Jalāl al-Dīn al-Suyūṭī · Ḥusn al-Muḥāḍara · A Reader's Companion

فضائلُ مصر وتاريخُها القديم

القسم الأول

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)

ثبتُ المصادر، وما ورد في مصر من قرآنٍ وحديثٍ وآثارٍ مرتَّباً على درجات الحجّية، وجغرافيا الإقليم، وملوكُ ما قبل الطوفان وما بعده، والأنبياءُ والحكماء، والأهرامُ والعجائب.

ابدأ

مدخل: ما يشتمل عليه هذا القسم، وكيف يفتتح السيوطي كتابه

يمتد هذا القسم الأول من «حسن المحاضرة» في المطبوع من الصفحة الثالثة إلى الصفحة الخامسة والستين بعد المائة من الجزء الأول، وكل رقم يرد بين معقوفتين في ما يلي هو رقم صفحة الطبعة المطبوعة لا الترقيم الداخلي للنسخة الإلكترونية. ويشتمل على أربعة أبواب: مقدمة المؤلف، ثم ما ورد في شأن مصر في القرآن والحديث والآثار، ثم تاريخ مصر القديم، ثم الفتح الإسلامي وما اتصل به من الخطط والجزية والأحداث إلى انتقاض عهد الإسكندرية. ويفتتح السيوطي كتابه بخطبة قصيرة يحمد الله فيها على أنه «فاوت بين العباد، وفضل بعض خلقه على بعض حتى في الأمكنة والبلاد»، ثم يسمي كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة»، ويصرح بغرضه منه: «وأوردت فيه فوائد سنية، وغرائب مستعذبة مرضية، تصلح لمسامرة الجليس، وتكون للوحدة نعم الأنيس» [ج١ ص٣]. وهذا التصريح وحده يحدد نوع الكتاب: مجموع مختار للمؤانسة والإفادة، لا سردًا متصلًا لأحداث متعاقبة. وقد اعتُمد في هذا العرض على قراءة الفصول الكبرى في القسم ومعاينة ما بينها.

ثبت المصادر: خزانة معلنة قبل أن يبدأ

يصنع السيوطي شيئًا يقل نظيره في مقدمات كتب الأخبار: يسرد قائمة بما طالعه قبل أن يكتب سطرًا واحدًا من المتن. والقائمة تشغل صفحتين [ج١ ص٣–٤]، وتضم قرابة ثلاثين عنوانًا موزعة على طبقتين متمايزتين. الطبقة الأولى كتب مصرية محلية: «فتوح مصر» لابن عبد الحكم، و«فضائل مصر» لأبي عمر الكندي، و«تاريخ مصر» لابن زولاق، و«الخطط» للقضاعي، و«تاريخ مصر» لابن ميسر — ويثبت المحقق في الحاشية أن في نسختي «ح» و«ط» عليها: «وفي نسخة: لابن يونس» [ج١ ص٣] — و«إيقاظ المتغفل وإيعاظ المتأمل» لابن المتوج الزبيري، و«الخطط» للمقريزي، و«المسالك» لابن فضل الله، و«مباهج الفكر ومناهج العبر»، و«تاريخ الصحابة الذين نزلوا مصر» لمحمد بن الربيع الجيزي. والطبقة الثانية كتب تراجم وطبقات عامة: «التجريد» للذهبي، و«الإصابة» لابن حجر، و«طبقات الحفاظ» و«طبقات القراء» للذهبي، و«طبقات الشافعية» للسبكي وللإسنوي، و«طبقات المالكية» لابن فرحون، و«طبقات الحنفية» لابن دقماق، و«مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي، و«تاريخ الإسلام» و«العبر» للذهبي، و«البداية والنهاية» لابن كثير، و«إنباء الغمر» لابن حجر [ج١ ص٤]. ويختم القائمة بكتب أدبية: «سجع الهديل في أخبار النيل» للتيفاشي، و«السكردان» لابن أبي حجلة، و«ثمار الأوراق» لابن حجة [ج١ ص٤]. وهذه القائمة تفسر بنية الكتاب كله: الطبقة الأولى تمده بالأخبار، والثانية بالتراجم، والثالثة بالشعر والملح.

مصر في القرآن: عمل إحصائي يبدأ باعتراض

الباب الأول ليس سردًا تاريخيًّا بل مادة فضائل، ويستهله السيوطي بمسألة عدّ. ينقل عن ابن زولاق — ويعرّفه المحقق في الحاشية بأنه الحسن بن إبراهيم من ولد سليمان بن زولاق، المتوفى سنة ٣٨٧ [ج١ ص٥] — قوله: «ذكرت مصر في القرآن في ثمانية وعشرين موضعًا»، ثم يعقّب بكلمة واحدة: «قلت: بل أكثر من ثلاثين» [ج١ ص٥]. ويكرر الحركة نفسها بعد صفحات: ينقل عن ابن عباس أن مصر سميت بالأرض في عشرة مواضع، ثم يقول: «قلت: بل في اثني عشر موضعًا أو أكثر» [ج١ ص٨]. فالمؤلف هنا يشتغل بالزيادة على من سبقه لا بمناقشتهم.

وطريقته في هذا الباب أن يسوق الآية ثم يردفها بتفسير مأثور منسوب إلى مخرّجه: يخرّج عن ابن جرير عن أبي العالية في ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أنه يعني مصر فرعون [ج١ ص٥]، وعن ابن أبي حاتم عن السدي أن «المدينة» في آية القصص هي منف [ج١ ص٦]، وعن ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن «الربوة ذات القرار والمعين» مصر، وعن ابن المنذر عن وهب بن منبه مثله، وعن ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، ثم ينقل عن زيد بن أسلم قولًا مخالفًا: «هي الإسكندرية» [ج١ ص٦]. ويستشهد بالمفسرين المتأخرين بأسمائهم: الليث بن سعد فيما حكاه أبو حيان، والقرطبي، وابن كثير الذي «قوّاه» في آية ﴿الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [ج١ ص٨–٩]. ويورد لابن زولاق ثلاث آيات ألحقها بمصر، ينقل ثالثتها ثم يذكر أن أبا حيان حكى القول بأنها مصر «وضعّفه» [ج١ ص٩] — فهو ينقل الترجيح والتضعيف معًا ولا يخفي المخالف.

