Jalāl al-Dīn al-Suyūṭī · Ḥusn al-Muḥāḍara · A Reader's Companion

معاجمُ مَن حلَّ بمصر

القسم الثاني

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)

١٨٠٤ مدخلاً في ست عشرة طبقة — من الصحابة والتابعين إلى الفقهاء والقرّاء والصوفية والأطبّاء والشعراء — وفيها ترجمةُ السيوطي لنفسه بين المجتهدين، ثمّ سلاسلُ الولاة والقضاة.

ابدأ

القسم الثاني من «حسن المحاضرة» ليس سردًا لحوادث، بل سجلٌّ. يبتدئ عند قول السيوطي «ذكر من دخل مصر من الصحابة» وينتهي عند آخر ترجمةٍ في كتّاب السرّ، ويمتدّ في المطبوع من [ج١ ص١٦٦] إلى [ج٢ ص٢٣٦]، أي نحو ستّمائة وثمانين صفحة، تنقسم قسمين متمايزَي الصنعة: معاجم مَن حلَّ بمصر، وهي ستّ عشرة طبقةً مرقّمة ترقيمًا متسلسلًا داخل كلّ طبقة، تبلغ في جملتها ١٨٠٤ مداخلَ مرقّمة (والعدد عدد المداخل لا عدد الأشخاص، لأنّ الرجل يتكرّر في أكثر من طبقة ويُحال عليه بقوله «مرَّ» أو «مرُّوا»)؛ ثم سلاسل الولاة والقضاة ونحوهم، وهي إحدى عشرة سلسلةً في الأمراء والخلفاء والسلاطين والقضاة والوزراء وكتّاب السرّ. والأرقام الآتية نوعان: ما أخذتُه من فهرس الكتاب، وأنصُّ عليه؛ وما عددتُه من ترقيم السيوطي نفسه في الصفحات التي قرأتها. والإحالات كلّها إلى صفحات المطبوع بصيغة [ج… ص…]. وأفرّق في كلّ موضع بين المتن والحاشية، فما جاء في الحاشية فهو كلام المحقّق لا كلام السيوطي.

صحابةٌ دخلوا مصر: كتابٌ داخل كتاب

يفتتح السيوطي القسم بإفصاحٍ عن مصدره وصنيعه. يقول إنّ محمد بن الربيع الجيزي ألّف في ذلك «كتابًا في مجلد، ذكر فيه مائة ونيّفًا وأربعين صحابيًّا، وقد فاته مثل ما ذكر أو أكثر»، وإنّه ألّف تأليفًا استوعب فيه ما ذكره الجيزي وزاد عليه «من تاريخ ابن عبد الحكم، وتاريخ ابن يونس، وطبقات ابن سعد، وتجريد الذهبي وغيرها؛ فزاد في العدّة على ثلاثمائة»، ثم يسوق كتابه برمّته: «درّ السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة» [ج١ ص١٦٦]. فهذا كتابٌ مستقلّ أُدرج في التاريخ إدراجًا، له ديباجته وخاتمته وتاريخ فراغه.

وقد صرّح بخطّته: يلخّص كتاب الجيزي، ويضمّ إليه ما فاته «مرفوعًا عليه صورة ك»، ويرتّبه على حروف المعجم، «فأذكر الاسم والكنية واللقب، واسم الأب والجدّ والنسب والسنّ والوفاة، وما تفرّد الصحابيّ بروايته، وقد أُورِد نادرة، أو غريبة، أو كرامة» [ج١ ص١٦٦]. والمداخل مرقّمة من ١ إلى ٣٥٣، آخرها سودة بنت أبي ضبيس الجهنيّة [ج١ ص٢٥٤]. وفهرس الكتاب يقسم هذه الطبقة إلى إحدى وثلاثين ترجمةً فرعيّة: سبعة وعشرون بابًا على حروف المعجم (بينها «حرف لا» لِلاحب بن مالك البلوي)، ثم باب الكنى وباب المبهمات وباب النساء، ثم تنبيهٌ في شأن المقوقس.

والترجمة الواحدة قصيرة بنيتها ثابتة: اسمٌ ونسبٌ وضبطُ ما يُشكل، ثم شهادة الفتح أو الخطّة، ثم من أخرج حديثه، ثم الوفاة. المدخل الثاني نموذج تامّ: «أبيض بن حمال ــ بالحاء المهملة ــ بن مرثد بن ذي لحيان ــ بضمّ اللام ــ المأربي السبئي. قال ابن الربيع الجيزي: أخبرني يحيى بن عثمان أنه شهد فتح مصر. قال البخاري وابن السكن: له صحبة وأحاديث تعدّ في أهل اليمن»، ثم روايته في السنن الأربعة وابن حبان، ثم الكرامة [ج١ ص١٦٧]. ومن أفيد ما فيه للمؤرّخ ما يُلحق بالاسم من موضعٍ في الأرض: «أجمد بن عجيان… شهد فتح مصر؛ ذكره ابن يونس، وقال: لا أعلم له رواية، وخطّته معروفة بجيزة مصر» [ج١ ص١٦٨]. رجلٌ لا رواية له، وإنّما بقي منه اسمُ خطّة. وتطول الترجمة حيث يتعدّد النقل ويختلف، فيوازن بين ابن الربيع والتهذيب في وفاة عبادة بن الصامت [ج١ ص٢١١].

