Jalāl al-Dīn al-Suyūṭī · Ḥusn al-Muḥāḍara · A Reader's Companion

الجوامعُ والحوادثُ والنيل

القسم الثالث

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)

جوامعُ مصر ومدارسُها وخوانقُها، ثمّ «ذكر الحوادث الغريبة» — الغلاءُ والوباءُ والزلازل — ثمّ ذكرُ النيل ومنبعِه وخراجِه، والبساتينُ والثمار.

ابدأ

القسم الثالث والأخير من «حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة» ينصرف عن التراجم والسلاسل إلى عمران البلد وأحواله: يفتتحه السيوطي بـ«ذكر جوامع مصر» [ج٢ ص٢٣٧]، ثم «ذكر أمهات المدارس والخانقاه العظيمة بالديار المصرية» [ج٢ ص٢٥٥]، ثم الفصل الأكبر «ذكر الحوادث الغريبة الكائنة بمصر في ملة الإسلام من غلاء ووباء وزلازل وآيات وغير ذلك» [ج٢ ص٢٧٤]، ثم «ذكر النيل» [ج٢ ص٣٤٠]، ويختمه بـ«البساتين والثمار ونحوها» [ج٢ ص٣٩١]. وينتهي الكتاب في آخر باب الفواكه والبقول، عند فصل «في الليمون»، بأبياتٍ في وصفه يعقبها قوله: «تم كتاب حسن المحاضرة ولله الحمد» [ج٢ ص٤٤٨] — فآخر ما في الكتاب ثمرةٌ وبيتُ شعر، لا حادثةٌ ولا ترجمة. وأرقام الصفحات الواردة بين معقوفتين في هذه الصفحة كلُّها أرقام المطبوع بصيغة الجزء/الصفحة، لا أرقام الصفحات الداخلية للنسخة الرقمية. وقد مُيِّز في كل موضع بين المتن وحواشي المحقِّق؛ فما نُسب إلى الحاشية فهو من كلام المحقِّق أو من مقابلته على المصادر، لا من كلام السيوطي.

جوامع مصر: من جامعٍ واحدٍ إلى ما يزيد على مئتين

يبدأ الباب بخطٍّ زمنيٍّ مضغوطٍ لانتشار الخطبة في مصر. يقول السيوطي إنه من حين فُتحت مصر لم يكن بها مسجدٌ تُقام فيه الجمعة سوى جامع عمرو بن العاص، حتى قدم عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس من العراق في طلب مروان الحمار سنة ١٣٣، فنزل عسكره شماليَّ الفسطاط وبنوا هناك، فسُمِّي الموضع «العسكر» وأُقيمت به الجمعة. ثم بنى أحمد بن طولون جامعه فأُبطلت الخطبة من جامع العسكر، ثم قدم جوهر القائد فاختطَّ القاهرة وبنى الجامع الأزهر سنة ٣٦٠، فصارت الجمعة في ثلاثة جوامع. ثم بنى العزيز بالله ما يُعرف اليوم بجامع الحاكم سنة ٣٨٠ وأكمله ابنه، ثم جامع المقس وجامع راشدة، فصارت ستة، إلى أن انقضت دولة العُبيديين سنة ٥٦٧ فبطلت الجمعة من الأزهر وبقيت فيما عداه [ج٢ ص٢٣٧]. ثم في الدولة التركية بُني جامع الحسينية زمن الظاهر بيبرس سنة ٦٦٩، والجامع الجديد بمصر زمن الناصر بن قلاوون سنة ٧١٢، وبنى أمراؤه وكتّابه نحو ثلاثين جامعًا، «فلعلها الآن في مصر والقاهرة أكثر من مائتي جامع» [ج٢ ص٢٣٧]. ويثبِّت السيوطي هذا التسلسل بأخبارٍ فقهيةٍ عن أصل تعدد المساجد: كتاب عمر إلى أمرائه بأن يتخذوا في كل مدينة مسجدًا واحدًا للجماعة، وقول القضاعي إن الجمعة لم تكن تُقام زمن عمرو بن العاص بشيء من أرض مصر إلا بجامع الفسطاط، وخبر ابن يونس أن عمرًا منع أهل الريف من الجمعة وقال: «ولا يصلي الجمعة بالناس إلا من أقام الحدود، وأخذ بالذنوب، وأعطى الحقوق» [ج٢ ص٢٣٨]. والحواشي هنا كثيرة الإحالة إلى «خطط» المقريزي، يورد فيها المحقِّق صيغ المقريزي المخالفة أو الزائدة.

الجوامع الأربعة الكبرى: عمرو، وابن طولون، والأزهر، والحاكم

جامع عمرو هو أطول الفصول وأدقُّها، ويُبنى بوصفه سِجِلَّ زياداتٍ متعاقبة لا بوصفه وصفًا معماريًّا. ينقل عن ابن المتوج أنه «الجامع العتيق المشهور بتاج الجوامع»، وأن موضعه كان لقيسبة بن كلثوم التجيبي فتصدَّق به على المسلمين، وأنه بُني سنة ٢١ طوله خمسون ذراعًا في عرض ثلاثين، وأنه وقف على إقامة قبلته ثمانون رجلًا من الصحابة يسمّي منهم الزبير والمقداد وعبادة بن الصامت وأبا ذر وعقبة بن عامر [ج٢ ص٢٣٩]. ثم يتوالى ذكر الزيادات باسم صاحبها وسنتها: مسلمة بن مخلد سنة ٥٣، وعبد العزيز بن مروان سنة ٧٩، وقرة بن شريك بأمر الوليد سنة ٩٢ وهو الذي عمل المحراب المجوَّف وأربعة أبواب بعد أن كان له بابان، وبيت المال بناه أسامة بن زيد التنوخي سنة ٩٩ [ج٢ ص٢٤٠–٢٤١]. ثم صالح بن علي سنة ١٣٣ فأدخل فيه دار الزبير وأحدث بابًا خامسًا، وموسى بن عيسى الهاشمي سنة ١٧٥، وعبد الله بن طاهر سنة ٢١٢، «فتكامل ذرع الجامع مائتين وتسعين ذراعًا بذراع العمل طولًا في مائة وخمسين عرضًا» [ج٢ ص٢٤١]. ويسجِّل حريق مؤخَّر الجامع ليلة الجمعة لتسع خلون من صفر سنة ٢٧٥، وعمارة خمارويه له بنفقة ستة آلاف وأربعمائة دينار [ج٢ ص٢٤١]، ثم الفوّارة التي عملها ابن كلس بأمر العزيز، وإنزال ألفٍ ومئتين وتسعين مصحفًا إليه سنة ٤٠٣ وتنّورٍ من فضة فيه مائة ألف درهم [ج٢ ص٢٤٢]، وقلع مناطق الفضة زمن صلاح الدين، وتجديد الظاهر بيبرس سنة ٦٦٦، وعمارة برهان الدين المحلي رئيس التجار التي انتهت سنة ٨٠٤ [ج٢ ص٢٤٣–٢٤٤]. وينقل عن ابن المتوج أن ذرعه اثنان وأربعون ألف ذراعٍ بذراع البزّ المصري القديم، وأن أبوابه ثلاثة عشر بابًا [ج٢ ص٢٤٤]. ويختم بخبرٍ رواه المقريزي بسنده إلى ابن الصائغ الحنفي أنه أدرك بجامع عمرو، قبل وباء سنة ٧٤٩، «بضعًا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه» [ج٢ ص٢٤٥].

