أرقام الصفحات بين معقوفتين — على هيئة [ج١ ص٣٣٥] — هي أرقام الجزء والصفحة في المطبوع، لا الترقيم الداخلي للنسخة الإلكترونية. وكل ما يُنسب إلى السيوطي في ما يلي مأخوذ من المتن؛ وما يُنسب إلى المحقق مأخوذ من الحاشية أو من مقدمته، وهما مفصولان في كل موضع.
السيوطيُّ ومقامُه
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة ٩١١ هـ، من الأسماء التي يقاس بها اتساع التأليف في القرن التاسع الهجري. والقياس هنا ممكن بالعدّ لا بالوصف.
كتالوج المكتبة المحلية يقيّد تحت اسمه مائة وتسعة مدخلًا، منها مائة وواحد منزّل على الجهاز فعلًا. والمائة والتسعة ليست مائة وتسعة كتابًا: فيها خمسة مداخل لـ«تاريخ الخلفاء» وحده باختلاف المحققين والطبعات، وثلاثة لـ«ألفية السيوطي نظم الدرر في علم الأثر»، ومدخلان لكل من «الاقتراح في أصول النحو» و«عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد» و«تأخير الظلامة إلى يوم القيامة». فبعد ردّ الطبعات المكررة إلى أصولها يبقى نحو مائة عنوان متمايز — وهي عيّنة مما طُبع ورُقمن، لا ثبت مؤلفاته.
المهم في هذه المائة توزعها لا عددها. فيها التفسير وعلوم القرآن: «الإتقان»، و«الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، و«لباب النقول»، ويقيّد الكتالوج تحت اسمه «تفسير الجلالين». وفيها الحديث ورجاله: «الجامع الصغير وزيادته»، و«جمع الجوامع»، و«تدريب الراوي»، و«طبقات الحفاظ» وذيله. وفيها الفقه: «الأشباه والنظائر»، و«الحاوي للفتاوي». وفيها اللغة: «المزهر»، و«همع الهوامع»، و«بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة». وفيها التاريخ: «حسن المحاضرة»، و«نظم العقيان في أعيان الأعيان». وإلى جانب هذه المطولات عشرات الرسائل التي لا تتجاوز الكراريس: «ذم المكس»، و«ذم القضاء وتقلد الأحكام»، و«بسط الكف في إتمام الصف»، و«التطريف في التصحيف». والرجل نفسه يقول في هذا الكتاب: «وشرعت في التصنيف في سنة ست وستين، وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمائة كتاب سوى ما غسلته ورجعت عنه» [ج١ ص٣٣٨]. ويذكر المحقق في مقدمته أن تلميذه الداودي المالكي عدّها «أنافت على خمسمائة مؤلف»، وأن ابن إياس بلغ بها ستمائة [المقدمة ص٧]؛ وهذان نقلان عن المحقق لا عن المؤلف.
مؤرِّخٌ يترجم لنفسه
في قسم «من كان بمصر من الأئمة المجتهدين» ألف وثمانمائة وأربعة مدخلًا موزعة على ستة عشر باب طبقات، ونصيب المجتهدين منها سبعة وسبعون. والمدخل السابع والسبعون — آخر المجتهدين — عنوانه: «ترجمة مؤلف هذا الكتاب» [ج١ ص٣٣٥].
وموقع الترجمة يسبق مضمونها في الدلالة. المدخل السادس والسبعون قبلها هو سراج الدين البلقيني، ويصفه السيوطي بأنه «مجتهد عصره، وعالم المائة الثامنة» [ج١ ص٣٢٩]. ثم يسوق في الترجمة نفسها خبرًا عن مجدّدي رؤوس المئين ويعقّب عليه بصوته: «قلت: ومن اللطائف أن شرط المبعوثين على رءوس القرون مصريون: عمر بن عبد العزيز في الأولى، والشافعي في الثانية، وابن دقيق العيد في السابعة، والبلقيني في الثامنة؛ وعسى أن يكون المبعوث على رأس المائة التاسعة من أهل مصر» [ج١ ص٣٢٩]. وتلي هذا مراثٍ في البلقيني، منها قصيدة لابن حجر، ثم تبدأ ترجمته هو مباشرة. فالدعوى لم تُقَل، وإنما رُتِّبت.
