Nabīl ʿAbd al-Ḥamīd ʿAbd al-Jabbār · A History of Social Thought · A Reader's Companion

من مكيافيللي إلى دوركايم

القسم الثالث

أ. د. نبيل عبد الحميد عبد الجبار · دار دجلة، ٢٠٠٩

الاتّجاهُ الإصلاحي الخيالي و«يوتوبيا»، ثمّ مكيافيللي وهوبز ولوك وفيكو ومونتسكيو وروسو ومالثوس، ثمّ أوغست كونت وإميل دوركايم — والفصلُ الأخير في نشأة علم الاجتماع ردّاً على ماركس.

ابدأ

هذا القسم يغطي البابين الأخيرين من الكتاب: الباب الثالث «الفكر الاجتماعي في المرحلة الفلسفية – العلمية»، والباب الرابع «الفكر الاجتماعي في المرحلة العلمية – الوضعية». ويبدأ الباب الثالث بصفحة فاصلة تحمل عنوانه [ص ١٤١]، ويبدأ متنه الفعلي بالتمهيد في [ص ١٤٤]. ويمتد الفصل الثامن من [ص ١٤٩] إلى [ص ١٥٥]، والفصل التاسع من [ص ١٥٦] إلى [ص ١٧٣]. ثم يفتتح الباب الرابع بصفحته الفاصلة [ص ١٧٤]، ويبدأ الفصل العاشر عن أوغست كونت في [ص ١٧٦] وينتهي في [ص ١٨٣]، ويمتد الفصل الحادي عشر عن إميل دوركايم من [ص ١٨٤] إلى [ص ١٩٩]. وفي منتصف [ص ١٩٩] يبدأ فصل ثانٍ عشر عنوانه «نشأة علم الاجتماع – الظروف والأسباب؟»، وهو مثبتٌ في قائمة المحتويات، غير أنّ القائمة تمتدّ على ثلاث صفحات لا صفحتين، فيقع هذا الفصل وحده في آخرها [ص ٦]، ويمتد إلى نهاية المتن في [ص ٢٠٨]. والفارق بين الترقيمين ثابت عند سبع صفحات في هذا القسم كله.

التمهيد: لماذا انتقل الفكر الاجتماعي في أوروبا لا في العالم الإسلامي

يفتتح المؤلف الباب الثالث بتذكير القارئ بالمخطط الثلاثي الذي بنى عليه الكتاب كله: المرحلة الفلسفية – المعيارية، ثم الفلسفية – العلمية، ثم العلمية – الوضعية. ويعرّف المرحلة الأولى بأنها مسيرة الفكر الاجتماعي منذ اتخذ أول أشكاله المنظمة في إطار الفلسفة اليونانية حتى مطلع عصر النهضة، وبأنها «معيارية» لأنها كانت معنية بما «ينبغي» أن يكون عليه المجتمع لا بما هو كائن، فلم تكن وصفية ولا موضوعية [ص ١٤٤]. والخطاب هنا مباشر شفاهي الطابع، يبدأ بعبارة «لعلكم تذكرون إنني سبق أن أشرت»، وهي نبرة المحاضرة الجامعية التي تسود القسم كله.

ثم يعرض الكتاب تفسيره لسؤال يفرضه مخططه ذاته: كان بإمكان ابن خلدون أن ينقل الفكر الاجتماعي إلى المرحلة الجديدة، بل إلى الوضعية، لأن آراءه كانت تنطوي على «إرهاصات واحتمالات» من شأنها إحداث تغير نوعي؛ غير أن ذلك لم يتحقق لأن طروحاته لم تجد من بعده من يتلقاها ويتعهدها بالتطوير، إلى أن أزال الغبار عنها بعض المستشرقين مطلع القرن التاسع عشر [ص ١٤٤]. والمخطط المرحلي للكتاب خطّي تعاقبي، فحين يواجه حالة لا تنسجم معه — مفكر مسلم بلغ عتبة المرحلة التالية قبل أوروبا بقرون — يُنقذ بتفسير خارجي (انقطاع التلقي) لا بتعديل المخطط نفسه. والحل يكلّف المؤلف ثمناً: تصير المرحلة الثانية مرحلة أوروبية بالتعريف، ويخرج العالم الإسلامي من بقية الكتاب خروجاً تاماً؛ فلا يعود بعد [ص ١٤٥] أي ذكر لمفكر عربي أو مسلم حتى نهاية المتن.

وبقية التمهيد استعراض لمقدمات النهضة الأوروبية موزّعة على أصعدة: الكوزمولوجي (الثورة الكوبرنيكية)، والجغرافي (كولومبس وفسبوجي وفاسكو دي غاما وماجلان واكتشاف «العالم الجديد»)، والعلمي (مراجعة المنهج، واختراع غوتنبيرغ للطباعة بوصفه أخطر الاختراعات أثراً)، والسياسي (انسلاخ المجتمعات عن هيمنة البابوية وتشكل الكيانات القومية ثم التنافس على المستعمرات) [ص ١٤٥–١٤٧]. والنص هنا مضطرب في تواريخه: تاريخ فاسكو دي غاما يرد «١١٤٦ – ١٥٢٤» وماجلان «حوالي ١٢٥٠»، وهما رقمان فاسدان بيّناً [ص ١٤٥]. وينتهي التمهيد بتقسيم الفكر الاجتماعي الأوروبي بعد النهضة إلى اتجاهين: فلسفي إصلاحي خيالي، وفلسفي علمي واقعي [ص ١٤٧–١٤٨].

