يقع هذا القسم من «عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان» لبدر الدين العيني (ت ٨٥٥هـ) في أربع وعشرين سنة هجرية متصلة، من ٥٦٥ إلى ٥٨٩، وهي المدة التي تنتقل فيها السلطة في مصر والشام من نور الدين محمود بن زنكي والخلافة الفاطمية إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب وحده. تبدأ الحوادث والفرنج محاصرون دمياط وصلاح الدين وزير بمصر لا سلطان [١/ ٣٣]، وتنتهي بموته بدمشق في صفر سنة ٥٨٩ وتقسيم ملكه بين أولاده [٢/ ٢٧٤]. وفي هذه المسافة يستوعب العيني قطع الخطبة الفاطمية، وموت نور الدين، وتملك صلاح الدين دمشق ثم حلب ثم الجزيرة، ووقعة حطين، واستنقاذ بيت المقدس، وحصار عكّا وسقوطها، وصلح الرملة. والقسم موزَّع على مجلدين من المطبوع: من [١/ ٣٣] إلى نهاية سنة ٥٧٨، ثم من [٢/ ٧] إلى [٢/ ٢٩٦].
حدود القسم وطريقة العيني في افتتاح السنة
يفتتح العيني كل سنة بعنوان ثابت: «فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الفلانية»، ثم بجملة «استهلت هذه السنة والخليفة هو فلان». وهذه الجملة عنده أداة ضبط لا مجرد استهلال: ففي سنة ٥٦٨ يعدّد أصحاب البلاد كلهم — الخليفة المستضيء، وصاحب مصر صلاح الدين، وسلطان الشام نور الدين، وسلطان الروم قليج أرسلان، وسلطان المغرب يوسف بن عبد المؤمن، وصاحب خوارزم واليمن والموصل وتبريز ونيسابور وخوزستان وخلاط وغزنة — ثم ينبّه على من سيموت منهم في السنة نفسها [١/ ١٠٥]. يعيد الصنيع في سنة ٥٧٠ [١/ ١٩١] وسنة ٥٧٦ [١/ ٢٩١]، فيصير القارئ على خريطة سياسية مجدَّدة كلما دار الحول.
وسنة ٥٦٥ نموذج لبنية السنة عنده: خبر سياسي رئيس (حصار الفرنج دمياط خمسين يومًا في صفر، ومكاتبة صلاح الدين نور الدين يستنجده) [١/ ٣٣]، ثم روايات متعددة للخبر الواحد ينسبها كل واحدة إلى صاحبها: «وفي تاريخ بيبرس» [١/ ٣٤]، «وفي المرآة» — أي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي — وفيه أن مدة الحصار ثلاثة وخمسون يومًا لا خمسون [١/ ٣٥]، «وقال القاضي ابن شداد»، «وقال العماد»، «قال صاحب تاريخ الدولتين» وهو أبو شامة في الروضتين [١/ ٣٥–٣٦]. ثم يتلو ذلك بابان قارّان: «ذكر بقية الحوادث» — وفيه إبطال «حي على خير العمل» من أذان مصر وأمر صلاح الدين بذكر الخلفاء الأربعة في الخطبة [١/ ٣٩] — و«ذكر الأمور المزعجة»، وفيه الزلزلة الكبرى في ثاني عشر شوال، ينقل خبرها عن ابن الأثير: خربت بعلبك وحمص وحماة وشيزر وبعرين، وسار نور الدين بنفسه يعمّر الأسوار ويقف على البنّائين بحلب [١/ ٤١–٤٢]. ثم يقفل السنة بـ«ذكر من توفي فيها من الأعيان».
سقوط الدولة الفاطمية: سنتا ٥٦٦ و٥٦٧
في سنة ٥٦٦ يموت الخليفة المستنجد بالله، وهنا يظهر أوضح ما يظهر منهج العيني في تفتيت الترجمة إلى «أنواع»: «والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته… الثاني في صفته… الثالث في سيرته… الرابع في وفاته… الخامس في أشياء تتعلق به» [١/ ٥١–٥٤]. وفي «النوع الرابع» يجمع روايات متعارضة في سبب الموت دون أن يرجّح: ابن كثير يذكر أن الحكيم أدخله الحمّام وبه ضعف شديد «ويقال إن ذلك بإشارة بعض أهل الدولة على الطبيب استعجالًا لموته»؛ و«في عيون المعارف» أن الأمير يَزْدَن داس على بطنه؛ و«في المرآة» أن بعض الأمراء اتفق مع الطبيب على وصفة فيها حتفه؛ ثم «في تاريخ المؤيد» — وهو المختصر لأبي الفداء — أن الأستاذ دار وقطب الدين قيماز اتفقا مع الطبيب [١/ ٥٣–٥٤]. وفي مدة خلافته يورد ثلاثة أرقام مختلفة عن ابن كثير وتاريخ بيبرس والمرآة، ورقمًا رابعًا محسوبًا بالسنين الشمسية «للعالم» عن تاريخ ابن العميد [١/ ٥٤–٥٥].