وفصل جامع ابن طولون يمزج التاريخ بالمنقول من المنامات والفراسة. يذكر أن موضعه جبل يشكر، وأن ابن عبد الظاهر قال إنه مكان مشهور بإجابة الدعاء، وأن ابتداء بنائه سنة ٢٦٣ وفراغه سنة ٢٦٦، وأن النفقة عليه بلغت مائة وعشرين ألف دينار [ج٢ ص٢٤٦]. ويروي أن الناس امتنعوا عن الصلاة فيه ظنًّا أنه بُني من مال حرام، فخطب وحلف أنه بناه بكنزٍ ظفر به. ويروي عن الخطيب أن ابن طولون غاصت قوائم فرسه في الرمل وهو يتصيَّد فظهر كنزٌ فيه ألف ألف دينار [ج٢ ص٢٤٧]. ويروي — ناقلًا كما وجد — أن المهندسين اختلفوا في تحرير القبلة فرأى النبي ﷺ في المنام يقول له: «يا أحمد، ابنِ قبلة هذا الجامع على هذا الموضع»، وخطَّ له في الأرض صورة ما يُعمل، فلما أصبح وجد الصورة مصوَّرة فبنى المحراب عليها [ج٢ ص٢٤٧]. وينقل عن صاحب «مرآة الزمان» خبر المنارة التي صُنعت على مثال درجٍ من الكاغد عبث به ابن طولون، وخبر رؤياه أن الله تجلّى للقصور حول الجامع ولم يتجلَّ للجامع، فأوَّلها المعبِّرون بأن يخرب ما حوله ويبقى الجامع قائمًا وحده، «فكان كما قالوا» [ج٢ ص٢٤٨]. ثم يعود إلى التاريخ الصلب: خراب القطائع في غلاء المستنصر وصيرورة ما حول الجامع خرابًا، ثم نذر لاجين حين اختفى بمنارته فتسلطن فأمر بتجديده ووقف عليه ورتَّب فيه دروس التفسير والحديث والفقه على المذاهب الأربعة والقراءات والطب والميقات — حتى جعل وقفًا على الديكة تكون في سطح الجامع لأنها توقظ الموقِّتين في السحر، فأبطل السلطان هذا البند وحده وقال: «أبطلوا هذا لا تُضحِكوا الناس علينا» [ج٢ ص٢٤٩–٢٥٠].

وفصلا الأزهر وجامع الحاكم أقصر، ومدارهما على مسألةٍ فقهية-سياسية واحدة: أين تُقام الخطبة. الأزهر أول جامعٍ أُسِّس بالقاهرة، أنشأه جوهر الصقلي، ابتُدئ بناؤه لستٍّ بقين من جمادى الأولى سنة ٣٥٩ وكمل في رمضان سنة ٣٦١ [ج٢ ص٢٥١]. ثم جدَّده الحاكم ووقف عليه، وقُلعت منطقة الفضة من محرابه زمن صلاح الدين فجاء وزنها خمسة آلاف درهم نقرة [ج٢ ص٢٥١]. ولما بُني الجامع الحاكمي انتقلت إليه الخطبة، ثم لما ولي صلاح الدين قلَّد القضاء صدر الدين بن درباس فعمل بمقتضى مذهبه في امتناع إقامة خطبتين في بلدٍ واحد، فأبطل الخطبة من الأزهر وأقرَّها بالحاكمي لكونه أوسع، فبقي الأزهر معطَّلًا منها إلى أيام الظاهر بيبرس، فامتنع قاضي القضاة ابن بنت الأعز وصمَّم، فولّى السلطان قاضيًا حنفيًّا فأذن في إعادتها فأُعيدت [ج٢ ص٢٥٢]. أما جامع الحاكم فأسَّسه العزيز بالله وخطب فيه، وأكمله الحاكم، وتمَّت عمارته سنة ٣٩٣، وقد تشعَّث في زلزلة سنة ٧٠٢ فجدَّده بيبرس الجاشنكير ورتَّب فيه دروسًا على المذاهب الأربعة ودرس حديث ونحو وقراءات [ج٢ ص٢٥٣]. ويُلحِق به جامع راشدة وجامع المقس، ثم الجامع الأقمر للآمر، والأفخر — المعروف بجامع الفكاهيين — للظافر، وجامع الصالح طلائع بن رزيك خارج باب زويلة [ج٢ ص٢٥٣–٢٥٤].

أمهات المدارس والخوانق: تاريخٌ يُروى بسلاسل المدرِّسين

يفتتح الباب بمسألةٍ في الأوّليات: من أول من بنى المدارس في الإسلام؟ يقدِّم قول من قال إنه نظام الملك، وينقل خبر تدريس أبي إسحاق الشيرازي بالنظامية وامتناعه أولًا لقول صبيٍّ له: «يا شيخ كيف تدرِّس في مكانٍ مغصوب» [ج٢ ص٢٥٥]، ثم يعارضه بإنكار الذهبي في «تاريخ الإسلام» على من زعم ذلك، وعدِّه أربع مدارس بنيسابور سابقة على مولد نظام الملك، ثم بترجيح السبكي في «الطبقات الكبرى» أن الذي انفرد به نظام الملك هو ترتيب المعاليم للطلبة لا بناء المدارس [ج٢ ص٢٥٦]. ثم ينتقل إلى مصر بنقل ابن خلكان أن الديار المصرية لم يكن بها شيء من المدارس قبل صلاح الدين، ويعدِّد ما بناه أو حوَّله: المدرسة المجاورة للإمام الشافعي بالقرافة، والمجاورة للمشهد الحسيني، ودار سعيد السعداء خانقاه، ودار عباس الوزير مدرسةً للحنفية هي المعروفة بالسيوفية، والشريفية، والقمحية للمالكية [ج٢ ص٢٥٦].