ويفتتح السيوطي ترجمته بتبرير منهجي لا بمدح: «وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي، فقل أن ألف أحد منهم تاريخًا إلا وذكر ترجمته فيه»، ويعدّ من أسلافه في ذلك عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، ولسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة، وابن حجر في قضاة مصر، وأبا شامة في «الروضتين» [ج١ ص٣٣٦].
ثم يسوق سيرة مضبوطة بالتواريخ: مولده «بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة»، ونشأته يتيمًا، وحفظه القرآن دون الثامنة، ثم «العمدة» و«منهاج» الفقه والأصول وألفية ابن مالك، وابتداء اشتغاله بالعلم سنة ٨٦٤، وإجازته بتدريس العربية سنة ٨٦٦، وأول تأليف له في السنة نفسها [ج١ ص٣٣٦]. وإفتاؤه من سنة ٨٧١، وإملاؤه الحديث من ٨٧٢ [ج١ ص٣٣٨]. وفي النسبة نفسها يقف موقف من لا يعرف: «وأما نسبتنا بالخضيري، فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة إلا بالخضيرية، محلة ببغداد» [ج١ ص٣٣٦].
وأصرح ما يدّعيه لنفسه فقرة واحدة: «ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع؛ على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة. والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي؛ فضلًا عمن هو دونهم». ويستثني الفقه صراحة: «وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه؛ بل شيخي فيه أوسع نظرًا، وأطول باعًا» [ج١ ص٣٣٨]. ويرتّب ما دون السبعة درجات: أصول الفقه والجدل والتصريف، ثم الإنشاء والتوسل والفرائض، ثم القراءات «ولم آخذها عن شيخ»، ثم الطب؛ ويقر بعجز تام في واحد: «وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني؛ وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلًا أحمله» [ج١ ص٣٣٩].
ويجيء التصريح بالاجتهاد ملفوفًا في استعارة: «وقد كملت عندي الآن آلات الجهاد بحمد الله تعالى؛ أقول ذلك تحدثًا بنعمة الله تعالى لا فخرًا»، ويتبعها بأنه لو شاء لكتب في كل مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية والموازنة بين المذاهب فيها «لقدرت على ذلك من فضل الله» [ج١ ص٣٣٩]. وقبل ذلك يذكر أنه شرب من ماء زمزم لأمور «منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر» [ج١ ص٣٣٨].
وفي الترجمة موضعان يوازنان هذه النبرة. الأول قصة مع شيخه تقي الدين الشبلي: عزا الشبلي حديثًا إلى تخريج ابن ماجه، فبحث عنه السيوطي في «ابن ماجه» ثلاث مرات فلم يجده، ووجده في «معجم الصحابة» لابن قانع، فأخبره؛ فأخذ الشيخ نسختَه وضرب على لفظ ابن ماجه وألحق ابن قانع. ويصف السيوطي شعوره: «فأعظمت ذلك وهبته لعظم منزلة الشيخ في قلبي، واحتقاري في نفسي» [ج١ ص٣٣٧–٣٣٨]. والثاني تركه المنطق: «وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئًا في علم المنطق، ثم ألقى الله كراهته في قلبي. وسمعت أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك» [ج١ ص٣٣٩].
وتنتهي الترجمة بست صفحات هي ثبت مصنفاته موزعة على فنون: التفسير والقراءات، ثم الحديث، ثم الفقه والأجزاء المفردة، ثم العربية، ثم الأصول والبيان والتصوف، ثم التاريخ والأدب [ج١ ص٣٣٩–٣٤٤]. وضمن قسم التاريخ يعدّ هذا الكتاب نفسه بعبارة «تاريخ مصر هذا» [ج١ ص٣٤٤]. فالترجمة في جملتها عشر صفحات، ثلث منها سيرة وثلثاها ببليوغرافيا.
ويبقى موضع أخير يستحق التسجيل: آخر مداخل المعجم كله — المدخل الثاني والتسعون من الشعراء والأدباء — هو الشيخ شمس الدين القادري الدنجاوي [ج١ ص٥٧٤]، وقصيدته المثبتة تحته مديح في السيوطي نفسه، فيها: «إمام اجتهاد عالم العصر عامل»، و«فحق له دعوى اجتهاد لأنه هو البحر علمًا زاخر اللج مزبد»، ثم تعداد لآلات الاجتهاد بيتًا بيتًا [ج١ ص٥٧٦]. فالمعجم يفتتح بالصحابة ويختم بقصيدة معاصر تقرر لمؤلفه ما تحفّظ هو في تقريره لنفسه.
