عن توجهات أفلاطون المتعارضة مع التعاليم الدينية أو مع الواقع السياسي القائم: جعل الرئيس فيلسوفاً ونبياً في آن؛ وميله إلى رئيس واحد، في حين لم يمانع أفلاطون تعدّد الحرّاس ولا تقلّد المرأة أو مشاركتها في إدارة شؤون الدولة؛ وتكييف آرائه مع واقع انفراد الحاكم بالسلطتين؛ وامتناعه عن تقسيم المجتمع إلى ثلاث طبقات؛ وتجنّبه التامّ «لأسباب دينية واجتماعية معروفة» آراء أفلاطون التي تقود إلى تطبيق مبدأ الشيوعية في الأسرة أو في الممتلكات [ص ١١٧–١١٨].
إخوان الصفا وخلّان الوفا
تشغل هذه الترجمة نحو سبع صفحات ونصف (ص ١١٨–١٢٥)، وهي أطول من ترجمة الفارابي، وتختلف عنها في الطريقة اختلافاً بيّناً: يقتبس الكتاب هنا نصوصاً حرفية مطوّلة ومتتابعة. ويعرّف الإخوان بأنهم جماعة من الرجال المستترين، طالبي العلم وناشدي الحكمة، ظهرت في البصرة «ويبدو أن كان لها فرع في بغداد» في القرن الرابع الهجري. و«الرسائل» أشبه بدائرة معارف شاملة، تتألف من إحدى وخمسين رسالة، تبحث خمسون منها في خمسين صنفاً «من طريق الاختصار والإيجاز» [ص ١١٨]. ويرى الكتاب أن آراءهم مقتبسة من مصادر شتى — الأفلاطونية المحدثة، ومؤثرات إسلامية ومسيحية ويهودية — فـ«فلسفة» إخوان الصفا ذات طابع تلفيقي أو انتقائي، أُريد بها أن تجمع حكمة جميع الأمم والديانات [ص ١١٩].
ويسجّل لهم قاعدتين منهجيتين: استخدام أسلوب الملاحظة في دراسة سلوك الإنسان، واستخدام «المقارنة الخارجية» أي مقارنة مجتمع بشري بمجتمع حيواني؛ وحصروا نشاطات الإنسان في صنفين: طلب المنافع، والفرار من المضار [ص ١١٩]. ففي طلب المنافع: من الحيوانات ما يطلبها بالقهر كالسباع، ومنها بالبصبصة كالكلب، ومنها بالحيلة كالعنكبوت؛ ولدى البشر أشباه لذلك، فالملوك يطلبونها بالغلبة، والمكدّون بالسؤال، والصنّاع والتجار بالحيلة والرفق [ص ١٢٠]. وخلاصة ذلك عندهم أن طلب المنافع ومحبة الحياة هما الدافع الأساسي إلى تكوين المجتمع، لأن الفرد لا يتقن الصنائع كلها «لأنها كثيرة متعددة، والعمر قصير»، فاجتمع الناس وكوّنوا «المجتمع المكتفي بذاته» [ص ١٢٠–١٢١].
ويبرز عندهم دور العوامل الطبيعية والجغرافية في أربعة: البقعة، إذ يؤثر هواؤها وترابها في المزاج، واختلاف الأمزجة يؤدي إلى اختلاف الأخلاق والطباع والألوان واللغة والعادات؛ والنجوم، فطباع البشر تختلف باختلاف البروج التي يولدون فيها؛ والتربية؛ والمذهب [ص ١٢١].
وينقل الكتاب موقفهم من الأسرة نقلاً حرفياً: أنهم كانوا يستحسنون الاستغناء عن الزواج إن استطاع المرء، بقولهم «مع أن الأحبّ، والآثر عندنا، الانفراد والوحدة، ولكن لا يكاد يتهيّأ ذلك لجميع إخواننا، ولا نأمرهم به أيضاً، لئلا ينقطع الحرث والنسل»؛ ويوصون من يُقدم على تكوين أسرة بالتزام معاملة واحدة ثابتة محكمة مع أفرادها «وخاصة مع النساء»، ومتابعة سلوكهنّ في كل وقت، لأنهنّ — بنصّ ما ينقله الكتاب عنهم — «سريعات التلوّن، كثيرات التغيّر، يتغيّرن مع الساعات، ويضطربن على الأوقات... ولا يغرّرك منهنّ صالح تعرفه فيهنّ» [ص ١٢٢]. ويورد الكتاب هذا النقل في سياق العرض من غير تعليق عليه.