وفي سنة ٥٦٧ تُقطع الخطبة الفاطمية. يسوق العيني الخبر مرتَّبًا على أنواع أيضًا: «الأول: في قطع خطبته»، وفيه أن نور الدين كتب إلى صلاح الدين يأمره بذلك بعد مراسلة المستضيء له، وأن الفقيه أبا يحيى بن اليسع صعد المنبر يوم الجمعة سابع المحرم فدعا للمستضيء «فلم ينكر أحد عليه» [١/ ٦٩]. ثم ينقل عن الروضتين رواية موازية، ثم عن ابن الأثير رواية ثالثة تجعل المبادِر رجلًا أعجميًا «يعرف بالأمير العالم» قال ابن الأثير عنه: «وقد رأيناه بالموصل كثيرًا» [١/ ٧٠]. ويقول المحقِّق في الحاشية إن نص ابن الأثير في الكامل هو «رأيته أنا بالموصل»، فالفرق بين الصيغتين من تصرّف العيني [١/ ٧٠ حاشية]. ويحسب العيني المدة بين انقطاع الخطبة العباسية عن مصر وعودتها: «مائتا سنة وثماني سنين» [١/ ٧١]. ثم يورد نص كتاب صلاح الدين إلى الخليفة بخط القاضي الفاضل كاملًا [١/ ٧٣–٧٤]، ويقول المحقِّق إنه لم يعثر على هذه الرسالة في الروضتين، وهو المرجع المتاح لرسائل الفاضل [١/ ٧٣ حاشية].
وفي وفاة العاضد يفعل الشيء نفسه: ينقل عن المرآة ثلاثة أقوال في سبب موته — الذَّرَب من فرط التفكّر، أو الغمّ من بلوغه خبر الخطبة، أو مصّ فصّ خاتم مسموم — ثم يزيد عن ابن خلكان قولًا رابعًا [١/ ٧٥–٧٦]، ويورد قول صلاح الدين عند ابن الأثير: «لو علمت أنه يموت من هذا المرض ما قطعت خطبته إلى أن يموت» [١/ ٧٦].
نور الدين في سنواته الأخيرة: ٥٦٦–٥٦٨
«ذكر ماجريات نور الدين» باب مستقل يعقده العيني في أكثر السنوات، بإزاء باب «ذكر ماجريات صلاح الدين». تحت الأول في سنة ٥٦٦: أخْذ الرقة ونصيبين والخابور وسنجار، ثم دخول الموصل والإقامة بها أربعة وعشرين يومًا، وعمارة جامعها والوقف عليه «بإشارة الشيخ الصالح العابد عمر الملا» [١/ ٥٨–٥٩]. وفي جواب نور الدين لرسول أيلدكز حين نهاه عن التعرض للموصل نصٌّ يوضح كيف يقدّم العيني حجج الرجل بلسانه: «قد بليت أنا بالفرنج، وهم أشجع العالم، ولي مثل ربع بلادك، فأخذت معظم بلادهم، وأسرت ملوكهم» [١/ ٦٠].
وفي سنة ٥٦٧ يذكر اتخاذ نور الدين «الحمام الهوادي» لنقل الأخبار، ويعلّل ذلك باتساع المملكة «من حد النوبة إلى باب همذان» [١/ ٩٦]. وفي السنة نفسها يعقد بابًا صريحًا اسمه «ذكر وقوع النفرة بين نور الدين وصلاح الدين»، ويجمع فيه أربع روايات: روايته هو، ثم قول العماد، ثم «تاريخ بيبرس»، ثم ابن الأثير. ومدارها كلها على مشورة نجم الدين أيوب لابنه أن يتلطف ولا يجاهر، وعلى قوله الذي رواه ابن الأثير: «الأيام تندرج، والله كل وقت في شأن» [١/ ٩٧–٩٨].
وفي سنة ٥٦٨ ينقل عن ابن الأثير الشروط الثلاثة التي أرسل بها نور الدين إلى قليج أرسلان: تجديد الإسلام على يد رسوله «فإني لا أعتقدك مؤمنًا»، وإنجاده بالعسكر للجهاد، وتزويج ابنته لسيف الدين غازي [١/ ١٠٨–١٠٩]. وفي «ماجريات صلاح الدين» من السنة نفسها غزوة النوبة وفتح حصن إبريم، ينقل تفصيلها عن ابن أبي طيّ الحلبي عن طريق الروضتين، ويختمها بوصف الرسول مسعود الحلبي لملك النوبة بدنقلة وبلاده التي «ليس لهم زرع إلا الذرة» [١/ ١١٣].