كتابٌ في أربعة أنواعٍ من الكتابة
يسمي السيوطي كتابه في مقدمته «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» [ج١ ص٣] — بلفظ «أخبار»، لا «تاريخ» كما في عنوان المطبوع. ويصرح بغرضه: «وأوردت فيه فوائد سنية، وغرائب مستعذبة مرضية، تصلح لمسامرة الجليس، وتكون للوحدة نعم الأنيس» [ج١ ص٣]. وهذا التصريح يفسر بنية لا تنتظم على محور واحد.
الكتاب في حقيقته أربعة كتب مجلّدة معًا. أولها كتاب فضائل: ما ورد في مصر في القرآن والحديث والآثار، مرتبًا على ثلاث درجات من الحجية يفصلها المؤلف بعناوين صريحة. وثانيها كتاب أخبار سردية: مصر القديمة، والأهرام، والإسكندرية، ثم الفتح والخطط والأحداث. وثالثها — وهو أضخمها — معجم تراجم في ستة عشر باب طبقات يستغرق من [ج١ ص١٧١] إلى [ج١ ص٥٧٧]. ورابعها كتاب خطط وإدارة: سلاسل الولاة والقضاة والوزراء وكتّاب السر، ثم الجوامع والمدارس والخوانق، ثم حوليّة «الحوادث الغريبة»، ثم النيل ومقياسه وخلجانه، ثم البساتين والرياحين والفواكه والبقول. ويختم الكتاب بأبيات في الليمون ثم بقوله: «تم كتاب حسن المحاضرة» [ج٢ ص٤٤٨].
وهذه الأربعة لا تُقرأ بطريقة واحدة. الأول ترتيبه حجاجي والثاني ترتيبه زمني، فيُقرآن متتابعين. والثالث لا يُقرأ متتابعًا أصلًا: هو أداة استخراج تُقصد فيها المداخل قصدًا. والرابع خليط: سلاسل الولاة تُراجَع، وفصول النيل والبساتين تُقرأ للمتعة. ومن أراد الكتاب من أوله إلى آخره على التوالي سيمر بأربعمائة صفحة من التراجم المرقمة بين باب الفتح وباب الولاة.
المعجمُ بوصفه أداة
المعجم ألف وثمانمائة وأربعة مدخل: الصحابة ٣٥٣، والتابعون وأتباعهم ٢٧٢، والمجتهدون ٧٧، وحفاظ الحديث ١٠٢، والمحدثون ١٨٥، والشافعية ٢٠٢، والمالكية ٩٢، والحنفية ٥٨، والحنابلة ٢١، والقراء ١٣٥، والصلحاء والصوفية ٩١، والنحو واللغة ٢٩، وأرباب المعقولات والأطباء ٥٥، والوعاظ ١٣، والمؤرخون ٢٧، والشعراء ٩٢.
وهذه مداخل لا أشخاص. فأول ثلاثة مداخل في باب الحفاظ هي: «أبو ذر، عبد الله بن عمرو بن العاص، عقبة بن عامر الجهني؛ الثلاثة صحابة؛ ذكرهم الذهبي في طبقات الحفاظ؛ وقد مروا» [ج١ ص٣٤٥]، وليس فيها كلمة واحدة زائدة على الإحالة. فالرقم يقيس مواضع الإدراج لا الرؤوس.
والفرق بين هذا وبين الحوليّة هو الفرق بين ما يمكن سؤاله وما لا يمكن. الحوليّة تجيب عن «ماذا جرى سنة كذا». والمعجم يجيب عن أسئلة من نوع آخر: من دخل مصر من الصحابة، وكم بلغوا؛ وأي المذاهب كان له بمصر فقهاء وأيها لم يكن — والجواب في الأرقام نفسها: الشافعية مائتان واثنان والحنابلة واحد وعشرون؛ وهل كان بمصر أطباء ومنجمون وأرباب معقولات، والجواب خمسة وخمسون مدخلًا في باب واحد. وتزداد الأداة نفعًا بأن الرجل الواحد قد يرد في أكثر من باب بإحالة صريحة إلى موضعه الأول، فتقرأ من خلال هذه الإحالات كيف يصنف المؤلف الشخص الواحد.