ثم يستخلص لهم «نظرية» في نشوء المجتمعات والدول وتطوّرها، مسنَدة إلى نصّ منقول: «كل دولة لها وقت منه تبتدي، ولها غاية إليها ترتقي، وحدّ إليه تنتهي... أخذت في الانحطاط والنقصان» [ص ١٢٢]؛ ويرافقه مخطط بياني خرج في النصّ المستخرج مبعثراً إلى كلمات متناثرة لا يمكن قراءة شكله [ص ١٢٣]. ويقرأ الكتاب النظرية قراءة سياسية: أن إخوان الصفا وظّفوها لتسويغ معارضتهم لحكم العباسيين، ناقلاً قولهم «أن الملك والدولة ينتقلان في كل دهر وزمان... من أمة إلى أمة، ومن أهل بيت إلى أهل بيت» [ص ١٢٣].
وفي المدينة الفاضلة يعتمد على ثلاثة نقول متتابعة: دعوتهم إلى أن «نبني مدينة فاضلة روحانية... في مملكة صاحب الناموس الأكبر»؛ ووصف أهلها بأنهم «قوم أخيار، حكماء فضلاء، مستبصرون بأمور النفس وحالاتها»؛ وشروط موقعها، ومنها ألّا يكون بناؤها مرتفعاً «لئلا يصعد دخان المدن الجائرة فتكدّر أهويتها» [ص ١٢٤]. ويقسم أهلها إلى أربع مراتب: ذوو الصنائع، وذوو الرياسات أي رجال الإدارة، والملوك وذوو الأمر والنهي، والإلهيون أي رجال الدين [ص ١٢٥].
ابن رشد: السيرة والشروح ومسألة «السياسة»
تشغل ترجمة ابن رشد نحو ستّ صفحات ونصف (ص ١٢٥–١٣١). يعرّفه الكتاب بأنه أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، وُلد في قرطبة عام ٥٢٠هـ = ١١٢٦م في بيت ورث الفقه أباً عن جدّ؛ وتشير المصادر — من غير تسميتها — إلى أن ابن طفيل قدّمه إلى الأمير أبي يعقوب يوسف عام ٥٤٨هـ فكلّفه بشرح مؤلفات أرسطو. وكان فقيهاً وطبيباً، تولّى القضاء في إشبيلية ثم في قرطبة، ثم حلّ السخط بالفلاسفة وصارت كتبهم تُرمى في النار، وأُبعد في شيخوخته إلى أليسانة، ومات في مرّاكش سنة ٥٩٥هـ = ١١٩٨م [ص ١٢٥–١٢٦]. ويُلاحظ تعارض داخلي في المطبوع: العنوان يؤرّخ له بـ(١١٢٦ – ١١٦٨م)، وهو التاريخ نفسه المثبت في فهرس الكتاب، بينما يذكر المتن الوفاة سنة ١١٩٨م.
ويعرض لشروحه على ثلاثة أنحاء — الملخّصات، والشروح المتوسطة، والشروح الطويلة — وأنها هي التي شاعت وجعلته يُعرف بلقب «الشارح». ويقرّر أنه «كان الأكثر دقة في عرض آراء أرسطو والأكثر وضوحاً في شرحها»، وأن إليه يُعزى إصلاح أخطاء من سبقه من الشرّاح، ولا سيما خطأ فهم أرسطو من خلال الأفلاطونية المحدثة، وأن شروحه نشرت نفوذه في أوروبا حتى برز اتجاه عُرف بالاتجاه «الرشدي» [ص ١٢٦]. ولا يسمّي الكتاب شرحاً بعينه ولا مؤلَّفاً مستقلاً لابن رشد. ثم يعود إلى مسألة «السياسة»: ابن رشد متأثر في آرائه السوسيولوجية بأفلاطون لا بأرسطو، لأنه لم يتسنَّ له الاطلاع على «السياسة» إذ لم يكن قد تُرجم — أو على حدّ تعبيره «لأنه لم يصل إلينا» — ولم يكن يجيد اليونانية، فاكتفى بشرح وتلخيص «الجمهورية»، «أو بالأحرى جوامع جالينوس للجمهورية» الذي ترجمه حنين بن إسحق [ص ١٢٧].
