العينيُّ ومقامُه
يسجّل فهرس المكتبة الشاملة صاحبَ الكتاب على هذا النحو: «بدر الدين العيني (٧٦٢ - ٨٥٥ هـ = ١٣٦١ - ١٤٥١ م)، محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، أبو محمد». وتوافق هذه البياناتُ ما تبسطه مقدّمة التحقيق المطبوعة في صدر الكتاب، وفيها أنّ نسبته إلى عينتاب من قرى شمالي حلب، وأنّ أباه كان قاضيًا فلقّنه أوّليات العلم، وأنّه حفظ القرآن قبل الثامنة [١/ ١٨].
ثم رحلاتٌ متتابعة: حلبُ سنة ٧٨٣ هـ، ودمشقُ سنة ٧٨٥ هـ، والقاهرةُ سنة ٧٨٨ هـ في صحبة شيخه علاء الدين السيرامي [١/ ١٩ - ١/ ٢٠]. وفي القاهرة استقرّ أمرُه على وجهٍ لم يستقرّ عليه أمرُ كثيرٍ من أقرانه: وُلِّي حسبةَ القاهرة في مستهلّ ذي الحجة سنة ٨٠١ هـ خلفًا لتقيّ الدين المقريزي، ثم عُزل وأُعيد مرارًا، وتولّى نظرَ الأحباس، وبلغ قضاءَ القضاة في عهد الأشرف برسباي، وقام له بدورٍ يشبه دورَ المستشار: يقرأ عليه الرسائل الواردة، ويترجم له بين العربية والتركية [١/ ٢١ - ١/ ٢٤]. ومات في ذي الحجة سنة ٨٥٥ هـ.
ومنافسوه في هذه الوظائف هم أنفسُهم منافسوه في التاريخ: المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) وابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ). وتذكر المقدّمةُ أنّ الخصومة بينه وبين المقريزي بلغت أن ترجم له العينيُّ بأنّه «كان مشتغلًا بكتابة التواريخ، ويضرب الرمل» [١/ ٢٧]. وهذا كلام المحقّق ناقلًا عن أجزاءٍ أخرى من عقد الجمان لم تدخل هذه الطبعة.
أمّا ما تحفظه المكتبةُ المحليّة من إنتاجه فتسعة عناوين تحت اسمه، وتوزُّعُها دالٌّ: «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»، و«البناية شرح الهداية»، و«شرح سنن أبي داود»، و«نخب الأفكار» و«مغاني الأخيار» في شرح معاني الآثار، و«منحة السلوك في شرح تحفة الملوك»، و«المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية» — سبعةُ شروحٍ في الحديث والفقه الحنفي والنحو. والتاريخُ عنوانان فقط، وكلاهما جزءٌ من عقد الجمان: هذا الكتاب، ومجلّدٌ آخر للسنوات ٦٤٨ - ٧١٢ هـ. فالعينيُّ في هذه المكتبة فقيهٌ حنفيٌّ وشارحُ حديثٍ في المقام الأول، والمؤرّخ فيه أقلُّ رفوفه.
وممّا لم يمكن إثباتُه محليًّا: مؤلّفاتُه التاريخية الأخرى التي تعدّها مقدّمةُ التحقيق — «السيف المهنّد في سيرة الملك المؤيّد»، و«الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر»، و«تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر» وهو مختصر عقد الجمان، و«التاريخ الكبير على السنين» — ليس منها شيءٌ في المكتبة، ولم يُتحقَّق منها إلا من طريق هذه المقدّمة نفسها [١/ ٢٥ - ١/ ٢٦]. والمجلّدُ الثاني من عقد الجمان (٦٤٨ - ٧١٢ هـ) مثبتٌ في الفهرس لكنّه خالٍ من الصفحات، فلا يقرأ ولا يُنقل عنه.
مؤرِّخٌ يكتب بعد قرنين ونصف
الواقعةُ التي يتفرّع عنها كلُّ ما عداها في هذا الكتاب واقعةٌ حسابية: آخرُ سنةٍ فيه ٦٢٨ هـ، ووفاةُ مؤلّفه ٨٥٥ هـ. بين الحدَّين نحوُ مئتين وسبعٍ وعشرين سنة. ونسختُه الأمُّ بخطّه مؤرَّخةٌ بسنتي ٨٣١ و٨٣٢ هـ [١/ ٢٩ - ١/ ٣٠]، أي إنّه كان ينسخ أخبارَ حطّين وفتح بيت المقدس بعد وقوعها بنحو مئتين وأربعين سنة.
