يغطّي هذا القسم من «عقد الجمان» ستّة وعشرين عامًا هجريًّا، من مستهلّ سنة ٥٩٠ إلى آخر سنة ٦١٥، وهي المدّة التي انتقل فيها ملك البيت الأيوبي من أولاد صلاح الدين إلى أخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب ثمّ إلى أولاده. يفتتح العيني كلّ سنة بجملة ثابتة: «فصل فيما وقع من الحوادث في السنة …»، ثمّ «استهلّت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله»، ويُتبعها بجرد سريع لأصحاب البلاد، فيقول في أوّل هذا القسم إنّ صاحب مصر الملك العزيز، وصاحب الشام الملك الأفضل، وصاحب حلب الملك الظاهر، «والملك العادل أخو صلاح الدين في الشرق» [٣/ ٧]. وبعد ستّ وعشرين سنة يفتتح سنة ٦١٥ بجملة مغايرة في نبرتها: «ولكن وقعت في هذه السنة أمور عظيمة»، ويعدّد منها قضيّة الفرنج بدمياط، ووفاة العادل، ووفاة صاحب الموصل وولده، «ومنها خروج التتار إلى بلاد الإسلام وظهورهم في هذه الأيام» [٣/ ٣٢٧]. بين هاتين الجملتين تقع مادّة هذا القسم كلّها. والصفحات المطبوعة المستعملة هنا من [٣/ ٧] إلى نحو [٣/ ٣٥٦]، وما بعدها يبدأ المجلّد الرابع.
من الميراث إلى الحصار: العزيز والأفضل (٥٩٠–٥٩١)
يبدأ العيني القسم بجملة تلخّص ما سيشغل عشر سنين: «ووقعت الوحشة بين الأخوين الأفضل والعزيز إلى أن أدّت إلى قدوم العزيز إلى دمشق» [٣/ ٧]. ثمّ يسوق خبر الحصار الأوّل: نزل العزيز بالكسوة، وقُطعت الأنهار ونُهبت الثمار، حتى قدم عمّهما العادل «فأصلح بين الأخوين وردّ الألفة بعد البين»، على أن يكون للعزيز البيت المقدس، ولِلظاهر جبلة واللاذقية، وللعادل إقطاعه بمصر مضافًا إلى الكرك وبلاد الجزيرة [٣/ ٧]. ويعقّب بحكم صريح على الأفضل: «وكان الأفضل قد أساء السيرة والتدبير فأبعد أمراء أبيه وخواصّه، وقرّب الأجانب، وأقبل على شرب المسكر»، ويحمّل وزيره ضياء الدين بن الأثير الجزري تبعة ذلك: «فتلف وأتلفه» [٣/ ٨].
طريقة التركيب تظهر في هذه السنة بأوضح صورها. لا يكتفي العيني برواية واحدة، بل يعيد الخبر نفسه أربع مرّات موقّعًا كلّ مرّة باسم مصدره: «وفي تاريخ المؤيد»، ثمّ «وفي تاريخ ابن العميد»، ثمّ «وفي المرآة»، ثمّ «وفي تاريخ بيبرس» [٣/ ٨–١١]. ورواية المرآة وحدها تنقل عن العماد الأصفهاني كلامًا داخل الكلام: رحيل أبي الهيجاء السمين والأسديّة عشيّة الاثنين رابع شوّال، وقول العزيز عنهم «صفّونا من أكدارهم» [٣/ ١٠].
وفي سنة ٥٩١ يتكرّر المشهد معكوسًا: خرج العزيز ثانيةً، فسبقه العادل إلى دمشق، وكاتب الأمراء المصريّين «وحذّرهم من العزيز، وحذّر العزيز منهم» [٣/ ٢٦]. ويختم العيني نقله عن ابن كثير بجملة لاذعة: الصلح الذي انعقد كان «هُدنة على أقذاء وصلح على دخن» [٣/ ٢٧]. وفي السنة نفسها يخرج من الشام إلى الأندلس فيسوق وقعة الزلاقة شمالي قرطبة، وينقل عن بيبرس نسخة كتاب الأذفونش إلى يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: «أنك أمير الملّة الحنيفية كما أنا أمير الملّة النصرانية»، وجواب يعقوب بكتابة آية ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ في أعلى الكتاب وإعادته [٣/ ٢٩–٣٠]. ثمّ يفعل ما يفعله كثيرًا: يورد الخبر ثمّ يشكّك في موضعه من التقويم، فيقول بعد سرد الغنائم: «وقيل إنما كانت هذه الوقعة في سنة تسعين وخمسمائة» [٣/ ٣٢].