رأيه في الميل الطبيعي إلى الاجتماع
تحت هذا العنوان الفرعي يقرّر الكتاب أن ابن رشد نحا منحى سابقيه من الفلاسفة المسلمين — الفارابي وابن سينا — والفلاسفة اليونان — أفلاطون وأرسطو — في اعتباره الإنسان كائناً مدنياً أو اجتماعياً بالطبع: فالكمالات والضروريات لا تحصل له إلا بمساعدة غيره، بل هو في الضروريات أحوج منه في الكمالات إلى تلك المساعدة؛ ولمّا كانت الكمالات صعبة الجمع في فرد واحد، كان على الفرد أن يتقن كمالاً واحداً أو تخصّصاً واحداً يبرع فيه [ص ١٢٧]. والعرض هنا تلخيص، من غير نقل حرفي.
نظرته إلى المرأة
يقدّم الكتاب هذا الموضع بوصفه «نظرة ابن رشد المتميزة إلى المرأة، والتي خالف فيها آراء غيره من الفلاسفة المسلمين»، ويعلّل ذلك بأنها «تنطوي على التجرّد من الملابسات السلبية التي أحاطت بواقع المرأة في زمانه» [ص ١٢٧]. ويلخّص الموقف: نظر ابن رشد إلى المرأة باعتبارها كائناً عاقلاً ذا مواهب متعددة كالرجل، فوجدها مشابهة له من حيث الطبيعة والقوى؛ وهي إن كانت دونه في كمية بعض القوى فإنها تزيده في بعضها الآخر كمّاً وكيفاً، فتتفوق عليه في الموسيقى والإنشاد وفي التربية والخدمات الاجتماعية والخياطة والنسج واحتمال الآلام، ويمكن — برأيه — أن تصل مثل الرجل إلى الحكم وأن تكون فيلسوفة. ولذا يرى أنه من المهم «أن نُطلق جناحي المرأة وأن نحطّم القيود التي كبّلها بها مجتمع يسود فيه حكم الرجل الجاهل أو غير الفاضل وغير العادل» [ص ١٢٨].
وينقل عن ابن رشد نصّاً واحداً مطوّلاً في هذا الباب: «أن حالتنا الاجتماعية لا تؤهّلنا للإحاطة بكل ما يعود علينا من منافع المرأة: فهي في الظاهر صالحة للحمل والحضانة فقط، وما ذلك إلا لأن حال العبودية التي أنشأنا عليها نساءنا أتلفت مواهبها العظمى، وقضت على اقتدارها العقلي... وحياتهن تنقضي حياة النبات، فهن عالة على أزواجهن. وقد كان ذلك سبباً في شقاء المدن وهلاكها بؤساً، لأن عدد النساء يربو على عدد الرجال ضعفين، فهن ثلثا مجموع السكان، ولكنهن يعشن كالحيوان الطفيلي على جسم الثلث الباقي» [ص ١٢٨]. ويعقّب الكتاب بأن في هذا الرأي «الكثير من الحداثة، وكأن قائله يعيش بيننا في هذه الأيام»، وأنه ينطوي على تشخيص واقعي لسبب الفقر والشقاء في المجتمعات، وهو تعطيل قطاع واسع من المجتمع وهدّ إمكانياته [ص ١٢٨–١٢٩]. والنقل — كسائر نقول الفصل — بلا عزو إلى موضع من الشرح ولا إلى طبعة أو مترجم.
النظام الجمهوري وشروط الرئاسة
يقرّر الكتاب أن ابن رشد اعتقد أن أفضل الأنظمة لتدبير أمور المجتمع هو «النظام الجمهوري»، وأن الناس في ظلّه لا يعودون بحاجة إلى قضاة ولا إلى أطباء، لخلوّ المجتمع من الإفراط والتفريط ولأن الفضيلة تحمل على احترام الحقوق والقيام بالواجبات؛ ويصف مجتمعه بأنه مبنيّ «على الفضيلة الممكنة لا المتخيّلة»، وأنه أكثر واقعية من الجمهورية التي تصوّرها أفلاطون والفارابي. وتُناط مقاليد الأمور بطبقة الحكماء أو الفلاسفة، ومنها يُختار الرئيس، وينهج ابن رشد في التنصيب «نهجاً ديمقراطياً»، لا يرى مانعاً من وصول أفراد من عامة الناس ما دام سكان الدولة جميعاً «أخوة انبثقوا من بطن واحدة هي الأرض»، والمعيار المؤهلات ومحبة الحكمة، بغضّ النظر عن الأصل أو النسب أو الثروة [ص ١٢٩].
