فيمَ يُوثَق بهذا الكتاب، وفيمَ لا يُوثَق
لا يستقيم أن يُقال عن كتابٍ إنّه «صحيح» أو «ضعيف» على الإطلاق. الأنفع أن نسأل: في أيّ بابٍ يكون هذا النصّ أقوى ما عندنا، وفي أيّ بابٍ يكون أضعف؟ وهذه خلاصةُ ما انتهيتُ إليه بعد قراءته.
يُعتمد عليه — أو يُقارَب الاعتماد — في:
- البنية الاجتماعية لقرطبة وإشبيلية: أسماءُ البيوت، ومَن جدُّ مَن، وأين كانت مساكنهم وضياعهم. هذا هو ميدانه، وهو يكتبه من داخله لا من خارجه.
- آليّةُ الحكم: كيف يُولَّى القاضي ويُعزل، ومن يُشاور، وكيف يعمل الوزراءُ والخُزّان وصاحبُ المدينة. أخبارٌ من طراز رفض الخزّان دفع مال زرياب، أو قاضي الجماعة الذي عُزل لكلمةٍ لم يُنكرها، لا تُروى إلا في وسطٍ يعرف تفاصيل الخدمة.
- الموالي وطبقة العتقاء: لا أعرف نصّاً أندلسيّاً مبكّراً يُظهر مركزيّة الموالي في قيام الدولة الأموية كما يُظهرها هذا النصّ.
- مواقفُ بعينها من التاريخ المبكّر ممّا لا يرد عند غيره: همُّ عمر بن عبد العزيز بإجلاء المسلمين عن الأندلس، وخروجُ أهل الربض إلى إقريطش، ومصاهرةُ إزراق لبني قَسِي.
ولا يُعتمد عليه في:
- التاريخ بالسنوات. الكتاب يكاد يخلو من التأريخ، وما فيه منه مضطرب. فلا تأخذ منه تسلسلاً زمنيّاً دون أن تعرضه على غيره.
- كلُّ ما يمسّ بيت غيطشة وضياعه. هنا المؤلِّف خصمٌ وحَكَم، كما مرَّ في القسم الثاني، وقد نبّه محقِّقه إلى ذلك بنفسه.
- تفاصيل المعارك وأعدادها. الأرقام في الكتاب أرقامُ رواةٍ لا أرقامُ دواوين: ثلاثون ألفاً، سبعون ألفاً، خمسة آلاف وثلاثمائة قتيل في يوم الحفرة. اقرأها على أنّها «كثيرٌ جدّاً»، لا على أنّها إحصاء.
- أخبارُ العجائب، وهي في القسم الثاني أكثر منها في الأول.
الأقسام الثلاثة: حدثٌ واحد وثلاثُ آداب
من أنفع ما في هذه الطبعة أنّها تضع بين يديك ثلاث روايات لحدثٍ واحد، فتقرأها متجاورة فترى بعينك كيف يتشكّل التاريخ.
القسم الأول — ابن القوطية: روايةٌ أُسَريّة أندلسية. بطلُها ليس طارقاً ولا موسى، بل بيتُ غيطشة والموالي. مزاجُها محلّيّ، ولغتُها مرسلة، وهمُّها الأنساب والضياع.
القسم الثاني — ابن قتيبة: روايةٌ بطوليّة مشرقية. هنا موسى بن نصير هو المركز، والكتابةُ مصقولة أدبيّاً، وفيها خطبةُ طارق المشهورة: «أيها الناس، إلى أين المفرّ؟ البحر وراءكم والعدوّ أمامكم...». وقد وقف المحقِّق عند هذه الخطبة وقفةً تستحقّ النقل، إذ قال إنّ لها نصّاً آخر متداولاً يختلف عنها اختلافاً كليّاً، ثم أضاف:
«وأغلب الظنّ أنّ النصّ الجديد قد وُضع في العصور المتأخّرة، لأنّ عبارته الإنشائية ليست هي عبارة القرن الأول الهجري.»
وهذا نقدٌ سليم في منهجه: يُحاكم النصَّ إلى أسلوبه لا إلى معناه.
وفي هذا القسم كذلك مادّةُ العجائب الغالبة: الحصنُ النحاسيّ الذي فيه جنّ، والقِبابُ التي يخرج منها شياطينُ سليمان، والأصنامُ على أطراف المغرب. وهي مادّة قصص المغرب الأقصى لا مادّة تاريخ، ووظيفتُها أن تجعل من موسى بن نصير ذا القرنين جديداً بلغ حيث لا يبلغ أحد.