ويختم الباب بفصلين قصيرين. الأول «لطيفة» عن الكندي في أن يوسف عليه السلام «جعل الشام بدوًا؛ وسمى مصر مصرًا ومدينةً» [ج١ ص١٠]، ويعرّف المحقق في الحاشية بهذا الكندي فيقول إنه أبو عمر محمد بن يوسف المؤرخ المصري، «وهو غير الكندي الفيلسوف» [ج١ ص١٠]. والثاني «فائدة» يصحح فيها خطأً شائعًا: ما اشتهر على الألسنة من أن ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ هي مصر، «وقد نص ابن الصلاح وغيره على أن ذلك غلط نشأ من تصحيف؛ وإنما الوارد عن مجاهد وغيره من مفسري السلف... قال: مصيرهم؛ فصحف بمصر» [ج١ ص١٠]. وهذا أول موضع يظهر فيه السيوطي ناقدًا للنص لا جامعًا له.

الآثار: ثلاث درجات من الحجية، مرتبة عمدًا

باب الآثار هو أوضح ما في هذا القسم دلالة على منهج المؤلف، لأنه رتّبه على ثلاث درجات صريحة. الدرجة الأولى الأحاديث المسندة، ومدارها الأعظم على ابن عبد الحكم في «فتوح مصر»: يفتتح الباب بحديثه عن أشهب وعبد الملك بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا؛ فإن لهم ذمةً ورحمًا»، ثم يعقّب بجملة تقويم: «وهذا حديث صحيح، أخرجه الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي وأبو نعيم» [ج١ ص١١]. وفي هذه الصفحات وحدها ترد صيغة «وأخرج ابن عبد الحكم» أو «قال ابن عبد الحكم» أكثر من عشر مرات متوالية [ج١ ص١١–١٤]، ويثبت المحقق في حواشيها إحالات متتابعة إلى صفحات «فتوح مصر» الثانية والثالثة والرابعة، فيتبين أن الباب في جملته منقول من موضع واحد متقارب من ذلك الكتاب. ويستكمل المؤلف من مسلم في الصحيح — حديث أبي ذر في القيراط، وحديث «منعت مصر إردبها ودينارها» [ج١ ص١١، ١٤] — ومن الطبراني والبيهقي وأبي نعيم والبزار والحاكم والديلمي والخطيب البغدادي وابن عساكر، ومن «الأم» للشافعي في مواقيت الإحرام [ج١ ص١٤].

والأهم أنه لا يكتفي بالتخريج بل يحكم. يورد حديث «إن مصر ستفتح فانتجعوا خيرها، ولا تتخذوها دارًا» ثم يقول: «وفي إسناده مطهر بن الهيثم، قال فيه أبو سعيد بن يونس: إنه متروك. والحديث منكر جدًّا، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات» [ج١ ص١٤] — وهو حديث في ذم مصر، فردّه ليس محاباة للبلد. وفي حديث دخول إبليس مصر يجمع ثلاثة أقوال ويفصل بينها: ينقل عن الهيثمي في «مجمع الزوائد» أن «رجاله ثقاة إلا أن فيه انقطاعًا»، ثم يقول: «وأفرط ابن الجوزي فأورده في الموضوعات»، ثم يتكلم بنفسه: «قلت: عقيل من رجال الصحيحين، وابن لهيعة من رجال مسلم، وهو حسن الحديث» [ج١ ص١٦]. فهو يعترض على ابن الجوزي في الجهتين: يوافقه حيث يرى الوضع، ويخطّئه حيث يرى الإفراط.

الدرجة الثانية «فصل في آثار موقوفة» [ج١ ص١٨–١٩]، وهي أقوال صحابة وتابعين لا ترفع إلى النبي: خبر عبد الله بن عمرو في أن الدنيا خلقت على صورة طائر مصر والشام صدره [ج١ ص١٨]، وخبره مع عبد الرحمن بن غنم في أن خراب مصر قد مضى بدخول بخت نصر إياها «فهي اليوم أطيب الأرض ترابًا، وأبعدها خرابًا» [ج١ ص١٨]، وقول كعب الأحبار: «من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة، فلينظر إلى أرض مصر إذا أخرفت» [ج١ ص١٨]، وخبر أبي رهم السماعي المطول في قناطر مصر وجسورها وخلجها السبعة وريّها من ستة عشر ذراعًا [ج١ ص١٩].

الدرجة الثالثة يعنونها بعنوان لا لبس فيه: «فصل: في آثار أوردها المؤلفون في أخبار مصر ولم أقف عليها مسندة في كتب أهل الحديث» [ج١ ص٢٠]. وفيه دعاء آدم لمصر والنيل كما أورده ابن زولاق عن عبد الله بن عمر، وقول عبد الله بن سلام إن الله يوحي إلى النيل في كل عام مرتين، وقول علي بن أبي طالب لمحمد بن أبي بكر حين وجهه إلى مصر: «إني وجهتك إلى فردوس الدنيا»، وقول كعب: «في التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلها» [ج١ ص٢٠–٢١]. فالسيوطي يورد هذه المادة الفضائلية الرائجة كاملة، لكنه يفصلها بحاجز صريح عما قبلها ويسمّي سبب الفصل: أنه لم يجدها مسندة. وهذا الترتيب الثلاثي هو إسهامه الخاص في الباب؛ فالمادة منقولة، والتبويب من عنده.

