Badr al-Dīn al-ʿAynī · ʿIqd al-Jumān · A Reader's Companion

دمياط، والتتار، وآخرُ الحوليّة

القسم الثالث

بدر الدين العيني (ت ٨٥٥ هـ) · تحقيق د. محمود رزق محمود · السنوات ٥٦٥–٦٢٨ هـ

حملةُ دمياط واستردادُها، ودخولُ التتار في الخبر ونهايةُ خوارزم شاه، وجلالُ الدين من السند إلى أذربيجان، وثلاثةُ خلفاء في عامين، وهلاكُ جنكيزخان، وتسليمُ القدس — إلى حيث ينتهي الجزء.

ابدأ

يغطّي هذا القسم ثلاث عشرة سنة متّصلة من «عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان» لبدر الدين العيني، من مستهلّ سنة ست عشرة وستمائة إلى آخر سنة ثمان وعشرين وستمائة، وهي في المطبوع الجزء الرابع كلّه، من الصفحة السابعة إلى الصفحة التاسعة والسبعين بعد المئتين [٤/ ٧ – ٤/ ٢٧٩]. يفتتح العيني كلّ سنة بفصل عنوانه «فيما وقع من الحوادث في السنة الفلانية»، ثم يمسح الأرض مسحًا سياسيًّا: الخليفة، وصاحب مصر، وصاحب دمشق، وصاحب حلب، وصاحب بلاد الروم، وصاحب البلاد الشرقية، وصاحب الموصل، وصاحب خوارزم، وصاحب مكة، وصاحب الغرب؛ ثم يقسم السنة أبوابًا معنونة: «ذكر ماجريات بني أيوب»، «ذكر ماجريات بني خوارزم شاه»، «ذكر بقية الحوادث»، «ذكر من توفي فيها من الأعيان». في هذه السنوات بعينها يجتمع على المؤرّخ خبران كبيران: الفرنج على دمياط ثم في القدس، والتتار خارجون من أقصى المشرق. وهو يقول ذلك صريحًا في مطلع سنة ٦١٧: «استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والمسلمون في كرب شديد من أمور: الأول من جهة الفرنج وهم متملكون دمياط... والثاني وهو معظمها خروج التتار من بلادهم واستيلاؤهم على بلاد المسلمين وفسادهم. والثالث وقوع الفتن في أطراف البلاد» [٤/ ٢٣].

دمياط وسور القدس: سنة ٦١٦

تُستهلّ السنة بلوحة الملوك: الناصر لدين الله، والكامل بمصر، والمعظّم بدمشق، والعزيز بن الظاهر غازي بحلب، والأشرف موسى بالبلاد الشرقية، وعلاء الدين محمد بن تكش بخوارزم «ولكنه في أمور عظيمة وحروب شديدة، بسبب ظهور جنكزخان ومشيه إلى بلاد الإسلام»، والكامل «بمصر في مقابلة الفرنج، وهم محدقون محاصرون لثغر دمياط» [٤/ ٧ – ٤/ ٨].

خبر سقوط دمياط مركّب من أربعة نقول متعاقبة، ولا يخفي العيني تعارضها. يبدأ بقول بيبرس، ويورد معه قصيدة الأمير جمال الدين الكناني التي كتبها «على لسان دمياط وسيَّرها إلى الملك الكامل في سهم نشاب حال الحصار» [٤/ ٩]. ثم ينقل عن ابن كثير أن الفرنج «هجموها في عاشر رمضان من هذه السنة، فقتلوا وأسروا من بها، وجعلوا الجامع كنيسة» [٤/ ١٠]. ثم عن «مرآة الزمان» للسبط أن الأخذ كان «في شعبان»، وأن أهل البلد «ضعفوا وأكلوا الميتات» وراسلوا الفرنج على تسليم البلد والخروج بأهلهم، فحلّفوهم ثم غدروا بهم [٤/ ١٠ – ٤/ ١١]. ثم عن ابن العميد أنهم ملكوها «يوم الثلاثاء لخمس بقين من شعبان»، و«كانت مدة الحصار عليها ستة عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا» [٤/ ١٢]. فالتواريخ الأربعة متجاورة غير مُرجَّح بينها؛ وطريقته أن يصفّها ويمضي.

ومن «المرآة» ينقل هدم سور القدس في أول المحرّم أو سابعه، بأمر المعظّم خوفًا من استيلاء الفرنج: «ووقعت في البلد ضجة مثل يوم القيامة»، وخرج الناس إلى الصخرة والأقصى فقطعوا شعورهم ومزّقوا ثيابهم، «ومات خلق كثير من الجوع والعطش، وكانت نوبة لم يكن في الإسلام مثلها» [٤/ ١٤]. ويتبعه بشعر السخط: «في رجب حلل المحرم … وخرب القدس في المحرم» [٤/ ١٤]، وبأبيات قاضي الطور في رثاء الرسوم الباقية؛ يقول المحقِّق إن هذه الأبيات لم تُوجد في مرآة الزمان وإنما في «الذيل على الروضتين» لأبي شامة، مع أن العيني نسبها إلى السبط [٤/ ١٥]. وفي «بقية الحوادث» ما لا يدخل في الأبواب الكبرى، مثل إلباس المعظّم قاضيَ القضاة القباء والكلوتة في مجلس الحكم إهانةً له، وقول السبط له بعدها: «ما فعلت إلا بصاحب الشرع، ولقد وجبت عليك دية القاضي. فقال: هو الذي أحوجني إلى هذا، ولقد ندمت» [٤/ ١٦ – ٤/ ١٧].