القسم الثالث — الرسالة الشريفية: روايةٌ فقهيّة–إداريّة. وهذه أغربُها وأنفعُها معاً. لا تكاد تجد فيها بطولة؛ تجد بدلاً منها: أيُّ أرضٍ فُتحت عنوةً وأيُّها صلحاً، وكيف خُمِّست، ومن أُقرَّ على أرضه بالجزية، وأين نزل الجندُ الجدد. وفيها كتابُ عمر بن عبد العزيز إلى السمح بن مالك بأن يجعل البطحاء التي وقعت في الخمس بقبليّ قرطبة مقبرةً للمسلمين، وأن تُبنى القنطرة من صخر السور.
وهذا الباب — قسمةُ الأرض — هو المفتاح الحقيقيّ لفهم الأندلس بعد ذلك بقرنين: من يملك ماذا، وبأيّ سند. ومن غير هذا القسم تبقى صفحاتُ ابن القوطية عن «ثلاثة آلاف ضيعة» و«صفايا الملوك» معلّقةً في الهواء.
ثلاثُ ملاحظات للقارئ الحذر
أولاً: ميّز بين النصّ وحاشيته. يقعُ في هذا النصّ بالذات خلطٌ سهل، لأنّ المحقِّق كثيرُ التدخُّل، وله آراءٌ يعرضها في الحواشي (منها ردُّه على المستشرقين في مسألة الحلم، ومنها حكمُه على ابن حفصون بالردّة). هذه آراءُ رجلٍ من القرن العشرين، لها قيمتُها، لكنّها ليست من الكتاب.
ثانياً: انتبه إلى أنّ كثيراً من الكلمات مُرجَّحة لا ثابتة. حين تقرأ في المتن اسمَ موضعٍ أو قبيلةٍ فاعلم أنّ خلفه غالباً حاشيةً تقول: «أوردها ريبيرا كذا، وعثرنا عليها في نسخة مدريد كذا، وأثبتنا ما رجَّحناه». ولهذا نُشرت الحواشي هنا كاملةً؛ فبناءُ حُكمٍ تاريخيّ على قراءةٍ مرجَّحة لكلمةٍ واحدة عملٌ خطر.
ثالثاً: لا تقرأ فراغات المخطوط على أنّها فراغاتٌ في التاريخ. تتكرّر في الكتاب حواشٍ من نوع «هنا يوجد فراغ في المخطوط، أُشير إليه بنقاطٍ متعدّدة». وبعضُ هذه الفراغات تقع في مواضع حسّاسة — كالموضع الذي وعد فيه أبو الصبّاح بـ«رأيٍ في فتحين» ثم انقطع الكلام. فما سقط سقط، ولا يجوز ملؤه بالتخمين.
أين يذهب القارئ بعد هذا الكتاب
هذا نصٌّ يفتح شهيّةً لا يُشبعها. وأقربُ ما يوصَل به:
- أخبار مجموعة في فتح الأندلس — نصٌّ مجهول المؤلِّف، قريبُ الطبقة من هذا، يعالج المادّة نفسها بترتيبٍ أوضح.
- ابن حيّان القرطبي، «المقتبس» — وهو الذي ينقل عمّن هم في طبقة ابن القوطية، ويعطيك التفصيل الذي لا يعطيكه هذا الكتاب. وقد نُشر منه في مجموعة الأندلس وشمال إفريقية على هذا الموقع طرفٌ صالح.
- ابن الخطيب، «الإحاطة في أخبار غرناطة» — للطرف الآخر من القصة، بعد ستّة قرون، حين صارت الأندلس مدينةً واحدة. والمتنُ منشورٌ كاملاً هنا، ومعه خلاصةٌ تحليلية.
- المقّري، «نفح الطيب» — الجامعُ المتأخّر الذي حفظ لنا شذرات ما ضاع، ومنه نسخةٌ على الموقع.
كلمةٌ أخيرة
يُقال عن هذا الكتاب إنّه «أقدمُ تاريخٍ أندلسي»، فيُقرأ لهذا السبب وحده، كما تُزار الآثار. وأحسبُ أنّ هذا يظلمه.
فالكتابُ في حقيقته شيءٌ أطرف من ذلك: هو صوتُ رجلٍ يشرح لأهل بلده كيف صارت الأمور إلى ما صارت إليه، وهو نفسُه أحدُ نتائجها. جدَّتُه قوطية، ونعمتُه أموية، وعلمُه عربيّ. وحين يروي كيف وقفت سارة بباب هشام، فإنّه يروي كيف صار هو ممكناً.
وهذا النوع من الكتب — الذي يكتبه صاحبُه وهو داخلُ الصورة لا خارجها — لا يُقرأ للتثبُّت وحده؛ يُقرأ ليُعرف كيف كان الناسُ يفهمون أنفسهم.