إقليم مصر: جغرافيا منقولة بجملتها عن الجغرافيين

يبدأ باب «تاريخ مصر القديم» بفصل في حدود الإقليم مأخوذ عن ابن حوقل في «كتاب الأقاليم»: الحد الشمالي بحر الروم من رفح إلى برقة، والجنوبي من حدود النوبة إلى أسوان، والشرقي من بحر القلزم إلى تيه بني إسرائيل [ج١ ص٢٣]. ثم ينقل عن «مباهج الفكر ومناهج العبر» — ويعرّفه المحقق بأنه لمحمد بن عبد الله الكتبي المعروف بالوطواط المتوفى سنة ٧١٨ [ج١ ص٢٤] — سردًا إداريًّا مفصلًا: حصة مصر أربع وعشرون كورة تشتمل على تسعمائة وست وخمسين قرية، وحصة القاهرة ست وثلاثون كورة تشتمل على ألف وأربعمائة وتسع وثلاثين قرية، ثم يعدد الصفقات والولايات اسمًا اسمًا: الجيزية والفيومية والهنسي والأسيوطية والإخميمية والقوصية والقليوبية والشرقية والمنوفية والغربية والدقهلية والبحيرة [ج١ ص٢٦–٢٨]. وينتهي هذا كله بجملة إسناد صريحة: «هذا كله كلام صاحب مباهج الفكر في إقليم مصر وكوره»، ويردفها بوعد بعمل من صنعه هو: «وسأعقد بابًا في سرد أسماء البلاد والقرى التي بإقليم مصر على سبيل الاستيفاء، وأذكر ما في كل بلد من نادرة، ومن خرج منها من النبلاء، وما قيل فيها من الشعر» [ج١ ص٢٩].

وفي الفصل نفسه يدرج خبرًا في تسمية القاهرة نقله عن «السكردان»: أن جوهرًا سماها المنصورة، وأن المنجمين وقفوا يتحرون طالعًا لوضع الأساس، فوقع غراب على خشبة فحركت الأجراس قبل الأوان، فألقى البناؤون ما بأيديهم، «فصاح المنجمون: لا لا، القاهر في الطالع»، وكان المريخ — ويسمى عندهم القاهر — في الطالع، فعلموا أن الأتراك سيملكون البلد، فسماها المعز القاهرة [ج١ ص٢٥–٢٦]. ويلاحظ أن السيوطي في هذا الفصل يجمع بين ثلاثة أنواع من المصادر لا يخلط بينها: جغرافي رحّالة (ابن حوقل)، وموسوعة إدارية (مباهج الفكر)، وكتاب أدب (السكردان)، ويسمي كلًّا منها عند النقل عنه.

تاريخ مصر القديم: ملوك ما قبل الطوفان وما بعده

يعرض السيوطي تاريخ مصر السابق على الإسلام في صورة سلسلة ملوك، ويسمي ناقلها في كل طبقة. فأما من نزل مصر من أولاد آدم فينقله عن التيفاشي في «سجع الهديل»: أن آدم أوصى إلى شيث، وأن شيثًا جاء أرض مصر «وكانت تدعى باب لون» فنزلها هو وأولاد أخيه، وأن الوصية تتابعت في أنوش وقينان ومهلائيل ويرد حتى بلغت أخنوخ «وهو هرمس، وهو إدريس النبي»، وأن إدريس دبّر جري النيل ووزن الأرض والماء وعلّم أهل مصر الهندسة والنجوم، «فهو أول من دبر جري النيل إلى مصر، ومات إدريس بمصر» [ج١ ص٣٠–٣١]. ويختم النقل بجملة ترجيح من عنده: «والصابئة تزعم أن هرمي مصر؛ أحدهما قبر شيث، والآخر قبر إدريس. والأصح ما هو إدريس؛ إنما هو مصر بن بيصر بن حام بن نوح. هذا كلام التيفاشي» [ج١ ص٣١].

وأما ملوك ما قبل الطوفان فعن المسعودي: نقراوس أولهم، «وكان عالمًا بالكهانة والطلسمات»، بنى مدينة أمسوس وعمل بها صنمين من حجر أسود يطبقان على السارق، وملك مائة وثمانين سنة؛ ثم ابنه نقراوس؛ ثم مصرام الذي «ذل الأسد وركبه» وزبر على صنم من نحاس: «أنا مصرام الجبار، كاشف الأسرار، وضعت الطلسمات الصادقة، وأقمت الصور الناطقة» [ج١ ص٣٢]. ثم يتابع السلسلة إلى خصليم «وهو أول من عمل مقياسًا لزيادة النيل» ببيت من رخام فيه بركة نحاس وعقابان ذكر وأنثى، إذا صفر الذكر كان الماء تامًّا وإذا صفرت الأنثى كان ناقصًا [ج١ ص٣٣]، ثم إلى سوريد «وهو أول من جبى الخراج بمصر؛ وهو الذي بنى الهرمين»، ثم إلى فرعان «وفي أيامه جاء الطوفان، فخرّب ديار مصر كلها، وزالت معالمها وعجائبها» [ج١ ص٣٣].

وأما ما بعد الطوفان فمداره على ابن عبد الحكم، وعلى سند واحد يعود إليه المؤلف ثلاث مرات بالصيغة نفسها: «رجع إلى حديث ابن لهيعة وعبد الله بن خالد» [ج١ ص٣٦، ٤٢، ٤٦]. ومضمونه أن أول من سكن مصر بعد الغرق بيصر بن حام «وهو أبو القبط كلهم»، فسكن منفًا «وهي أول مدينة عمرت بعد الغرق» في ثلاثين نفسًا من ولده، ثم استخلف ابنه مصر، ثم قسم مصر أرباعًا بين بنيه قفط وأشمن وأتريب وصا، فسميت كل ناحية باسم من نزلها [ج١ ص٣٥]. ويتابع السلسلة إلى طوميس «وهو الذي وهب هاجر لسارة»، ثم إلى ابنته خروبا «وهي أول امرأة ملكت»، ثم إلى الوليد بن دومغ العملاقي، ثم إلى الريان بن الوليد صاحب يوسف [ج١ ص٣٦].