فالعينيُّ في هذا المجلَّد ليس شاهدًا ولا معاصرًا لأحد، ولا راويًا عن شاهد. هو جامعٌ من الطبقة المتأخّرة ينقل عن كتبٍ مدوَّنة، وبعضُ هذه الكتب نفسُه جوامعُ متأخّرة عن الحدث. والمحقّق يقرّر هذا صراحةً حين يوازن بين قسمَي الكتاب: «كان العيني شاهد عيان على العصر المملوكي، بينما كان يكتب عن العصر الأيوبي نقلًا عن غيره» [١/ ١٨].
ويترتّب على ذلك في القراءة أمران. الأول أنّ أيّ خبرٍ هنا لا يُعامَل معاملةَ الشهادة، بل معاملةَ النقل: قيمتُه قيمةُ مصدره الذي أُخذ منه، لا قيمةُ الصفحة التي وردت فيها. والثاني أنّ ما يُضيفه العينيُّ ليس معلومةً جديدة في الغالب، وإنّما هو الاختيارُ والترتيب وحفظُ نصوصٍ ضاعت أصولُها. والمحقّق يبني على هذا الوجه الأخير دعواه في قيمة الكتاب: أنّ العينيّ «سجّل روايات كثيرة فقدت مصادرها فلم تعد متداولة بين المؤرخين، كنقله من الروضتين ما سجله أبو شامة عن ابن أبي طي، وكتاب البرق الشامي للعماد الأصفهاني» [١/ ١٦]. وهي دعوى المحقّق، تُختبر خبرًا خبرًا، لا تُسلَّم جملةً.
الشكلُ الحوليّ
الكتابُ حولياتٌ صارمةُ القالب. يبدأ كلُّ عامٍ بعنوانٍ واحدٍ لا يتغيّر: «فصل فيما وقع من الحوادث في السنة …»، ثم بمطلعٍ مقرَّرٍ يعدّد أصحابَ السلطة: «استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنجد بالله، وصاحب مصر العاضد، والوزير بها صلاح الدين يوسف بن أيوب» [١/ ٣٣]. وفي المجلّدات الأربعة اثنتان وستون سنةً معنونة (٥٦٥ - ٥٩٩ وهي خمسٌ وثلاثون، ثم ٦٠٢ - ٦٢٨ وهي سبعٌ وعشرون). وصيغةُ الاستهلال هذه ترد في إحدى وستين صفحةً — أي في كلّ سنةٍ إلا واحدة.
ويُختم كلُّ عامٍ بمقطعين: «ذكر بقية الحوادث»، ثم «ذكر من توفي فيها من الأعيان». وعنوانُ الوفيات هذا يتكرّر في إحدى وستين ترجمةً من اثنتين وستين، وعنوانُ بقيّة الحوادث في أربعٍ وخمسين.
أمّا نصيبُ الوفيات من المساحة فقيسَ على ستّ سنواتٍ موزّعة على المجلّدات الأربعة، بعدّ الصفحات المطبوعة من مبتدأ السنة إلى مبتدأ التي تليها:
| السنة | جملة صفحات السنة | مبتدأ الوفيات | صفحات الوفيات | النسبة |
|---|---|---|---|---|
| ٥٦٩ | ٥٥ | [١/ ١٨١] | ٩ | ١٦٪ |
| ٥٨٣ | ٤٠ | [٢/ ٩٠] | ٦ | ١٥٪ |
| ٥٨٧ | ٥١ | [٢/ ٢١٥] | ١٠ | ٢٠٪ |
| ٦٠٢ | ١٥ | [٣/ ١٨٣] | ٤ | ٢٧٪ |
| ٦٢٤ | ٣٩ | [٤/ ١٨٨] | ٢ | ٥٪ |
| ٦٢٨ | ٢٠ | [٤/ ٢٧٦] | ٤ | ٢٠٪ |
مجموعُ العيّنة مئتان وعشرون صفحة، منها خمسٌ وثلاثون للوفيات: ستّةَ عشرَ في المئة، والمدى بين خمسةٍ وسبعةٍ وعشرين.