سنة ٥٦٩: وفاة نور الدين وميراثه
هذه أطول سنوات القسم وأكثفها. يقدّم العيني فيها «ماجريات صلاح الدين» على «ماجريات نور الدين»، ويصرّح بالترتيب: «فلنذكر أولًا ماجريات صلاح الدين، ثم ماجريات نور الدين، ثم نذكر وفاته» [١/ ١٣٥]. وفي أولها فتح اليمن على يد توران شاه، بأربع روايات متتابعة: العماد، وابن شداد، وابن أبي طيّ، والمرآة [١/ ١٣٥–١٣٩]. ورواية ابن أبي طيّ وحدها تجعل الباعث على الحملة إغراء الشاعر عمارة اليمني لتوران شاه بذكر خيرات اليمن وضعف أهلها، وتورد شعره في ذلك [١/ ١٣٧].
ثم «ذكر وفاة نور الدين»، وهو مقسوم — كعادته في الملوك — على أنواع مرقَّمة: الترجمة، والألقاب، والصفة، والسيرة. وفي «الثاني في ألقابه» أن نور الدين كتب إلى وزيره ابن القيسراني يأمره أن يكتب صورة ما يُدعى له به على المنابر «وكان مقصوده صيانة الخطيب عن الكذب»، ثم كتب بخطه على رأس الجواب: «مقصودي أن لا يُكذَب على المنبر، أنا بخلاف كل ما يقال، لا أفرح بما لا أعمل» [١/ ١٤٩–١٥٠]. وفي «الثالث في صفته» يجمع ثلاثة أوصاف مختلفة الألفاظ عن ابن خلكان وابن كثير والمرآة [١/ ١٥١]. وفي السيرة يورد عن ابن الأثير خبر محاكمته عند القاضي كمال الدين بن الشهرزوري وهبته الملك المتنازَع عليه للمدّعي بعد ثبوت بطلان دعواه [١/ ١٥٧]، ثم عن السبط حكاية مطوَّلة عن الحرّاني وصاحب العباءة على الفرات، تنتهي بأن نور الدين هو ذلك الفقير، وأنه لقي الخضر بعد وقعة حارم — يوردها على وجه النقل لا التقرير [١/ ١٥٩–١٦١].
ثم «الحادي عشر في تملك ولده الملك الصالح عماد الدين إسماعيل»، وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة. وهنا يتقاطع خمسة نصوص: نصيحة كمال الدين الشهرزوري للأمراء بمشاورة صلاح الدين لئلا يخرج عن طاعتهم؛ وكتاب صلاح الدين المعاتب؛ ورواية المرآة عن تحالف الأمراء؛ وإنشاء العماد كتاب التعزية عن الملك الصالح؛ وقول ابن كثير في اضطراب الأمر بعد نور الدين: «اختلفت الأمراء، وحادت الآراء، وظهرت الشرور، وكثرت الخمور» [١/ ١٧٤–١٧٧].
بناء الدولة في الشام: ٥٧٠–٥٧٨
سنة ٥٧٠ عنوانها عند العيني «ذكر تملك صلاح الدين دمشق وأخذه من الملك الصالح بن نور الدين». ويقدّم قبله أمرين عاقاه: أسطول الفرنج على الإسكندرية — ينقل عدده عن ابن كثير، ثم عن تاريخ بيبرس، ثم عن الروضتين نقلًا عن كتاب صلاح الدين نفسه بأرقام مفصَّلة [١/ ١٩٢–١٩٣] — و«نوبة الكنز» بأسوان، وفيها ثلاث روايات في اسم الخارج وموضعه [١/ ١٩٤–١٩٥]. ثم يدخل صلاح الدين دمشق آخر ربيع الأول، وينزل بدار العقيقي «وكانت مسكن أبيه»، ويُظهر لأهلها أنه إنما جاء لتربية الملك الصالح [١/ ١٩٦].
وسنوات ٥٧١–٥٧٨ سلسلة متصلة من الصراع مع البيت الأتابكي والفرنج معًا. في ٥٧١ وقعة تل السلطان مع سيف الدين غازي صاحب الموصل، وفيها خبر الرسول الذي غلط فدفع كتاب الحلبيين إلى صلاح الدين نفسه [١/ ٢١٨]، ورواية طويلة عن النويري على لسان رسول الحلبيين يصف خيمة صلاح الدين ومصحفه وسجادته ثم يقابلها بخيام المواصلة «وهم على طنافس الحرير، والخمور تُروَّق» [١/ ٢١٩–٢٢٠]. ويسجّل العيني اختلاف الأرقام في الجيشين بين النويري والمرآة [١/ ٢١٩]، ويقول المحقِّق في الحاشية إن ابن الأثير علّق على هذا بأن العماد قصد تعظيم صلاح الدين بالمبالغة في التفاوت [١/ ٢١٩ حاشية].