وفي المداخل نفسها نظام رموز مأخوذ من كتب الرجال لا من كتب التاريخ: «ع» و«الأربعة» و«م، ن، ت» و«ك» تلحق بالاسم لتدل على من خرّج له [ج١ ص٢٩٥، ٣٤٥]. فالمعجم يعمل بجهاز محدّثين داخل تاريخ محلي.
ولغة المداخل تتدرج بحسب قرب المترجَم من المؤلف. الطبقات الأولى تُكتب بسطر أو سطرين على طريقة «تقريب التهذيب»: اسم، وشيوخ، وتلاميذ، وسنة وفاة. والمعاصرون يُكتبون بالسجع المطول: آخر مداخل الحنابلة هو شيخه عز الدين أبو البركات، ويُوصف بأنه «سهل الباب، عديم الحجاب، خشن الأثواب، لين الخطاب، للدنيا به فخار، وللكسير به انجبار» [ج١ ص٤٨٤]. والمدخل الثامن والتسعون بعد المائة من الشافعية عنوانه «والدي» [ج١ ص٤٤١].
وتاريخ المعجم نفسه مسجّل في المتن. في ختام باب الصحابة: «هذا آخر الكتاب. وقال الحافظ الشمس الداوردي تلميذ المؤلف: قال مؤلفه رحمه الله تعالى: فرغت من تحريره يوم الأحد مستهل المحرم سنة ثمان وثمانين وثمانمائة» [ج١ ص٢٥٤]. ثم جرى تحديث القوائم بعد ذلك: في سلسلة كتّاب السر يقول عن الشاغل الأخير «فاستمر إلى الآن عامله الله بألطافه»، ثم يلحق سطرًا: «ثم توفي في سادس رمضان سنة ثلاث وتسعين، وولي ولده القاضي بدر الدين» [ج٢ ص٢٣٦]. فالكتاب طبقتان: تحرير أول سنة ٨٨٨، وزيادات بعده إلى ٨٩٣ على الأقل.
مصادرُه
السيوطي جامع متأخر بإقراره، ويعلن خزانته قبل أن يبدأ. قائمة المصادر في المقدمة تشغل صفحتين وتضم قرابة ثلاثين عنوانًا [ج١ ص٣–٤]، فيها الكتب المصرية المحلية — «فتوح مصر» لابن عبد الحكم، و«فضائل مصر» لأبي عمر الكندي، و«تاريخ مصر» لابن زولاق، و«الخطط» للقضاعي، و«تاريخ مصر» لابن ميسر، و«الخطط» للمقريزي — وكتب الطبقات العامة للذهبي وابن حجر والسبكي والإسنوي وابن فرحون وابن دقماق، وكتب أدبية كـ«سجع الهديل في أخبار النيل» للتيفاشي و«ثمار الأوراق» لابن حجة.
والقائمة تصدق على النص. النقول موزعة بحسب الباب توزعًا منتظمًا:
- ابن عبد الحكم عمود باب الآثار وباب الأهرام. عنوان «ذكر الأهرام» يفتتح بـ«قال ابن عبد الحكم: في زمان شداد بن عاد، بنيت الأهرام» [ج١ ص٧٠]، ويرد في خاتمة باب الصحابة: «وأخرج ابن عبد الحكم، عن سليمان بن يسار» [ج١ ص٢٥٤].
- أبو عمر الكندي مصدر الفضائل والعجائب وألقاب الملك: «قال الكندي» في أمر يوسف [ج١ ص١٠]، وفي سحرة موسى [ج١ ص٥٩]، و«قال الكندي وابن زولاق: كان بمصر هرمس، وهو إدريس» [ج١ ص٦٠]، و«قال الكندي» في ما يلقب به ملك مصر [ج٢ ص١٢٦].
- ابن يونس المرجع الأول في باب الصحابة تحديدًا: «قال ابن يونس: له ذكر فيمن دخل مصر» [ج١ ص١٦٨]، و«قال ابن يونس: له صحبة، شهد فتح مصر» [ج١ ص١٧٤]، و«ذكره ابن يونس وقال: شهد فتح مصر» [ج١ ص١٧٨].
- القضاعي يُستدعى باسم كتابه في مسائل الخطط: «قال القضاعي في الخطط» [ج١ ص١٧٠]، وله فصل مفرد لخّص فيه قصة فتح مصر [ج١ ص١٢٧ وما بعدها].