وحكاية يوسف عليه السلام عنده حكاية إدارة قبل أن تكون حكاية نبوة. ينقل عن الليث بن سعد أنه باع أهل مصر الطعام حتى استوعب ذهبهم وفضتهم وأنعامهم ثم أرضهم، «ثم أعطى لهم يوسف طعامًا يزرعونه على أن لفرعون الخمس» [ج١ ص٣٧]. وينقل خبر استنباط الفيوم مطولًا: أن الوزراء امتحنوا يوسف بأن يصرف ماء «الجوبة»، فحفر ثلاثة خلج — خليج المنهى من أعلى أشمون إلى اللاهون، وخليج الفيوم الشرقي، وخليجًا غربيًّا بقرية تنهمت — فنشفت الجوبة ثم سيق إليها ماء النيل، «فلما نظر إليها الملك قال لوزرائه: هذا عمل ألف يوم، فسميت الفيوم» [ج١ ص٣٨–٣٩]. ثم يعرض تدبيره الثاني في توزيع الماء على القرى بحسب أرضها ومواقيتها، ويختم: «ومن يومئذ أحدثت الهندسة، ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك... وكان أول من قاس النيل بمصر يوسف عليه السلام، ووضع مقياسًا بمنف» [ج١ ص٣٩].

وفي فرعون يورد الأقوال مختلفة ولا يرجّح: عن ابن لهيعة والليث أنه كان قبطيًّا اسمه طلما، وعن هانئ بن المنذر أنه من العماليق يكنى أبا مرة، وعن أبي بكر الصديق أنه كان «أثرم» [ج١ ص٤٢]. ويورد قصة توليته الطريفة عن مشايخ أهل مصر: أن ملك مصر مات فتنازع أبناء الملوك، فاصطلحوا على تحكيم أول طالع من فج الجبل، فطلع فرعون ببغلين يحمل نطرونًا يبيعه، فحكّموه، فحكم لنفسه ثم أغرى بعضهم ببعض حتى قتل بعضهم بعضًا «ودان له أولئك بالربوبية، فملكهم نحوًا من خمسمائة سنة» [ج١ ص٤٣]. ويورد كذلك وصفًا لنظام الخراج الفرعوني عن «بعض مشايخ أهل مصر»: أن القرى تُقرّ في أيدي أهلها بكراء لا يُنقض إلا كل أربع سنين، وأن الخراج المجبى يقسم أرباعًا: ربع للملك، وربع للجند، وربع لمصلحة الأرض وجسورها وخلجها، وربع يدفن في كل قرية للنائبة تنزل — «وهذا الربع الذي يدفن في كل قرية من خراجها، هو كنوز فرعون التي يُتحدث بها أنها ستظهر» [ج١ ص٤٤–٤٥]. وبعد الغرق ينتقل الملك إلى دلوكة بنت زباء، «وهي يومئذ بنت مائة سنة وستين سنة»، فتبني الجدار المحيط بمصر كلها بمحارسه وأجراسه في ستة أشهر، «وهو الجدار الذي يقال له جدار العجوز» [ج١ ص٤٦–٤٧].

وروح هذا العرض كله واحدة: تاريخ مصر القديم عند السيوطي تاريخ نبوي وسلالي وعجائبي في آن، مصدره كتب الأخبار المصرية لا آثار الحجر، ومعياره صحة النقل عن الرواة لا مطابقة الشاهد. ويظهر ذلك في أنه لا يعلق على تعارض الأرقام الهائلة — خمسمائة سنة لفرعون، وأربعمائة وثمانون لقفط — ولا على تداخل السلالات، لأن شغله أن ينقل ما وجد منسوبًا إلى قائله.

الأنبياء والحكماء: حيث يظهر صوت السيوطي الناقد

فصل «من دخل مصر من الأنبياء» هو أوضح فصول القسم إظهارًا لعمل المؤلف بنفسه. يفتتحه بقائمة الكندي في «فضائل مصر» التي تعد إدريس وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف والأسباط ولوطًا وموسى وهارون ويوشع ودانيال وأرميا وعيسى [ج١ ص٥٢]. ثم يأخذ في مراجعة القائمة اسمًا اسمًا. فيقرّ دخول إبراهيم بخبر ابن عبد الحكم عن أسد بن موسى في قصة سارة وهبة هاجر [ج١ ص٥٢]. ويرد إسماعيل: «ورأيت أيضًا عدة من الكتب المؤلفة في مصر، ولم أقف في شيء من الأحاديث والآثار على ما يشهد لذلك، وأنا أستبعد صحته» ويعلل: فإنه أقدم إلى مكة رضيعًا ولم ينقل خروجه منها [ج١ ص٥٢]. ويتوقف في لوط: «فيمكن دخوله مع إبراهيم؛ ولكن لم أر التصريح به في حديث ولا أثر» [ج١ ص٥٣]. ويرد ما رآه في بعض الكتب من أن عيسى ولد بمصر بقرية أهناس: «وهذا كله غريب لا صحة له، بل الآثار دلت على أنه ولد ببيت المقدس، ونشأ به، ثم دخل مصر» [ج١ ص٥٣]. ويقول في دانيال: «فلم أقف فيه على أثر إلى الآن، وعده ابن زولاق فيمن ولد بمصر» [ج١ ص٥٣]. ثم يزيد على القائمة بأدلة يسوقها: سليمان بن داود بما سيأتي في بناء الإسكندرية، وأيوب وشعيب بأثر أخرجه ابن عساكر عن أبي إدريس الخولاني [ج١ ص٥٤–٥٥]، ويناقش نبوة الخضر وذي القرنين ولقمان ناقلًا الخلاف عن أبي حيان والثعلبي وابن إسحاق وابن الجوزي [ج١ ص٥٥]. وينهي الفصل بإحصاء: «فتمت عدة من دخل مصر باتفاق واختلاف اثنين وثلاثين نبيًّا غير النسوة الأربع»، ثم ينظم الأسماء كلها في خمسة أبيات من صنعه [ج١ ص٥٧]. فالفصل عمل تركيبي كامل: قائمة موروثة، ثم غربلة بمعيار الأثر، ثم زيادة، ثم إحصاء، ثم نظم للحفظ.