الفصل الثامن: الاتجاه الإصلاحي الخيالي — مور وبيكون

يعرّف المؤلف هذا الاتجاه بأنه تعبير عما راود بعض الفلاسفة من تصورات عن حالات اجتماعية غير متحققة يتمنون تحقيقها، وأنه ردّ فعل على التحلل والتعسف اللذين طغيا على المجتمعات الأوروبية في القرون الوسطى؛ فتخيّل هؤلاء مجتمعاً خالياً من الظلم والفقر والجهل والمرض، يعيش أفراده أحراراً متساوين [ص ١٤٩]. ثم يورد أربع محاولات بعناوينها اللاتينية: توماس مور (١٤٧٧–١٥٣٥)، وفرانسوا رابليه (١٤٨٣–١٥٣٠)، وتومازو كامبانيلا (١٥٥٨–١٦٣٩) و«مدينة الشمس»، وفرانسيس بيكون (١٥٦١–١٦٥٤) وعنوانه «المدينة المسيحية» [ص ١٤٩–١٥٠]. والعناوين اللاتينية مثبتة بأخطاء إملائية متعددة، ويختل التطابق بين ما تعده القائمة كتاباً لبيكون («المدينة المسيحية») وبين الكتاب الذي يعرضه المؤلف فعلاً بعد صفحتين («أتلانتيس الجديدة») دون أن ينبّه إلى الفرق [ص ١٥٠، ١٥٢].

ويصرّح المؤلف بأنه سيكتفي بنموذجين للتمثيل، مع ملاحظة أن كليهما تأثر بأفلاطون [ص ١٥٠]. وعرضه لـ«يوتوبيا» عرضٌ لبنية الكتاب لا لأفكاره: يشرح أن الأول من جزأيه مقدمة يروي فيها مور لقاءه بالرحّالة روفائيل هيثلوداي الذي رافق أمريكو فسبوجي في ثلاث من رحلاته الأربع، وحلّ أخيراً بجزيرة يوتوبيا، ويضع ما رآه من حكم عادل في مقابل ما في أوروبا من بؤس ناتج عن انعدام الحكم العادل وقيام الحياة الاجتماعية على الملكية الخاصة، محاولاً إقناع سامعيه بأن العدالة لا تتحقق إلا حيث تتحقق «اشتراكية الحياة» [ص ١٥١]. أما الكتاب الثاني فيلخّصه بجرد أقسامه — جغرافية الجزيرة، ثم نظام الحكم والعمل، ثم الأساس الفلسفي والأخلاق والزواج، ثم العلاقة بالجيران والحرب، ثم الأديان — دون أن يذكر مضمون قسم واحد منها [ص ١٥٢]. والنتيجة أن أشهر يوتوبيا في تاريخ الفكر الاجتماعي تُعرَض بوصفها فهرساً.

وعرض بيكون أوسع وأدفأ. يقدّمه المؤلف باعتباره صورة لمجتمع وجد العلم فيه أخيراً المكانة الجديرة به، ويربط اختيار اسم «أتلانتيس» بأسطورة القارة الغارقة التي حدّثنا عنها أفلاطون في محاورة «طيماوس» [ص ١٥٢]. ثم يسرد قصة وصول السفن إليها من بيرو، ومرض الملّاحين، وسماح الأهالي لهم بالبقاء حتى يشفوا [ص ١٥٣]. ومحور العرض هو «بيت سليمان»، مقر الحكومة، الذي يختلف معناه عن الحكومة في سائر الأرض لأن شغل أعضائه الشاغل بسط النفوذ على الطبيعة لا الحكم على الشعب؛ وينقل المؤلف على لسان أحد سكانها: «أن الغاية من مؤسستنا معرفة أسباب الأشياء وحركاتها الخفية. وتوسيع رقعة الإمبراطورية الإنسانية بحيث يمكنها التأثير على كل شيء ممكن»، ويسميها «مفتاح بيكون وكتابه» [ص ١٥٣–١٥٤].

ويستطرد النص في تعداد ما يشتغل به حكّامها: دراسة الكواكب، والاستفادة من مساقط المياه في الصناعة، والتجريب على الحيوانات، والتهجين، وتجارب الطيران وقوارب تغوص تحت الماء؛ وأنها لا تدخل حروباً لتأمين الأسواق، وإنما تتاجر في «العلم» عبر إرسال منتسبي بيت سليمان إلى الخارج كل اثني عشر عاماً ليعودوا بتقاريرهم [ص ١٥٤–١٥٥]. ويستخلص المؤلف درساً واحداً: أن تحقيق المدينة الفاضلة يقتضي استبدال العلماء والحكماء بمحترفي السياسة [ص ١٥٥]. وهو الاستخلاص نفسه الذي سيعود في الفصل العاشر على لسان كونت حين يجعل «الصفوة العلمية» السلطة النهائية، دون أن يعقد الكتاب الصلة بين الموضعين.