انتزاع دمشق وحروب الساحل (٥٩٢–٥٩٤)
سنة ٥٩٢ هي سنة انكسار الأفضل. يبدؤها العيني بخبر صغير له دلالة: نقل الأفضل جثمان أبيه صلاح الدين من قلعة دمشق إلى التربة، «وكانت مدّة لبثه في القلعة ثلاث سنين» [٣/ ٣٧]. ثمّ يعقد فصلًا مستقلًّا: «ذكر انتزاع دمشق من الملك الأفضل»، ويصدّره بقوله «قال المؤيد في تاريخه»، فيروي اتفاق العادل والعزيز على أخذ المدينة، ودخولهما يوم الأربعاء السادس والعشرين من رجب، العزيز من باب الفرج والعادل من باب توما، وخروج الوزير الجزري «مختفيًا في صندوق خوفًا عليه من القتل» [٣/ ٣٧].
هنا يظهر تعامل العيني مع اختلاف الروايات في تفصيلة واحدة: من فتح الباب؟ في رواية المؤيد كاتب بعض الأمراء العادلَ من داخل البلد. وفي رواية المرآة اتفق العادل مع «عزّ الدين بن الحمص» على فتح الباب الشرقي، فدخلا «من غير قتال»، ونزل الأفضل إليهما فدخل عليهما «وبكى بكاءً شديدًا» [٣/ ٣٨–٣٩]. وفي رواية بيبرس يُسمّى الرجل «العزيز أبو غالب بن الحمصي» ويُضبط اليوم بالسابع والعشرين من رجب لا السادس والعشرين [٣/ ٤٠]. ومنه أيضًا نصّ رسالة الظاهر إلى أخيه الأفضل: «أخرج عمّنا من بيننا ونحن ندخل تحت كلّ ما تريد» [٣/ ٤٠].
وفي سنتَي ٥٩٣ و٥٩٤ ينتقل المحور إلى الساحل. انقضت مدّة الهدنة التي عقدها صلاح الدين، فالتقى العادل الفرنج بمرج عكّا «فكسرهم وغنمهم وفتح يافا عنوة» [٣/ ٤٨]. ثمّ يسوق خبر بيروت: هرب منها الأمير عزّ الدين أسامة فملكها الفرنج «عفوًا صفوًا بغير حرب ولا قتال، فكانت غنيمة باردة»، ويُتبع ذلك ببيتين لبعض الشعراء فيه: «سلّم الحصنَ ما عليك ملامةٌ … ما يُلام الذي يروم السلامة» [٣/ ٤٩]. وفي ٥٩٤ يحاصر الفرنج تبنين حتى «أشرف على الأخذ»، فيقدم العزيز من مصر فيرحلون، وفي رواية المرآة أنّ الله أرسل تلك الليلة «مطرًا عظيمًا وريحًا شديدة»، فتركوا المجانيق والدبّابات والخيام وهربوا [٣/ ٦٢].
موت العزيز ودخول العادل مصر سلطانًا (٥٩٥–٥٩٦)
يستهلّ سنة ٥٩٥ بإعلان مبكّر لمضمونها: «غير أنه مات في هذه السنة الملك العزيز صاحب مصر والشام، والسلطان الكبير صاحب بلاد المغرب، والأمير الكبير مجاهد الدين قيماز» [٣/ ٧٢]. ثمّ يستعمل بنيته المفضّلة للتراجم الكبرى: «ذكر وفاة السلطان الملك العزيز. الكلام فيه على أنواع» — الأوّل في ترجمته، والثاني في سيرته، والثالث في وفاته، والرابع فيمن خلّف من الأولاد، والخامس في مراثيه [٣/ ٧٢–٧٤].