دخول التتار في الخبر، ونهاية علاء الدين خوارزم شاه: ٦١٦–٦١٧

أول باب مستقلّ للتتار عنوانه «ذكر حصار التتار خوارزم» في سنة ٦١٦. يسمّي العيني القادة: تاجي بك، وأنطاي بن جنكيزخان، وحقطاي، ودوشي خان، ومعهم بقرجن نوين وطُلُن وأشتون نوين وقصان نوين «في مائة ألف أو يزيدون»؛ ويذكر تفصيلًا فنيًّا: أن البلد خالية من الحجارة، فقطعوا أصول التوت قطعًا مدوَّرة ونقعوها في الماء ورموا بها في المجانيق. ويروي محاورة محتسب خوارزم مع دوشي خان: «إنّا قد رأينا هيبة الخان، وقد آن أن نشاهد مرحمته»، فاغتاظ وقال: «وأنا الذي شاهدت هيبتهم وسأريهم هيبتي» [٤/ ١٥ – ٤/ ١٦].

في سنة ٦١٧ يوسّع الباب. يفتتحه بنقل عن ابن كثير: «وفي هذه السنة عم البلاء وعظم العزاء بجنكزخان المسمى بتموجين... واستفحل أمرهم وامتد فسادهم من أقصى بلاد الصين إلى أن وصلوا إلى بلاد العراق» [٤/ ٢٤]، ثم بنقل عن ابن الأثير هو أشهر ما في الباب: «لو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم عليه السلام وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا... ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج» [٤/ ٢٥].

هنا يُسمع صوت العيني نفسه، وهو صوت رجل يكتب بعد قرنين وأكثر. يقطع النقل بقوله: «قلت: قد جاء هلاون بعده وفعل بين المسلمين أقبح منه، ثم في آخر الأمر جاء تمرلنك في سنة ثلاث وثمان مائة وأفسد وأخرب وحرق وقتل أكثر من جنكيز خان وغيره؛ لأن تمرلنك دخل الروم والشام والعراق وقتل فيها ما لا يعد ولا يحصى» [٤/ ٢٦]. المقارنة عنده مقارنة مؤرّخ يعرف ما بعد الحدث، ويقيس أحد الخرابين بالآخر.

بعد ذلك يسوق سقوط المدن على الترتيب، وأكثره عن ابن الأثير: بخارى، وطمُّ خندق قلعتها بالمنابر والربعات [٤/ ٢٦]؛ ثم سمرقند وفيها خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية، وكمين استدرج أهل البلد فقُتِل منهم سبعون ألفًا «على ما قيل» [٤/ ٢٧]. ثم يتتبّع «السرايا»: الري، وهمذان، وقزوين «فقتلوا من أهلها نحوًا من أربعين ألفا»، ومصالحة أزبك بن البهلوان لهم بمال «لشغله بما هو فيه من السكر»، ثم مراغة وإربل وتبريز، ثم بلاد اللان والقفجاق والروس، ثم بلغار «في حدود العشرين وستمائة» [٤/ ٣٠ – ٤/ ٣٢]؛ ثم مرو — وفيها الرقم الأضخم في الكتاب: «حتى إنهم قتلوا في يوم واحد سبع مائة ألف إنسان» — ثم نيسابور وطوس وهراة وغزنة [٤/ ٣٣]. وله في هذا السياق ملاحظة تخصّ مؤرّخًا مملوكيًّا يكتب بالقاهرة: أن سبايا القفجاق والجركس والروس وغيرهم «جلبت... إلى البلاد الشامية والمصرية، فمنهم المماليك العادلية والكاملية والأشرفية والمعظمية والناصرية والعزيزية، وحسنت آثارهم في الممالك الإسلامية» [٤/ ٦٥].

أما نهاية علاء الدين خوارزم شاه فيرويها من مصدرين متمايزين: «أبو الفتح المنشئ» — كاتب إنشاء السلطان، فالنقل عنه نقل عن قريب من الحدث — ومن ابن كثير. عن الأول: مطاردته حتى حافة البحر، وإقامته عند الفرضة «يبكي وينذر النذور... ويعاهد الله بإقامة العدل إن كتب سلامته»، ثم وصوله إلى الجزيرة «فريدًا طريدًا، لا يملك طارفًا ولا تليدًا». وعن ابن كثير رواية أخرى: «وقيل: إنه لا يعرف بعد ركوبه في البحر ما كان من أمره بل ذهب فلا يدرى أين ذهب» [٤/ ٢٩]. ثم ترجمة أمّه تركان خاتون عن أبي الفتح، بطغراء توقيعها «عصمة الدنيا والدين ألغ تركان خاتون ملكة نساء العالمين» [٤/ ٥٤]، ثم أسرها وصيرورتها تحضر سماط جنكيزخان «فتحمل منه ما يقوتها أيامًا»، ثم حكمه: «فقد جوزيت في الدنيا بما ارتكبت من إهلاك بني الملوك» [٤/ ٥٦].