الفصل التاسع: ماكيافيللي وقراءة الاستقراء

يفتتح الفصل بتعريف الاتجاه العلمي الواقعي بأنه انطلق من «الواقع» — واقع الطبيعة الإنسانية بما فيها من رغبات ونوازع وميول [ص ١٥٦]. ثم يعدّد سبعة مفكرين بأسمائهم اللاتينية وتواريخهم: ماكيافيللي، هوبز، لوك، فيكو، مونتسكيو، روسو، مالثوس؛ وتاريخ مالثوس في هذه القائمة (١٧٧٦–١٨٣٤) يخالف تاريخه في عنوان فقرته نفسها (١٧٦٦–١٨٣٤) [ص ١٥٧، ١٧٠].

وماكيافيللي ينال أوسع مساحة في الفصل، نحو ست صفحات، وهو الوحيد في القسم كله الذي يُقتبس منه اقتباساً حرفياً متكرراً. يعرّفه المؤلف بأنه مارس العمل الدبلوماسي ثم تفرّغ للتنظير، وأن كتابيه «المطارحات» (١٥٢٠) و«الأمير» (١٥٣٢) جعلاه في نظر مؤرخين كثيرين مؤسس علم السياسة الحديث وأحد المساهمين في تأسيس علم الاجتماع [ص ١٥٧]. ثم يقرر أنه انطلق من التاريخ بوصفه «أفضل معلم»، وأن منهجه هو الاستقراء؛ ويضيف أنه على الرغم من شهرة نسبة تأسيس الاستقراء إلى فرانسيس بيكون، فإن «المبتكر الأول والفعلي لهذا المنهج، وباعتراف بيكون نفسه، هو ماكيافيللي» [ص ١٥٧–١٥٨]. وهي دعوى ثقيلة يوردها الكتاب بلا إحالة إلى موضع «الاعتراف» ولا إلى مرجع.

والاقتباسات هنا فعلية محدّدة المصدر بالكتاب («المطارحات») وإن لم تُحدَّد بالصفحة: «إنني عازم على أن أشق طريقاً جديداً لا يخلو من صعوبات»؛ ثم النص الذي يقيم عليه المؤلف قراءته لثبات الطبيعة البشرية: «عندما أفكر بسياق القضايا الإنسانية أرى أن العالم ما يزال حيث كان منذ الأزل، وإن نفس الكمية من الخير ومن الشر تتقاسمانه»؛ ثم نص انتقال مركز الفضائل من آشور إلى ميديا إلى فارس إلى روما، ونص الفلورنسيين وعام ١٤٩٤ [ص ١٥٨–١٥٩]. والحجّة المبنية على هذه النصوص واضحة: ثبات الطبيعة البشرية هو ما يتيح نقل منهج الطب والقانون — العلمين اللذين تتراكم فيهما الخبرات والملاحظات — إلى السياسة، والإيمان بإمكان التنبؤ استناداً إلى وقائع الماضي [ص ١٥٨–١٥٩].

ثم يعرض نظريته في نشأة الاجتماع: عاش البشر أولاً فرادى كالحيوانات، ثم تجمعوا بدافع الإحساس بالخطر واختاروا الأقوى زعيماً، فتكوّن شكل أولي من الأخلاق قائم على شعورين — الحسد تجاه الجاحد والحب تجاه الخيّر — ومنهما نشأت القوانين وبدأت العدالة [ص ١٦٠]. ويخصص المؤلف مساحة أوسع لما يسميه «دورة الانحطاط والتجديد الأزلية»: مسار دائري، أو بالأحرى لولبي، تفضي فيه كل مرحلة إلى نقيضها — الزعيم الأسطوري، ثم سلالة رخوة تلجأ إلى التعسف، ثم ثورة الرعية وحكم شعبي يغرق بعد جيل في الفجور، ثم عودة الحكم الفردي؛ ويقتبس: «هذه هي الدائرة التي يتحتم على كل الحكومات أن تتبعها» [ص ١٦١–١٦٢]. ويلحظ أن الحتمية عنده «داخلية»، وأن وجود «مشرعين يقظين» يترك فيها ثغرة [ص ١٦٢]. وهذا الموضع يكشف توتراً مع مخطط الكتاب: ماكيافيللي مُدرَج في «المرحلة الفلسفية – العلمية» بوصفه واقعياً، لكن ما يُعرَض عنه نظرية دورية في تعاقب الحكومات لا تختلف في صورتها عن قانون الأطوار الثلاثة الذي نسبه الكتاب من قبلُ إلى ابن خلدون في مرحلة سابقة.