وطريقة السيوطي في هذا الباب مطّردة: لكل مدرسةٍ سطورٌ في الباني وسنة الشروع والفراغ وشروط الوقف، ثم قائمةٌ متصلة بأسماء من ولي التدريس أو المشيخة واحدًا بعد واحد إلى عصره. المدرسة الصلاحية بجوار الشافعي بناها صلاح الدين سنة ٥٧٢ وجعل التدريس والنظر للخبوشاني وشرط له أربعين دينارًا في الشهر وستين رطلًا خبزًا كل يوم وراويتين من ماء النيل [ج٢ ص٢٥٧]، ثم تمتد سلسلة مدرِّسيها ثلاث صفحات تنتهي بالشيخ زكريا [ج٢ ص٢٥٩]. وخانقاه سعيد السعداء وقفها صلاح الدين سنة ٥٦٩ على الصوفية، «وهي أول خانقاه عُمِلت بديار مصر»، ونُعِت شيخها بشيخ الشيوخ، ويلاحظ السيوطي أن كل إطلاقٍ لـ«مشيخة الشيوخ» في كتب الطبقات فالمراد به مشيختها [ج٢ ص٢٦٠]. والمدرسة الكاملية هي دار الحديث، «وليس بمصر دار حديث غيرها» سوى التي بالشيخونية، وينقل عن المقريزي أنها ثاني دار حديثٍ في الأرض بعد التي بناها نور الدين بدمشق، كملت سنة ٦٢١ [ج٢ ص٢٦٢]. والصالحية بين القصرين أربع مدارس للمذاهب الأربعة بناها الصالح نجم الدين أيوب، ويقول المحقِّق في الحاشية نقلًا عن المقريزي إنه أول من عمل بمصر أربعة دروسٍ في مكانٍ واحد سنة ٦٤١ [ج٢ ص٢٦٣]. والمنصورية أنشأها قلاوون مع البيمارستان، ورتَّب فيها فقهًا على المذاهب الأربعة ودرس تفسير وحديث وطب [ج٢ ص٢٦٤]. ومدرسة السلطان حسن شُرع فيها سنة ٧٥٨، وينقل عن المقريزي أنه «لا يُعرف ببلاد الإسلام معبدٌ من معابد المسلمين يحكي هذه المدرسة في كِبَر قالبها»، وأن العمارة قامت ثلاث سنين لا تبطل يومًا، وأُرصد لمصروفها كل يوم عشرون ألف درهم، وأن ذرع إيوانها الكبير خمسة وستون ذراعًا في مثلها [ج٢ ص٢٦٩]. ثم يروي سقوط منارتها يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة ٧٦٢ وهلاك نحو ثلاثمائة نفسٍ تحتها أكثرهم أيتام مكتب السبيل، «فلهج الناس بأن ذلك يُنذر بزوال الدولة»، وأن السلطان قُتل بعد سقوطها بثلاثةٍ وثلاثين يومًا [ج٢ ص٢٦٩–٢٧٠]. ويختم الباب برباط الآثار قرب بركة الحبش، الذي فيه قطعة خشبٍ وحديدٍ وأشياء تُذكر أنها من آثار النبي ﷺ، اشتراها الصاحب تاج الدين بستين ألف درهم فضة من بني إبراهيم أهل ينبع، «وهي به إلى اليوم يُتبرَّك بها» [ج٢ ص٢٧٣].

«ذكر الحوادث الغريبة»: بناء الفصل وطريقة تأريخه

هذا هو الفصل الذي يقصده الباحث في التاريخ الاجتماعي أو البيئي لمصر الإسلامية، ويمتد من [ج٢ ص٢٧٤] إلى [ج٢ ص٣٠٩]. بناؤه حوليٌّ صِرف: مدخل كل خبر «وفي سنة كذا»، بالسنة الهجرية وحدها، بلا تصنيفٍ موضوعي؛ فيتجاور في الصفحة الواحدة طاعونٌ وزفافُ ابنة أميرٍ وانقضاضُ كوكب. ويكاد يستوعب تسعة قرون: يفتتح بسنة ٣٤ بخبر عبد الله بن سبأ نقلًا عن سيف بن عمر [ج٢ ص٢٧٤]، وينتهي عند سنة ٨٤١ بذكر الطاعون بالديار المصرية [ج٢ ص٣٠٩].

وطريقته في التوثيق ظاهرة: يُسنِد أكثر الأخبار إلى مؤرِّخٍ بعينه في المتن نفسه — «قاله الذهبي»، «ذكره صاحب المرآة»، «حكاه ابن كثير»، «قال ابن الجوزي»، «ذكره ابن المتوج»، «قال ابن الأثير في الكامل»، «قال البرزالي في تاريخه»، «قال الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر». وحواشي المحقِّق تُتبع ذلك بأرقام المواضع في «النجوم الزاهرة» و«البداية والنهاية» و«العبر» و«المنتظم»؛ وهذا عملُ المحقِّق لا السيوطي. وحيث يتردَّد الخبر يذكر السيوطي تردُّده: في خبر زلازل مصر أيام كافور وقول الشاعر «ما زلزلت مصر من سوء يراد بها … لكنها رقصت من عدله فرحا» يقول: «كذا رأيته في نسخةٍ عتيقة من كتاب مذهب الطالبيين، تاريخ كتابتها بعد الستمائة، ثم رأيت ما يخالف ذلك كما سأذكر» [ج٢ ص٢٨٠] — ويفي بذلك بعد صفحات حين ينسب البيتين نفسيهما إلى شاعر الحاكم محمد بن قاسم بن عاصم نقلًا عن ابن فضل الله في «المسالك» [ج٢ ص٢٨٤]. وفي الفصل مواضع اضطراب: خبرٌ مؤرَّخ بسنة ٦٠٨ يقع بين حوادث سنتَي ٦٧٩ و٦٨١ [ج٢ ص٢٩٧]، وموضعٌ سقطت فيه السنة من المطبوع فورد «وفي سنة؟؟ وثمانمائة» [ج٢ ص٣٠٨]، وترتيبٌ غير مستقيمٍ بين سنتَي ٣١٣ و٣٠٣ [ج٢ ص٢٧٩]. وهي مواضع تحتاج مراجعةً على أصلٍ آخر.