وفي ٥٧٢ صلح حلب وزيادة عزاز، وقصة الخاتون بنت نور الدين التي أُرسلت في الشفاعة «فحين رآها صلاح الدين قام قائمًا، وقبّل الأرض» [١/ ٢٣٧]؛ ثم حصار مصياف والصلح مع سنان مقدم الإسماعيلية [١/ ٢٣٧–٢٣٨]. وفي هذه السنة يفسح العيني للعماد الكاتب صفحات من شعر السفر بين دمشق ومصر، منزلةً منزلةً [١/ ٢٤٠–٢٤١]، وهو موضع دالّ على أن الحوليات عنده تحمل مادة أدبية مقصودة لذاتها.
وسنة ٥٧٣ هي سنة الهزيمة الكبرى على الرملة. لا يواريها العيني: «وتمت الهزيمة على المسلمين… فمضى منهزمًا إلى مصر على البرية» [١/ ٢٥٩]، ثم ينقل عن المرآة: «وكانت هذه الوقعة من أعظم الوقائع، ونُكب صلاح الدين نكبة شديدة… ولم يجبرها إلا وقعة حطين» [١/ ٢٦٠]، ثم عن ابن الأثير كتاب صلاح الدين بخطه إلى أخيه توران شاه مصدَّرًا ببيت «ذكرتُكِ والخَطّيُّ يخطر بيننا» [١/ ٢٦١]. وفي ٥٧٤ عصيان ابن المقدم ببعلبك، ووقعة مرج عيون وقتل الهنفري، وبناء الفرنج قلعة بيت الأحزان للداوية [١/ ٢٧١–٢٧٤]. وفي ٥٧٥ وفاة المستضيء وبيعة الناصر لدين الله، ومقتل ابن العطار صاحب المخزن ومُثلة العامة بجثته، ينقلها عن المرآة وعن تاريخ المؤيد باختلاف في التواريخ [١/ ٢٨٣–٢٨٦].
وفي ٥٧٧ وفاة الملك الصالح صاحب حلب، وفيها مسألة فقهية: وصف الأطباء له الخمر فاستفتى، فأفتاه بعضهم بالجواز، فامتنع وقال: «أيزيد مشربها في أجلي أو ينقص منه شيئًا؟ قال: لا. قال: فوالله لا أشربها» [١/ ٣٠٥]. ثم ينقل قول السبط: «أخطأ الكاشاني، فإن الخمر لا يباح عند أبي حنيفة وجميع أصحابنا للتداوي» [١/ ٣٠٦]. وفي ٥٧٨ يخرج صلاح الدين من مصر ولا يعود إليها أبدًا، ويسجّل العيني حكاية الفأل: أنشد بعض الحاضرين عند الوداع «تمتع من شميم عرار نجد… فما بعد العشية من عرار»، «فتطيّر صلاح الدين وانقبض بعد انبساطه» [١/ ٣١٥]. ثم فتوح الجزيرة: الرها وحرّان والرقة والخابور ونصيبين، وحصار الموصل الأول [١/ ٣١٧–٣١٨].
سنوات الاكتمال: ٥٧٩–٥٨٢
سنة ٥٧٩ سنة آمد وحلب. في آمد يذكر العيني عن ابن كثير أن السلطان وجد فيها «خزانة فيها ألف ألف مجلد، وأربعون ألف مجلد، فوهبها كلها للقاضي الفاضل، فانتخب منها حمل سبعين حمارًا»، ثم وهب البلد بما فيه لنور الدين بن قرا أرسلان [٢/ ٧]. وفي دخوله حلب يورد نبوءة مشهورة: أن الفقيه مجد الدين بن جهبل وجد في تفسير أبي الحكم ابن برَّجان البشارة بفتح بيت المقدس سنة ٥٨٣، فنظمها القاضي محيي الدين بن الزكي في بيت: «وفتحكم حلب الشهباء في صفر… قضى لكم بافتتاح القدس في رجب» [٢/ ١٠–١١]. ويعود إليها في سنة ٥٨٣ تحت عنوان «نكتة غريبة»، فينقل عن أبي شامة عن السخاوي أنها من حساب التواريخ «كما يفعله المنجمون»، «وليس هذا من قبيل علم الحروف ولا من باب الكرامات لأنها لا تنال بحساب» [٢/ ٨١].