وتحت «النوع الثالث» يجمع خمس روايات متضاربة في سبب الموت وتاريخه، فيسردها متجاورةً بلا ترجيح: ابن خلكان يقول إنه طرد فرسه وراء صيد فتقنطر، ومات ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من المحرّم؛ وبيبرس يقول ليلة الأحد العشرين؛ والمؤيّد يذكر أنه ركض خلف ذئب وحدث به «يرقان وقرحة في المعا»، ومات في منتصف ليلة السابع والعشرين؛ والمرآة تقول إنه ركض خلف ظبي «فدخل قربوس السرج في فؤاده» [٣/ ٧٣–٧٤]. ثمّ يورد رواية خامسة ونقضها في نفس النفس: «وقال ابن القادسي: كان قد ركب وتبع غزالة فوقع فاندقّت عنقه … قال السبط: وهذه من هنات ابن القادسي فإن الملك العزيز ما اندقّت عنقه» [٣/ ٧٤]. هذا نموذج دالّ: العيني لا يفصل بين الروايات بنفسه، بل ينقل تفنيد أحد مصادره لمصدر آخر.
وبعد الوفاة أُقيم ولده الملك المنصور محمد وعمره تسع سنين وشهور، ثمّ استُدعي الأفضل من صرخد أتابكًا، فسار «في تسعة عشر نفرًا متنكّرًا خوفًا من أصحاب عمّه الملك العادل» [٣/ ٧٥–٧٦]. وحصار دمشق الذي أعقب ذلك يرويه العيني من المرآة بأصوات شهود: قول المعظّم عيسى للسبط إنّ جبّ الزيت رُمي على رأس أبيه فأخطأه ووقع في رقبة الحصان «فوقع الحصان ميتًا»، وسؤال العادل عمّن كسر باب الفراديس، فقيل: الحنابلة، «فسكت ولم يقل شيئًا» [٣/ ٧٧]. وفي سنة ٥٩٦ ينفكّ الحصار لأسباب صغيرة: خلاف بين الأخوين على مملوك مفقود اسمه أيبك، وقدوم الكامل من الشرق بالتركمان، وشتاء وأمطار [٣/ ٩٩–١٠٠]، «فتفرّقوا أيادي سبا» [٣/ ٩٩]. ثمّ يلحق العادل بالأفضل إلى مصر، فينكسر الأفضل بالسايح، ويدخل العادل القاهرة، ويُعوَّض الأفضل ميافارقين وحانِي وشميساط [٣/ ١٠٢–١٠٣]. والخلاصة يضعها العيني في عبارة واحدة نقلًا عن بيبرس: قُطعت خطبة المنصور في شوّال، وخُطب للعادل ولولده الكامل بولاية العهد، «وزالت دولة صلاح الدين من مصر» [٣/ ١٠٤].
سنة الزلزلة والغلاء (٥٩٧)
يفرد العيني لسنة ٥٩٧ فصلًا عنوانه «ذكر ما وقع من الأمور المزعجة الغريبة» [٣/ ١٢٨]، وهو أطول ما في هذا القسم من وصف متّصل. يبدأ بالزلزلة الممتدّة من الشام إلى الجزيرة والروم والعراق، فيذكر أنّ نابلس لم يبق فيها «سوى حارة السامرة» وأنه مات بها ثلاثون ألفًا تحت الردم، وسقط من المنارة الشرقية بجامع دمشق وأربع عشرة شرفة، وأنّ البحر «انفرق إلى قبرس وقذف بالمراكب إلى ساحله» [٣/ ١٢٨]. ثمّ يعيد الوصف من المرآة برقم أضخم: «وأُحصي من هلك في هذه السنة على وجه التقريب فكان ألف ألف إنسان ومائة ألف إنسان»، ويضبط شدّة الهزّة بمقياس محسوس: «بمقدار ما يقرأ الإنسان سورة الكهف» [٣/ ١٢٩].