الغلاء والوباء: الشدّتان الكبريان

أطول ما وقف عنده السيوطي في هذا الفصل شدّتان. الأولى ابتدأت سنة ٤٦٠، ويصفها بأنه «ابتداء الغلاء العظيم بمصر الذي لم يُسمع بمثله في الدهور من عهد يوسف الصدّيق»، واشتدَّ القحط والوباء سبع سنين متوالية حتى أُكلت الجيف وأُفنيت الدواب، وبِيع الكلب بخمسة دنانير والهرّ بثلاثة، ولم يبقَ لخليفة مصر سوى ثلاثة أفراس، ونزل الوزير يومًا عن بغلته فغفل الغلام عنها من ضعف الجوع فأخذها ثلاثة نفرٍ فذبحوها، فصُلبوا فأصبحوا وقد أكلهم الناس ولم يبقَ إلا عظامهم. وبِيعت البيضة بدينار، وبلغ الأردب من القمح مائة دينار ثم عُدم أصلًا، ويحكي عن صاحب «المرآة» أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مدُّ جوهرٍ تقول: من يأخذه بمدِّ قمح؟ فلم يلتفت إليها أحد [ج٢ ص٢٨٨]. وفي سنة ٤٦٥ يقول إن أهل البيت كانوا يموتون في ليلة، وإن امرأة أكلت رغيفًا بألف دينار، وإن السودان كانوا يقفون في الأزقّة يصطادون النساء بالكلاليب [ج٢ ص٢٨٨].

والثانية شدّة سنتَي ٥٩٦–٥٩٧، وهي أكثر ما في الفصل توثيقًا بالأرقام. ينقل عن الذهبي في «العبر» أن النيل كُسر من ثلاثة عشر ذراعًا إلا ثلاثة أصابع فاشتدَّ الغلاء وعُدمت الأقوات «إلى أن آل بهم الأمر إلى أكل الآدميين الموتى» [ج٢ ص٢٩١]، وأن الأمير لؤلؤًا كان يتصدَّق كل يومٍ باثني عشر ألف رغيفٍ على اثني عشر ألف فقير. ثم ينقل عن الذهبي في السنة التالية قوله: «فلو قال القائل: مات ثلاثة أرباع أهل الإقليم لما بَعُد»، وأن الذي دخل تحت قلم الديوان في مدة اثنين وعشرين شهرًا مائة ألف وأحد وعشرون ألفًا بالقاهرة وحدها، «وهذا نزرٌ في جنب ما هلك بمصر والحواضر»، وأن مصر كان فيها تسعمائة منسجٍ للحُصر فلم يبقَ إلا خمسة عشر منسجًا [ج٢ ص٢٩٢]. وينقل عن صاحب «المرآة» أرقامًا أخرى: أن السلطان كفَّن في مدةٍ يسيرة مائتين وعشرين ألفًا، وأن إمام جامع الإسكندرية صلّى في يومٍ واحد على سبعمائة جنازة، وأخبارًا في أكل لحوم الآدميين لا يعلِّق عليها بأكثر من نسبتها إلى قائلها. ويُتبع ذلك بنصٍّ للعماد الكاتب في وصف المجاعة نفسها [ج٢ ص٢٩٢].

وسوى هاتين، يُعِدُّ الفصلُ قائمةً طويلة يمكن استخراج تسلسلٍ وبائيٍّ منها: طاعون سنة ٦٦، ووباء سنة ٧٠ عن الذهبي، وطاعون الفسطاط سنة ٨٥ الذي مات فيه عبد العزيز بن مروان [ج٢ ص٢٧٤–٢٧٥]، ووباء سنة ٤٥٥ الذي كان يخرج فيه من مصر كل يوم ألف جنازة [ج٢ ص٢٨٧]، ثم سلسلة طواعين القرن الثامن والتاسع: ٧٤٩، ٧٦١، ٧٦٤، ٧٦٩، ٧٨٣، ٧٩٠، ٨١٠، ٨١٦، ٨١٨، ٨١٩، ٨٢٢، ٨٣٣، ٨٤١ [ج٢ ص٣٠٣–٣٠٩]. ويُدخِل في الباب أوبئة الحيوان أيضًا: وقوع الفناء في البقر سنة ٧٦٥ [ج٢ ص٣٠٣]، ووباء البقر سنة ٧٩٤ «حتى كاد إقليم مصر أن يفنى منها» [ج٢ ص٣٠٨]. ويقرن الغلاء بأسعارٍ مضبوطة: الأردب بخمسة دنانير سنة ٦٢٨ ففتح السلطان الأهراء وأمر ببيعه بثمانين درهمًا فانحطَّ السعر [ج٢ ص٢٩٤]؛ وسنة ٦٩٥ بلغ الأردب مائة وسبعين درهمًا نقرةً ثم انحطَّ في جمادى الآخرة إلى خمسة وثلاثين [ج٢ ص٢٩٨].

الزلازل والكواكب والمواليد: الآيات كما يرويها

الزلازل مبثوثة في الفصل بسنواتها: زلزلة سنة ١٨٠ التي سقطت منها رأس منارة الإسكندرية [ج٢ ص٢٧٥]، وزلزلة سنة ٢٤٢ التي رُجمت فيها قرية السويداء من السماء ووُزن حجرٌ منها فكان عشرة أرطال، وزلزلة سنة ٢٤٥ التي سُمعت بتنّيس ضجّةٌ دائمة طويلة [ج٢ ص٢٧٦]، وزلزلة سنة ٣٤٤ التي هدمت البيوت ودامت ثلاث ساعات [ج٢ ص٢٧٩]، وزلزلة سنة ٤٦٢ التي «نفرت» منها إحدى زوايا جامع عمرو [ج٢ ص٢٨٨]، وزلزلة شعبان سنة ٥٩٧ من الصعيد التي هدمت بنيان مصر [ج٢ ص٢٩٣]، والزلزلة العظمى في ذي الحجة سنة ٧٠٢ التي كان تأثيرها بالإسكندرية أعظم، «وطلع البحر إلى نصف البلد» وغرقت المراكب وسقطت بمصر دورٌ لا تُحصى [ج٢ ص٢٩٨–٢٩٩].