وسنة ٥٨١ سنة مرض السلطان بحرّان بعد حصار الموصل. لما أشار عليه أخوه العادل أن يوصي، قال: «ما أبالي وأنا أترك من بعدي أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا» — يعني العادل وتقي الدين عمر وابنيه العزيز عثمان والأفضل علي — ونذر في مرضه هذا: «لئن شفاه الله… ليصرفنّ همته كلها إلى قتال الفرنج، ولا يقاتل بعد ذلك مسلمًا» [٢/ ٣٦]. وفي ٥٨٢ يقسم البلاد بين أهله برأي القاضي الفاضل، ويعطي حلب لولده الظاهر عوضًا عن أخيه العادل، ويرسل العزيز مع العادل إلى مصر [٢/ ٤٤–٤٥]. ويجعل العيني تحت هذه السنة أربعة أسباب متجاورة لما سيقع: ظهور الخلاف بين الفرنج وتفرّق كلمتهم «وكان ذلك سببًا لسعادة الإسلام»، وغدر أرناط صاحب الكرك بقافلة مصر، ونذر السلطان دمه، واستدعاؤه العساكر من المشرق والمغرب [٢/ ٤٧].
سنة ٥٨٣: حطين وبيت المقدس
يفتتح العيني السنة بملاحظة فلكية عن ابن الأثير: أن أول السنة وافق النيروز وأول سنة الروم ونزول الشمس برج الحمل والقمر معها، «وهذا شيء يبعد وقوع مثله» [٢/ ٥٦]. ثم يصفّ الحوادث بعناوين مستقلة متتابعة: محاصرة الكرك، وبعث الأفضل سرية إلى أعمال طبرية، ومحاصرة طبرية وفتحها، ثم «وقعة حطين».
في الوقعة يعتمد أربعة مصادر بأسمائها: ابن كثير في نسب القومص وأصل ملكه طبرية وقصة الملك المجذوم ووصيته [٢/ ٦١]؛ وابن الأثير في أخذ الصليب الأعظم «وهو الذي يزعمون أنه هو الذي صُلب عليه المصلوب، وقد غلّفوه بالذهب» [٢/ ٦٢]؛ وابن واصل ناقلًا عن العماد في عدد الأسرى والمحرَّرين، وفيه خبر الفلاح الذي قاد نيّفًا وثلاثين أسيرًا بطنب خيمة، ومن باع أسيرًا بنعل [٢/ ٦٢]؛ وسبط ابن الجوزي في مقتل أرناط بيد السلطان بعد أن سقاه الملك ماء الثلج بغير إذنه [٢/ ٦٣]. ثم يورد رواية ابن شداد بتواريخ يومية دقيقة، ويلاحظ صراحة أن ابن شداد «ذكر وقعة حطين، ولم يذكر ما جرى قبل هذه الوقعة من الأمور، ونحن نذكرها مفصلة» [٢/ ٥٨، ٢/ ٦٤].
ثم يسرد الفتوح واحدًا واحدًا بعناوين مفردة: عكا، ومجدل يابا، وقيسارية، ونابلس، وتبنين، وصيدا، وبيروت، وعسقلان وغزة والداروم [٢/ ٧٢]. ويسجّل الخلاف في مدة احتلال الفرنج لعسقلان: ثمان وأربعون سنة في تاريخ بيبرس، وخمس وثلاثون في المرآة [٢/ ٧٣–٧٤]. وفي فتح بيت المقدس يعطي عنوانًا صريحًا بالمدة: «واستنقاذه من أيدي النصارى بعد ثنتين وتسعين سنة» [٢/ ٧٤]. ويورد شروط الصلح بالتفصيل — عشرة دنانير عن الرجل، وخمسة عن المرأة، وديناران عن الصغير، وأجل أربعين يومًا — وعدد من عجز فصار أسيرًا: ستة عشر ألفًا [٢/ ٧٦]. ثم مسألة يوم الدخول: «قال ابن كثير: ولم تتفق صلاة الجمعة يومئذ، خلافًا لبعضهم ممن زعم أنها أقيمت» [٢/ ٧٧]، وينبّه على وهم ابن القادسي في أن صلاح الدين هو الذي خطب [٢/ ٧٨]. ويذكر إحضار المنبر الذي عمله نور الدين بحلب وقال: «هذا لأجل القدس الشريف» [٢/ ٧٧]، وترك القمامة على حالها تأسيًا بعمر بن الخطاب [٢/ ٧٩].