غير أنّ هذا الرقم يُنقص من وزن الوفيات الحقيقي، لأنّ كبارَ الموتى يخرجون من باب الوفيات إلى عناوين مستقلّة في متن الحوادث: «ذكر وفاة نور الدين»، «ذكر وفاة الملك العادل»، «ذكر وفاة الملك المعظم». وهذه العناوين اثنان وعشرون في الكتاب. وسنةُ ٥٨٩ هـ أوضحُ مثال: تفتتح بـ«ذكر وفاة السلطان صلاح الدين» وتستغرق هذه الترجمةُ وحدها أكثرَ من ثلاثين صفحة، ثم لا يبقى لباب «من توفي فيها من الأعيان» إلا صفحاتٌ معدودة. فالصورةُ الصحيحة أنّ الوفيات في هذا الكتاب طبقتان: طبقةُ الملوك مدمجةٌ في السرد، وطبقةُ الأعيان مجموعةٌ في ذيل السنة.
مصادرُه
هنا موضعُ الحكم على كتابٍ من هذا النوع: ممّن نقل، وكم، وأين.
عُدَّت الأسماءُ في المتن وحده، بمعزلٍ عن الحواشي، فجاء الترتيب على هذا الوجه (والعددُ عددُ الصفحات التي يرد فيها الاسم):
- السبط (سبط ابن الجوزي، صاحب مرآة الزمان) — ١٠٨
- ابن خلكان — ٨٤
- أبو شامة — ٧٩
- العماد — ١١٦ (والرقم مبالغٌ فيه، لأنّ «عماد الدين» لقبٌ شائع لأمراء ذلك العصر؛ والصيغةُ الدالّة على الكاتب هي «قال العماد» [١/ ٣٦] و«قال العماد الكاتب» [١/ ٨٦])
- ابن الأثير — ٥٢
- ابن الجوزي — ٥٨
- ابن العميد — ٣٢
- ابن أبي طي — ٢٣
- ابن شداد — ٢٠
- ابن الساعي — ١٤ [١/ ١٢٢]
- ابن واصل — صفحةٌ واحدة
وهذا التوزيعُ يقلب توقّعًا شائعًا. فابنُ الأثير، وهو الاسمُ الذي يُذكر أولًا حين يُذكر مصدرُ العصر الأيوبي، يأتي رابعًا أو خامسًا. والغالبُ على المتن سبطُ ابن الجوزي وابن خلكان وأبو شامة. وموضعُ ثقلِ كلٍّ منهم مختلف: السبطُ وابن خلكان في الوفيات والتراجم، وأبو شامة وابن شداد والعماد في السرد الشامي وحروب الفرنج، وابن الأثير في أخبار المشرق والموصل.
وابنُ واصل حالةٌ خاصّة تستحقّ التنبيه. اسمُه في المتن مرّةً واحدة [٢/ ٦٢]، لكنّه يرد في حواشي المحقّق في عشرين موضعًا، و«مفرج الكروب» يرد في مئتين وإحدى وخمسين صفحةً من الحواشي. فابنُ واصل ليس من شيوخ العيني المذكورين، وإنّما هو النصُّ المقابِل الذي يعارِض به المحقّقُ نصَّ العيني. وخلطُ الأمرين — وهو سهلٌ على من يقرأ الصفحة كلّها دفعةً واحدة — ينسب إلى العينيّ مصدرًا لم يسمّه.