أما ما يسمّيه «الآيات» فيرويه كما بلغه، منسوبًا إلى ناقله، من غير تصديقٍ ولا تكذيب. من ذلك انتثار الكواكب من أول الليل إلى الصباح سنة ١٤٥ «فخاف الناس، ذكره صاحب المرآة» [ج٢ ص٢٧٥]؛ وظهور شيءٍ مستطيلٍ دقيق الطرفين عريض الوسط سنة ٢٣٧ «وليس بضوء كوكب ولا كوكبٍ له ذنب» [ج٢ ص٢٧٥]؛ والظلمة والحمرة سنة ٢٨٤ حتى صار الرجل يرى وجه صاحبه أحمر وكذلك الجدران، فخرجوا إلى الصحراء يدعون «حتى كشف عنهم، حكاه ابن كثير» [ج٢ ص٢٧٧]؛ وموج النجوم في السماء ليلة سلخ المحرم سنة ٥٩٩ «وتطايرت كالجراد المنتشر» إلى الفجر [ج٢ ص٢٩٣]. ويورد الكواكب ذوات الأذناب بأوصافٍ قياسية: كوكب سنة ٣١٠ ذنبه ذراعان في برج السنبلة، وكوكب سنة ٤٥٨ ذؤابته نحو ثلاثة أذرع عرضًا [ج٢ ص٢٧٩، ٢٨٧]. وأفرد لهذا الباب فصلًا مستقلًّا عنوانه «ذكر كوكب الذنب» ينقل فيه عن صاحب «المرآة» أن أهل النجوم يذكرون طلوعه عند قتل قابيل هابيل وعند الطوفان ونار إبراهيم وهلاك عاد وثمود وغزوة بدر وقتل عثمان وعليّ، وأن «أدنى الأحداث عند ظهور هذا الكوكب الزلازل والأهوال»؛ ثم يُعقِّب بنفسه — «قلت» — فيستشهد بما أخرجه الحاكم وصحَّحه عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس قال: «ما نمتُ البارحة … طاح الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدجّال قد طَرَق» [ج٢ ص٣٢٣].

ويدخل في «الغرائب» عنده صنفٌ ثالث: المواليد الشاذّة والحيوان العجيب. مولودٌ ميّت بمصر سنة ٦٦٢ له رأسان وأربع أعين وأربع أيدٍ وأربع أرجل [ج٢ ص٢٩٥]؛ وزرافة وُلدت بقلعة الجبل سنة ٦٧٠ وأُرضعت من بقرة، «قال: وهذا شيء لم يُعهد مثله» [ج٢ ص٢٩٦]؛ وكلبةٌ ولدت بالقاهرة سنة ٧٢١ ثلاثين جروًا، أُحضِرت بين يدي السلطان فسأل المنجِّمين فلم يكن عندهم علمٌ منها، نقلًا عن الذهبي في «العبر» عن خط بدر الدين العزازي [ج٢ ص٣٠١]؛ وجاموسةٌ ببلبيس سنة ٨٢٠ ولدت برأسين وعنقين وسلسلتَي ظهر، «فكانت من بديع صنع الله» [ج٢ ص٣٠٩]. وأطول هذه الأخبار وصفُ دابةٍ خرجت من بحر النيل إلى أرض المنوفية يوم الخميس رابع جمادى الآخرة سنة ٧٠٢، ينقله السيوطي عن البرزالي في تاريخه بكل تفاصيله القياسية — لونها كلون الجاموس بلا شعر، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدمًا، وفي فمها ثمانية وأربعون ضرسًا وسنًّا مثل بيادق الشطرنج، وغِلَظ جلدها أربعة أصابع «ما تعمل فيه السيوف»، حُمل جلدها على خمسة أجمالٍ لثقله، ثم حُشي تبنًا وأُقيم بين يدي السلطان [ج٢ ص٢٩٩]. ويورد في السنة نفسها إبطال بيبرس الجاشنكير «عيد الشهيد» بمصر، ويشرح سببه: أن النصارى كان عندهم تابوتٌ فيه إصبع يزعمون أنه من أصابع بعض شهدائهم وأن النيل لا يزيد ما لم يُلقَ فيه هذا التابوت [ج٢ ص٢٩٩].

ملاحق الفصل: الطريق والحمام والنقد والزيّ ولطائف مصر

يُلحق السيوطي بالحوليات فصولًا وصفية قصيرة. «ذكر الطريق المسلوك من مصر إلى مكة» ينقله عن ابن فضل الله، ويعدُّ المنازل مرحلةً مرحلة من بركة الحاج إلى السويس إلى نخل إلى أيلة، ثم على ساحل بحر القلزم إلى مدين والمويلحة والأزلم والوجه والحوراء وينبع وبدر ورابغ وخليص وبطن مرّ إلى مكة، مع حكمٍ على المياه في كل منزل: ماء الأزلم «من أقبح المياه»، وماء الوجه «من أعذب المياه»، وماء الحوراء «شبيه بماء البحر لا يكاد يُشرب» [ج٢ ص٣١٠–٣١١]. ويصف ما يخرج مع الركب: السبيل للفقراء بالماء والزاد والأشربة والأدوية والعقاقير والأطباء والكحّالين والمجبِّرين والأدلّاء ومغسِّل الموتى [ج٢ ص٣١٠]. و«ذكر حمائم الرسائل» فصلٌ في البريد، يبدأ بخبر نور الدين الشهيد سنة ٥٦٧، ثم ينقل عن كتاب «تمام الحمائم» لمحيي الدين بن عبد الظاهر قواعد تشغيل الخدمة: أن البطاقة لا تُحمل إلا في الجناح حفظًا من المطر، وأن مواضع الإطلاق معلومة — إلى الإسكندرية من منية عقبة بالجيزة، وإلى الشرقية من مسجد التين، وإلى دمياط من بيسوس — وأن السلطان وحده يفكُّ البطاقة بيده ولو كان نائمًا فيُنبَّه أو يأكل فلا يُمهَل، وأن تُؤرَّخ بالساعة واليوم لا بالسنة، وألا يُكثَر فيها من نعوت المخاطب ولا من حشو الألفاظ [ج٢ ص٣١٣–٣١٤].