من الفتوح الساحلية إلى سقوط عكّا: ٥٨٤–٥٨٧
سنة ٥٨٤ سلسلة عناوين قصيرة لكل حصن: أنطرسوس، وجبلة، واللاذقية، وصهيون، وبكاس، والشغر، وبرزية، ودربساك، وبغراس، ثم صفد وكوكب والكرك [٢/ ٩٦–١٠٧]. والمعوَّل فيها على ابن شداد والعماد، مع تواريخ الأيام والأسابيع. ويقول المحقِّق في حاشيتين إن النصوص المنسوبة إلى المرآة هنا «من السنتين الساقطتين في المرآة» [٢/ ٩٦، ٢/ ٩٨]، وهي فائدة نسخية لا تُنسب إلى العيني.
ومن سنة ٥٨٥ يتحول القسم إلى تأريخ حصار عكّا، وتصير الأخبار يومية. يورد العيني «الوقعة العظمى» في شعبان بتفصيل ترتيب الأطلاب ومقدَّمي كل جناح [٢/ ١٢٥]، ويقف عند اختلاف تاريخها: العشرون من شعبان في روايته، والحادي والعشرون عند ابن شداد، والثالث والعشرون عند ابن العديم [٢/ ١٢٤ وحاشيتها]. ويصرّح بأن رحيل السلطان إلى الخروبة بعد الوقعة، لمرض القولنج، «كان من أكبر المصالح للعدو المخذول»، إذ حفروا الخندق من البحر إلى البحر [٢/ ١٢٤–١٢٥].
وفي ٥٨٦ يجمع مادة الحصار في عناوين صغيرة تُقرأ كمشاهد: وقعة الرمل، وفتح شقيف أرنون، وإيصال الأخبار بالعوّامين والحمام [٢/ ١٣٨–١٣٩]، ووصول رسول الخليفة ومعه نفط ونفّاطون ورقعة بالإذن في اقتراض عشرين ألف دينار على الديوان، «فقبل السلطان جميع ما وصل مع الرسول، واستعفى عن الرقعة» — وفي المرآة أنه ردّ التوقيع وقال: «يرحم الله العاضد، وصل إليّ منه في عشرين يومًا… ألف ألف دينار ومثلها عروض» [٢/ ١٣٩–١٤٠]. وفيها قصة ملك الألمان إلى غرقه في نهر طرسوس، بأربع روايات: النوادر، والمرآة، وتاريخ بيبرس، وكتاب صاحب قلعة الروم إلى السلطان بنصّه [٢/ ١٤٣–١٤٧]. وفيها كذلك «ذكر قصة عيسى العوّام»، السابح الذي كان يدخل عكّا بالكتب والنفقات على وسطه فغرق، ثم قذفه البحر بعد أيام والذهب والكتب المشمّعة على وسطه: «فما رُئي من أدّى الأمانة في حال حياته وقدّر الله له أداءها بعد وفاته إلا هذا الرجل» [٢/ ١٥٦].
وسنة ٥٨٧ سنة سقوط عكّا وقدوم ملكي فرنسا وإنكلترا [٢/ ١٧٦، ٢/ ١٨١]. وأشدّ ما فيها خبر البُطسة الإسلامية القادمة من بيروت: لما أحاط بها العدو أمر مقدَّمها يعقوب الحلبي بخرقها بالمعاول «فامتلأت ماءً، وغرق كل من فيها وما فيها… ولم يظفر العدو منها بشيء أصلًا» [٢/ ١٨٣]. ويجاور العيني هذا بمشاهد رحمة يرويها ابن شداد بصيغة الشاهد: إطلاق الشيخ الفرنجي الطاعن في السن الذي جاء حاجًّا إلى القمامة، ومنع الأولاد الصغار من قتل الأسرى «لأن لا يعتادوا من الصغر سفك الدماء» [٢/ ١٧٦]، وردّ الرضيع المسروق إلى أمه [٢/ ١٨٠]. وفي وقعة أرسوف ينقل عن ابن شداد شهادةً على انكسار القلب والميمنة والميسرة معًا: «فأتيتُه ولم يبق معه إلا سبعة عشر مقاتلًا لا غير، لكن الأعلام كلها باقية والكوسات تدق لا تفتر» [٢/ ٢٠٠]. ثم «ذكر تخريب عسقلان»، وفيه قول السلطان لولده الأفضل ليلة الاستخارة: «والله لأن أفقد أولادي بأسرهم أحبّ إليّ من أن أهدم منها حجرًا واحدًا» [٢/ ٢٠٢].