استرداد دمياط: ٦١٨

سنة ٦١٨ هي الوجه المقابل. الفرنج يتقدّمون إلى المنصورة، والكامل يستحثّ إخوته، فيصل الأشرف بعساكر الشرق وحلب، والمعظّم بعسكر دمشق، ومعهم صاحب حماة وصاحب بعلبك وصاحب حمص [٤/ ٥٧]. يذكر العيني أن المسلمين بذلوا في الصلح «تسليم القدس الشريف، وعسقلان وطبرية، واللاذقية، وجبلة، وجميع ما فتحه السلطان صلاح الدين... ما عدا الكرك والشوبك»، فلم يرض الفرنج وطلبوا ثلاثمئة ألف دينار عوضًا عن تخريب أسوار القدس، والكرك والشوبك [٤/ ٥٧]. ثم كُسر جسر البرمون وفُتحت فجرة في النيل في قوّة زيادته، «والفرنج لا خبرة لهم بأمر النيل»، فأحاط بهم الماء وانقطعت عنهم الميرة [٤/ ٥٨، ٤/ ٦٠]. وبعث الكامل ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب رهينةً «وعمره يومئذ خمس عشرة سنة» [٤/ ٥٨].

ثم يقع اختلاف في التاريخ لا يحسمه: يذكر أولًا أن دمياط سُلِّمت «في تاسع عشر رجب»، وينقل عن ابن كثير أن الصلح كان «يوم الأربعاء تاسع عشر رجب» [٤/ ٥٨، ٤/ ٦٠]، ثم يورد رواية أخرى: «وتسلم المسلمون دمياط في تاسع عشر شعبان منها... فكانت مدة مقامهم بالديار المصرية أربعين شهرًا وتسعة عشر يومًا» [٤/ ٦١].

الشعر هنا وظيفته مضاعفة. يورد قصيدة الراجح الحلي وفيها: «أعبّاد عيسى إن عيسى وحزبَه … وموسى جميعًا يخدمون محمدا»، وينقل عن أبي شامة أن الشاعر أشار بها إلى المعظّم عيسى والأشرف موسى والكامل محمد. ثم يعقّب العيني على صنعة البيت الأول: «قلت: قول الشاعر راح مخلدًا غير وجه، والصواب دام مخلدًا على ما لا يخفى» [٤/ ٦٠] — وهو موضع نادر يتدخّل فيه ناقدًا للفظ لا للخبر. ومن «المرآة» ينقل مشهدًا داخليًّا: مفاوضة السبط بين المعظّم والأشرف، وقول المعظّم له: «قد سحبت الأشرف إليّ هاهنا بأسناني وهو كاره»، ثم انفراج الأمر بكلمة قالها الأشرف من غير قصد: «ما تروح إلى دمياط ونستريح»، فقبّل المعظّم قدمه وخرج من الخيمة «كالأسد الضاري يصيح: الرحيل الرحيل إلى دمياط» [٤/ ٦١ – ٤/ ٦٢].

جلال الدين من السند إلى أذربيجان، وشؤون ملوك الشرق والشام: ٦١٨–٦٢١

يفرد العيني لجلال الدين منكبرتي بابًا يعود إليه سنةً بعد سنة، وأكثر مادّته من أبي الفتح المنشئ. يبدأ بسلطنته بعد أبيه وهربه من خوارزم في ثلاثمئة فارس، وأول وقعاته مع التتار قرب نسا [٤/ ٦٨]، ومقتل أخويه أزلاع شاه وآق شاه بعد انتصار خدعهم: «فلم يرعهم إلا إحاطة الأطلاب بهم إحاطة الأطواق بالأعناق»، وطواف التتار بالبلاد برأسيهما منصوبين على الرماح [٤/ ٦٩].

وقعة السند مبثوثة في سنة ٦١٩ تحت عنوان «ذكر المصاف بين جلال الدين وجنكيزخان على حافة ماء السند»، بثلاثين ألف راكب في مقابل مئة ألف، وكمين من عشرة آلاف خرج على الميمنة فقلبها [٤/ ٧٥]؛ ويقول المحقِّق إن الحادثة كانت سنة ثماني عشرة وستمائة بحسب سيرة منكبرتي، مع أن العيني ذكرها في ٦١٩. ثم مشهد النهر: أَسْر ولده وقتله بين يدي جنكيزخان، وصياح والدته وحرمه «بالله عليك اقتلنا، والقتل أحب إلينا من الأسر»، فأمر بهنّ فأُغرقن؛ ثم عبوره النهر بفرسه وهو لابس عدّته، ونجاة أربعة آلاف رجل «حفاة عراة»، ولقاؤه أصحابه بعد ثلاثة أيام «فاتخذوا يوم ملاقاتهم عيدًا» [٤/ ٧٦ – ٤/ ٧٧].