هوبز ولوك: العقد الاجتماعي بوصفه تبريراً لنظام حكم

يُعرض هوبز في نحو صفحتين ونصف، بلا اقتباس واحد. يقرر المؤلف أن أشهر كتبه «التنين – Leviathan» ألّفه عام ١٦٥٠، وأن بحثه في المأزق السياسي الإنكليزي اقتضى التطرق إلى أصل الاجتماع البشري فخلص إلى نظرية العقد الاجتماعي [ص ١٦٢]. ثم يلخّص الموقف: خالف هوبز أرسطو في أن الإنسان اجتماعي بطبعه، وجعل الدافع الأساس حب الذات والرغبة في الاستئثار؛ فكانت «حالة الطبيعة» بلا قانون ولا رادع، وصار وجودهم معاً حرب الكل ضد الكل، حتى هداهم عقلهم إلى التعاقد على التنازل عن دعوى الحق الطبيعي في الاستحواذ، لحاكم لم يكن طرفاً في العقد [ص ١٦٣]. والخاتمة التي يجعلها المؤلف مغزى النظرية تكشف اهتمامه الحقيقي: أن غرض هوبز إيجاد أساس فلسفي لا ديني لاستحواذ الملك على السلطة بديلاً عن نظرية الحق الإلهي، وتبرير نظام الحكم المطلق «ولو على أساس افتراضي» [ص ١٦٣–١٦٤].

ولوك يُعرض بالبنية نفسها، مقابلاً لهوبز نقطةً بنقطة: الإنسان ليس أنانياً عدوانياً على العموم، وحالة الطبيعة لم تكن حالة حرب بل كانت فيها «قوانين طبيعية» يراعيها البشر؛ غير أنها كانت غامضة قابلة للتأويل، ولم يكن ثمة حكم يفصل، ولا جهاز تنفيذي [ص ١٦٤–١٦٥]. فاتفق الناس على اختيار حاكم يقرّ قوانين واضحة ويقيم سلطة تنفيذية، وتنازلوا عن «بعض» حقوقهم لا كلها، والحاكم طرف في العقد، وله صلاحيات محددة في دستور، وإن قصّر جاز عزله [ص ١٦٥]. ثم يختم بالغرضين نفسيهما بالصيغة نفسها: تأسيس ما صار يعرف بـ«المذهب الليبرالي»، وإيجاد تبرير نظري لنظام الحكم الملكي الدستوري [ص ١٦٦]. والمنهج هنا صريح متّسق: نظرية العقد تُقرأ بوصفها أيديولوجيا سياسية، أي تُفسَّر بوظيفتها في تبرير شكل حكم قائم، لا بوصفها نظرية في الاجتماع. وهي قراءة تخدم المخطط، لأنها تُبقي هؤلاء في مرحلة «فلسفية» لم تتخلص بعدُ من الغرض المعياري.

فيكو ومونتسكيو وروسو ومالثوس

فيكو يُقدَّم مدخلاً عبر «فلسفة التاريخ» بوصفها ممهّداً لقيام دراسة مستقلة للمجتمع، لتأكيدها ضرورة الكشف عن القوانين العامة انطلاقاً من الوقائع التاريخية [ص ١٦٦–١٦٧]. ويُنسب إليه كتاب «العلم الجديد» وقانون المراحل الثلاث: المرحلة الدينية أو الدور الإلهي، حيث الخوف من المجهول دافعُ تصور الآلهة، ونظامها السياسي ثيوقراطي؛ ثم المرحلة البطولية، حيث يبرز أنصاف الآلهة من رؤساء الأسر والملوك ويسود حكم العقل فتظهر الفلسفة والفنون، والنظام أرستقراطي؛ ثم المرحلة الإنسانية، حيث تسود الحقوق المدنية والحرية ولا تبقى للدين وظيفة سوى رفع مستوى الأخلاق العامة، والنظام ديمقراطي [ص ١٦٧–١٦٨]. وهذا الموضع أخطر ما في القسم بالنسبة إلى مخطط الكتاب: مراحل فيكو تسبق مراحل كونت بأكثر من قرن وتشبهها شبهاً بيّناً، ومع ذلك يمرّ الكتاب عليها دون مقارنة، ودون أن يسأل لماذا يُعدّ صاحبها في المرحلة الفلسفية بينما يُعدّ كونت مؤسس المرحلة الوضعية.

ومونتسكيو يُعدّ من الرواد الأوائل لـ«فلسفة القانون»، وينسب إليه المؤلف الفضل في دفع التفكير الاجتماعي نحو التخلص من الطابع المعياري والأخذ بالطابع العلمي الموضوعي، عبر «روح القوانين» المؤلَّف عام ١٧٣٨، ويقتبس تعريفه للقانون بأنه «العلاقة الضرورية التي تشق من طبيعة الأشياء» [ص ١٦٨]. وهنا يورد الكتاب شهادة ثانوية: تعقيب دوركايم على أثر مونتسكيو، وأن موضوع «روح القوانين» بيان كيف تستمد النظم التشريعية أساساً من طبيعة البشر ومن بيئاتهم [ص ١٦٨–١٦٩]. ثم يسجّل عليه مبالغته في إبراز أثر المناخ في طبائع الشعوب [ص ١٦٩]. أما روسو فيُعرض في صفحة ونصف: الإنسان خيّر بطبعه، عاش في حرية مطلقة ومساواة تامة، حتى اكتشف الزراعة واستقر فبدأ التفاوت والنزاع على ملكية الأرض، فلجأ الناس إلى عقد اجتماعي يتخلى فيه كل فرد عن «كل» حقوقه إلى «المجموع»؛ والحاكم ليس طرفاً في العقد بل مجرد ممثل يحق للمجموع استرجاع سلطته منه [ص ١٦٩–١٧٠]. ويُختم — كما خُتم هوبز ولوك — بالغرض: إيجاد أساس فلسفي وتاريخي «وإن كان افتراضياً» لنظام الحكم النيابي الجمهوري [ص ١٧٠].