ويُجمل تسع خصال يشترطها ابن رشد فيمن يتقلّد الرئاسة، منها محبة العلوم النظرية، وحسن الذاكرة، وحبّ الصدق، وبغض اللذات، والشجاعة دون تهوّر، والبلاغة، والقدرة على استخلاص الحدّ الأوسط بأيسر وجه [ص ١٣٠]. ويلاحظ أن أفلاطون قال بهذه الخصال في «جمهوريته»، غير أن ابن رشد عدّلها بما يقرّبها من التحقق الواقعي، وأنه يراها أقرب إلى التوفّر في الخلفاء الراشدين ويرى في مجتمعهم نموذجاً للمجتمع الجمهوري الذي تصوّره، ومن ثمّ ينتقد صراحة النظام الأوتوقراطي الوراثي «الذي ابتدعه معاوية بن أبي سفيان» محوّلاً الشورى إلى نظام وراثي أتاح تولية ابنه يزيد «الذي تنحصر كل مؤهلاته في كونه ابن معاوية» [ص ١٣٠–١٣١].
ابن خلدون: «تأسيس» علم العمران
تشغل ترجمة ابن خلدون نحو عشر صفحات (ص ١٣١–١٤٠)، وهي أطول تراجم الفصل بفارق واضح — نحو ضعف ما أُعطي للفارابي. يبدأ الكتاب بالسيرة: أبو زيد عبد الرحمن بن ولي بن خلدون الحضرمي (كذا في النصّ المستخرج، والاسم الأوسط مشكوك فيه)، وُلد في تونس، درس العلوم الشرعية وعلوم اللغة والطبيعيات والرياضيات والفلسفة، واشتغل بالوظائف العامة والسياسية في دواوين ملوك تونس والمغرب والأندلس ومصر والشام، ومنها الكاتب والأستاذ وقاضي القضاة والحاجب — ويشرح الكتاب الأخير بـ«رئيس الوزراء». ويورد عنوان مؤلَّفه كاملاً: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر»، ويشرح بنيته: مقدمة في «فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه»، ثم «الكتاب الأول في طبيعة العمران في الخليقة»، وأنهما أُدمجا فتشكّل منهما الكتاب المشتهر باسم «مقدمة ابن خلدون» [ص ١٣١].
ويقرّر الكتاب — تحت عنوان صريح هو «ابن خلدون: تأسيسه لعلم الاجتماع ورأيه في موضوعه وأقسامه» — أن ابن خلدون كان مدركاً عند كتابة المقدمة أنه «بصدد اكتشاف، أو تأسيس علم جديد هو علم العمران البشري أو علم الاجتماع الإنساني»، ويسند ذلك إلى نقلين حرفيين: «اعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة... وليس من علم الخطابة... ولا هو أيضاً من علم السياسة المدنية»؛ و«وكأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل وهي ما يلحقه من العوارض الذاتية» — مع تفسير «العوارض الذاتية» بأنها القوانين [ص ١٣٢]. والتأسيس هنا لا يُقرَّر باسم المؤلف وحده، بل يُبنى على نصّ ابن خلدون في تمييز علمه عمّا يشبهه.
ثم يقسم مباحث العلم الجديد إلى ستة أقسام: العمران البشري، في المجتمع ككلّ وطبيعة الاجتماع وأثر البيئة الجغرافية؛ والبدوي، في سكان البادية والقبائل؛ والسياسي، في نظم الحكم؛ والحضري، في نشأة المدن والأمصار؛ والاقتصادي، وموضوعه «المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع»؛ والفكري، في «العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه». وفي المنهج يقرّ الكتاب بأن ابن خلدون «لم يحدد ذلك المنهج بشكل دقيق واضح»، غير أنه يعدّه ثابتاً أنه استخدم منهجاً علمياً قائماً على الاستقراء والاستدلال والنقد والمقارنة والوصف الموضوعي، وعلى خضوع الحياة الاجتماعية لقانون السببية والحتمية [ص ١٣٣].
أبرز آرائه: الضرورة والوازع والأطوار
يخصّص الكتاب عنواناً مستقلاً هو «محاولة لاستعراض أبرز آراء ابن خلدون في ميدان علم الاجتماع»، ويرتّبه في خمس مسائل [ص ١٣٤]. الأولى ضرورة الاجتماع البشري بمظهرين: اقتصادي، يسنده بنصّ طويل في أن قدرة الفرد «قاصرة على تحصيل حاجته من ذلك الغذاء»، وأن قوت يوم من الحنطة لا يحصل إلا بصناعات متعددة من حدّاد ونجّار وفاخوري؛ ودفاعي، بنصّ في أن الواحد من البشر «لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة منها» [ص ١٣٤–١٣٥].