ثمّ ينتقل إلى هبوط النيل والغلاء بمصر، وهنا يفتح باب مصدر لم يستعمله قبلًا: «وقال الشيخ موفّق الدين عبد اللطيف في كتاب أخبار مصر» [٣/ ١٣٠]. ويسوق عنه شهادة مباشرة بصيغة المتكلّم: «ورأيت صغيرة مشويّة في زنبيل»، وبيع الأحرار بالصعيد حتى عُرضت عليه جاريتان «فسِيم فيهما دينار واحد» [٣/ ١٣٠–١٣١]. ثمّ ينتقل إلى إحصاء الموتى نقلًا عن أبي شامة: العادل «كفّن من ماله في مدّة يسيرة في هذه السنة نحوًا من مائتي ألف وعشرين ألف ميت»، والميضأتان بطرفَي القاهرة أحصتا في شعبان وحده ستة آلاف وثلاثمائة نفس، وفي ذي القعدة اثني عشر ألفًا [٣/ ١٣٢].
وفي هذه السنة أيضًا يورد وباءً أهلك ثماني عشرة قرية من عشرين ببلاد عنزة بين الحجاز واليمن، بينما القريتان الباقيتان «لم يمت منهما أحد ولا عندهم شعور بما جرى» [٣/ ١٣٢]، ويقفل بسعرٍ: بلغ الأردب ستة دنانير مصرية [٣/ ١٣٢].
استقرار الملك، واليمن، وأوّل ذكر للتتار (٥٩٨–٥٩٩) — وسنتان مفقودتان
بعد سنة الغلاء يبدأ العيني سنة ٥٩٨ بجملة تسجيلية: «وقد استقرّت الممالك الشامية والشرقية والديار المصرية كلّها للملك العادل، وانتظم جميعها في سلك ملكه، وخُطب له على منابرها، وضُربت السكّة فيها باسمه» [٣/ ١٥٣]. وفي السنة نفسها يوزّع الشرق على أولاده: حرّان وما معها للأشرف موسى، وميافارقين للأوحد، وجعبر للحافظ أرسلان شاه [٣/ ١٥٣]. ويخصّص فصلًا لأمر خوارزم شاه محمد بن تكش واسترداده ما أخذه الغوريّة من خراسان ومرو ونيسابور [٣/ ١٥٤]. وفي «بقيّة الحوادث» يجمع أخبارًا لا يجمعها إلا التقويم: نداء الخليفة بأنّ «من سعى بأحد أُبيح ماله ودمه»، وزلزلة شعبان التي شقّت قلعة حمص، منقولةً بتوقيتها الدقيق عن العزّ بن تاج الأمناء: «عند تنفّس الصبح في يوم الإثنين السادس والعشرين من شعبان» [٣/ ١٥٥].
وفي سنة ٥٩٩ يشدّد العادل قبضته على الأفضل فينتزع منه رأس عين وسروج وقلعة نجم، فترسل والدة الأفضل تستشفع فلا يُشفَّعها. وهنا يورد العيني حكم ابن الأثير على الحادثة، وهو من أوضح مواضع التعليق الأخلاقي في هذا القسم: «وقد عوقب البيت الصلاحي مثل ما فعله والدهم السلطان صلاح الدين لما خرجت إليه نساء الأتابكي … فردّهنّ ولم يُجب إلى سؤالهنّ» [٣/ ١٦٣]. وفي السنة ذاتها فصل عن اضطراب اليمن بعد المعزّ إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين، الذي «ادّعى أنه قرشيّ وأنه من بني أميّة … وخطب لنفسه بالخلافة»، وانتهاء الأمر إلى سليمان بن شاهنشاه الذي دخل اليمن «في صورة فقير يحمل الرَّكوة على كتفه» [٣/ ١٦٥–١٦٦].
ثمّ يضع العيني في هذه السنة فصلًا عنوانه «ذكر ابتداء ملك جنكيز خان ملك التتار» [٣/ ١٦٦]، ويقدّم فيه على غير عادته بنفسه: «واعلم أني أبيّن لك أصل هذا اللعين، وكيف ملك التتار». ويسوق قصّة نسبه وخروجه عن طاعة الطون خان حتى «صار يركب في نحو ثمان مائة ألف مقاتل» [٣/ ١٦٧]، ويستطرد إلى ما سيأتي بعد عقود: هو «جدّ هلاون الذي قتل الخليفة المستعصم بالله وأهل بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة» [٣/ ١٦٦].