- المقريزي مصدر الجزء الطبوغرافي كله تقريبًا. يظهر في الجوامع والمدارس متواليًا: «قال المقريزي» في دار الحديث الكاملية [ج٢ ص٢٦٢]، وفي الصالحية [ج٢ ص٢٦٣]، وفي الناصرية [ج٢ ص٢٦٥]، وفي مدرسة السلطان حسن [ج٢ ص٢٦٩]؛ ثم في النيل والجزيرة: «قال المقريزي: اعلم أن الروضة تطلق في زماننا على الجزيرة التي بين مدينة مصر وبين مدينة الجيزة» [ج٢ ص٣٧٧]، وفي الخليج [ج٢ ص٣٨٦]. ويظهر مرة في تراجم الخلفاء العباسيين بالقاهرة [ج٢ ص٨٤].
- ابن حجر يرد بوصفه ناقلًا ومصدرًا معًا: «قال ابن حجر» في ترجمة القفصي المالكي [ج١ ص٤٦١]، وفي خبر عن الجامع الأزهر [ج٢ ص٣٠٩]، وله قصيدة في رثاء البلقيني مثبتة بتمامها [ج١ ص٣٣٠ وما بعدها].
وهذا التوزيع هو نفسه معلومة. الرجل لا يخلط مكتبته: يستعمل ابن يونس حيث الصحابة، وابن عبد الحكم حيث الفتح والعجائب، والمقريزي حيث الحجر والبناء.
وقيمة الكتاب من هذه الجهة قيمة وعاء، ويمكن قياسها بما تتيحه المكتبة المحلية نفسها. «فتوح مصر والمغرب» لابن عبد الحكم و«فضائل مصر وأخبارها وخواصها» لابن زولاق كلاهما مقيّد في الكتالوج، فنقل السيوطي عنهما قابل للمقابلة بالأصل. أما «فضائل مصر» لأبي عمر الكندي، و«تاريخ مصر» لابن ميسر، و«الولاة والقضاة» للكندي الذي يحيل إليه المحقق في حواشيه، فلا يعطي الكتالوج لأي منها مدخلًا؛ وما ينقله السيوطي عنها هو ما في متناول قارئ هذه المكتبة منها.
الطبعةُ والمحقِّق
صدر الملف يثبت: المحقق محمد أبو الفضل إبراهيم، والناشر دار إحياء الكتب العربية — عيسى البابي الحلبي وشركاه — مصر، والطبعة الأولى ١٣٨٧ هـ / ١٩٦٧ م، وعدد الأجزاء اثنان، والترقيم موافق للمطبوع. وتوقيع المحقق في ذيل مقدمته مؤرخ بـ«يناير سنة ١٩٦٨م» [المقدمة ص٨]. أما كتالوج المكتبة نفسه فلا يخزّن حقلي المدينة ورقم الطبعة أصلًا؛ وما ورد أعلاه مأخوذ من صفحة العنوان في الملف لا من الكتالوج.
والمحقق يذكر منهجه صراحة. اتخذ أصلًا نسخة خطية بالمكتبة التيمورية بدار الكتب برقم ٢٣٩٤ تاريخ — تيمور، تمت كتابتها في رجب سنة ٩٧٧ هـ، في ٤٦٥ صفحة، في كل صفحة نحو ٣٥ سطرًا؛ وقابل عليها مطبوعتين رمز إليهما بـ«ط» (مطبعة الوطن) و«ح» (طبعة الحجر بمصر)، وعدّد قبلهما ست طبعات سابقة يشيع فيها التصحيف [المقدمة ص٦]. ثم قال في منهجه: «وقد جعلت من منهجي في هذا الكتاب ألا أسرف في التعليق، أو أستطرد في الشرح والتفسير، إلا بالقدر الذي يعين على فهم النص وبه تستقيم العبارات» [المقدمة ص٦].