وفي السنوات نفسها يتابع خبر الشام والجزيرة: استيلاء الأشرف على سنجار سنة ٦١٧ ومعاوضة صاحبها بالرقّة، وقبض بدر الدين لؤلؤ على ابن المشطوب بتلّ أعفر، ثم إلقاؤه في جبّ بحرّان حتى «مات بالقمل والجوع» [٤/ ٢٣، ٤/ ٣٦ – ٤/ ٣٧]؛ وتملُّك لؤلؤ الموصلَ سنة ٦١٩ وتسميته نفسه الملك الرحيم بعد موت الطفل الذي كان نصبه، «وخلع لؤلؤ البيت الأتابكي بالكلية» [٤/ ٨٠]. وفي «بقية الحوادث» طرائف من نوع آخر: إرسال المعظّم الصدرَ البكري إلى بلاد العجم بحجّة طائر «السمرمر» الذي يأكل الجراد، «وما كان مقصوده إلا أن يبعث البكري إلى جلال الدين... ليتفق معه»، ثم عودته «وكان الجراد قد قل فلما عاد البكري كثر الجراد» [٤/ ٨٣ – ٤/ ٨٤]. وفي سنة ٦٢٠ خبر مُلك الكرج حين مات ملكهم فلم يبقَ من بيت المُلك إلا امرأة، وما جرى مع ابن طغريل شاه صاحب أرزن الروم الذي تنصّر ليتزوّجها ثم اعتُقل [٤/ ٩٥]. وفي سنة ٦٢١ صورة موجزة للخذلان: سريّة من التتار ثلاثة آلاف تكسر الخوارزميين، فيقتل أزبك منهم خلقًا ويرسل برؤوسهم إليهم مع الهدايا، «والخوارزمية وأصحاب ابن البهلوان أضعاف أضعافهم، ولكن الله ألقى عليهم الخذلان والفشل» [٤/ ١٠٢].

ثلاثة خلفاء في عامين: ٦٢٢–٦٢٣

مات الناصر لدين الله في سلخ رمضان ٦٢٢، فأفرد له العيني ترجمة مقسَّمة أنواعًا: نسبه، وسيرته، ووفاته، وما يتعلّق به. طريقته في السيرة أن يجمع المتناقضات ولا يوفّق بينها. ينقل عن ابن الأثير: «كان قبيح السيرة في رعيته، ظالمًا لهم، فخرب في أيامه العراق»، ويورد أخطر ما قيل فيه: «وإن كان ما ينسب العجم إليه صحيحًا من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد وراسلهم، فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم» [٤/ ١١٢ – ٤/ ١١٣]. ثم ينقل عن «عيون المعارف» ضدّ ذلك: «كان بصيرًا بالأمور مجرَّبًا، سائسًا مهيبًا، مقدامًا... يفاوض العلماء مفاوضة خبير» [٤/ ١١٣]. وفي مدّة خلافته خلاف كذلك: يقول إنها «سبع وأربعون سنة إلا شهرًا» [٤/ ١١٦]، ثم ينقل عن ابن العميد أنها «ست وأربعون سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرون يومًا» [٤/ ١١٧]؛ وفي موضع دفنه روايتان [٤/ ١١٦].

خلافة الظاهر بأمر الله لم تبلغ السنة؛ مات في ثاني عشر رجب ٦٢٣، «وكانت مدة خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر يومًا، ولا يعلم أنه ولي من بني العباس أقصر مدة منه، كما أنه لم يل منهم أطول مدة من أبيه». ويورد العيني توقيعه بخطّه إلى أرباب الدولة، وفيه: «اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالًا، ولا إغضاؤنا إغفالًا»؛ ويختم بخبر دالّ: «ولما مات وجد في بيت داره رقاع مختومة كلها لم يفتحها، وقال: لاحاجة لنا فيها، كلها سعايات بالناس» [٤/ ١٣٣ – ٤/ ١٣٤]. ثم بويع المستنصر بالله، «وهو السادس والثلاثون من خلفاء بني العباس»؛ ويذكر بناءه المدرسة المستنصرية، وأنه سمع ضجّة فقيل: التأذين، «فترجّل عن مركوبه وسعى ماشيًا» [٤/ ١٣٤، ٤/ ١٣٧].

وفي هاتين السنتين يتقاطع خبر الخلافة مع خبر جلال الدين: دخوله دقوقا عنوةً وقتله أهلها، وانزعاج الخليفة وتفريقه ألف ألف دينار في العساكر ونصب المجانيق على أسوار بغداد؛ وكتاب جلال الدين إلى المعظّم يدعوه إلى قصد الخليفة «فإنه كان السبب في هلاك أبي ومجيء الكفار إلى البلاد»، وجواب المعظّم كما حكاه السبط عنه: «أنا معك على كل أحد إلا على الخليفة فإنه إمام المسلمين» [٤/ ١٢١]. ثم فتح تفليس عنوةً في ٦٢٣ [٤/ ١٣٧]، وتحالف المعظّم وجلال الدين ومظفّر الدين صاحب إربل على اقتسام بلاد الأشرف وبدر الدين لؤلؤ، وانفساخه بعصيان براق الحاجب بكرمان [٤/ ١٣٨].

وفاة المعظّم وهلاك جنكيزخان: ٦٢٤

سنة ٦٢٤ أكثف سنوات هذا القسم؛ يفتتحها العيني بلوحة الملوك ثم يقول صراحةً إن أربعة منهم يموتون فيها [٤/ ١٥١]. في السياسة يذكر أن الوحشة بين الكامل والمعظّم بلغت أن كتب الكامل إلى «الأنبرور ملك الألمان» يستدعيه إلى الساحل ويعده بالبيت المقدس، وكتب المعظّم إلى جلال الدين يستنجده ويخطب له ويضرب الدنانير باسمه ويقطع خطبة الكامل [٤/ ١٥٢]. ويورد — عن ابن كثير وأبي شامة — جواب المعظّم لرسول الأنبرور حين طلب فتوح صلاح الدين: «قل لصاحبك ما عندي إلا السيف» [٤/ ١٥٣].