وباب النساء (٣٤٧–٣٥٣) كاشفٌ عن قاعدة الضمّ. مارية القبطية «من أهل حفن من كورة أنصنا» وسيرين أختها ترجمتان مستوفاتان [ج١ ص٢٥٢–٢٥٣]، أمّا أمّ ذرّ وفاضلة الأنصارية وسودة فتدخل الكتاب باستنباطٍ يصرّح به: «قلت: فالظاهر أنها كانت معه» [ج١ ص٢٥٣–٢٥٤]. فالحضور بمصر يُثبت هنا بالقرينة لا بالنصّ. ويقابل هذا التوسّعَ ضبطٌ في الجهة الأخرى: التنبيه على المقوقس، «وأورده الذهبي في التجريد، قال: ولا مدخل له في الصحابة فما زال نصرانيًّا»؛ ثم يقفل الكتابَ بتاريخ الفراغ منقولًا عن تلميذه الشمس الداوردي: «فرغت من تحريره يوم الأحد مستهلّ المحرم سنة ثمان وثمانين وثمانمائة» [ج١ ص٢٥٤]. وحواشي المحقّق هنا كثيفة، وهي نوعان: إحالةٌ على «الإصابة» بالجزء والصفحة، وتصحيحُ فروق النسخ ــ «ط: المازني، تحريف» [حاشية ج١ ص١٦٧].

التابعون وأتباعهم: سجلٌّ برموز الكتب الستّة

بعد الصحابة أربع طبقاتٍ يجمعها ترقيمٌ واحد متّصل من ١ إلى ٢٧٢، من [ج١ ص٢٥٥] إلى [ج١ ص٢٩٤]. عددتُ من ترقيم المتن حدودَها: «مشاهير التابعين الذين رووا الحديث» ١–٧٠؛ «من صغار التابعين طبقة قتادة والزهري» يفتتح بالمدخل ٧١ [ج١ ص٢٦٥]؛ «طبقة أخرى أصغر من التي قبلها وهي طبقة الأعمش وأبي حنيفة» يفتتح بالمدخل ١٢٢ [ج١ ص٢٧٢]؛ «مشاهير أتباع التابعين الذين خرَّج لهم أصحاب الكتب الستة من أهل مصر» يفتتح بالمدخل ١٧٠ [ج١ ص٢٧٩].

والترجمة هنا أقصر ما تكون وأشدّ نمطيّة: اسمٌ ونسبةٌ وكنية، ثم رمزُ من أخرج له، ثم «عن فلان» و«عنه فلان»، ثم كلمةُ توثيقٍ أو تجريح، ثم سنة الوفاة. مثاله: «حرملة بن عمران التجيبي أبو حفص المصري، م، د، ن، هـ. جدّ حرملة ابن صاحب الشافعي. عن عبد الرحمن بن شماسة، وعنه المبارك وابن وهب. وثّقه أحمد ويحيى» [ج١ ص٢٧٢]. وقد تجتمع الروايةُ والولاية في سطرين: «حفص بن الوليد بن سيف الحضرمي… أمير مصر. عن الزهري، وعنه الليث. استُشهد بمصر في شوال سنة ثمان وعشرين ومائة» [ج١ ص٢٧٣]. ويقفل السيوطي هذه الطبقات بجملةٍ تحدّد غرضها: «قلت: قد استوفيت في هذين الفصلين مع ما سيأتي رجال الكتب الستة ومسند أحمد من أهل مصر» [ج١ ص٢٩٤].

وعند أوّل الطبقة حاشيةٌ طويلة للمحقّق يشرح فيها الرموز نقلًا عمّا أورده السيوطي في صدر «الجامع الصغير»، ويذكر أنّها «وُضعت في النسخة المخطوطة، الأصل، فوق العَلَم المترجَم له»، وأنّه وضعها في هذه الطبعة بين قوسين، وأنّها «لم تُوضع إطلاقًا في جميع النسخ المطبوعة من قبل» [حاشية ج١ ص٢٥٥]. هذا كلام المحقّق عن صنيعه في الطبعة.

الأئمة المجتهدون، وترجمة المؤلف لنفسه

طبقة «من كان بمصر من الأئمة المجتهدين» من [ج١ ص٢٩٥] إلى [ج١ ص٣٤٤]، وترقيمها يبتدئ من جديد: ١–٧٧. وأوّلها سليم بن عتر التجيبي، وترجمته أنموذجٌ لما تحمله الترجمة من أوائل ووظائف: «قاضي مصر وقاصّها وناسكها. من الطبقة الأولى من التابعين… وهو أوّل من قصّ بمصر سنة ثلاثين، وولّاه معاوية القضاء بها سنة أربعين، فأقام قاضيًا عشرين سنة. وهو أوّل من أسجل بمصر سجلًّا في المواريث. مات بدمياط سنة خمس وسبعين»، والمحقّق يحيل في الحاشية على «الولاة والقضاة» للكندي. وفي المدخل الرابع رقمٌ ماليّ: عبد الرحمن بن حجيرة قاضي مصر «كان عبد العزيز بن مروان يرزقه في السنة ألف دينار فلا يدّخرها» [ج١ ص٢٩٥].