الصلح وسنة الملوك: ٥٨٨–٥٨٩
تُستهلّ سنة ٥٨٨ والسلطان مقيم بالقدس يعمل في سورها بنفسه «ويحمل الحجر بينه وبين قربوس سرجه، والناس يقتدون به» [٢/ ٢٢٥]. وفيها الخلاف مع الملك المنصور ابن تقي الدين، ومشورة الأمراء التي ينقلها ابن شداد بلفظها: «فإن أراد السلطان قتال المسلمين يصالح الكفار… وإن أراد ملازمة الغزاة صالح المسلمين» [٢/ ٢٢٨]. ثم كتاب الصلح في الثامن عشر من شعبان، ويورد العيني بنوده عن النويري: بقاء يافا وقيسارية وأرسوف وحيفا وعكا وأعمالها بيد الفرنج، وخراب عسقلان، ومناصفة لدّ والرملة، ودخول بلاد الإسماعيلية في هدنة المسلمين وبلاد أنطاكية وطرابلس في هدنة الفرنج، ومدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر؛ وأن ملك الإنكتار لم يحلف «واعتذروا بأن الملوك لا يحلفون، وقنع السلطان بذلك» [٢/ ٢٤٥]. ثم عمارة المدرسة الصلاحية بالقدس، وجعل كنيسة مجاورة لدار الإستبار مارستانًا، وتفويض النظر فيهما إلى بهاء الدين بن شداد، ومنع القاضي الفاضل له من الحج فيقبل [٢/ ٢٤٦]. ورحلته الأخيرة على الساحل إلى بيروت ثم دمشق مؤرَّخة منزلة منزلة، ويعلّق عليها بعبارة أخذها عن ابن شداد: «وما كان ذلك إلا للوداع لأولاده وهو لا يشعر» [٢/ ٢٥١].
وسنة ٥٨٩ يسمّيها العيني «سنة الملوك؛ لأنه مات فيها ملوك كثيرة» [٢/ ٢٥٨]، ويعدّ منهم صلاح الدين، وعز الدين مسعود صاحب الموصل، وسيف الدين بكتمر صاحب خلاط، وسلطان شاه صاحب خراسان، وقيطرمش شحنة بغداد، وداود أمير مكة، ويعقد لكل واحد بابًا. وترجمة صلاح الدين مبنية على عشرين «نوعًا» مرقَّمًا: من الترجمة والميلاد والمنشأ والسيرة والعقيدة والحلم والشجاعة والكرم والفتوحات، إلى المرض وتاريخ الوفاة ومدة السلطنة وما جرى يوم الوفاة ومن خلفه من الأولاد وما استقر عليه الحال بعده، ثم المراثي والمدائح والقضاة والوزراء والكتّاب، وأسماء ولاة الأمور في البلاد سنة وفاته [٢/ ٢٥٨–٢٨٩].
وفي هذه الترجمة يظهر تعامله مع الاختلاف مرة أخرى: في النسب ينقل تحفّظ ابن خلكان «لم أجد أحدًا ذكر بعد شاذي أبًا آخر»، ثم يورد المُدرَج الطويل الذي يرفع النسب إلى قيس عيلان، ثم إنكار صلاح الدين للنسب الأموي الذي ادّعاه المعز إسماعيل صاحب اليمن [٢/ ٢٥٨–٢٥٩]. وفي كون شاذي مملوكًا يردّ قول ابن القادسي بقول السبط: «ما كان شاذي مملوكًا قطّ، ولا جرى على أحد من بني أيوب رقّ» [٢/ ٢٥٩]. وفي المرض ينقل ثلاث شهادات: رواية جامعة يذكر فيها أن الحمى الصفراوية بدأت ليلة السبت السادس عشر من صفر [٢/ ٢٧٠]؛ ورواية العماد عن جلوس الأفضل مكان أبيه على الطعام في اليوم التالي «وتطيّرنا بتلك الحال» [٢/ ٢٧١]؛ ورواية ابن شداد اليومية إلى الوفاة، وفيها نص يمين الأمراء للأفضل وأسماء من حلف ومن اشترط ومن امتنع عن الحلف بالطلاق [٢/ ٢٧٢–٢٧٣]. ويؤرخ الوفاة ببعد صلاة الصبح يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر عن ابن شداد، ويورد ثلاثة تواريخ أخرى قريبة، ثم يقول: «وكلام الكل قريب بعضه من بعض» [٢/ ٢٧٤]. وفي العمر ومدة الملك يجمع أربعة أرقام مختلفة [٢/ ٢٧٥]. ويورد كتاب تعزية القاضي الفاضل إلى الملك الظاهر، ثم نقد السبط له في موضعين من ألفاظه [٢/ ٢٧٦]. ثم يعدّد الأولاد السبعة عشر بألقابهم وتواريخ مواليدهم [٢/ ٢٧٧–٢٧٨]، ويصف ما استقرّ عليه الحال: الأفضل بدمشق، والعزيز بمصر، والظاهر بحلب، والعادل بالكرك والبلاد الشرقية [٢/ ٢٧٩–٢٨٠].