والثانية ضرورة السلطة، وهي موضع «الوازع». ينقل الكتاب النصّ الخلدوني: «ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر... فلا بدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم... فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة. وهذا هو معنى الملك». ثم يذكر أنواعه كما ترد في مواضع أخرى من المقدمة: قد يكون قائماً على العصبية، أو على الدين، أو عليهما معاً، وقد يكون عقلياً، وقد ينتج عن احترام الرؤساء والشيوخ [ص ١٣٥]. وتعريف المصطلح — «الوازع: ويُقصد به هنا: السلطة، أو الحكم» — يرد في فهرس الكتاب عنواناً مستقلاً عند الصفحة المطبوعة ١٣٠، بينما هو في النصّ المستخرج سطر معترض في وسط ص ١٣٧ مسبوق بنجمة، ما يرجّح أنه حاشية صفحة أُدرجت في مسار المتن.
والثالثة «قانون الأطوار الثلاثة للمجتمع البشري»، يستخلصه ابن خلدون — بحسب الكتاب — من دراسته التاريخية للدولة الإسلامية: المجتمع يمرّ كما يمرّ الكائن الحي بأدوار الطفولة والشباب والشيخوخة، فتقابل الطفولةَ مرحلةُ البداوة القائمة على العصبية والدعوة الدينية، ويقابل النضجَ التحضّرُ برسوخ دعائم الملك، وتقابل الشيخوخةَ مرحلةُ الهرم، «فإن الهرم إذا نزل بدولة فإنه لا يرتفع» [ص ١٣٥–١٣٦]. ويضمّ إلى ذلك أعمار الدول، بنصّ مطوّل في أن عمر الدولة في الغالب ثلاثة أجيال: جيل باقٍ على خلق البداوة فسورة العصبية محفوظة فيه، وجيل ثانٍ تحوّل بالملك والترف إلى الحضارة فانكسرت سورتها، وجيل ثالث يصير عيالاً على الدولة «فإذا جاء المطالب لهم لم يقاوموا مدافعته» [ص ١٣٦–١٣٧].
والرابعة التطور الاجتماعي، بنصّ «أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال» [ص ١٣٧]. والخامسة التقليد والقسر الاجتماعي، وهي المسألة التي يصوغها الكتاب صياغة أسبقية صريحة: المهتمون بالدراسات الاجتماعية اعتقدوا أن غبريال تارد (١٨٤٣ – ١٩٠٤) أول من أبرز ظاهرة التقليد، وأن إميل دوركايم (١٨٥٨ – ١٩١٧) أول من لفت الانتباه إلى القسر الاجتماعي، «إلا أن ثمة دلائل تشير إلى أن ابن خلدون قد سبقهما في ذلك». ويسند ذلك بنصوص منها «أن القياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة» و«المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته»؛ وفي القسر نصّ من أدرك أباه وأهل بيته يلبسون الحرير ويتحلّون بالذهب، «فلا يمكنه مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونة في اللباس والزيّ والاختلاط بالناس، إذ العوائد دفعته» [ص ١٣٧–١٣٨].
موقعه في مسار الفكر الاجتماعي كما يقرّره الكتاب
يقرّر الكتاب أن ابن خلدون «يمثّل ظاهرة فريدة من نوعها في إطار الفكر الاجتماعي»، ويبني الحكم على مقابلة صريحة مع سابقيه: الفلاسفة والمفكرون المسلمون الذين تقدّموه — «كالفارابي وإخوان الصفا مثلاً» — تأثروا إلى حدّ كبير بآراء فلاسفة اليونان، «وبالتالي لم يتسنَّ لهم الإتيان بآراء جديدة في ميدان الفكر الاجتماعي»، بينما أفرزت الثقافة العربية – الإسلامية في شخصه «مفكراً اجتماعياً مبدعاً وفريداً» [ص ١٣٨–١٣٩]. غير أن الفرادة عنده انقطاع لا تأسيس لتيار: ما تضمّنته المقدمة «لم يكن استمراراً للماضي، كما أنه لم يكن أيضاً بداية لمرحلة جديدة»، فهو لم يتأثر تأثراً ملموساً بمن سبقه ولم يُقدَّر له أن يؤثر فيمن جاء بعده، ولا أن يتابعه تلامذة يسيرون على نهجه [ص ١٣٩]؛ ويسبق ذلك تقريره أن جهوده «لم يُقدَّر لها أن تثمر وتشتهر في أيامه ولا بعد وفاته لأجيال عديدة» [ص ١٣٨].