ترجمة المعظّم مبسوطة في أنواع، وأكثرها من «المرآة» وابن خلكان وابن كثير: إجازته من يحفظ «المفصَّل» للزمخشري بثلاثين دينارًا — وفي رواية ابن خلكان بمئة دينار وخلعة؛ وجوابه لمن عاتبه على مخالفة مذهب أهل بيته: «أما ترضون أن يكون في بني أيوب مسلم واحد» [٤/ ١٦٥]؛ وترتيبه النيران على الجبال من نابلس إلى عكا، وجواسيسه من نساء الخيّالة اللواتي يوقدن شمعة لكلّ مئة فارس؛ ومن تاريخ بيبرس قلّة تكلّفه، حتى «إذا فعل إنسان فعلًا لا تكلّف فيه قيل: قد فعل فعلًا معظميًّا» [٤/ ١٦٦ – ٤/ ١٦٧].

باب «ذكر هلاك جنكزخان» هو أطول ما كتبه العيني عن التتار في أنفسهم لا في وقائعهم، وهو مقسوم ثلاثة أنواع: الترجمة، والسيرة، والهلاك. في الترجمة: «هو السلطان الكبير عند التتار، ولا يعرف أبوه، وهو مجهول النسب، وقد كانت أمه تزعم أنها حملت به من شعاع الشمس»، واسمه أولًا تُمرجي، و«خان» معناها السلطان بلغة التتار، وظهوره سنة ٥٩٩ [٤/ ١٧٧]. ثم قصّة صعوده عن ابن كثير وأبي الفتح النسوي: كونه شابًّا خصيصًا عند أُوَيْك خان ثم إبعاده، وتكاثر النافرين عنده حتى حاربه فقتله؛ ثم غضب ألطون خان وأمره بقطع أذناب الخيل المهداة إليه «مع السب والشتيمة»، فكان ذلك سبب الخروج عليه [٤/ ١٧٨ – ٤/ ١٨٠].

في السيرة يعتمد على «علاء الدين الجويني الوزير ببغداد» صاحب المجلَّد في سيرته، وعلى ابن كثير. يعرض «الياساق» ويصفه: «وأكثرها تخالف شرائع الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنما هو شيء اقترحه من عند نفسه»، ويعدّد نُتَفًا منه: قتل الزاني والساحر والجاسوس، ومن بال في الماء الواقف، ومن أطعم أسيرًا بغير إذن أهله؛ ثم يحكم بأن من قدَّمها على الشرع «كفر بإجماع المسلمين» [٤/ ١٨١ – ٤/ ١٨٢].

ثم تنعطف نبرته انعطافًا لافتًا. ينقل عن الجويني «طرفًا كبيرًا من أخبار جنكيزخان ومن مكارمه التي كان يفعلها بسجيته، وما أدّاه إليه عقله، وإن كان مشركًا بالله تعالى»، ويعلّق: «وقد قتل من الخلائق ما لا يعلم عدده إلا الله الذي خلقهم، ولكن كانت البُداءة من السلطان خوارزم شاه، حيث قتل تُجَّاره، وأخذ أموالهم» [٤/ ١٨٣]. ثم يورد حكايات الكرم: قرطَي زوجته يعطيهما لفلاح جاءه بثلاث بطّيخات، والمرأة التي خُيِّرت في واحد من ثلاثة محكوم عليهم فاختارت أخاها فأُطلق لها الثلاثة: «الزوج يجيء مثله، والابن كذلك، والأخ لا عوض له» [٤/ ١٨٣ – ٤/ ١٨٤]. وفي الهلاك: «ولما توفي جعلوه في تابوت من حديد وربطوه بسلاسل وعلقوه بين جبلين هناك»، ووصيّته لأولاده بالاتفاق مع مَثَل السهام المجموعة [٤/ ١٨٥].

تسليم القدس وانتزاع دمشق: ٦٢٥–٦٢٦

في سنة ٦٢٥ يخرج الكامل بعساكره إلى الشام بعد أن عهد لولده الصالح نجم الدين أيوب وأركبه بالقاهرة [٤/ ١٩٠]؛ ويصف العيني موازين البيت الأيوبي: لجوء الناصر داود إلى عمّه الأشرف، ثم اتفاق الكامل والأشرف على نزع دمشق منه ومعاوضته بحرّان والرقّة والرها وسروج ورأس عين [٤/ ١٩٢ – ٤/ ١٩٣]. وينقل عن ابن العميد تعليلًا آخر: أن الناصر لمّا استقرّ بدمشق «ظلم الناس، وأخذ أموالهم، وأقبل على اللهو والشرب والطرب» [٤/ ١٩٤].

باب سنة ٦٢٦ «ذكر تسليم القدس إلى الفرنج» يفتتحه بحكم صريح: «وكان هذا في الإسلام من أعظم المصيبات»، ويعلّله باجتماع ملوك بني أيوب على نزاعهم «فقويت قلوب الفرنج بكثرتهم» [٤/ ٢٠٤]. ثم يورد شروط الصلح عن النويري وبيبرس: بقاء الأسوار خرابًا، وألّا يتعرّض الفرنج للصخرة ولا للأقصى، وأن يكون الحكم في الرساتيق لوالي المسلمين. وينقل تعليل الكامل: أنه يُرضي الفرنج بمدينة خراب ويهادنهم مدّة «ثم هو قادر على انتزاع ذلك منهم متى شاء»؛ ويورد كلمة الأنبرور لفخر الدين بن الشيخ: «لولا أني أخاف انكسار جاهي عند الفرنج لما كلفت السلطان شيئًا من ذلك» [٤/ ٢٠٥].