وبعد سنة ٥٩٩ ينتقل النصّ مباشرةً إلى سنة ٦٠٢ [٣/ ١٧٢]. والسبب ليس من صنع العيني: يقول المحقِّق في حاشية أوّل هذا الفصل: «السنتان ٦٠٠، ٦٠١ هـ ساقطتان من نسخ المخطوط» [حاشية ٣/ ١٧٢]. فسنتا ٦٠٠ و٦٠١ غير موجودتين في هذه الطبعة أصلًا، لا في المتن ولا في فهرس الكتاب.
الخلعة الخليفيّة وحروب الجزيرة (٦٠٢–٦٠٦)
سنوات هذه المجموعة يبني فيها العيني فصلًا شبه ثابت عنوانه «ذكر ماجريات ملوك البلاد»، يجمع فيه ما لا صلة له بالشام: خبر الغوريّة ويلدز وقطب الدين أيبك ومسألة عتقهما وخطبتهما لغياث الدين، وردّ يلدز الجترَ قائلًا: «نحن عبيد ومماليك، والجتر له أصحاب» [٣/ ١٨٨–١٨٩]. ومنه أيضًا اضطراب خلاط بعد ابن بكتمر [٣/ ١٩١]. ومصدره الغالب في هذه الفصول ابن الأثير.
أبرز ما في سنة ٦٠٤ فصل «ذكر مجيء الخلعة من الخليفة إلى الملك العادل وأولاده» [٣/ ٢٠١]. وصلت رسل الناصر لدين الله إلى دمشق في سابع عشر رمضان، وعلى رأسهم الشيخ شهاب الدين السهروردي، فلبس السلطان الخلعة، ولبسها ولداه المعظّم والأشرف ووزيره ابن شكر، وقُرئ التقليد قائمًا «بمحضر من القضاة وبياض البلد بإيوان القلعة» [٣/ ٢٠١]. ويجمع العيني وصف الخلعة من أربعة مصادر متتابعة، كلٌّ يضيف قطعة: «جبّة أطلس سوداء بطراز ذهب، وعمامة سوداء … وحصان أشهب بمركب ذهب»، وقال بيبرس: «وقصبة ذهب عليها علم أسود»، وفي المرآة: «وكان في خلعة العادل الطوق والمِسواران» [٣/ ٢٠٢]. واللقب الذي خوطب به: «شاهنشاه ملك الملوك، سيّد السلاطين، خليل أمير المؤمنين» [٣/ ٢٠٣].
وفي سنة ٦٠٦ يحاصر العادل سنجار ويأخذ نصيبين والخابور، فيتحالف عليه صاحب الموصل وصاحب إربل مظفّر الدين كوكبوري وصاحب حلب وصاحب الروم [٣/ ٢٣٠–٢٣١]. والعيني يفسّر انقلاب كوكبوري بسبب صغير: شفع لصاحب سنجار فلم يُشفَّع، «وكان مظفّر الدين يظنّ أنه لو شفع في نصف ملك العادل لَشفّعه» [٣/ ٢٣١]. ويلاحظ ضعف الحماسة داخل جيش العادل نفسه: أسد الدين شيركوه صاحب حمص «كان يُدخل إليها الأغنام والأقوات ظاهرًا، ولا يقاتل عليها رفقًا بصاحبها» [٣/ ٢٣٢]. ويدخل في «بقيّة الحوادث» ما ليس من السياسة في شيء، كمناظرة شيخ الحنفية وشيخ النظامية في وجوب الزكاة في مال اليتيم والمجنون [٣/ ٢٣٢].
أسر ملك الكرج وحصن الطور (٦٠٧–٦٠٩)
سنة ٦٠٧ عند العيني سنة انفراج مفاجئ. تمالأت ملوك الجزيرة وحلب والروم على العادل، وكاتبوا الكرج ليحاصروا خلاط ويأخذوها من ولده الأوحد، «والملك العادل مقيم ثابت بظاهر حرّان» [٣/ ٢٤٢]. ثمّ يقع ما يقلب الميزان: نزل الكرج على خلاط، فأقبل ملكهم إيواني «وهو راكب على جواده، وهو سكران، فسقط به جواده في بعض الحفر التي عُملت مكيدة حول البلد»، فأُسر [٣/ ٢٤٣]. وحين بلغ العادل الخبر «كاد يذهل فرحًا وسرورًا»، فتفرّقت آراء الملوك وبادر كلٌّ منهم بالاعتذار [٣/ ٢٤٣].