ويلي ذلك فصل السحرة الذين آمنوا بموسى، وفيه رقم لافت ينقله عن ابن عبد الحكم بسنده: أنهم كانوا اثني عشر رئيسًا، تحت كل رئيس عشرون عريفًا، وتحت كل عريف ألف، «فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفًا ومائتين واثنين وخمسين إنسانًا»، وأن الكندي قال: «أجمعت الرواة على أنه لا يعلم جماعة أسلموا في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط» [ج١ ص٥٩].

أما فصل «من كان بمصر من الحكماء في الدهر الأول» فيسوقه عن الكندي وابن زولاق معًا في صورة قائمة أسماء يونانية مع صنعة كل واحد: هرمس وهو إدريس «وهو المثلث لأنه بنى، وملك، وحكيم»، وأغاثوذيمون وفيثاغورس تلميذاه، وسقراط «صاحب الكلام على الحكمة»، وأفلاطون «صاحب السياسة والنواميس»، وأرسطوطاليس «صاحب المنطق»، وبطليموس «صاحب الرصد والحساب والمجسطي»، وأرشميدس «صاحب المرايا المحرقة والمنجنيقات» [ج١ ص٦٠–٦١]. ثم يقول: «هذا ما ذكره الكندي وابن زولاق»، ويستدرك بمادة من عنده: «قلت: قال الشهرستاني في الملل والنحل...» فينقل تراجم فلوطرخيس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطاليس بأنسابهم وأخبارهم [ج١ ص٦١–٦٢]، ثم يضم إليها كلام ابن فضل الله في «المسالك» عن الهرامسة الثلاثة، ونقله عن أبي معشر أن هرمس الأول «أول من تكلم في الأشياء العلوية... وأنذر بالطوفان؛ وكان يسكن صعيد مصر، فبنى هناك الأهرام والبرابي» [ج١ ص٦٢]. فطريقته هنا الطبقات: نقل مصري قديم أولًا، ثم تعزيزه بمصدر كلامي (الشهرستاني)، ثم بمصدر موسوعي (ابن فضل الله).

العجائب والأهرام: تعدد الأقوال بلا فصل

يعقد السيوطي فصلًا في «عجائب مصر القديمة» يفتتحه بقول الجاحظ وغيره إن عجائب الدنيا ثلاثون، عشر منها في سائر البلاد وعشرون بمصر، ثم يعدّ العشرين مرقّمة: الهرمان أولًا، وصنم الهرمين «وتسميه العامة أبو الهول. ويقال: إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على الجيزة»، وبربى سمنود الذي شهده الكندي بنفسه، وبربى إخميم بدهاليزه السبعة على أسماء الكواكب، وبربى دندرة بكواه المائة والثمانين التي تدخل الشمس من واحدة كل يوم، وحائط العجوز، والفيوم «وليس في الدنيا بلد بني بالوحي غيرها. قاله الكندي»، ومنف، ثم جبال وأماكن [ج١ ص٦٥–٦٦]. وينقل في جبل الطير خبرًا مطولًا عن «السكردان» في طير البح التي تأتي آخر الربيع فيتعلق أحدها بمنقاره في شعب الجبل حتى يموت، ويستشهد صاحب السكردان بشهود عيان: «وقد أخبرني بهذا غير واحد من المصريين ممن شاهد ذلك» [ج١ ص٦٧].

وفصل الأهرام أطول فصول العجائب وأكثرها تصريحًا بالحيرة. يفتتحه بقول ابن عبد الحكم: «ولم أجد عند أحد من أهل المعرفة من أهل مصر في الأهرام خبرًا يثبت»، ويورد شعرًا في ذلك مطلعه «حسرت عقول أولي النهى الأهرام»، ثم قول ابن عبد الحكم: «ولا أحسب إلا أنها بنيت قبل الطوفان لأنها لو بنيت بعد الطوفان لكان علمها عند الناس» [ج١ ص٧٠]. ثم يسوق الرواية الكبرى عن «جماعة من أهل التاريخ»: أن بانيها سوريد بن سلهوق قبل الطوفان بثلاثمائة سنة، رأى مناما في انقلاب الأرض وتساقط الكواكب، فجمع رؤساء الكهنة «وكانوا مائة وثلاثين كاهنًا»، فأخبروه بالطوفان، فأمر ببناء الأهرام وأودعها العلوم والطلسمات والعقاقير والأموال، وجعل لكل هرم خازنًا من الصنم يهلك من يقربه [ج١ ص٧٠–٧٢]. ويورد نص الكتابة التي ذكر القبط أنها منقوشة عليها: «أنا سوريد الملك، بنيت الأهرام في وقت كذا وكذا، وأتممت بناءها في ست سنين، فمن أتى بعدي، وزعم أنه مثلي فليهدمها في ستمائة سنة» [ج١ ص٧٢]. ثم خبر فتح المأمون بالنار والخل والحديد والمنجنيق، ووجدانه المطمرة التي فيها ألف دينار بقدر النفقة سواء [ج١ ص٧٢].