ثم صدى الحدث. عن «المرآة»: «قامت القيامة في جميع بلاد الإسلام... بحيث أنه أقيمت المآتم»، وجلوس السبط بجامع دمشق بإشارة الناصر داود، ومن كلامه: «يا خجلة ملوك المسلمين! لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات» [٤/ ٢٠٦]. ثم مشاهد الزيارة من «المرآة» أيضًا: قصّة المؤذّن عبد الكريم الذي قرأ ليلته آياتٍ تخصّ النصارى، فلمّا مُنع في الليلة الثانية عاتب الأنبرور القاضيَ: «تغيّرون أنتم شعاركم ودينكم لأجلي؟ فلو كنتم عندي في بلادي هل كنت أبطل ضرب الناقوس لأجلكم؟»؛ ووصفُه من ألسنة من رآه: «أشقر أمعط، في عينيه ضعف»، و«الظاهر من كلامه أنه كان دهريًّا وإنما كان يتلاعب بالنصرانية» [٤/ ٢٠٧ – ٤/ ٢٠٨]. وعن ابن العميد أن أئمة الصخرة والأقصى ومؤذّنيها جاؤوا إلى باب دهليز الكامل فأذّنوا في غير وقت الأذان، «فعزَّ ذلك على الملك الكامل» فأمر بأخذ ما معهم [٤/ ٢٠٧].

وفي السنة نفسها يتمّ للكامل أخذ دمشق: الحصار وقطع الماء، وخروج الدمشقيين يقاتلون «محبة في صاحبهم»، وضرب الناصر أوانيَه الفضية والذهبية دراهم ودنانير حتى نفدت الخزائن، ثم تسليم القلعة، ودخول العسكر المصري «وحزن الدمشقيون حزنًا عظيمًا» [٤/ ٢١٠ – ٤/ ٢١٢]. ومن «بقية الحوادث»: مناداة الأشرف بدمشق «أن لا يشتغل الناس بعلم الأوائل، وأن يشتغلوا بعلم التفسير والحديث والفقه»، وعزله سيف الدين الآمدي عن تدريس العزيزية [٤/ ٢٢١]؛ وحصار جلال الدين خلاط حتى «أكلوا الكلاب والسنانير»، ثم دخولها بخيانة أمير من داخلها، ووضع السيف في أهلها «وفعل فيها ما لم يفعل في غيرها من المسلمين» [٤/ ٢٢٤].

وقعة أرزنجان: ٦٢٧

في هذه السنة يجتمع الملك الأشرف والسلطان علاء الدين كيقباذ على جلال الدين، وسببها عند العيني أخذُ خلاط وتخريبها. ينقل عن السبط أنه دخلها بالسيف في جمادى الأولى بعد حصار عشرة أشهر «فنهبها، وهتك نساءها»، وأخذ مجير الدين وتقيّ الدين ابنَي العادل، «وأخد الكرجية زوجة الأشرف ودخل بها من ليلته» [٤/ ٢٣٢]؛ فاجتمع الأشرف بكيقباذ بسيواس وساروا معًا [٤/ ٢٣٣].

أفضل ما في الباب رواية شاهد: حديث الأمير عماد الدين بن موسك للسبط. فيه أن عسكر أرزنجان — اثني عشر ألفًا في روايته — نزلوا في مرج ورموا سلاحهم وسيّبوا دوابّهم، فمرّ بهم جلال الدين فقتلهم وأسرهم، «فضعفت قلوب العساكر وخافوا»؛ وفيه ترتيب الأطلاب، وقول الأشرف: «ما نحشر إلا من تحت حوافر خيولنا. أين المفر؟»؛ وفيه أن الوقعة كانت بكرة السبت الثامن والعشرين من رمضان، «وأرسل الله تعالى ضبابًا فلم ير أحد كفه، ونصرنا الله عليهم» [٤/ ٢٣٤ – ٤/ ٢٣٥]. ويُتبعه بحكاية السبط عن نفسه: أنه كان يعظ بجامع دمشق ذلك اليوم فسأله الملك الصالح إسماعيل أن يدعو بالنصر، «فثار في الساعة التي دعوت فيها ضباب عظيم... فوصل الخبر بعد عشرة أيام بالواقعة» [٤/ ٢٣٦]. وينقل رواية أخرى مختصرة من تاريخ بيبرس تجعل اللقاء «بناحية أرزنجان» ولا تذكر الضباب [٤/ ٢٣٥]. ثم استرجاع الأشرف خلاط «وقد صارت خرابًا يبابًا»، وعطاء كيقباذ له ولأصحابه ما قيمته «ألفا ألف دينار» [٤/ ٢٣٥ – ٤/ ٢٣٦]. وفي السنة نفسها قصد الفرنج حماة في رمضان، وخروج الملك المظفّر إليهم وهزيمتهم عند أفنون، ومدح الشعراء له بقصيدة يوردها بطولها [٤/ ٢٥٣ – ٤/ ٢٥٤]؛ ومقتل الأمير التركماني شمس الدين سونج الذي استولى على قلاع بأذربيجان، بسهم غَرْب على مراغة [٤/ ٢٥٥ – ٤/ ٢٥٦].