وفقرة مالثوس هي الوحيدة في الفصل التي يمهّد لها المؤلف بسياق اجتماعي اقتصادي مفصّل: الثورة الفرنسية ١٧٨٩ وما خلّفته من فوضى، ثم الثورة الصناعية في إنكلترا وما أحدثته من انقلاب في البنى الاجتماعية، واكتظاظ أطراف المدن الصناعية بما يسميه «أحزمة الفقر» — مجمعات سكنية شديدة الازدحام مفتقرة إلى أبسط المستلزمات الصحية [ص ١٧٠–١٧١]. ومن هذا السياق تتولد الدراسات السكانية.

ويلخّص المؤلف كتاب «مقالة في مبادئ السكان»، منسوباً إلى سنة ١٨٠٣، بقانون مفاده أن أعداد البشر تزداد وفق «متوالية هندسية» يمثّلها بالسلسلة «١/ ٢/ ٣/ ٤» — وهي متوالية عددية لا هندسية، فالمثال يناقض المصطلح، ولا يذكر النص المتوالية الحسابية للغذاء التي هي شق القانون الآخر [ص ١٧١]. ثم يعدّد الموانع الطبيعية: الأوبئة، والحروب، والقحط؛ ووظيفتها إعادة التوازن بين أعداد البشر وموارد الغذاء [ص ١٧٢]. ويضيف أن مالثوس ألحق بالطبعة الثانية موانع إرادية: صرف النظر عن الزواج بدافع أخلاقي، والحرص على عدم الإنجاب، وتحديد النسل [ص ١٧٢–١٧٣]. وتقويم المؤلف لأثره إيجابي صريح يمتد إلى الحاضر: أن سبيل تحديد النسل «ما زال يُطبَّق حتى في أيامنا هذه» في الأسر التي تنشد الحفاظ على مستوياتها المعيشية [ص ١٧٣]. ولا يشير الكتاب إلى أي نقد وُجّه إلى مالثوس نفسه.

الباب الرابع: أوغست كونت وقانون الحالات الثلاث

يُقدَّم كونت (١٧٩٨–١٨٥٨) فيلسوفاً اجتماعياً فرنسياً و«الأب المؤسس لعلم الاجتماع»، شغله الشاغل إصلاح المجتمع بعد ما أسفرت عنه الثورة الفرنسية [ص ١٧٦]. والترجمة الشخصية أوسع هنا مما في أي فقرة سابقة: لقاؤه بسان سيمون وهو في التاسعة عشرة، وعملهما معاً من ١٨١٧ إلى ١٨٢٣ في تلاحم يصعب معه التمييز بين إسهام كل منهما، وبحثهما المشترك «خطة العمليات اللازمة لإعادة تنظيم المجتمع»، وفيه أكّدا أن السياسة يجب أن تصبح «فيزياء اجتماعية»، وأن كل فرع من فروع المعرفة ينبغي أن يمر بالمراحل الثلاث [ص ١٧٦–١٧٧]. ثم الانفصال، وتردّي أوضاعه المالية، ومحاضراته بين ١٨٣٠ و١٨٤٢ التي صارت «دروس في الفلسفة الوضعية» [ص ١٧٧].

ويُعرض قانون الحالات الثلاث بتفصيل: الحالة اللاهوتية، ويميّز فيها المؤلف ثلاث مراحل داخلية — حلول الآلهة في الأشياء، ثم سلالات الآلهة ومراتبها، ثم الانتهاء إلى إله واحد؛ ثم الحالة الميتافيزيقية، حيث تُعلَّل الظواهر بقوى كامنة في الأشياء (النبات ينمو لأن فيه نفساً نباتية، والنار تحرق لأن فيها قوة الاحتراق) ثم تحل محل القوى الجزئية «الطبيعة» بوصفها قوة عظمى منفصلة؛ ثم الحالة الوضعية، حيث ينصرف الإنسان عن الأسباب الأولى إلى القوانين التي تنظم علاقات الأشياء [ص ١٧٨–١٧٩]. ويضيف تفصيلين مهمين: أن الفرد نفسه يمر بهذه الأحوال — لاهوتي في طفولته، ميتافيزيقي في شبابه، وضعي في رجولته — وأن العصر الواحد قد تتعايش فيه العقليات الثلاث، وأن سبب ما تقاسيه المجتمعات من اضطرابات هو هذا التباين في أنماط التفكير [ص ١٧٩]. والعلاج توحيد نمط التفكير بالمنهج الوضعي وحده [ص ١٨٠].