و«ذكر معاملة مصر» فصلٌ في النقد والمكاييل عن «المسالك»: الدرهم ثلثاه فضة وثلثه نحاس، وهو ثماني عشرة حبة خرنوبة، والخرنوبة ثلاث قمحات، والمثقال أربع وعشرون خرنوبة، والدينار الحبشي ثلاثة عشر درهمًا وثلث؛ والإردب ست ويبات، والويبة أربعة أرباع، والربع أربعة أقداح؛ والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية اثنا عشر درهمًا [ج٢ ص٣٢١]. ويلحق به خبر تعريب عبد الملك بن مروان للنقد سنة ٧٥ عن صاحب «المرآة» [ج٢ ص٣٢١–٣٢٢]. وفي «ذكر عادة المملكة في الخلع والزي» يصف زيّ القضاة والعلماء والخطباء، ثم يقف موقفًا صريحًا: «وأما خلعهم وخلع الوزراء ونحوهم فأسقطتها من كلام ابن فضل الله؛ لأنها ما بين حريرٍ وذهب، وذلك محرَّم شرعًا، وقد التزمت ألا أذكر في هذا الكتاب شيئًا أُسأل عنه في الآخرة» [ج٢ ص٣٢٠] — وهو من أوضح المواضع التي يُفصح فيها عن قاعدةٍ في الانتقاء.

ثم «ذكر بقية لطائف مصر»، وهو فصلٌ في خصائص البلد ومنتجاته، معظمه منقول عن الكندي وابن فضل الله وصاحب «مباهج الفكر» والجاحظ. فيه أن مصر ثمانون كورة، وأن صعيدها حجازيّ الحرّ يُنبت النخل والأراك والدوم، وأن أسفلها شاميّ يُمطر مطر الشام ويقع به الثلج [ج٢ ص٣٢٤]؛ وأن معدن الزمرد ليس في الدنيا غيره، وأن القراطيس لا تكون إلا بها [ج٢ ص٣٢٧]؛ وقائمةٌ شهريةٌ قبطية تُعدُّ ما يُطلب في كل شهر: «ماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، ورمان بابة، وموز هاتور، وسمك كيهك» [ج٢ ص٣٢٥، وتتكرر في ٣٣٠]. وفيه غرائب يوردها منسوبةً لأصحابها: بئر البلسم بالمطرية التي «الخاصية في البئر» ولا ينبت البلسان في الدنيا إلا هناك، وأن الملك الكامل حاول نقله فلم ينجح [ج٢ ص٣٢٩]؛ وحجر القيء الذي إذا أمسكه الإنسان بيده تقيَّأ كل ما في بطنه [ج٢ ص٣٢٩، ٣٣٥]؛ وجبلٌ يُكتب بحجارته كما يُكتب بالمداد [ج٢ ص٣٣٥]. ويُختَم الباب بفصلٍ عنوانه «السبب في كون أهل مصر أذلاء يحملون الضيم»، يسوق فيه خبر دعاء سعد بن أبي وقاص عليهم حين مُنع من دخول الفسطاط، ثم يعقِّب بقوله: «وسعدٌ ممن عُرف بإجابة الدعوة»، ويردف بآثارٍ عن كعب ومحمد بن حبيب في قسمة الأخلاق على البلدان، وبكلام ابن القرية في طبائع أهل الأرض [ج٢ ص٣٣٦–٣٣٧].

ذكر النيل: النصّ، والمنبع، والخراج

يفتتح الباب بالنقل عن التيفاشي في «سجع الهديل» أنه لم يُسمَّ نهرٌ في القرآن سوى النيل في قوله تعالى ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾، «قال: أجمع المفسِّرون على أن اليمّ هنا نيل مصر» [ج٢ ص٣٤٠]. ثم يسوق حديث أحمد ومسلم عن أبي هريرة: «النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة»، وآثار كعب الأحبار وعبد الله بن عمرو في أن النيل «سيد الأنهار» سُخِّر له كل نهرٍ بالمشرق والمغرب [ج٢ ص٣٤٠]. ويفرد فصلًا عنوانه «أثرٌ متصل الإسناد في أمر النيل» يسوق فيه إسناده الخاص إلى الليث بن سعد، بقصة حامد بن أبي شالوم بن العيص الذي نذر ألا يفارق ساحل النيل حتى يبلغ منتهاه، فسار إلى أرض الحديد فالفضة فالذهب حتى بلغ سورًا من ذهبٍ وقبةً لها أربعة أبواب، فقيل له: «فقد انتهى إليك علم هذا النيل؛ وهذه الجنة» [ج٢ ص٣٤٣–٣٤٥]. يرويه بإسناده ولا يعلِّق عليه بترجيح.

وإلى جانب هذا المستوى النصّي يورد مستوًى جغرافيًّا: عن قدامة أن مجموع أنهار المعمور مائتان وثمانية وعشرون نهرًا، وأن انبعاث النيل من جبل القمر وراء خط الاستواء من عينٍ تجري منها عشرة أنهارٍ تصبُّ في بطيحة كبيرة [ج٢ ص٣٤٧]؛ وعن صاحب «نزهة المشتاق» أن هذه البحيرة تُسمّى بحيرة كورى، وأن النيل يشقُّ بلاد كورى ثم ننه بين كانم والنوبة، فإذا بلغ دنقلة عطف غربًا، ثم يمرُّ بالجنادل التي «لا مرور للمراكب عليها إلا في أيام زيادة النيل»، ثم بأسوان، ثم بين جبلين إلى الفسطاط، فإذا تجاوزها مسافة يوم انقسم قسمين: أحدهما يصبُّ عند دمياط ويُسمّى بحر الشرق، والآخر — «عمود النيل» ومعظمه — يصبُّ عند رشيد ويُسمّى بحر الغرب [ج٢ ص٣٤٧].