ثم يجمع الأقوال المتعارضة في البناة ولا يحسم: عن صاحب «مرآة الزمان» أن الأقوال قيل يوسف، وقيل نمرود، وقيل دلوكة الملكة، وقيل بناها القبط قبل الطوفان [ج١ ص٧٣]؛ وعن صاحب «مباهج الفكر» أن بانيها سوريد أو هرمس المثلث، مع وصف هندسي دقيق: ارتفاع العمود ثلاثمائة ذراع وسبعة عشر ذراعًا، وضلع القاعدة أربعمائة وستون ذراعًا، «وهذا البناء ليس بين حجارته ملاط إلا ما يتخيل أنه ثوب أبيض، فرش بين حجرين... ولا يتخلل بينهما الشعرة» [ج١ ص٧٥]؛ وأن القبط تزعم أنها قبور سوريد وأخيه هرجيب وابن أخيه، وأن الصابئة تزعم أنها قبور شيث وهرمس وصاب بن هرمس «وهم يحجون إليها، ويذبحون عندها الديكة والعجول السود» [ج١ ص٧٥–٧٦]. وينقل عن ابن فضل الله في «المسالك» أوسع الأقوال نقدًا: «قد أكثر الناس القول في سبب بناء الأهرام؛ فقيل: هياكل الكواكب، وقيل: قبور ومستودع مال وكتب، وقيل: ملجأ من الطوفان. قال: وهو أبعد ما قيل فيها؛ لأنها ليست شبيهة بالمساكن» [ج١ ص٧٦]. وينقل عن صاحب «مباهج الفكر» أن أهرام دهشور بناها شداد بن عديم، وعن عبد الله بن سراقة أن العماليق بنتها بعد إخراج جرهم لها من مكة، وعن سعيد بن عفير أن مشايخ مصر يقولون إن الأهرام بناها شداد، وعن ابن المتوج أن عددها ثمانية عشر هرمًا منها ثلاثة بالجيزة [ج١ ص٧٧]. فالفصل معرض أقوال لا محكمة تحقيق، والسيوطي فيه ناقل أمين لتضارب مصادره.

الإسكندرية: أخبار منقولة وشهادة عين واحدة

في بناء الإسكندرية يرتب السيوطي الطبقات على تعاقب البناة: يفتتح بحديث عقبة بن عامر عند ابن عبد الحكم والبيهقي في أن ذا القرنين «كان غلامًا من الروم، أُعطي ملكًا، فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها الإسكندرية»، ويحيل قارئه على تفسيره: «وقد أوردته في التفسير المأثور في سورة الكهف» [ج١ ص٨٤]. ثم ينقل عن عبد الله بن عمرو بن العاص طبقات البناء: فرعون أول من عمرها، ثم دلوكة بنت زباء بنت منارتها ومنارة بوقير، ثم سليمان بن داود اتخذ بها مجلسًا ومسجدًا، ثم ذو القرنين هدم ما بناه الملوك والفراعنة «إلا بناء سليمان بن داود، لم يهدمه ولم يغيره» [ج١ ص٨٤–٨٥]. ويسوق أقوالًا أخرى منسوبة: أن باني المنارة قلبطرة الملكة، وأن باني الإسكندرية شداد بن عاد، وحجرها المكتوب فيه: «أنا شداد بن عاد، وأنا الذي نصب العماد» [ج١ ص٨٥]. ويورد أخبار بياض رخامها حتى «لم يكونوا يُسرجون فيها بالليل من بياض الرخام» [ج١ ص٨٦].

وفي فصل المنارة يجمع ثلاثة أوصاف متفاوتة ولا يوفّق بينها: وصف صاحب «مباهج الفكر» بالقناطر الزجاجية وثلاثمائة بيت والتماثيل النحاسية، ووصف المسعودي بأن طولها في زمنه — سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة — ثلاثون ذراعًا وكان قديمًا نحو أربعمائة، ووصف ابن المتوج بأن طولها أكثر من ثلاثمائة ذراع [ج١ ص٨٩–٩١]. ويقول المحقق في حاشية هذا الموضع إن ما نقله المؤلف عن المسعودي «يختلف عما في» مروج الذهب «اختلافًا كثيرًا» [ج١ ص٩٠] — وهي ملاحظة المحقق لا المؤلف. وتتكرر في هذا الفصل حكاية حيلة الروم في هدم المنارة لإبطال مرآتها، مرة منسوبة إلى عهد الوليد بن عبد الملك على لسان المسعودي [ج١ ص٩٠]، ومرة منسوبة إلى عهد فتح عمرو بن العاص على لسان ابن المتوج [ج١ ص٩١]، ويوردهما السيوطي متتاليتين دون تعليق على تعارض التاريخين.

وفي هذا الباب موضع واحد يتكلم فيه السيوطي عن مشاهدة، وهو أثمن ما فيه من جهة المنهج. ينقل وصف ابن فضل الله لعمود السواري، ثم يقول: «قلت: قد رأيت هذا العمود لما دخلت الإسكندرية في رحلتي، ودَوْر قاعدته ثمانية وثمانون شبرًا»، ثم يذكر ما تواتر عند أهل الإسكندرية من أن من حاذاه وغمّض عينيه ثم قصده مال عنه فلم يصبه، ويختم بتجربة شخصية: «وقد جربت ذلك مرارًا فلم أقدر أن أصيبه» [ج١ ص٨٨]. فهو هنا قائس بيده ومجرّب ببدنه، لا ناقل عن كتاب.

عمرو بن العاص والمقوقس: مقدمة الفتح

يمهّد للفتح بفصلين قصصيين. أولهما «دخول عمرو بن العاص مصر في الجاهلية» عن ابن عبد الحكم عن خالد بن يزيد: أن عمرًا سقى شماسًا رومياً عطشان ببيت المقدس ثم قتل حية كادت تصيبه، فحمله الشماس إلى الإسكندرية ووعده ديتين، فوافق دخوله عيدًا يترامى فيه ملوكهم بأكرة من ذهب «إن من وقعت الأكرة في كمه، واستقرت فيه، لم يمت حتى يملكهم»، فوقعت في كم عمرو، فقالوا: «ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة، أترى هذا الأعرابي يملكنا!» ثم جمع له أهل الإسكندرية ألفي دينار، «فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها» [ج١ ص٩٤–٩٦].