ويستكمل الفصل بتصنيف العلوم الستة (الرياضيات، الفلك، الفيزياء، الكيمياء، الأحياء، الاجتماع) وجعل علم الاجتماع آخرها ومتربعاً على قمتها [ص ١٨٠]؛ ثم بخطوات المنهج: الملاحظة الدقيقة، والتجربة، والمقارنة بين المجتمعات في الماضي والحاضر [ص ١٨١]؛ ثم بالقسمة إلى ستاتيكا اجتماعية تدرس المجتمع كما هو قائم على مثال التشريح، وداينميكا اجتماعية تدرسه في حركته وهي «علم قوانين التقدم» [ص ١٨١–١٨٢]. ويُقتبس من «مذهب في السياسة الوضعية» نصٌّ يعرّف الفيزياء الاجتماعية بأنها إخضاع الظواهر لقوانين ثابتة لا تتغير [ص ١٨٢–١٨٣]. وينتهي الفصل بقصة التسمية: أن كونت عدل عن «الفيزياء الاجتماعية» بعد أن أطلق كيتليه الاسم نفسه على دراسات إحصائية، فاشتق كلمة «سوسيولوجيا» — والسنة المذكورة «١٨٩٣» خطأ بيّن، فكونت توفي ١٨٥٨ بنص الكتاب نفسه [ص ١٨٣].

الفصل الحادي عشر: دوركايم، موضوع العلم ومنهجه

فصل دوركايم أطول فصول القسم (ست عشرة صفحة)، وأشدّها انتظاماً في بنائه. يبدأ بترجمة: مولده في إيبينال من أسرة يهودية، ثم دراسته في مدرسة المعلمين العليا وتعيينه في بوردو ١٨٨٧، وتأسيسه «الحولية الاجتماعية» ١٨٩٦، وانتقاله إلى السوربون ١٩٠٦ حتى وفاته ١٩١٧ [ص ١٨٤–١٨٥]. ويصرّح المؤلف بأن سبب إشارته إلى أصله اليهودي «لفت الانتباه إلى احتمال أن يكون ذلك هو الدافع الكامن وراء تشكيل اهتمامه بدراسة تضامن الجماعة، بحكم كونه ينتسب إلى أقلية دينية» [ص ١٨٤] — تفسير سيري يقدّمه احتمالاً لا حكماً، ثم لا يعود إليه ولا يستدل عليه بشيء.

ويقسّم إسهامه أربعة أقسام: تحديد الموضوع، وتحديد خصائص الظاهرة الاجتماعية، ووضع المنهج، وآراؤه في مسائل بعينها [ص ١٨٥–١٨٦]. ففي الأول: كونت وضع الأسس ودوركايم حدّد الموضوع والمنهج؛ وقد انتقد أسلوب كونت العقلي في التفسير، وانتقد من حاولوا تفسير الظواهر الاجتماعية بعلوم أخرى، مثل هربرت سبنسر (١٨٢٠–١٩٠٣) الذي مزج البيولوجي بالنفسي [ص ١٨٦]. وفي الثاني يعرض خمس خصائص للظاهرة الاجتماعية: الموضوعية (ومقتضاها أن تُعامَل الظواهر بوصفها «أشياء»)، والإلزام أو القهر (ويشمل «التيارات الاجتماعية» كموجات الحماسة والشفقة)، والتلقائية (أثر «العقل الجمعي»)، والعمومية، والترابط — تاريخياً ومكانياً [ص ١٨٧–١٩٠]. ثم يورد تعريفه للظاهرة الاجتماعية بنصّه: «كل ضرب من السلوك يمارس نوعاً من القهر الخارجي على الأفراد...» [ص ١٩١].

وفي الثالث يعرض تقسيم علم الاجتماع: علم اجتماع عام، ومورفولوجيا اجتماعية (جغرافية البيئة والسكان، والكثافة والتخلخل، وأسباب الهجرة ونشأة المدن)، وفسيولوجيا اجتماعية تتفرع إلى ستة: ديني، وأخلاقي، وقضائي، واقتصادي، ولغوي، وجمالي [ص ١٩١–١٩٢]. ثم قواعد المنهج الثلاث — تحرر الباحث من كل فكرة سابقة، وتصنيف الظواهر بخصائص خارجية مشتركة، وبذل أقصى الجهد في الملاحظة — ويعلّق على الأولى بأنها «تجسيد لقاعدة الشك التي أكد عليها ديكارت، وفكرة التحرر من الأصنام التي أكد عليها بيكون» [ص ١٩٣]. وفي الرابع يعرض رأيه في طبيعة المجتمع — رفض التعاقد ورفض التطور البيولوجي ورفض التقليد، وتقرير أن المجتمع ينشأ تلقائياً — وتصنيفه المجتمعات إلى محدودة النطاق («بدائية أو متخلفة») وواسعة النطاق («المجتمعات التاريخية») [ص ١٩٤–١٩٥]؛ ثم رأيه في الأسرة: لا تقوم على الغريزة ولا القرابة الدموية بل على ما يرتضيه العقل الجمعي، وقد تطور نطاقها من الطوطمي إلى الأبوي الكبير فالأبوي الصغير فالزوجية الثنائية، وسلبها التحضر معظم وظائفها ما عدا «الوظيفة الأخلاقية» [ص ١٩٦].