وفصل «ذكر مزايا النيل» ينقل عن التيفاشي تعليلًا منظَّمًا لتفضيله: عموم نفعه، والاكتفاء بسقيه «فإنه يُزرع عليه بعد نضوبه ثم لا يُسقى الزرع حتى يبلغ منتهاه»، وأنه يزيد عند نقص سائر المياه وينقص عند زيادتها «وذلك أوان الحاجة إليه»، وأنه يأتي في اشتداد القيظ فيبلُّ الأرض ويرطِّب الهواء، وأنه «موزون على ديار مصر بوزنٍ معلوم وتقديرٍ مرسوم لا يزيد عليه» [ج٢ ص٣٥٤–٣٥٥]. ثم ينتقل إلى الجانب الإداري والمالي مباشرة، وهو أهم ما في الباب لمن يقرأ الاقتصاد: يذكر عن صاحب «مباهج الفكر» أرقام جباية الخراج المتناقصة — مائة ألف ألف وثلاثون ألف دينارٍ أيام أحد ملوك القبط، ومائة ألف ألف لعزيز مصر، واثنا عشر ألف ألف لعمرو بن العاص، وأربعة عشر ألف ألف لعبد الله بن أبي سرح، «ثم رَذُل إلى أن جُبي أيام جوهر القائد ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف دينار» — ويعلِّل التقهقر تعليلًا صيانيًّا صريحًا: «أن الملوك لم تسمح نفوسهم بما كان يُنفَق في الرجال الموكَّلين لحفر خُلُجه وإصلاح جسوره ورمِّ قناطره وسدِّ تُرَعه»، وكانوا مائة ألفٍ وعشرين ألف رجل مرتَّبين على كور مصر، سبعين ألفًا للصعيد وخمسين ألفًا لأسفل الأرض [ج٢ ص٣٥٥–٣٥٦]. ويقرن ذلك بمِساحة: مُسحت الأرض أيام هشام بن عبد الملك فكان ما يركبه الماء مائة ألف ألف فدان، والفدان أربعمائة قصبة والقصبة عشرة أذرع؛ ثم اعتبر أحمد بن المدبِّر ما يصلح للزرع في وقت ولايته فوجده أربعة وعشرين ألف ألف فدان «والباقي قد استبحر وتلف» [ج٢ ص٣٥٦]. ويعود الرقم نفسه — مائة ألفٍ وعشرون ألف فاعلٍ معهم الطُّور والمساحي، لا يدعون العمل شتاءً ولا صيفًا — في الرواية المسندة إلى يزيد بن أبي حبيب [ج٢ ص٣٤٦].

المقياس والوفاء والجزيرة والخُلجان

فصل «ذكر المقياس» هو موضع الأرقام. ينقل عن ابن عبد الحكم أن أول من قاس النيل يوسف عليه السلام ووضع مقياسًا بمنف، ثم وُضع مقياسٌ بأنصنا وآخر بأخميم، ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسًا بحلوان، ووضع أسامة بن زيد التنوخي في خلافة الوليد مقياس الجزيرة «وهو أكبرها» [ج٢ ص٣٧٤]. وينقل عن التيفاشي أن المأمون هدم مقياس الجزيرة وأسَّسه ولم يُتمَّه فأتمَّ المتوكل بناءه «وهو الموجود الآن»، وعن صاحب «المرآة» روايةً مخالفة في بانيه [ج٢ ص٣٧٤، ٣٧٦].

وأهمُّ ما في الفصل نصٌّ في دلالة الأذرع اقتصاديًّا، ينقله عن رسالةٍ وجدها في بعض المجاميع: أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص يسأله، فأجابه عمرو: «إني وجدتُ ما تُروى به مصر حتى لا يُقحط أهلها أربعة عشر ذراعًا، والحدُّ الذي يُروى منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنةٍ أخرى ستة عشر ذراعًا، والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان — وهو الظمأ والاستبحار — اثنتا عشرة ذراعًا في النقصان وثماني عشرة ذراعًا في الزيادة»، مشروطًا بأن يكون البلد «محفور الأنهار معقود الجسور» [ج٢ ص٣٧٥]. ثم يذكر أن عمر استشار عليًّا فأمره أن يكتب إليه ببناء مقياسٍ تُزاد فيه الذراع من أربعة وعشرين إصبعًا إلى ثمانية وعشرين حتى الاثنتي عشرة، فتصير الاثنتا عشرة أربع عشرة، والأربع عشرة ستَّ عشرة، والستَّ عشرة ثماني عشرة — «وهي المستقرة الآن» — والغرض المصرَّح به دفع الإرجاف والاحتكار وتصاعد الأسعار بغير قحط [ج٢ ص٣٧٥]. ويذكر أن المتوكل كتب سنة ٢٤٧ ببناء المقياس الجديد الهاشمي بالجزيرة، وأن أمر المقياس كان يتولاه النصارى، فورد كتابه على القاضي بكار بن قتيبة ألا يتولاه إلا مسلمٌ يختاره، فاختار الرداد عبد الله بن عبد السلام المؤدِّب وأجرى عليه الرزق، «وبقي ذلك في ولده إلى اليوم» [ج٢ ص٣٧٥–٣٧٦].

ويوازي ذلك فصل «ذكر البشارة بوفاء النيل»، وهو فصلٌ إنشائيٌّ في الظاهر، إداريٌّ في مضمونه: «جرت العادة كل سنة إذا وفى النيل أن يُرسل السلطان بشيرًا بذلك إلى البلاد لتطمئنَّ قلوب العباد، وهذه عادة قديمة» [ج٢ ص٣٦٦]. ثم يورد نماذج من رسائل القاضي الفاضل ومحيي الدين بن عبد الظاهر والصلاح الصفدي. وفي رسالة ابن عبد الظاهر عبارةٌ تُفصح عن الاصطلاح: «وكانت الستة عشر ذراعًا تسمَّى ماء السلطان، نزلنا وحضرنا مجلس الوفاء المعقود»، مع وصف ركوب السلطان إلى الخليج وكسره بحضرته [ج٢ ص٣٦٨]. وفي حوليات القسم نفسه ترد قياسات الوفاء سنةً بعد سنة: بلغ النيل ستة عشر ذراعًا سواءً سنة ٥١٧ بعد توقُّف؛ وأوفى سنة ٥١٨ بعد النيروز بتسعة أيام وزاد عن الستة عشر أحد عشر إصبعًا لا غير [ج٢ ص٢٨٩]؛ وبلغ سنة ٦٢٨ ستة عشر ذراعًا وثلاثة أصابع، وسنة ٦٢٩ ثمانية عشر ذراعًا وستة أصابع «وتأخَّر نزوله حتى خاف الناس من عدم نزوله فغلا السعر ثم نزل فانحطَّ» [ج٢ ص٢٩٤]؛ وسنة ٦٩٤ ستة عشر ذراعًا وسبعة عشر إصبعًا؛ وسنة ٦٩٦ خمسة عشر ذراعًا وثمانية عشر إصبعًا «ثم نقص ولم يُوفِ» [ج٢ ص٢٩٧–٢٩٨]. وفي سنة ٧٧٥ توقَّف عن الزيادة فاجتمع العلماء والصلحاء بجامع عمرو واستسقوا، وكُسر الخليج تاسع توت عن نقص أربعة أصابع من العادة، ثم نودي بصيام ثلاثة أيام وخرجوا إلى الصحراء مشاةً وخطب شهاب الدين القسطلاني وصلّى صلاة الاستسقاء «وكان يومًا مشهودًا، وابتدأ الغلاء وزادت الأسعار» [ج٢ ص٣٠٤].