وهذا القرار مرئي في الصفحات. الحواشي تتكثف حيث يوجد نص منقول يمكن مقابلته: في باب الصحابة تتلاحق الإحالات إلى «الإصابة» بالجزء والصفحة سطرًا بعد سطر [ج١ ص١٦٨، ١٧٠، ١٧٤]؛ وفي طبقات المجتهدين والحفاظ إلى «تقريب التهذيب» و«تهذيب التهذيب» و«العبر» و«الولاة والقضاة» للكندي [ج١ ص٢٩٥، ٣٤٥]؛ وفي تراجم المتأخرين إلى «الضوء اللامع» و«شذرات الذهب» [ج١ ص٤٤٠، ٥٧٣]؛ وفي باب الحوادث إلى الطبري و«النجوم الزاهرة» [ج٢ ص٢٧٤]؛ وفي أبواب المدارس إلى «المقريزي» بالجزء والصفحة، مع إثبات فروق ألفاظه [ج٢ ص٢٦٣، ٢٦٥]. وحيث لا نص يُقابَل تخلو الصفحة من حاشية واحدة: ترجمة المؤلف لنفسه وثبت مصنفاته — عشر صفحات متصلة [ج١ ص٣٣٥–٣٤٤] — بلا تعليق البتة، وكذلك صفحات الشعر الطوال قبلها. فالجهاز ليس ناقصًا على غير قصد؛ هو منضبط بقاعدة أعلنها صاحبه، ونتيجتها أن أشد فصول الكتاب حاجة إلى تحقيق خارجي هو أقلها تعليقًا.
وفي الحواشي تصويبات نافعة بعضها يمس الفهم لا الرسم: تمييز أبي عمر الكندي المؤرخ المصري من «الكندي الفيلسوف» [ج١ ص١٠]، وتصويب اسم في متن المجتهدين مع إحالة القارئ إلى الجزء الثاني [ج١ ص٢٩٥]. وهذه كلها كلام المحقق، لا كلام السيوطي.
وفي المتن نفسه إحالة معلقة لم أقف على وفائها: يقول السيوطي عن جده الأعلى همام الدين «وسيأتي ذكره في قسم الصوفية» [ج١ ص٣٣٦]، والبحث في نص هذه الطبعة لا يعطي له ترجمة في باب الصلحاء والزهاد والصوفية؛ والموضع الوحيد الآخر الذي يرد فيه اسم قريب هو همام بن أحمد الخوارزمي في باب أرباب المعقولات [ج١ ص٥٤٨]، وهو رجل آخر. أما الوعد الثاني — ترجمة والده في قسم الشافعية — فموفًّى [ج١ ص٤٤١].
كيف تقرأ هذا الكتاب اليوم
الكتاب ليس مقروءًا من الغلاف إلى الغلاف إلا لمن يريد أن يعرف كيف كان رجل من القرن التاسع يجمع بلده كلها في مجلدين. ولمن يقرؤه لغرض، الطريق مختلف بحسب الغرض.
من جاءه لتاريخ مصر السياسي فليبدأ من سلاسل الولاة والقضاة والوزراء وكتّاب السر [ج٢ ص٣ وما بعدها]، ومن حوليّة «الحوادث الغريبة» [ج٢ ص٢٧٤ وما بعدها]؛ وهي تفتتح بسنة ٣٤ للهجرة وتمضي بالسنين على الغلاء والوباء والزلازل. ومن جاءه لتاريخ العمران فليقصد الجوامع والمدارس والخوانق والنيل [ج٢ ص٢٤١–٣٩٠]، مع العلم بأن أكثر المادة هناك مقروءة من المقريزي بتصريح.
ومن جاءه للتراجم فليعامل المعجم معاملة الأداة: يدخله من الباب لا من أوله، ويتذكر أن المدخل قد يكون إحالة مجردة، وأن الرجل الواحد قد يتكرر في بابين.
وفي كل موضع يلزم التمييز بين ثلاث طبقات من الكلام: متن السيوطي، ونقله عن غيره وهو مصرّح به في الغالب، وحاشية المحقق. الأولى تحتمل الاعتراض، والثانية تُردّ إلى أصولها حيث بقيت، والثالثة عمل ١٩٦٧ لا عمل ٩١١.
وأما ترجمة المؤلف لنفسه فتُقرأ على حدة، وثيقةً لا فصلًا من الكتاب. هي شهادة رجل على نفسه، غير مُصدَّقة بحواشٍ ولا مقابَلة بمصدر مستقل في هذه الطبعة، وموضوعة في المدخل الذي يلي مدخل مجدّد القرن الثامن مباشرة. ومن قرأها مع خاتمة المعجم — قصيدة القادري التي تقرر له الاجتهاد بالنص [ج١ ص٥٧٦] — رأى الكتاب يصنع لصاحبه مقامًا داخل مادته نفسها. والتسجيل هنا أنفع من الحكم: هذا ما قاله، وهذا موضع قوله، وهذا ما قاله فيه معاصر أثبته هو بيده.