وثانيهما كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس مع حاطب بن أبي بلتعة سنة ست، ويورد السيوطي نص الكتاب كاملًا ونص جواب المقوقس كاملًا: «لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط... وقد علمت أن نبيًّا قد بقي؛ وكنت أظن أنه يخرج بالشام» [ج١ ص٩٧–٩٨]. ثم يورد حوار المقوقس مع حاطب ليلًا في أوصاف النبي وشرائع الإسلام [ج١ ص٩٨–٩٩]، وأخبار مارية وأختها وهدايا المقوقس من البغلة دلدل والحمار يعفور وعسل بنها والقباطي [ج١ ص١٠٠]. ويلتزم في هذا كله بالإحالة على مخرّج واحد أساسًا — ابن عبد الحكم — مع ضم البيهقي في «الدلائل» في موضع [ج١ ص١٠١]، ويورد اختلاف الروايات في الجارية الثانية: وهبها النبي لجهم بن قيس أو لحسان بن ثابت أو لمحمد بن مسلمة أو لدحية الكلبي، ثم يرجّح بدليل: «هذا يصحح قول من قال إنه وهبها لحسان» [ج١ ص٩٩].

الفتح: سرد واحد مطول، ثم محكمة فقهية

سرد الفتح كله في هذا الكتاب مأخوذ عن ابن عبد الحكم بسنده عن عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر وعياش بن عباس وغيرهما [ج١ ص١٠٦]. ومحطاته: استئذان عمرو لعمر بالجابية سنة ثماني عشرة وترغيبه فيها بأنها «أكثر الأرض أموالًا، وأعجزهم عن القتال»؛ وعقد عمر له على أربعة آلاف؛ ووصيته إياه أن ينصرف إن أدركه الكتاب قبل دخول أرض مصر؛ وحيلة عمرو في تأخير فتح الكتاب حتى نزل قرية بين رفح والعريش، ثم قراءته على المسلمين وقوله: «ألستم تعلمون أن هذه من مصر؟» [ج١ ص١٠٦–١٠٧]. ثم فتح الفرما بعد قتال شهر، وموقف أسقف القبط أبي بنيامين الذي كتب إليهم «يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة» ويأمرهم بتلقي عمرو؛ ثم بلبيس، ثم أم دنين، ثم حصار بابليون، وإمداد عمر بأربعة آلاف على كل ألف رجل مقام الألف: الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد، وقوله: «ولا يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة» [ج١ ص١٠٧–١٠٨]. ثم اقتحام الزبير بالسلم وقوله «إني أهب نفسي لله» [ج١ ص١٠٨].

وأطول ما في السرد سفارة عبادة بن الصامت إلى المقوقس، ويسوقها السيوطي بحوارها كاملًا: هيبة المقوقس من سواد عبادة وقوله «نحُّوا عني هذا الأسود»، وجواب أصحابه «إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا»، وجواب عبادة نفسه: «وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سوادًا مني»، ثم عرضه الخصال الثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال [ج١ ص١١١–١١٣]. ويسبق ذلك وصف رسل المقوقس للمسلمين بعد أن حبسهم عمرو يومين ليروا حالهم: «رأينا قومًا الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة... وأميرهم كواحد منهم، ما يُعرف رفيعهم من وضيعهم» [ج١ ص١١٠].

ثم ينتقل من السرد إلى تحقيق مسألة فقهية، ويبوّبها بثلاثة عناوين متتابعة: «فمن قال إنها فتحت صلحًا»، و«ومن قال إنها فتحت عنوة»، و«ومن قال إن بعضها صلح وبعضها عنوة» [ج١ ص١٢٥–١٢٧]. وتحت كل عنوان أسانيد بأسماء أصحابها: في الصلح يزيد بن أبي حبيب — «مصر كلها صلح إلا الإسكندرية» — ويحيى بن أيوب وخالد بن حميد؛ وفي العنوة ابن هبيرة وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم وعروة، وقول عمرو بن العاص نفسه: «لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر عليَّ عهد ولا عقد إلا أهل أنطابلس»، وخبر زيد بن أسلم في تابوت عمر الذي فيه كل عهد عاهد به أحدًا «فلم يوجد لأهل مصر عهد»، وكتاب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح؛ وفي القول الوسط ابن شهاب: «كان فتح مصر بعضها بعهد وذمة، وبعضها عنوة، فجعلها عمر بن الخطاب جميعًا ذمة» [ج١ ص١٢٥–١٢٧]. ثم يعقب بفصل ينقله عن القضاعي من «الخطط» بنصه، ويصرح بمصدر نسخته: «قد لخص القضاعي في كتابه الخطط قصة فتح مصر تلخيصًا وجيزًا فقال — ومن خطه نقلت —» [ج١ ص١٢٧]، ويختم النقل بعبارة إسناد مقابلة: «انتهى كلام القضاعي بحروفه» [ج١ ص١٣٠]. وفي هذا الملخص أرقام وتواريخ محررة: مدة الحصار سبعة أشهر، وشروط الصلح ديناران على كل بالغ من القبط دون الشيوخ والأطفال والنساء مع النزل والضيافة ثلاثة أيام، وتاريخ الفتح «مستهل المحرم سنة عشرين»، وعدد الجيش خمسة عشر ألفًا وخمسمائة عن يزيد بن أبي حبيب، ومن جرت سهامهم اثنا عشر ألفًا وثلاثمائة عن عبد الرحمن بن سعيد بن مقلاص [ج١ ص١٢٨–١٢٩]. وفيه أيضًا تعليل تسمية الفسطاط بيمامة باضت في أعلى فسطاط عمرو حين أراد قوضه: «لقد تحرمت بجوارنا، أقروا الفسطاط حتى يطير فراخها» [ج١ ص١٢٩–١٣٠].