ويُتبِع النيلَ بفصولٍ في مواضعه: «ذكر جزيرة مصر وهي المسماة الآن بالروضة»، ينقل فيه عن المقريزي أن كل الجزائر التي في بحر النيل حادثةٌ في الإسلام إلا هذه، وأن المقوقس التجأ إليها لما فُتح القصر [ج٢ ص٣٧٧–٣٧٨]؛ وأن الصناعة — أي دار إنشاء المراكب البحرية — بُنيت بها سنة ٥٤، وهي أول صناعةٍ عُملت بأرض مصر، ثم نُقلت إلى ساحل الفسطاط في شعبان سنة ٣٢٥ وبُني مكانها البستان «المختار» بخمسة آلاف دينار [ج٢ ص٣٧٨–٣٧٩]؛ وأن حصن الجزيرة بناه أحمد بن طولون سنة ٢٦٣ لمّا بلغه مسير موسى بن بغا، لأنه تأمَّل الفسطاط فوجدها «لا تُؤخذ إلا من جهة النيل»، واتخذ مائة مركبٍ حربية [ج٢ ص٣٧٨]. ثم «ذكر خليج مصر»، ينقل عن المقريزي أنه خليجٌ قديم، جُدِّد حفره بإشارة عمر بن الخطاب فحُفر عام الرمادة وكان يصبُّ في بحر القلزم، إلى أن قام محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة فكتب المنصور إلى عامله بمصر أن يطمَّه «حتى لا تُحمل المِيرة من مصر إلى المدينة»، فطُمَّ وانقطع اتصاله ببحر القلزم [ج٢ ص٣٨٧]. ويصحِّح تسميةً شائعة: «والآن تسمِّيه العامة بالخليج الحاكمي، وتزعم أن الحاكم احتفره، وليس بصحيح» [ج٢ ص٣٨٧]. ثم «ذكر الخليج الناصري» الذي حفره الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧٢٥ ليُجري الماء من النيل إلى خانقاه سرياقوس، في مدة شهرين من أول جمادى الأولى إلى سلخ جمادى الآخرة [ج٢ ص٣٨٩]. ثم «ذكر بركة الحبش»، ومداره على وقفها المُثبَت بالاستفاضة عند القضاة سنة ٦٤٠ على الأشراف الأقارب والطالبيين نصفين، وعلى حفر الناصر سنة ٧٤١ خليجًا من النيل إلى حائط الرصد بها وعشر آبارٍ كلُّ بئرٍ أربعون ذراعًا تُركَّب عليها السواقي ليجري الماء إلى القناطر الحاملة إلى القلعة [ج٢ ص٣٩٠].

البساتين والثمار: خاتمة الكتاب

الباب الأخير مختلف الطبيعة عمّا قبله: مادّته الغالبة شعرٌ ووصف، لا حوادثُ ولا أرقام. يبدأ بـ«ذكر ما قيل في الأنهار والأشجار زمن الشتاء والربيع من الأشعار» [ج٢ ص٣٩١]، ثم «ذكر الرياحين والأزهار الموجودة في البلاد المصرية، وما ورد فيها من الآثار النبوية، والأشعار الأدبية والإشارات الصوفية» [ج٢ ص٤٠١]، ثم «ذكر الفواكه» [ج٢ ص٤٢٩]، ثم «ذكر الحبوب والخضروات والبقول» [ج٢ ص٤٤١]. وترتيب كل فصلٍ واحد: يُصدَّر النبات بما ورد فيه من حديثٍ أو أثر، ثم يُتبع بما قيل فيه شعرًا. وفي هذا الباب يظهر السيوطي المحدِّث بوضوح: في «ما ورد في الورد» يقول صراحةً: «رويت فيه أحاديث كلها موضوعة»، ويسوق حديثين في خلق الورد من العرق ليلة المعراج، ثم ينصُّ على أن ابن الجوزي أوردهما في «الموضوعات» وأن ابن عساكر نصَّ على وضع الثاني [ج٢ ص٤٠١]. وفي «ما ورد في الفاغية» — وهي نَوْر الحنّاء — يُخرِج عن البيهقي في «شعب الإيمان» حديثَي بريدة وأنس [ج٢ ص٤٠١]. وحواشي المحقِّق في هذا الباب تُحيل الأبيات في الأغلب إلى «نهاية الأرب» للنويري، وهي إحالاتُه هو لا إحالات السيوطي. ويُلاحَظ أن هذا الباب يخلط الوصف الطبيعي بالمصطلح المحلّي: البطيخ ثلاثة أصناف، هنديّ يُسمّى بمصر الأخضر وبالحجاز الحبحب، وصينيّ يُسمّى بمصر الأصفر، وخراسانيّ يُسمّى بمصر العبدليّ نسبةً إلى عبد الله بن طاهر «فإنه الذي دخل به مصر» [ج٢ ص٤٢٩]. وينتهي التسلسل بالنارنج ثم الليمون، وبقول ابن وحشية: «الليمون والنارنج في الأصل شجر هنديّ» [ج٢ ص٤٤٧]، ثم بأبياتٍ في الليمون آخرها تشبيهه ببيض دجاجٍ لطَّخها العابث بالزعفران، ويعقبها ختام الكتاب: «تم كتاب حسن المحاضرة، ولله الحمد» [ج٢ ص٤٤٨].