التفسير الاجتماعي للدين

يعالج المؤلف كتاب «الأشكال الأولية للحياة الدينية» (١٩١٢) باعتباره آخر أعمال دوركايم المهمة، ويقتبس من مقدمته عزمه على دراسة «أكثر الديانات المعروفة لنا بدائية وبساطة»، ويذكر أنه اتخذ قبيلة «أرونتا» من سكان أستراليا الأصليين موضوعاً [ص ١٩٦]. وهذا هو الموضع الوحيد في القسم كله الذي يضع فيه المؤلف حاشية سفلية شارحة، يعرّف فيها الطوطمية بأنها اعتقاد بقوة غيبية ومبدأ يحدد عقوبات على منتهكي المحرمات ويكرّس المسؤوليات الأخلاقية [ص ١٩٧، الحاشية]. ويلخّص التحليل: انقسام حياة أفراد القبيلة إلى نشاط دنيوي ونشاط مقدّس دوري، وانتهاء دوركايم إلى أن الجماعة هي المصدر الأساسي لظهور الدين [ص ١٩٧].

ثم يعرض المؤلف ما يعدّه خلاصة الكتاب في صيغة تسلسل: المجتمع أصل الدين، ومن الدين نشأت الفلسفة، ومنها نشأ العلم [ص ١٩٧]. ويسند ذلك باقتباس طويل من دوركايم في أن الدين لم يكتف بإغناء فكر الإنسان بأفكار بل عمل على تشكيل هذا الفكر، وأن مفاهيم الزمان والمكان والجنس والنوع والعلة تنغرس جذورها عميقاً فيه [ص ١٩٨]. ويختم باقتباس ثانٍ: «أن الخلاصة العامة لهذا الكتاب هي: أن الدين قضية اجتماعية تماماً، فالتصورات الدينية هي تصورات جماعية تعبر عن وقائع جماعية» [ص ١٩٩]. والصفحة ١٩٨ فيها جملة مشوّشة لا تستقيم قراءتها («فالأفكار التي أغنى بها الدين الفكر الإنساني هي مفاهيم مميزة المفهوم أنه خالصة تصورات جماعية»)، ويبدو أن كلمة «خلاصة» صارت «خالصة» في مواضع عدة منها.

الفصل الثاني عشر: علم الاجتماع بوصفه رداً على الماركسية

في [ص ١٩٩] يفتتح المؤلف فصلاً ثانياً عشر لا وجود له في فهرس الكتاب، وفيه تظهر أطروحة القسم الحقيقية. يقرر أن الثورة الفرنسية وحروب نابليون هيّأت الظروف الموضوعية، وأنه بعد استقرار الأوضاع لصالح الطبقة البورجوازية ظهر موقفان: ثوري راديكالي تمثله الحركات الاشتراكية بزعامة ماركس (١٨١٨–١٨٨٣) وإنغلز (١٨٢٠–١٨٩٥)، ومحافظ إصلاحي يمثله كونت ودوركايم اللذان نظرا إلى النظام الاجتماعي القائم على أنه «خاتمة للماضي» يجب التعامل معه كما هو، «مما يعني أنهما كانا مقتنعين بوجوب تجميد حركة التاريخ والمجتمع» [ص ٢٠٠–٢٠١]. ويصرّح بأن طروحاتهما «إنما جاءت رداً، أو محاولة لدحض الرؤية الماركسية، وفي هذا السياق جاءت مساهمتها في تأسيس علم الاجتماع» [ص ٢٠١].

ويفصّل ذلك في كونت: طابعه المحافظ يتجلى في فكرة التوافق والانسجام بين الكل والأجزاء، وطابعه الإصلاحي في انزعاجه من تأكيد معاصريه على الاعتبارات المادية والاقتصادية؛ وهو يعترف ببعض الشرور الملازمة للملكية الخاصة لكنه يرى علاجها في إعادة تنظيم الأفكار والقيم لا في إلغاء الملكية؛ ويرى البناء الطبقي «حقيقة تاريخية» ينبغي أن يبقى، والصراع الطبقي يمكن إنهاؤه بـ«مصالحة أخلاقية»؛ ويقصي الجماهير عن إدارة المجتمع لأن ذلك وظيفة علماء الاجتماع، ويعدّ فكرة المساواة «دوغماتية» [ص ٢٠٢–٢٠٤]. وفي دوركايم: موقفه المناهض للاشتراكية شرطٌ لفهم سوسيولوجيته، وتركيزه على التضامن رد فعل على الصراعات المحتدمة في زمانه، ودعوته إلى الإصلاح صدرت من منطلقات محافظة لا ثورية، إذ رأى — خلافاً لماركس — أن سبيل التغير هو التطور التدريجي للضمير الأخلاقي الجمعي [ص ٢٠٤–٢٠٦]. ويقابل بين موقف ماركس من الدين بوصفه «وعياً زائفاً» وموقف دوركايم منه بوصفه «الحقيقة الاجتماعية الكبرى» [ص ٢٠٦–٢٠٧]. وينتهي المتن بجملة تختم البابين معاً: أن متبعي منهج العلم الطبيعي في دراسة المشكلات الاجتماعية هم «تحديداً: أوغست كونت وأميل دوركايم، ومن سار من بعدهما على خطاهما» [ص ٢٠٨]. وهذا الفصل الأخير يفعل بمخطط الكتاب ما لم يفعله فصل قبله: يقدّم للمرحلة الوضعية تفسيراً طبقياً أيديولوجياً، بعد أن كانت المراحل تُعرَض بوصفها تدرجاً في المنهج والموضوعية.