وبناءً عليه تُصاغ دعوى الأسبقية على النحو الآتي: على الرغم من أن المقدمة «بشّرت بتأسيس علم جديد هو علم الاجتماع — أو كما أسماه ابن خلدون علم العمران» — فإن ذلك لم تُقدَّر قيمته لا في زمانه ولا في الأزمنة اللاحقة، وظلّ مجهولاً حتى «جاء أوغست كونت (١٧٨٩ – ١٨٥٧، هكذا في المطبوع) ليبشّر بتأسيس علم الاجتماع»؛ ثم انتبه «بعض الباحثين المحققين المنصفين» إلى أن ابن خلدون سبق كونت بقرون في اكتشافه علماً جديداً، وتصوّر موضوعه بشكل يقرب إلى الشمول، وتوصّل إلى جملة من القوانين [ص ١٣٩]. فالأسبقية عند الكتاب أسبقية اكتشاف مع انقطاع في الأثر، لا خطّ نسب متصل إلى علم الاجتماع الحديث.
ويختم بقصة إعادة الاكتشاف على يد مستشرقَين: فون هامر، الذي نشر عام ١٨١٢ بحثاً عن الإسلام أطلق فيه على ابن خلدون لقب «مونتسكيو العرب»، ثم بحثاً بالفرنسية في «المجلة الآسيوية» عام ١٨٢٢ أظهر فيه أصالة آرائه؛ وشولتز، الذي نشر في المجلة نفسها عام ١٨٢٥ بحثاً دعا فيه إلى ترجمة المقدمة. ثم تكفّل المستشرق الفرنسي كاترمير بذلك عام ١٨٥٨ فترجمها ونشرها مع النصّ العربي، «وبفضلها فقط عُرف ابن خلدون وعُرفت المقدمة» [ص ١٤٠]. وهذه الأسماء الثلاثة هي المراجع الحديثة الوحيدة التي يسمّيها الفصل كله، بلا عناوين للبحثين ولا بيانات نشر للترجمة سوى السنة.
طريقة المعالجة وحال النصّ
يخلو الفصل كله من الحواشي ومن الإحالات: لا طبعة واحدة، ولا محقّق، ولا رقم صفحة لأي نقل، ولا قائمة مصادر في آخره. وتُسمّى المؤلَّفات بعناوينها فقط: كتابان للفارابي، و«رسائل» إخوان الصفا من غير تسمية رسالة بعينها، و«جوامع جالينوس للجمهورية» عند ابن رشد، و«كتاب العبر» و«المقدمة» عند ابن خلدون. وتتفاوت طريقة العرض تفاوتاً حادّاً: الفارابي يُعرض تلخيصاً خالصاً بلا اقتباس حرفي واحد؛ وإخوان الصفا وابن خلدون بالنقل الحرفي المكثّف، حتى إن أكثر ما في صفحتي ١٢٤ و١٣٦ نصوص منقولة؛ وابن رشد بينهما، تلخيص تتخلله عبارات قصيرة ونصّ واحد طويل هو نصّ المرأة. أما المساحة فتتدرّج: الفارابي خمس صفحات، وابن رشد ستّ ونصف، وإخوان الصفا سبع ونصف، وابن خلدون عشر.
وفي حال النصّ المستخرج ملاحظات تخصّ هذا القسم: المخطط البياني الموعود لنظرية إخوان الصفا في تعاقب الدول خرج مبعثراً غير مقروء [ص ١٢٣]؛ و«عصبية المِصر» وردت «عصبية المن» [ص ١١٠]؛ واسم ابن خلدون ورد «عبد الرحمن بن ولي بن خلدون» [ص ١٣١]؛ وترتيب لفظَي «الإنس والجن» في الآية المستشهد بها جاء على خلاف المصحف [ص ١٠٧]. وصفحات ١٤١–١٤٣ فاصلة بين البابين لا تحمل إلا العنوان وقائمة فصول الباب الثالث. وعدا ذلك فالنصّ في هذا القسم سليم القراءة، والاقتباسات الطويلة متصلة يمكن تتبّعها من أولها إلى آخرها.