شروط الفداء موضع اختلاف يعرضه العيني كعادته: في متنه أنّه كان على مائتَي ألف دينار وألفَي أسير وإحدى وعشرين قلعة وتزويج ابنته من الأشرف [٣/ ٢٤٣]؛ وفي تاريخ المؤيّد: «وبذل إطلاق خمسة آلاف أسير، ومائة ألف دينار، وعقد الهدنة مع المسلمين ثلاثين سنة» [٣/ ٢٤٤]. ويضيف عن ابن تاج الأمناء طرفةً: أنّ منجّم إيواني قال له صباح ذلك اليوم إنه سيدخل قلعة خلاط قريب العصر «في زيّ غير زيّك»، فشرب وركب، «وأُدخل القلعة وقت العصر أسيرًا لابسًا خلعة الأوحد» [٣/ ٢٤٤].
وفي السنة نفسها فصل «ذكر فساد الفرنج ببلاد القدس»، وأكثره منقول عن سبط ابن الجوزي بصيغة المتكلّم، وهو من أطول المواضع التي يترك فيها العيني القلم لشاهد عيان: خروجه من دمشق إلى نابلس للغزاة، ومجلسه بجامع دمشق وقد حَزَروا الحاضرين ثلاثين ألفًا، وحكاية الشعور التي جُمعت عنده فعمل منها ثلاثمائة شكال للخيل [٣/ ٢٤٥]، ثمّ لقاء الملك المعظّم عيسى بنابلس، وأخذه الشعور «فجعلها على صدره ووجهه وجعل يبكي» [٣/ ٢٤٦]. ومن هذا اللقاء نشأ بناء حصن الطور المطلّ على الناصرة، الذي أقام العسكر تحته حتى كمل سوره سنة ٦٠٨ [٣/ ٢٤٦].
وسنة ٦٠٩ يفتتحها بقضية سامة الجبلي، وفيها مرّة أخرى شهادة السبط المباشرة: ركب مع المعظّم من دمياط في مطاردة سامة، وقطع مسير ثمانية أيام في ثلاثة [٣/ ٢٦٣]. وانتهى الأمر بأسره والاستيلاء على كوكب وعجلون وأمواله، «فكان قيمة ما أُخذ منه ألف ألف دينار» [٣/ ٢٦٤]. وفي ذيل السنة يُعزل الوزير صفيّ الدين بن شكر ويُنفى إلى الشرق، ويعلّق العيني بمقابلة قدَريّة: هو الذي كتب بنفي الحافظ عبد الغني إلى الغرب، «وكتب الله نفيه إلى الشرق» [٣/ ٢٦٦].
اليمن والحجّ والمشرق، وموت الظاهر (٦١٠–٦١٤)
سنة ٦١٠ يفتتحها بمولد الملك العزيز محمد بن الظاهر من صفيّة خاتون بنت العادل، ويطيل في وصف احتفال أبيه: طيور ووحوش مصوغة من الذهب والفضّة، وعشرة مهود [٣/ ٢٦٩]. ويصل هذا المولود بمستقبل بعيد: هو والد الملك الناصر صاحب دمشق «الذي أسره هلاون ملك التتار» [٣/ ٢٦٩].
وفي هذه السنة والتي تليها يستأنف قصّة اليمن التي بدأها سنة ٥٩٩، فيسيّر الكامل ولده الملك المسعود يوسف المعروف بأتسز، فيدخل مكّة ثمّ يدخل زبيد «من غير قتال» [٣/ ٢٧٠–٢٧١]. وحول اسم هذا الأمير يجمع اضطراب المصادر ويعلّق بنفسه: «ولكن اسمه يوسف كما ذكرنا … والكلّ يعني واحد فافهم» [٣/ ٢٨١]. وينقل عن أبي شامة حكمًا قاسيًا: «وكان جبّارًا فاتكًا، قيل: إنه قتل باليمن ثماني مائة شريف» [٣/ ٢٨١].