الوفيات وسائر مواد الحوليات
باب «ذكر من توفي فيها من الأعيان» ثابت في آخر كل سنة من سنوات القسم، وهو عند العيني ثلاثة أنواع من المادة مختلطة. الأول تراجم الملوك والأمراء، وهي غالبًا مأخوذة عن ابن الأثير في الباهر والكامل وعن ابن خلكان — كوفيات سنة ٥٦٥ التي فيها قطب الدين مودود ومجد الدين بن الداية [١/ ٤٦–٤٩]. والثاني تراجم العلماء والقضاة والمحدّثين، وأكثرها من المنتظم لابن الجوزي ووفيات الأعيان. والثالث تراجم الشعراء والأدباء، وهي أوسع الثلاثة موضعًا، ويورد فيها العيني قصائد كاملة أو مقطّعات، كترجمة ابن قلاقس الإسكندري [١/ ١٠٠–١٠١]، وعرقلة الشاعر الحلبي [١/ ١٠٢]، وابن التعاويذي الذي عمي في آخر عمره «وله في عماه أشعار كثيرة» [٢/ ٩٣]، والسهروردي المقتول بحلب وقصيدته «أبدًا تحنّ إليكم الأرواح» [٢/ ٢١٨].
والوفيات عنده موضع للحكم والخلاف كذلك. في ترجمة الخبوشاني بوفيات ٥٨٧ يجمع ثناء ابن خلكان عليه — «فقيهًا فاضلًا كثير الورع» — إلى قدح المرآة فيه: «وكان كثير الفتن… وكان طائشًا متهورًا» [٢/ ٢١٦]. وفي وفيات ٥٦٧ ينقل عن المرآة قصة تسميم البَرَوي بحلواء دسّها عليه خصومه، ويختم بدعاء: «ولا رحم تلك المرأة» [١/ ١٠٠].
وإلى جانب الوفيات يعقد العيني بابين آخرين متكررين: «ذكر الأمور المزعجة» للزلازل والحرائق والفيضانات والبرد والرياح السود [١/ ٤١، ١/ ١١٤، ١/ ١٧٨]، و«ذكر بقية الحوادث» لما لا ينتظم في السياق السياسي: أخبار المغرب والأندلس وبني عبد المؤمن، وأخبار الخطا وخوارزم شاه والغورية والهند، وأخبار بغداد من مجالس الوعظ والحرائق وولايات القضاء [١/ ٤٠، ٢/ ١٦٨، ٢/ ٢٥١]. ومن طريف ما يضعه هنا خبر امرأة بحلب ولدت أربعة أولاد في بطن واحد سنة ٥٨٩ [٢/ ٢٩٣]، وخبر ثلاثة أنهار بالحبشة تغيّرت سنة ٥٨٨ [٢/ ٢٥٢]، وهما منقولان عن المرآة.
ويبقى في الأصل مواضع لم يملأها العيني نفسه. فبعد «ذكر بقية الحوادث» في غير سنة يكتب «وفيها ………» ثم «وفيها حج بالناس ………» ويترك الفراغ، ويقول المحقِّق في الحاشية إنه بياض في نسختي المخطوطة بمقدار سطر أو سطر ونصف [١/ ٩٩، ١/ ١٨١، ٢/ ١١٠]. وهذا يدل على أن الهيكل السنوي عنده مرسوم سلفًا، ويُملأ من المصادر عند توفّرها. ويقول المحقِّق كذلك في مقدمة التحقيق إن أشهر من نقل عنهم العيني في العصر الأيوبي: القاضي الفاضل، والعماد الأصفهاني، وابن الأثير، وأبو شامة في الروضتين — وهو الطريق الذي وصل به إلى ابن أبي طيّ الحلبي بعد فقد كتبه — وابن شداد [١/ ٢٧–٢٩]. وهذه نسبة المحقِّق، وهي موافقة لما يظهر من المتن، فإن العيني يسمّي هؤلاء بأعيانهم في مواضع لا تُحصى، ويضيف إليهم: تاريخ بيبرس (زبدة الفكرة)، وتاريخ ابن العميد، وتاريخ المؤيد، ونهاية الأرب للنويري، والبداية والنهاية لابن كثير، ومرآة الزمان للسبط، ووفيات الأعيان لابن خلكان، والمنتظم لابن الجوزي، وعيون المعارف، وتاريخ قضاة مصر، وعِبرة أولي الأبصار، ومفرج الكروب لابن واصل.