والمدخل السابع والسبعون ــ خاتمة الطبقة ــ «ترجمة مؤلّف هذا الكتاب»، يسوق فيها نسبه إلى الشيخ همام الدين الخضيري الأسيوطي [ج١ ص٣٣٥]، ثم يعتذر عن إيرادها بسابقةٍ يعدّدها: «اقتداءً بالمحدّثين قبلي، فقلّ أن ألّف أحدٌ منهم تاريخًا إلا وذكر ترجمته فيه؛ وممّن وقع له ذلك… عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، ولسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة… وابن حجر في قضاة مصر، وأبو شامة في الروضتين» [ج١ ص٣٣٦]. ثم يذكر مولده «ليلة الأحد مستهلّ رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة»، وحفظه القرآن ولـه «دون ثماني سنين»، وإجازته بتدريس العربية مستهلّ سنة ٨٦٦ [ج١ ص٣٣٧]، وأنّ مشايخه في الرواية «نحو مائة وخمسين»، وأنّ الحساب «أعسر شيء عليّ وأبعده عن ذهني» [ج١ ص٣٣٩]، ثم يقفل بقائمة مصنّفاته موزّعةً على الفنون، ومنها التاريخ: «طبقات الحفاظ، طبقات النحاة… تاريخ الخلفاء، تاريخ مصر هذا، تاريخ سيوط، معجم شيوخي الكبير يسمّى حاطب ليل وجارف سيل» [ج١ ص٣٤٤]. وتمتدّ هذه الترجمة نحو عشر صفحاتٍ بلا حواشٍ للمحقّق البتّة: الصفحات [ج١ ص٣٣٦] و[ج١ ص٣٣٩] و[ج١ ص٣٤٤] خاليةٌ من التعليق تمامًا. فالجهاز التحقيقيّ يعمل حيث يوجد نصٌّ منقول يُقابَل عليه، ويسكت حيث يتكلّم المؤلف عن نفسه.

الحفّاظ، ومن دونهم من المحدّثين

طبقة «حفّاظ الحديث» من [ج١ ص٣٤٥] إلى [ج١ ص٣٦٦]، وعددتُ ترقيمها ١–١٠٢. وهي تفتتح بضمّ أرقامٍ في سطرٍ واحد إحالةً على ما مضى: «١، ٢، ٣ ــ أبو ذرّ، عبد الله بن عمرو بن العاص، عقبة بن عامر الجهني؛ الثلاثة صحابة… وقد مرّوا» [ج١ ص٣٤٥]. وهذا الصنيع ــ المدخلُ المرقّم الذي لا ترجمة له بل إحالة ــ يتكرّر في عامّة الطبقات، وهو سبب فارق العدد بين المداخل والأشخاص. ومن تراجمها الأعرج عبد الرحمن: «أوّل من برز في القرآن والسنن… خرج إلى الإسكندرية، فأدركه أجله بها» [ج١ ص٣٤٥].

وخاتمة الطبقة المدخل ١٠٢: ابن حجر، «انتهت إليه الرحلة والرياسة في الحديث في الدنيا بأسرها»، وتُعدَّد كتبه، «وأملى أكثر من ألف مجلس؛ توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وخُتم به الفنّ» [ج١ ص٣٦٣–٣٦٤]. ثم يورد خبرًا سمعه: «حدّثني الشهاب المنصوري شاعر العصر أنه حضر جنازته، فأمطرت السماء على نعشه… ولم يكن زمان مطر»، ثم مرثيةً للشهاب الحجازي تستغرق صفحتين كاملتين [ج١ ص٣٦٤–٣٦٦] بلا حاشيةٍ واحدة. فالشعر جزءٌ من نسيج السجلّ لا زينةٌ خارجة عنه.

وتليها طبقة «المحدّثين الذين لم يبلغوا درجة الحفظ والمنفردين بعلوّ الإسناد» [ج١ ص٣٦٧–٣٩٧]، وترقيمها ١–١٨٥، ومداخلها أشدّ اقتضابًا، مدارها على شيخٍ عالٍ وسنة وفاةٍ وسنّ. ومن نوادرها المدخل التاسع: أبو جعفر بن مسلم بن قتيبة الدينوري «حدّث بكتب أبيه كلّها من حفظه بمصر، ولم يكن معه كتاب، وهي إحدى وعشرون مصنّفًا»، وولي قضاء مصر «شهرين ونصف شهر» [ج١ ص٣٦٨]. وحواشي المحقّق تنتقل هنا إلى «العبر» و«الدرر الكامنة»، تبعًا لانتقال الزمن.