وحواشي هذه الطبعة في جملتها جهازٌ ضخم. عددُ الصفحات التي يرد فيها كلُّ عنوانٍ في الحواشي:
- الروضتين لأبي شامة — ٥٤٤
- البداية والنهاية لابن كثير — ٥٢٦
- مرآة الزمان للسبط — ٤٢٨
- الكامل لابن الأثير — ٤٢١
- وفيات الأعيان لابن خلكان — ٣٤٩
- مفرج الكروب لابن واصل — ٢٥١
- النوادر السلطانية لابن شداد — ١٧٠
- الفتح القسي للعماد — ١١٠
- الجامع المختصر لابن الساعي — ٣٣
- البرق الشامي — ٢٠
والأهمُّ من الأعداد صيغةٌ يستعملها المحقّق لتعقّب النقل حرفًا حرفًا: «إلى هنا توقف العيني عن النقل من …». ترد هذه الصيغةُ في ستٍّ وخمسين صفحة، ويتبعها اسمُ الكتاب والجزءُ والصفحة: «من سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، جـ ٨، ص ١٨١» [١/ ٧٩]، «من الكامل، ج ١٠، ص ٤٠» [١/ ١٢٠]، «من المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠٩ - ٢١٠» [١/ ١٦٨]، «من ابن خلكان» [١/ ٢٣٤]، «من البداية والنهاية» [١/ ٢٤٢]، «من النوادر السلطانية ص ١١٥» [٢/ ١٣٠].
وفي هذا الجهاز موضعان يكشفان عن عادةٍ في عمل العيني. الأول: «ورد هذا النص في: الباهر، ص ١٦٠ - ١٦١، ثم توقف العيني عن النقل من ابن الأثير وأخذ ينقل من البرق الشامي للعماد الأصفهاني دون ذكر» [١/ ١٠٩]. والثاني: «إلى هنا توقف العيني عن النقل من ابن أبي طي دون أن يذكر اسم المرجع» [١/ ١١٠]. فالانتقالُ من مصدرٍ إلى مصدرٍ يقع أحيانًا بغير إعلان، ويبقى الخبرُ محسوبًا في ظاهر النصّ على القائل الأول.
ويضمّ المحقّق إلى ذلك ملاحظةً أشدّ: «ومما يؤخذ أيضا على العيني عدم دقته أحيانا في ذكر أسماء المصادر التي ينقل عنها؛ ففي بعض الأحيان يذكر أنه نقل عن ابن الأثير، بينما يكون النقل من ابن كثير أو غيره» [١/ ١٨]. وهي ملاحظةٌ يسندها المتنُ نفسه: العينيُّ يسمّي ابنَ كثير صراحةً في مواضع [١/ ٨٥]، بل ينقل عنه صيغةَ الاستهلال الحولية ذاتها: «قال ابن كثير: استهلت هذه السنة والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب…» [١/ ١٩٢]. وابنُ كثير (ت ٧٧٤ هـ) جامعٌ متأخّرٌ هو الآخر، فبعضُ السلسلة هنا جامعٌ عن جامع.
الطبعةُ والمحقِّق
ينبغي الفصلُ بين مصدرين للبيانات: سجلُّ الفهرس، ومقدّمةُ المطبوع.
سجلُّ الفهرس (master.db) يعطي: رقمَ الكتاب ٣٨٠، وتصنيفَ التاريخ، وتاريخَ التأليف ٨٥٥ هـ، وأنّه مطبوع، وأنّه أربعةُ أجزاء في ١٢٢٦ صفحة. ولا يعطي محقِّقًا ولا ناشرًا ولا مدينةَ نشرٍ ولا رقمَ طبعة — وهذه الحقولُ خاليةٌ في الفهرس نفسه، لا مفقودةٌ من الكتاب. وما يظهر في حقل «الطبعة» هو السلسلةُ «٦٢٨ هـ]»، وهي شظيّةٌ من العنوان انقطعت عند التحليل الآلي، لا بيانَ طبعة. وما في حقل تاريخ النشر (٢٦/ ٠٣/ ١٤٤٤ هـ) لا يصحّ أن يكون تاريخَ طبعٍ لكتابٍ وُقّعت مقدّمتُه سنة ٢٠٠١ م.
أمّا مقدّمةُ المطبوع، وهي منقولةٌ في النصّ الرقمي، فتسدّ بعضَ هذا النقص بنفسها. ففي ختامها توقيعٌ صريح: «دكتور/ محمود رزق محمود — الهرم — تحريرًا في: ١٥/ ٩/ ٢٠٠١ م» [١/ ٣١]. وفي شكره يسمّي رئيسَ مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، ومديرَ عام مركز تحقيق التراث، ومديرَ مطبعة دار الكتب، ويذكر أنّه أمضى على العمل أكثر من تسع سنوات [١/ ١٦]، وأنّ الدكتورة لبيبة إبراهيم مصطفى شاركت في مراحله كلّها [١/ ٣١]. فالمحقِّقُ إذًا معلوم، وجهةُ الإصدار مصريّةٌ حكومية. ويبقى مجهولًا في النصّ الرقمي: رقمُ الطبعة، وسنةُ الطبع نفسُها (لا تاريخُ التوقيع)، والترقيمُ الدولي.