وفي سنة ٦١١ فصل «ذكر حجّ الملك المعظّم»، منقول عن أبي شامة والسبط معًا، وفيه من التفصيل الفقهي ما لا يوجد عادةً في حوليّة: «وحجّ السلطان على مذهب أبي حنيفة … أحرم قارنًا، وبات بمنى ليلة عرفة» [٣/ ٢٨٣]. وفي ٦١٢ يحاصر قتادة أميرُ مكّة المدينةَ النبوية ويقطع نخلها، فيُهزم عند وادي الصفراء ويُحاصَر بالينبع [٣/ ٢٨٨–٢٨٩]. ومن الشرق في السنة نفسها تملّك خوارزم شاه غزنة، وهرب يلدز ثمّ مقتله، مع ثناء عليه: «وكان عادلًا محسنًا إلى الغرباء والتجّار» [٣/ ٢٩٠].
سنة ٦١٣ محورها موت الملك الظاهر غازي، ويستعمل لها العيني بنيته المعتادة: «والكلام فيه على أنواع» — ترجمته، وسيرته، وتاريخ وفاته، وما رُثي به [٣/ ٢٩٧–٢٩٩]. ويعزو إلى ابن خلكان حكاية سرعة إدراكه: حضر جنديّ عرضَ العسكر فقبّل الأرض ولم يذكر اسمه، «فقال الملك الظاهر: اسمه غازي. وكان كذلك»، تأدّبًا أن يوافق اسمه اسم السلطان [٣/ ٢٩٨]. ويورد عهده بالملك لولده العزيز محمد وهو ابن سنتين وأشهر، مع تعليل نقله عن ابن كثير: اختير لأنه ابن بنت العادل، «وأخواله الأشرف والمعظّم والكامل وجدّه العادل لا ينازعونه، وهكذا وقع سواء» [٣/ ٢٩٨].
سنة ٦١٤ يفتتحها بالإعلان عن ثلاث قضايا: خوارزم شاه، والعادل مع الفرنج، وجنكيز خان [٣/ ٣١٠]. وفي الأولى يدخل مصدر جديد يعتمد عليه من هنا فصاعدًا: «قال أبو الفتح المنشئ النَّسائي» [٣/ ٣١٠]، ومنه أسباب حركة خوارزم شاه نحو بغداد: امتناع الخليفة عن الخطبة له، وتقديم سبيل الإسماعيلية على سبيله في طريق مكّة، وقتل نائبه أغلمش [٣/ ٣١٠]. ومنه أيضًا خبر أسر سعد بن زنكي صاحب فارس، وإقامته في ميدان همذان مكتوفًا «إذلالًا به» [٣/ ٣١١]. وفي الثانية ينهزم العادل أمام «الهنكر» بتلّ بيسان، وينقل العيني ردّه على توبيخ ولده المعظّم: «بمن أقاتل؟ أقطعتَ الشام مماليكك وتركتَ أولاد الناس» [٣/ ٣١٨]، ثمّ حصار الطور وإحراق سلّم الفرنج بالنفط، والبيتين اللذين أنفذهما المعظّم إلى الخليفة: «إنّ الفرنج بحصن الطور قد نزلوا … لا تغفلَنّ فحصن الطور بغداد» [٣/ ٣١٩]. وفي الثالثة قدوم رسل جنكيز خان الثلاثة، وطلب المهادنة وفتح طريق التجّار، وإجابة خوارزم شاه إلى ذلك [٣/ ٣٢٠].
سنة ٦١٥: دمياط، وموت العادل، وخروج التتار
نزل الفرنج على دمياط يوم الثلاثاء الثالث من ربيع الأول، وعملوا برجًا من الصواري على بطسة كبيرة حتى أخذوا برج السلسلة، «وهو كالقفل على ديار مصر» [٣/ ٣٢٧]. ويربط العيني بين هذا الخبر وموت السلطان ربطًا سببيًّا صريحًا: «وحين وصل الخبر إلى الملك العادل وهو بمرج الصفر تأوّه شديدًا ودقّ بيده على صدره أسفًا وحزنًا ومرض من ساعته مرض الموت» [٣/ ٣٢٨].