الفقهاء على المذاهب الأربعة

هذا أضخم ما في القسم، وأدلّه على تركيب الطبقة العلميّة بمصر، لأنّ السيوطي يفرد لكلّ مذهبٍ طبقةً مستقلّة يرقّمها من واحد. وعددتُ من ترقيم المتن: الشافعية ٢٠٢ [ج١ ص٣٩٨–٤٤٥]، المالكية ٩٢ [ج١ ص٤٤٦–٤٦٢]، الحنفية ٥٨ [ج١ ص٤٦٣–٤٧٩]، الحنابلة ٢١ [ج١ ص٤٨٠–٤٨٤]. والنسبة بين الأربعة ــ لا العدد المجرّد ــ هي الفائدة.

وطبقة الشافعية تفتتح بأصحاب الشافعي وذوي قرابته، وفيها المدخل الثاني عشر: «أخت المزني، كانت تحضر مجلس الشافعي، ونقل عنها الرافعي في الزكاة». وفيها خبرٌ في انتقال المذاهب بين الأمصار: أبو زرعة الدمشقي «ولي قضاء مصر عن أحمد بن طولون… ثم ولي قضاء دمشق، فأدخل فيها مذهب الشافعي، وحكم به القضاة بعد أن كان الغالب عليهم مذهب الأوزاعي» [ج١ ص٣٩٩]. وتُختم بشيخه المناوي شرف الدين يحيى: «ولي تدريس الشافعي وقضاء الديار المصرية… وهو آخر علماء الشافعية ومحقّقيهم»، ثم يورد مرثيته فيه من نظمه [ج١ ص٤٤٥].

وفي المالكية ترجمة ابن خلدون بالمدخل ٩٠: «ولي كتابة السرّ بمدينة فاس، ثم دخل القاهرة فولي مشيخة البيبرسية وقضاء المالكية، وصنّف التاريخ الكبير»؛ وفي المدخل الأخير خبرٌ في الامتناع عن الولاية: عبادة الزرزائي «عُيّن للقضاء بعد موت البساطي فامتنع، فألحّوا عليه، فتغيّب إلى أن ولي غيره» [ج١ ص٤٦٢]. وتُختم طبقة الحنفية بشيخٍ يقول عنه السيوطي: «وهو آخر شيوخي موتًا، لم يتأخّر بعده أحد ممّن أخذت عنه العلم» [ج١ ص٤٧٩]. أمّا الحنابلة فأصغر طبقاتِ القسم، وخاتمتها ترجمةٌ مسجوعة لشيخه العزّ بن نصر الله الكناني: «سهل الباب، عديم الحجاب، خشن الأثواب، لين الخطاب… بحيث لم يتّخذ نقيبًا ولا حاجبًا» [ج١ ص٤٨٤].

القرّاء والصوفية

طبقة «أئمة القراءات» [ج١ ص٤٨٥–٥١٠]، وعددتُ ترقيمها ١–١٣٥، وحواشي المحقّق فيها تحيل على «طبقات القراء» لابن الجزري. وفيها ورش بالمدخل الرابع: «أصله قبطيّ مولى آل الزبير بن العوّام. ولد سنة خمس عشرة ومائة، وأخذ القراءة عن نافع، وهو الذي لقّبه بورش لشدّة بياضه… انتهت إليه رياسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه» [ج١ ص٤٨٥]. وفي أواخرها ما يربط الإقراء بالمكان: فخر الدين البلبيسي الضرير «إمام الجامع الأزهر. انتهت إليه الرياسة في فنّ القراءات» [ج١ ص٥١٠].

وطبقة «الصلحاء والزهّاد والصوفية» [ج١ ص٥١١–٥٣٠]، وعددتُ ترقيمها ١–٩١، وتسعةُ مداخلها الأولى أسماءٌ مجرّدة محالٌ بها على طبقاتٍ سابقة. والعاشر السيدة نفيسة: «دخلت هي مصر مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر الصادق… ولمّا ورد الشافعي مصر كانت تُحسن إليه… فدُفنت بمنزلها بدرب السباع؛ محلّة بين مصر والقاهرة» ــ ترجمةٌ تحمل خبرًا تعبّديًّا وموضعًا في طبوغرافيا المدينة معًا. ويليها ذو النون المصري: «أوّل من عبّر عن علوم المنازلات، وأنكر عليه أهل مصر، وقالوا: أحدث علمًا لم تتكلّم فيه الصحابة، وسعوا به إلى الخليفة المتوكّل، ورموه عنده بالزندقة» [ج١ ص٥١١–٥١٢]. وتُختم الطبقة بلقاءٍ شخصيّ: الأبشيطي الذي «اجتمعت به لمّا حججت، فسألته أن يحدّثني بشيء لأكتبه عنه في المعجم، فامتنع» [ج١ ص٥٣٠].