الخطط والجزية والخليج، ونهاية القسم

باب الخطط يجمع بين خبر التأسيس وأخبار الإدارة. يفتتح بمكاتبة عمر لعمرو حين هم بسكنى الإسكندرية وسؤاله الرسول: «هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟»، ثم كتابه: «إني لا أحب أن تنزل المسلمين منزلًا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف» [ج١ ص١٣٠]، ويردفه بخبر مماثل يشمل سعدًا بالمدائن وعامل البصرة معًا [ج١ ص١٣٠–١٣١]. ثم اختطاط القبائل سنة إحدى وعشرين على يد أربعة ولّاهم عمرو، عن القضاعي عن الكندي [ج١ ص١٣١]. ثم بناء الجامع، وفيه كتاب عمر إلى عمرو في المنبر: «أوما حسبك أن تقوم قائمًا والمسلمون تحت عقبيك! فعزمت عليك لما كسرته» [ج١ ص١٣٢].

وفي فصل المقطم يخرج السيوطي من النقل إلى الفتوى. يورد أولًا أخبار طلب المقوقس شراء سفح المقطم بسبعين ألف دينار، وسؤال عمر عن العلة، وجواب المقوقس: «إنا لنجد صفتها في الكتب؛ إن فيها غراس الجنة»، وكتاب عمر: «إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشيء» [ج١ ص١٣٧]، ورواية أخرى في سبب قرع الجبل وجوده بنبته ليلة كلم الله موسى [ج١ ص١٣٩]. ثم يعقد فصلًا في فتوى ابن الجميزي وغيره بهدم كل بناء أُحدث بسفح المقطم، لأن القرافة وقف من عمر على موتى المسلمين، وينقل عن ابن الرفعة عن شيخه التزمنتي عن ابن الجميزي: «جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بالقرافة من البناء، فقال: أمر فعله والدي، لا أزيله» [ج١ ص١٣٩]، وينقل عن ابن الحاج في «المدخل» قصة استفتاء الملك الظاهر بيبرس الفقهاء في ذلك واتفاقهم على الوجوب [ج١ ص١٤١]. ثم يتكلم بلسانه هو: «فيجب على ولي الأمر أرشده الله تعالى الأمر بهدمها وتخريبها حتى يعود طولها عرضًا وسماؤها أرضًا» [ج١ ص١٤١]، ويختم: «فهذا إجماع هؤلاء العلماء المتأخرين، فكيف يجوز البناء فيها!» [ج١ ص١٤١]. وهو أوضح موضع في القسم كله يتحول فيه المؤرخ إلى مفتٍ في نازلة قائمة في زمانه.

وفي فصل الجزية ينقل عن ابن عبد الحكم وصف النظام الجبائي الموروث: أن عمرًا «أقر قبطها على جباية الروم؛ وكانت جبايتهم بالتعديل: إذا عمرت القرية، وكثر أهلها زيد عليهم، وإن قل أهلها وخربت نقصوا»، ثم يفصّل كيفية القسمة على القرى والصنائع والأجراء بالقراريط [ج١ ص١٤٥–١٤٦]. وينقل عن الليث أن عمرًا جبى مصر اثني عشر ألف ألف وأن المقوقس جباها قبله عشرين ألف ألف، ثم يورد كتاب عمر إلى عمرو في استبطاء الخراج بنصه — «فإن النهز يخرج الدر، والحق أبلج» — وجواب عمرو بنصه: «فحلبتها حلبًا قطع ذلك درها... فاقبض عملك» [ج١ ص١٤٧–١٤٨]. ومثله في فصل حفر خليج أمير المؤمنين: كتاب عمر عام الرمادة «فياغوثاه، ثم ياغوثاه»، وجواب عمرو «قد بعثت إليك بعير أولها عندك وآخرها عندي»، ثم أمر عمر بحفر الخليج من النيل إلى القلزم، وحفره في أقل من حول، وجريان السفن فيه بالطعام إلى الحرمين حتى «ضيعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل» [ج١ ص١٥٦–١٥٨]، ويختم بقول ابن زولاق: «وليس بمصر خليج إسلامي غيره» [ج١ ص١٥٨].

وينتهي القسم بأربعة فصول قصيرة: انتقاض عهد الإسكندرية في خلافة عثمان وسببه — سؤال صاحب إخنا عمرًا عن مقدار الجزية وجوابه: «إنما أنتم خزانة لنا؛ إن كُثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم» — ثم إعادة عمرو للقتال بطلب أهل مصر من عثمان، وهزيمة الروم بنقيوس ومقتل منويل الخصي، وهدم سور الإسكندرية وبناء مسجد الرحمة في الموضع الذي رفع فيه السيف [ج١ ص١٥٩–١٦١]؛ ثم رابطة الإسكندرية وقسمة عمرو أصحابه أرباعًا عليها [ج١ ص١٦٣]؛ ثم فصل وسيم؛ ثم فصل «ما يقع بمصر قرب الساعة» بأثر أخرجه الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر في زحف «ذي العرف» من الأندلس ونزوله بين ترنوط والأهرام، وقول الحاكم فيه: «صحيح موقوف» [ج١ ص١٦٥]. وينتهي القسم عند هذا الحد، ويبدأ بعده مباشرة باب «من دخل مصر من الصحابة» الذي يفتتحه السيوطي بكتاب مستقل من تأليفه أدرجه في كتابه برمته [ج١ ص١٦٦].