والأصولُ الخطّية موصوفةٌ في [١/ ٢٩ - ١/ ٣٠]. النسخةُ (أ) مصوَّرةٌ عن معهد المخطوطات العربية عن مكتبة أحمد الثالث بتركيا برقم ٢٩١١/ ١٩، في تسعة عشر جزءًا، اعتُمد منها الجزءُ الثاني عشر (٥٢١ - ٥٧٨ هـ) في ٢٢٧ ورقة بخطّ المؤلف سنة ٨٣١ هـ، والجزءُ الثالث عشر عن مكتبة ولي الدين برقم ٢٣٩٠ (٥٧٩ - ٦٢٠ هـ) في ٢٢١ ورقة بخطّ المؤلف أيضًا سنة ٨٣٢ هـ، ومسطرتُهما واحدةٌ وثلاثون سطرًا. والنسخةُ (ب) ملفَّقةٌ بدار الكتب المصرية برقم ١٥٨٤ تاريخ في ستّةٍ وثلاثين جزءًا، اتُّخذت مساعدةً حتى سنة ٦٢٠ هـ ثم أصلًا بعدها. فالشاهدُ الأول للقسم الأكبر من الكتاب بخطّ مؤلّفه — وهي ميزةٌ نادرة تُغني عن كثيرٍ من الجدل في ضبط النصّ.
ومنهجُ التحقيق معلَنٌ في [١/ ٣١]: التزامُ نصّ الأصل مع تقويم التصحيف بالرجوع إلى المصادر المنقول عنها، ووضعُ الزيادات بين حاصرتين، وتقسيمُ الفقرات وإدخالُ علامات الترقيم، والتعريفُ بالأعلام والأماكن والمصطلحات.
والنقصُ في الأصل الخطّي: يقفز الكتابُ من سنة ٥٩٩ هـ إلى سنة ٦٠٢ هـ. وحاشيةُ المحقّق على رأس سنة ٦٠٢ تقرّر السبب في سطر: «السنتان ٦٠٠، ٦٠١ هـ. ساقطتان من نسخ المخطوط» [٣/ ١٧٢]. فالساقطُ سنتا ٦٠٠ و٦٠١، وهما غائبتان من المطبوع كلِّه. ومن قصد الكتابَ لحادثةٍ في إحداهما لم يجد فيه شيئًا، ولا يدلّ خلوُّه على خلوّ المصادر الأقدم.
حدودُه
المجلَّداتُ الأربعة شريحةٌ من مصنَّفٍ أكبر بكثير. يقول المحقّق إنّ عقد الجمان يتتبّع التاريخ «منذ عهد آدم حتى سنة خمسين وثمانمائة» [١/ ١٧]، فما بين الدفّتين هنا اثنتان وستون سنةً من ذلك المدى.
ولا يغطّي هذا المطبوعُ ما بعد ٦٢٨ هـ. والمجلّدُ الآخر في المكتبة يبدأ من ٦٤٨ هـ ولا يُقرأ، فالمدى ٦٢٩ - ٧١٢ هـ غيرُ متاحٍ محليًّا بحال. وثمّة تفاوتٌ يُسجَّل ولا يُفصَل فيه هنا: المحقّق يذكر أنّه اتّخذ النسخة (ب) أصلًا «لاستكمال السنوات من ٦٢١ هـ إلى ٦٤٧ هـ» [١/ ٣٠]، والمطبوعُ بين أيدينا ينتهي عند ٦٢٨ هـ.
وينتهي انتهاءً مبتورًا. آخرُ صفحةٍ فيه [٤/ ٢٧٩] ترجمةٌ قصيرةٌ في وفيات سنة ٦٢٨: «جمال الدولة خليل بن زويزان، رئيس قصر حجاج… مات في هذه السنة ودفن بتربته عند مسجد فلوس». لا خاتمةَ ولا فهارسَ ولا كلمةَ ختام.