عودة التتار ومقتل جلال الدين: ٦٢٨، وحيث ينقطع الكتاب

آخر سنة في الكتاب. باب «ذكر قصد التتار بلاد الإسلام» يبدأ بوصول مقدّمتهم إلى تخوم أذربيجان، ورحيل جلال الدين من تبريز إلى موقان [٤/ ٢٦١]. ثم كبسة الليل: نزل السلطان في نحو ألف فارس من خواصّه واشتغل بالصيد، «وكبس التتار جلال الدين ليلًا فلم يُصبح له أثر، وكانت الخيام مضروبة، والحال على حاله ليس فيه أحد من الناس» [٤/ ٢٦٢].

ثم فصل في الاستنجاد بلا نجدة. أرسل جلال الدين مجير الدين يعقوب بن العادل إلى أخيه الأشرف يعرّفه أمر التتار «وأنهم لا يردُّهم إلا اجتماع الكلمة، واتفاق الأمة»؛ فأقامت رسله بدمشق منتظرة حتى قُطع رجاؤه من إنجاده. ثم أرسل إلى المظفّر شهاب الدين غازي يستحضره بمن حوله من الملوك؛ وينقل العيني كلمته حين خلا المجلس: «نحن ما نشك في أن هؤلاء لا ينجدوننا ولا يختارون ظهورنا ولا ينفع شكوانا إليهم، غير أن هؤلاء الترك من الأمراء يُطمّعون أنفسهم بما لا يكون» [٤/ ٢٦٣]. واعتذار المظفّر مسجَّل بحرفه: «ما أنا مستقل برأيي بل معدود في جملة نواب إخوتي» [٤/ ٢٦٤].

ثم المقتل، ويرويه على وجهين. الأول عن أبي الفتح: تفرُّق أصحابه، ورمي أهل آمد له بالحجارة، ثم طلوع التتار عليه فجرًا بقرية من قرى ميافارقين، وأخذ الأكراد له وسلبهم إياه، وقوله لكبيرهم: «إنني أنا السلطان فلا تعجل في أمري»؛ ثم مجيء كردي بيده حربة يقول للمرأة: «كيف تصدّقونه أنه السلطان؟ وقتل لي بخلاط أخ خير منه، فضربه بالحربة فمات»، ويختم بسجعة: «فلمّا حمّ القضاء ضاق به الفضاء، وكان هلاك ذلك الأسد الغالب على أيدي الثعالب» [٤/ ٢٦٦ – ٤/ ٢٦٧]. والوجه الثاني عن السبط: أن قاتله فلّاح من قرية عين دار قتله بفأس بعد أن أطعمه وأمّنه؛ ثم رواية ثالثة نقلها السبط أيضًا: قتلُه في سفينة وإلقاؤه في بئر، ثم استخراج المظفّر غازي له ودفنه خارج ميافارقين وتعمية قبره «مخافة أن ينبش». ويضيف: «وقيل: قتل في سنة تسع وعشرين وستمائة»، ثم ينقل عن بيبرس أن الوفاة «في النصف من شوال من سنة ثمان وعشرين» [٤/ ٢٦٩ – ٤/ ٢٧٠].

ترجمته تجمع نقيضين. عن أبي الفتح: «كان أسدًا ضرغامًا، وأشجع الفرسان إقدامًا، وكان حليمًا لا غضوبًا ولا شتّامًا». وعن «المرآة»: «وكم فتك وأسر من المسلمين وسبى وكان كثير الفساد»، وحكاية خال السبط الذي دخل عليه وهو على خلاط يقرأ في المصحف ويبكي فقال له: «تقرأ في المصحف وتبكي وأنت تفعل بالمسلمين ما تفعل!». ثم الحكم الذي يختم به: «ومع هذا فإنه كان سدًّا بين المسلمين والكفار... فلما هلك انفتح السد»؛ ويسنده برواية ابن موسك عن الأشرف حين هُنّئ بكسرة الخوارزمي: «تهنّوني بهذا؟ سوف ترون غِبَّ هذا، والله لتكونن هذه الكسرة سببًا لدخول التتار إلى بلاد المسلمين، ما كان الخوارزمي إلا السد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج» [٤/ ٢٦٨].

باب «ذكر ما فعل التتار في بلاد الإسلام» آخر ما يرويه عنهم في هذا الكتاب: نهب سواد آمد وأرزن وميافارقين، وقصد أسعرد وقتل من فيها بعد أمان أعطوه، «وحُرِّز القتلى فكانوا يزيدون على خمسة عشر ألفًا»، ثم طنزة وماردين ونصيبين وسنجار وأرجيش [٤/ ٢٧٠ – ٤/ ٢٧١]. ثم يغلق الباب بصورة سِلمٍ لا حرب: أهل تبريز يطلبون الأمان ويؤمَّنون، ويُطلب منهم صنّاع الثياب، فيعملون خركاة عظيمة «غشاؤها من الأطلس الجيد والزركش»، وتُقرَّر عليهم ضريبة سنوية [٤/ ٢٧٢]. ومن آخر أخبار السنة أنه «لم يحج أحد من العراق لانتشار الفساد من التتار» [٤/ ٢٧٦].