في طريقة الكتاب وفي المواد الملحقة

نمط الاشتغال في هذا القسم متفاوت تفاوتاً حاداً. الاقتباس الحرفي محصور في مواضع قليلة: ماكيافيللي (أربعة نصوص من «المطارحات») [ص ١٥٨–١٦٢]، وبيكون (نص واحد) [ص ١٥٤]، ومونتسكيو (تعريف القانون وتعقيب دوركايم عليه) [ص ١٦٨]، وكونت (نص من «مذهب في السياسة الوضعية») [ص ١٨٢]، ودوركايم (ثلاثة نصوص وتعريف الظاهرة الاجتماعية) [ص ١٩١، ١٩٧–١٩٩]. وما عدا ذلك تلخيص بصوت المؤلف؛ فهوبز ولوك وروسو وفيكو ومالثوس يُعرضون كلهم بلا سطر واحد منقول عنهم. ولا في القسم كله سوى حاشية سفلية واحدة (تعريف الطوطمية) [ص ١٩٧]، ولا هامش واحد يحيل إلى صفحة في مرجع، ولا يُذكر مترجم ولا طبعة لأي نص مقتبس. وقائمة المراجع في آخر الكتاب تضم عناوين تُقرأ بوصفها مصادر هذا القسم — «العقد الاجتماعي» ترجمة ذوقان قرقوط، و«روح القوانين» ترجمة عادل العوا، و«ليفاياثان»، و«رسالتان في الحكومة» بالإنكليزية، و«الأمير» و«المطارحات» بترجمة خيري حماد — غير أن شيئاً منها لا يُربط بموضعه في المتن [ص ٢١٥–٢١٨].

وينتهي المتن الأصلي في [ص ٢٠٨]. ثم تأتي المواد الملحقة في ترتيبين متماثلين: صفحة فاصلة عنوانها «الخاتمة» [ص ٢٠٩] وصفحة بيضاء، ثم نص الخاتمة في [ص ٢١١–٢١٢]، وهو صفحتان في صورة استعارة ممتدة واحدة: علم الاجتماع «بذرة» بدأت في رحم الفلسفة وكبرت في أحشائها، حتى إذا قدر على الوقوف على قدميه أطلقت له «أمه الحانية» العنان ليحدد لنفسه دائرته وموضوعه وهدفه، وظل «ابناً باراً» معترفاً بفضلها؛ وينتهي إلى أن التفكير الاجتماعي بدأ في رحم الفلسفة وانتهى إلى الحلول في أحضانها من جديد، «وهذا ما يدلل على اكتمال دائرة التفكير الاجتماعي» [ص ٢١١–٢١٢]. ثم صفحة فاصلة عنوانها «المصادر والمراجع» [ص ٢١٣] وصفحة بيضاء، ثم قائمة مرقّمة من ستين مدخلاً مرتبة على حروف الهجاء [ص ٢١٥–٢١٨]. والمداخل مقتضبة: اسم المؤلف والعنوان، مع ذكر المترجم أحياناً، وبلا ناشر ولا سنة ولا مكان نشر في أي مدخل من الستين. ولا فهرس أعلام في الكتاب، ولا فهرس موضوعات، ولا ملاحق ولا جداول؛ والصفحة ٢١٨ آخر صفحات الملف، وتنتهي بالمدخل الستين.

أما ما تعذّرت قراءته: لا توجد في هذا القسم صفحة مفقودة أو غير مقروءة بالكلية، غير أن عدداً من المواضع فيه خلل تكرار يعيد الجملة نفسها مرتين أو ثلاثاً — أوضحها [ص ١٧٩] و[ص ٢٠٢]، و[ص ٢٠٥] حيث تتكرر عبارة واحدة ثلاث مرات. وثمة تحريفات في كلمات مفردة: «الزائد الآخر» موضع ما يُرجَّح أنه «الرائد الآخر»، و«الكفر الماركسي» موضع «الفكر الماركسي» [ص ٢٠٤]. وهي كلها أخطاء في أصل الكتاب أو في رقنه، لا في قراءة الملف.