وثمّة ما لا يفعله الكتابُ في حدود موضوعه. يسجّل المحقّق أنّ العينيّ لم يعنَ في القسم الأيوبي بالأحوال الاقتصادية — زيادةِ النيل ونقصانه، والغلّة، والأسعار غلاءً ورخصًا — على خلاف عنايته بها في القسم المملوكي [١/ ١٧]. ويسجّل كذلك أنّه ينقل العباراتِ واللهجاتِ والحواراتِ كما جاءت في مصادرها دون تفسير، «مما يترتب عليه بعض الغموض أحيانا» [١/ ١٧]. فمن طلب في هذا الكتاب سلسلةً سعريّةً أو بيانًا اقتصاديًّا للعصر الأيوبي طلب ما ليس فيه.
كيف تقرأ هذا الكتاب اليوم
اقرأه شاهدًا على المكتبة، لا على الحدث. أنفعُ ما يقوله هذا المجلَّد ليس ما جرى سنة ٥٨٣ هـ، بل ما كان لا يزال مقروءًا في القاهرة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع: أيُّ الكتب كان بين يدي قاضي القضاة، وأيَّها اختار، وكم أخذ من كلٍّ منها.
اجعل لكلّ خبرٍ قاعًا. حيث سمّى العينيُّ مصدرَه فالخبرُ مسألةُ رجوعٍ لا مسألةُ ثقة: أبو شامة يعني الروضتين، والسبط يعني مرآة الزمان، وابن شداد يعني النوادر السلطانية، وابن الأثير يعني الكامل أو التاريخ الباهر. وحواشي هذه الطبعة تعطي الجزءَ والصفحة في أكثر الأحيان، فالطريقُ إلى الأصل مفتوح.
احترس من الانتقالات الصامتة. المواضعُ التي يتحوّل فيها النصُّ من مصدرٍ إلى مصدرٍ بلا إعلان موثَّقةٌ في ستٍّ وخمسين صفحة من الحواشي، ومنها ما نُصَّ فيه على أنّ التحويل وقع «دون ذكر» [١/ ١٠٩] و«دون أن يذكر اسم المرجع» [١/ ١١٠]. فالتسميةُ في أوّل الفقرة لا تمتدّ بالضرورة إلى آخرها.
تحقّق من الاسم المذكور نفسه. «قال ابن الأثير» ليست ضمانًا؛ ينبّه المحقّق إلى أنّ النقل يكون أحيانًا عن ابن كثير أو غيره [١/ ١٨].
عُدَّ الطبقات قبل تصديق الرقم. في [٢/ ٦٢]: «وقال ابن واصل: ذكر العماد أن السلطان الملك الناصر خلص في هذه التوبة ثلاثين ألف أسير من المسلمين». هذا رقمٌ عبر ثلاث طبقات — العيني عن ابن واصل عن العماد — قبل أن يبلغ القارئ. ومثلُه يُعامَل معاملةَ التقدير المتناقَل، لا معاملةَ الإحصاء.
الضميرُ المتكلّم في هذا الكتاب ليس العينيَّ في الغالب. حين تقرأ «وحضرت مجلسه» أو «وكنت أصلي خلفه» [٣/ ١٧٠] فالمتكلّم سبطُ ابن الجوزي في بغداد سنةَ الوفاة، منقولًا بلفظه. والعينيُّ يحتفظ بالصيغة كما وجدها. وهذا أكثرُ ما يوقع في الوهم عند القراءة السريعة، وخاصّةً في أبواب الوفيات حيث يغلب السبط.
افصل المتنَ عن الحاشية دائمًا. كلُّ ما في الحواشي كلامُ محقّقٍ سنةَ ٢٠٠١ م: التعريفاتُ بالبلدان عن معجم البلدان، والموازناتُ بمفرج الكروب والبداية والنهاية، والحكمُ بأنّ روايةً «هي الأقرب إلى الصواب». ولا يُنسب من ذلك شيءٌ إلى العيني.
واعلم موضعَ الثغرة. سنتا ٦٠٠ و٦٠١ هـ ساقطتان من الأصل الخطّي وغائبتان من المطبوع [٣/ ١٧٢]، فلا يُستدلّ بسكوت الكتاب عنهما.