النحاة والأطبّاء والوعّاظ والمؤرّخون والشعراء

خمس طبقاتٍ صغيرة تُغلق بها المعاجم، عددتُ ترقيمها من المتن. أئمة النحو واللغة ٢٩ مدخلًا [ج١ ص٥٣١–٥٣٨]، أوّلها عبد الملك بن هشام صاحب السيرة: «هذّب سيرة ابن إسحاق فصارت تُنسب إليه»، وفيها أبو جعفر النحّاس الذي «غرق تحت المقياس ولم يُدْرَ أين يذهب» [ج١ ص٥٣١]، وفيها قولٌ منقول يوزّع الرياسات: «تفرّد على رأس الثمانمائة خمسةٌ بخمسة: البلقيني بالفقه، والعراقي بالحديث، والغماري بالنحو، وصاحب القاموس باللغة، وابن الملقّن بكثرة التصانيف» [ج١ ص٥٣٨].

وأرباب المعقولات وعلوم الأوائل والحكماء والأطبّاء والمنجّمون ٥٥ مدخلًا [ج١ ص٥٣٩–٥٤٩]. وأوائلها أطبّاءُ نصارى تُذكر ديانتهم في المتن: «بليطان. طبيب نصرانيّ. كان بديار مصر»، و«سعيد بن ترفيل. طبيب نصرانيّ، كان في خدمة أحمد بن طولون». وفي المدخل الخامس ابن الحافظ ابن يونس: «كان منجّمًا شديد الاعتناء بعلم الرصد، له زيج مفيد يرجع إليه أصحاب أهل الفنّ، كما يرجع المحدّثون إلى أقوال أبيه وتواريخه، ويسمّى الزيج الحاكمي» [ج١ ص٥٣٩]. وحواشي المحقّق هنا تحيل على ابن أبي أصيبعة.

والوعّاظ والقصّاص ١٣ مدخلًا فقط [ج١ ص٥٥١–٥٥٢]، تسعةٌ منها أسماءٌ مجرّدة بلا ترجمة، منها ابن نجا الواعظ الحنبلي نزيل مصر الذي «صحب السلطان صلاح الدين بن أيوب وحظي عنده» [ج١ ص٥٥١]. والمؤرّخون ٢٧ مدخلًا [ج١ ص٥٥٣–٥٥٧]، وهي أنفع طبقةٍ صغيرة في الكتاب لأنّها فهرسٌ لمصادر تاريخ مصر بعينها: أبو عمر الكندي «صنّف فضائل مصر، وكتاب قضاة مصر»، وابن زولاق صنّف «ذيلًا على قضاة مصر للكندي»، والمسبّحي «كان رافضيًّا، صنّف تاريخ مصر»، والشريف الفاوي صاحب «المفيد في أخبار الصعيد»، وولده جعفر «نسّابة الشرفاء بمصر… صنّف تاريخًا للقاهرة» [ج١ ص٥٥٤]، ثم المقريزي بالمدخل ٢٥ وتُعدَّد كتبه: «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، وعقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط… والسلوك بمعرفة دول الملوك» [ج١ ص٥٥٧].

والشعراء والأدباء ٩٢ مدخلًا [ج١ ص٥٥٨–٥٧٧]، تبتدئ بجميل صاحب بثينة الذي «قدم مصر على عبد العزيز بن مروان فأكرمه»، وبكُثيّر عزّة، وبعزّة نفسها بالمدخل الثالث: «كانت أبرع الخلق أدبًا، وأحلاهم حديثًا» [ج١ ص٥٥٨]. والمدخل الأخير القادريُّ شمس الدين، ويُختم به المعجم كلّه بأرجوزةٍ من نظمه في مدح السيوطي تستغرق صفحتين، يصفه فيها بأنّه «إمام اجتهادٍ عالمُ العصر عامل» [ج١ ص٥٧٦–٥٧٧]. فمعاجم من حلّ بمصر تنتهي بقصيدةٍ في مؤلّفها.

سلاسل الأمراء: من الفتح إلى بني أيوب

يبتدئ قسم السلاسل عند [ج١ ص٥٧٨] بـ«أمراء مصر من حين فُتحت إلى أن ملكها بنو عبيد». وهي ليست قائمةً مجرّدة: عمودُها ترتيبُ الولاة، ويُعلَّق عليه أخبارٌ بأسانيد من «فتوح مصر» لابن عبد الحكم. تفتتح بجملة تقسيمٍ إداريّ: «أوّل أمير عمرو بن العاص، ولّاه عمر بن الخطاب على الفسطاط وأسفل الأرض، وولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح على الصعيد إلى الفيوم» [ج١ ص٥٧٨]. وتسجّل السلسلة الخلاف في التواريخ: عزلُ عمرو وتولية ابن أبي سرح «على مصر كلّها؛ وذلك في سنة خمس وعشرين» عند ابن عبد الحكم، «وقال الواقدي وأبو معشر: في سنة سبع وعشرين» [ج١ ص٥٧٩]. وتنتهي عند الإخشيديّين وكافور، وفيها تفصيلٌ في التفكّك السياسيّ للمشرق ــ من هو صاحب مصر والشام والموصل وفارس وخراسان والمغرب والبحرين ــ رجلًا رجلًا [ج١ ص٥٩٧].