ينتهي الكتاب في هذا الموضع من المطبوع: [٤/ ٢٧٩]. آخر سنة فيه ٦٢٨، وآخر أبوابها «ذكر من توفي فيها من الأعيان»، وآخر مترجَم فيه «جمال الدولة خليل بن زويزان، رئيس قصر حجاج... مات في هذه السنة ودفن بتربته عند مسجد فلوس» [٤/ ٢٧٩]. لا خاتمة ولا تصريح بالانتهاء ولا استئناف لسنة تالية؛ ينقطع النصّ في أثناء سرد الوفيات كما ينقطع دفتر. ومما يشبه الإشارة إلى ذلك أن العيني يذكر في «بقية الحوادث» من هذه السنة: «ومنها أن تاريخ ابن الأثير الذي سماه الكامل انتهى في هذه السنة» [٤/ ٢٧٥] — فأحد أعمدة نقله ينقضي حيث ينقضي المطبوع.

الوفيات وطرائق النقل، وما اضطرب من النصّ

باب الوفيات عند العيني أداة لا ملحق. يُدخل به طبقةً لا يتّسع لها خبر الملوك: النحاة والفقهاء والزهّاد والأطباء والكتّاب. من ذلك ابن شاس المالكي صاحب «الجواهر الثمينة»، «وتوفي بدمياط... وكان قد توجه إليها بنية الجهاد لمَّا أخذها الفرنج» [٤/ ٢٠]؛ وشيخ الشيوخ صدر الدين بن حمويه الذي «أرسله الملك الكامل إلى الخليفة يستنصره على الفرنج فمات بالموصل» [٤/ ٣٧]؛ والشيخ عبد الله اليونيني وخبر حجّه في الهواء الذي يتعقّبه ابن كثير بأنه لم يبلغه عن أحد من أكابر العلماء [٤/ ٣٩]؛ وابن قدامة المقدسي سنة ٦٢٠، ومعه تحفّظ أبي شامة على «كلامه فيما يتعلق بالعقائد» [٤/ ٩٨]؛ وفي آخر الكتاب ابن معطي النحوي والدخوار الطبيب [٤/ ٢٧٦ – ٤/ ٢٧٧]. وحين تتعارض الرواية في سبب الموت يوردها كما هي: في صلب محمد سبط العقاب سنة ٦١٦ يقول: «فقيل: إنه صلب نفسه. وقيل: بل غلمانه صلبوه. وقيل: بل الموكلون به» [٤/ ٢١].

المصادر التي يدور عليها هذا القسم معدودة: ابن الأثير، وسبط ابن الجوزي، وأبو شامة، وابن كثير، وما يسمّيه «تاريخ بيبرس»، والنويري، وابن العميد، وأبو الفتح النسوي في «سيرة منكبرتي»، والجويني في سيرة جنكيزخان، و«عيون المعارف». وطريقته أن يصدّر النقل باسم صاحبه — «قال ابن كثير»، «وفي المرآة»، «قال السبط»، «وقال أبو الفتح» — ويكرّر الخبر الواحد بأكثر من صيغة إذا اختلفت الصيغ.

على أن النسبة تخطئ عنده غير مرّة. يقول المحقِّق في مواضع إن ما نسبه العيني إلى ابن كثير لم يوجد في «البداية والنهاية» وإنما في «مفرّج الكروب» لابن واصل [٤/ ١٣، ٤/ ١٥٣]؛ وإن ما صدَّره بـ«وفي تاريخ النويري» لم يرد في «نهاية الأرب» وإنما في «الكامل» و«البداية والنهاية» [٤/ ٣٤، ٤/ ١٣٨]؛ وإن ما نسبه إلى ابن كثير في سنة ٦٢١ هو من كلام ابن الأثير، «ولعله خطأ من الناسخ» [٤/ ١٠٢]. ويصحّح المحقِّق أيضًا خبرًا في المتن، كقول العيني إن السلطان كان قد توفّي عند وصول الخلع سنة ٦٢٣، وصوابه أن المتوفَّى هو الوزير الصاحب صفيّ الدين [٤/ ١٤٢].

وفي النصّ فجوات مادّية. يتكرّر في «بقية الحوادث» سطر مبتور: «وفيها ....»، ويعلّق المحقِّق: «بياض بالأصل»، وذلك في ٦١٦ [٤/ ١٨]، و٦١٧ [٤/ ٣٧]، و٦١٩ [٤/ ٨٤]، و٦٢٠ [٤/ ٩٥]، و٦٢٢ [٤/ ١٢٥]، و٦٢٨ [٤/ ٢٧٦] — وهي في الغالب مواضع خبر الحجّ أو ما يجري مجراه. وثمّة اضطراب في توزيع الوقائع على السنين لا يخفيه المحقِّق: وقعة السند مبثوثة تحت ٦١٩ والعيني يقول في المتن «لثمان خلون من هذه السنة»، والمحقِّق يقول إنها سنة ٦١٨ [٤/ ٧٥]؛ وأحداث انتزاع دمشق مسرودة في ٦٢٥ ويقول المحقِّق إنها وردت في المصادر سنة ٦٢٦ [٤/ ١٩٣]؛ وحصار بعلبك مذكور في ٦٢٦ وقد ورد عند غيره في ٦٢٧ [٤/ ٢٢١]. ووقفتُ على ما لم يتّضح لي وجهه: في فهرس المطبوع عنوان «سنة ٦١٩» مدرَج بابًا داخل فصل سنة ٦١٨، ثم يبدأ فصل ٦١٩ المستقلّ بعده؛ ولم أتبيّن هل ذلك من صنع الناسخ أم من ترتيب الطبعة.