وسلسلة «أمراء مصر من بني عبيد» تبتدئ [ج١ ص٥٩٩] بدخول جوهر: «فدخلوا مصر في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة… وأخذ جوهر مصر بلا ضربةٍ ولا طعنةٍ ولا ممانعة… وأمر المؤذّنين بجامع عمرو وبجامع ابن طولون أن يؤذّنوا بحيّ على خير العمل… وشرع في بناء القاهرة والقصرين والجامع الأزهر». وسلسلةُ بني أيوب تفتتح المجلّد الثاني من المطبوع [ج٢ ص٣]. وقد ألحق السيوطي بها ما يجعل السلسلة محفوظةً في الصدر: «أرجوزة الجزّار في الأمراء المصرية»، سمّاها ناظمها «العقود الدريّة في الأمراء المصرية»، «ضمّنها أمراء مصر من عمرو بن العاص إلى الملك الظاهر»، فتجري الأسماء على الوزن اسمًا بعد اسم: «وابن أبي سرح تولّى أمرَها… ثم تولّى النخعيّ الأشتر» [ج٢ ص٤٠–٤١]. فالقائمة هنا تُنظَم لتُحفظ.

الخلافة العباسية بالقاهرة، والسلطنة وقواعدها

سلسلة «من قام بمصر من الخلفاء العباسيين» تبتدئ [ج٢ ص٤٥] بمقدّماتٍ نُذُريّة لانقراض خلافة بغداد: ريحٌ عاصفة بمكة في ثامن عشر ربيع الآخر سنة ٦٤٤ ألقت ستارة الكعبة فمكثت إحدى وعشرين يومًا بلا كسوة، «وكان هذا فألًا على زوال دولة بني العباس» بنقلٍ عن ابن كثير، ثم طغيان الماء ببغداد، وهجوم الفرنج على دمياط، وحريق حلب سنة ٦٥٠.

ويتفرّع منها «فصل في قواعد الخلافة»، وهو ــ بحسب فهرس الكتاب ــ سبعة أبوابٍ تشتغل بالمصطلح والمراسم لا بالأخبار. أوّلها «سلاطين مصر الذين فُوّض إليهم خلفاء مصر العباسيون فاستبدّوا بالأمر دونهم»، ويبتدئ بالظاهر بيبرس، وفيه سلّم الألقاب مرتّبًا: «مولى أمير المؤمنين، أي عتيقه… فإن زيد في تعظيمه لُقّب وليَّ أمير المؤمنين، ثم صاحبَ أمير المؤمنين، ثم خليلَ أمير المؤمنين، وهو أعلى ما لُقّب به ملوك بني أيوب، فلُقّب الظاهر هذا قسيمَ أمير المؤمنين» [ج٢ ص٩٥]. ثم «الفرق بين الخلافة والملك والسلطنة من حيث الشرع» بروايتَي ابن سعد عن عمر وسلمان، و«من يطلق عليه السلطنة من حيث المصطلح» نقلًا عن ابن فضل الله: «ألّا تُطلق هذه التسمية إلا على من يكون في ولايته ملوك… ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها» [ج٢ ص١٢٥].

ثم ثلاثة أبوابٍ هي أنفس ما في السلاسل للمشتغل بالمؤسّسات. «جلوس السلطان في دار العدل للمظالم» يصف ترتيب المجلس: قضاة القضاة من المذاهب الأربعة ووكيل بيت المال وناظر الحسبة عن اليمين، وكاتب السرّ عن اليسار، وناظر الجيش والموقّعون أمامه، وأمراء المشورة على بُعدٍ «تقديره خمسة عشر ذراعًا»، «وهذا الجلوس يكون يوم الاثنين ويوم الخميس، إلا أنّ القضاة وكاتب السرّ لا يحضرون يوم الخميس» [ج٢ ص١٢٧]. و«عساكر مملكة مصر» يعطي تركيب الجيش ودرجاته: «وجندها مختلط من أتراك وجركس وروم وأكراد وتركمان، وغالبهم من المماليك المبتاعين، وهم طبقات: أكابرهم من له إمرة مائة فارس وتقدمة ألف فارس… ثم أمراء الطبلخاناه… ثم أمراء العشرات، ثم جند الحلقة»، مع أرقام الإقطاع، وفيها أنّ «إقطاعات أمراء الشام فعلى الثلاثين من مصر» [ج٢ ص١٢٩]. و«أرباب الوظائف في هذه المملكة» يصنّف المناصب ثلاثة أصناف: ذوو السيوف (إمرة سلاح، الدوادارية، الحجوبية، إمرة جاندار، الأستادارية، المهمندارية، نقابة الجيوش)، وذوو الأقلام (الوزارة، كتابة السرّ، نظر الجيش، نظر الأموال، نظر الخزانة، نظر بيت المال…)، وذوو العلم (القضاة، الخطباء، وكالة بيت المال، الحسبة)، ثم يشرح موضوع كلّ وظيفة ويسجّل تحوّلاتها: أنّ نيابة السلطنة أبطلها الناصر محمد بن قلاوون وكان النائب «كافل الممالك والسلطان الثاني»، وأنّه أبطل الوزارة أيضًا واستجدّ «ناظر الخاصّ… وأوّل من ولي هذه الوظيفة كريم الدين عبد الكريم بن هبة الله بن السديد» [ج٢ ص١٣٠–١٣١]. وحواشي المحقّق في هذه الصفحات تشرح المصطلحات التركية والفارسية (جاندار، أستادار، مهمندار، زردخاناه، جمدار، خاصكية) نقلًا عن «صبح الأعشى» وحواشي «السلوك» [حواشي ج٢ ص١٢٧ و١٣٠].

القضاة والوزراء وكتّاب السرّ

سلسلة «قضاة مصر» [ج٢ ص١٣٥–١٨٣] أطولُ السلاسل، ومبناها على ابن عبد الحكم بأسانيده: «أوّل قاضٍ استُقضي بمصر في الإسلام… قيس بن أبي العاصي»، ثم كتاب عمر إلى عمرو أن يستقضي كعب بن يسار بن ضنّة، «فأبى كعب أن يقبل القضاء، وقال: قضيت في الجاهلية ولا أعود إليه في الإسلام» [ج٢ ص١٣٥]. ثم عثمان بن قيس «وأقام على القضاء إلى أن صُرف سنة اثنتين وأربعين»، ثم سليم بن عتر «وجُعل إليه القصص والقضاء جميعًا»؛ وتُذكر في السياق نفسه وظائفُ مالية مقرونةٌ بأسمائها: شرحبيل بن حسنة على المكس، ومسلمة بن مخلد على الطواحين [ج٢ ص١٣٦]. وتُختم السلسلة بأرجوزةٍ للعزّ العسقلاني تسرد القضاة شطرًا شطرًا: «وبعد ما ولي دُحيمُ الأمصارِ صار لها قاضي القضاة بكّارُ» [ج٢ ص١٧٧]، وينتهي المنظوم إلى عصر المؤلّف: «ثم السيوطيُّ وليُّ الدين ثم للشيخ ــ أعني زكريّا ــ الحكمُ عمّ» [ج٢ ص١٨٣]. ويقول المحقّق في الحاشية: «أمّا المؤلّف فلم يعقد فصلًا لقضاة الشافعية» [حاشية ج٢ ص١٨٣] ــ وهذه ملاحظته هو، لا نصّ السيوطي.

ثم ثلاث سلاسل قصيرة على المذاهب الباقية، مبدؤها كلّها واحد: تولية الظاهر بيبرس قضاةً لكلّ مذهب. الحنفية أوّلهم صدر الدين سليمان بن أبي العزّ سنة ٦٦٣ [ج٢ ص١٨٤]، والمالكية أوّلهم شرف الدين عمر بن السبكي [ج٢ ص١٨٨]، والحنابلة أوّلهم شمس الدين محمد بن العماد الجماعيلي [ج٢ ص١٩١]. وصيغة السطر واحدة لا تتغيّر: «وولي فلان… ثم صُرف في [شهر وسنة]» أو «إلى أن مات في [شهر وسنة]»، مع «وأُعيد فلان» عند تكرار الولاية. وهذا البناء يجعل السلسلة قابلةً للقياس. بل يسجّل الشغور نفسه: بعد عزل الجماعيلي سنة ٦٧٠ «لم يلِ الوظيفةَ بعد عزله أحدٌ حتى توفّي سنة ست وسبعين» [ج٢ ص١٩١]. وتتخلّلها أبياتٌ في المناسبات، كالبيتين في تولية ابن خير المالكي بعد البساطي [ج٢ ص١٨٨].

وسلسلة «وزراء مصر» [ج٢ ص١٩٣–٢٢٩] تبتدئ بتأصيلٍ للوظيفة قبل تعداد شاغليها: «اعلم أنّ الوزارة وظيفة قديمة كانت للملوك من قبل الإسلام؛ بل من قبل الطوفان، وكانت للأنبياء؛ فما من نبيّ إلا وله وزير»، بآيتَي طه والقصص وأحاديثَ عند البزّار والطبراني وأبي داود، ثم بوزراء الخلفاء، مع ملاحظةٍ مصطلحيّة عن عبد الحميد بن يحيى: «لم يكن أحدٌ في عهده يلقّب بالوزير، ولا يخاطَب بوصف الوزارة» [ج٢ ص١٩٣]. وتُدرَج فيها وثائق ديوانية بنصّها، منها تقليدُ الصاحب بهاء الدين بن حنّا «من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر» [ج٢ ص٢١٧].

وتُختم السلاسل ــ ويُختم القسم كلّه ــ بـ«كتّاب السرّ» [ج٢ ص٢٣٠–٢٣٦]. ومبدؤها كتّابُ النبيّ ﷺ نقلًا عن ابن الجوزي في «التلقيح»، ثم كتّابُ الخلفاء واحدًا واحدًا، ثم تأصيلٌ مصطلحيّ عن ابن فضل الله: أنّ كتابة الإنشاء كانت في المشرق منوطةً بالوزراء، ثم استقلّ بها رئيسُ ديوان الإنشاء، «ثم بقي يطلق عليه تارةً صاحب ديوان الإنشاء وتارةً كاتب السرّ»، وأنّها في دولة السلاجقة كانت تسمّى ديوان الطغراوية، «والطغراء هي الطرّة بالفارسية»، وأنّ «أهل المغرب يسمّون صاحب ديوان الإنشاء صاحب القلم الأعلى»، مع قولٍ آخر: «إنما حدثت وظيفة كتابة السرّ في أيام قلاوون» [ج٢ ص٢٣٠–٢٣١]. وآخر سطرٍ في القسم يكشف أنّ هذه السلاسل ظلّت مفتوحةً تُحدَّث بعد تحريرها: «وولي القاضي تقيّ الدين أبو بكر بن كاتب السرّ بدر الدين بن مزهر، فاستمرّ إلى الآن… ثم توفّي في سادس رمضان سنة ثلاث وتسعين، وولي ولده القاضي بدر الدين» [ج٢ ص٢٣٦]. والصفحتان الأخيرتان [ج٢ ص٢٣٥–٢٣٦] خاليتان من حواشي المحقّق.

ما يُستخرج من هذا القسم

الفائدة الأولى عدديّة. السجلّ يعطي مقاديرَ لا يعطيها السرد: مئتان ومدخلان في الشافعية مقابل واحدٍ وعشرين في الحنابلة، ومائةٌ وخمسة وثلاثون في القراءات مقابل ثلاثةَ عشر في الوعظ والقصص، وتسعةٌ وعشرون في النحو مقابل خمسةٍ وخمسين في المعقولات والطبّ والنجوم. هذه أعدادُ ما سجّله السيوطي لا إحصاءُ سكّان، لكنّها تصلح لقياس ثقل الفنون عنده وعند مصادره.

والفائدة الثانية أنّ السلاسل تجعل تداولَ المناصب قابلًا للحساب. الصيغة الثابتة «وولي… ثم صُرف في كذا» و«وأُعيد» و«إلى أن مات» تسمح باستخراج مدّةِ كلّ ولاية، ونسبةِ من مات في منصبه إلى من عُزل عنه، وعددِ من أُعيد بعد عزله، وموضعِ الشغور حين لا يلي أحد [ج٢ ص١٩١]. والحوليّةُ تروي حادثة العزل ولا تعطي السلسلة؛ والسجلّ يعطي السلسلة ولا يروي الحادثة.

والفائدة الثالثة أنّ المداخل تحمل بيانات مكانٍ وحركة لا تُجمع من غيرها: «شهد فتح مصر»، «اختطّ بها»، «نزيل مصر»، «خرج إلى الإسكندرية فأدركه أجله بها» [ج١ ص٣٤٥]. ومنها ما يثبّت موضعًا في الأرض: خطّةُ أجمد بجيزة مصر [ج١ ص١٦٨]، وقبرُ السيدة نفيسة بدرب السباع «محلّة بين مصر والقاهرة» [ج١ ص٥١١].

والفائدة الرابعة أنّ القسم يسجّل الأوائل المؤسّسيّة في مواضعها من التراجم: أوّل من قصّ بمصر وأوّل من أسجل سجلًّا في المواريث [ج١ ص٢٩٥]، وأوّل قاضٍ استُقضي وأوّل من امتنع من القضاء [ج٢ ص١٣٥]، وأوّل من لُقّب «قسيم أمير المؤمنين» [ج٢ ص٩٥]، وأوّل من ولي نظر الخاصّ [ج٢ ص١٣١]. والفائدة الخامسة أنّ طبقة المؤرّخين تعمل فهرسًا لمكتبةٍ ضاع أكثرها: كتاب قضاة مصر للكنديّ وذيلُه لابن زولاق، وتاريخ المسبّحي، و«المفيد في أخبار الصعيد»، وتاريخ القاهرة لجعفر الفاويّ [ج١ ص٥٥٣–٥٥٤]. فمن هذه الطبقة يُعرف من أين جاءت السلاسل التي في الكتاب.

ويبقى قيدان يلزم المؤرّخَ حملُهما معه. الأوّل أنّ المدخل المرقّم ليس شخصًا بالضرورة: مداخلُ كثيرة إحالاتٌ مجرّدة على طبقةٍ سابقة، فالجمع العدديّ أكبر من عدد الرجال. والثاني أنّ بعض الإدخال قائمٌ على استظهار المؤلّف لا على نصّ مصدره، وهو يصرّح به: «قلت: والظاهر أنّها كانت بمصر مع زوجها» [ج١ ص٢٥٣]. وأمّا حواشي المطبوع فجهازٌ مزدوج: مقابلةُ نسخٍ (الأصل، ح، ط) وتخريجٌ على «الإصابة» و«تهذيب التهذيب» و«العبر» و«الضوء اللامع» و«طبقات القراء» و«فتوح مصر» و«الولاة والقضاة» و«رفع الإصر» و«صبح الأعشى». وهي كلّها كلامُ المحقّق، وتنقطع حيث لا يكون في المتن نصٌّ منقول يُقابَل عليه ــ كما في ترجمة السيوطي لنفسه وقائمةِ مصنّفاته، وفي المراثي الطوال، وفي خاتمة كتّاب السرّ.