ثمّ يعقد «ذكر وفاة الملك العادل. والكلام فيه على أنواع» [٣/ ٣٢٨]. في مولده اختلاف يعرضه بلا فصل: سُئل فقال «فتوح الرها»، أي سنة ٥٣٩، وقيل ٥٤٠، وقيل ٥٣٨ [٣/ ٣٢٩]. وفي سيرته يجمع الثناء من أربعة: العيني يصفه بأنه «ذا مكر وخديعة، صبورًا حليمًا»، ويذكر أنه أبطل المكوس والمظالم وكان حاصلها بدمشق وحدها مائة ألف دينار [٣/ ٣٢٩]؛ وابن كثير يذكر أنه «كان ماسك اليد» لكنّه كفّن في الفناء ثلاثمائة ألف إنسان [٣/ ٣٣٠]؛ والسبط يذكر أنه كان يخرج ليلًا بنفسه يفرّق الأموال، «ولولاه لمات الناس كلّهم» [٣/ ٣٣٠]؛ وابن خلكان يذكر أنّ فخر الدين الرازي صنّف له «تأسيس التقديس» وسيّره إليه من خراسان [٣/ ٣٣٠].
وأشدّ ما في هذا الفصل أثرًا خبر كتمان موته، منقولًا عن السبط: جُعل العادل في محفّة «وعنده خادم يروّح عليه، وقد رفع طرف سجافها وأظهر أنه مريض»، ودخلوا به دمشق «والناس يسلّمون على الخادم وهو يومئ إلى ناحية العادل» [٣/ ٣٣١]. ثمّ التفصيلة التي يقفل بها: «ومن العجائب أنهم طلبوا له كفنًا فلم يقدروا عليه، فأخذوا عمامة الفقيه النجيب ابن فارس فكفّنوه بها … ولم يقدروا على فأس فسرق كريم الدين فأسًا من الخندق» [٣/ ٣٣١]. ورواية ابن العميد تزيد الشراب دار الذي كان «يصلح الأشربة ويحملها إلى الخادم فيشربها ويتوهّم أن السلطان يشرب» [٣/ ٣٣٢].
وفي آخر السنة فصل «ذكر خروج التتار إلى بلاد الإسلام وظهورهم في هذه الأيام» [٣/ ٣٤٢]. يصدّره بقول بيبرس إنّ حركة الفرنج من المغرب وافقت خروج التتار من أقصى المشرق، ثمّ يسجّل الخلاف في التاريخ نفسه: «وذكر غيره خروج التتار إلى بلاد الإسلام في سنة ست عشرة وستمائة» [٣/ ٣٤٢]، ويكرّر ذلك في آخر الفصل بشأن خروج تركان خاتون من خوارزم: بيبرس يجعله في هذه السنة، وأبو الفتح المنشئ يجعله في أواخر ٦١٦ [٣/ ٣٤٦]. وفي سبب الحرب روايتان متجاورتان: قتل نائب خوارزم شاه لتجّار جنكيز خان بأمر سلطانه [٣/ ٣٤٣]، ورواية أبي الفتح أنّ ينال خان بأترار «شرهت نفسه الدنيّة في أموالهم واحتاط عليهم … بغير علم السلطان» [٣/ ٣٤٣]. ثمّ نصّ رسالة جنكيز خان: «فإن كنت تزعم أن الذي فعله ينال خان من غير أمرك فسلّمه إليّ لأجازيه … وإلا فأذَن بحربٍ ترخُص فيها غوالي الأرواح» [٣/ ٣٤٤]، ومقتل الرسل، وتعليق العيني: «فيا لها من قتلة هدرت دماء المسلمين والإسلام» [٣/ ٣٤٤]. ويعدّد بعد ذلك أخطاء خوارزم شاه في التدبير، وأوّلها تفريق عساكره على مدن ما وراء النهر: «فلو التقى التتار بعساكره قبل أن يفرّقهم لاختطفهم خطفًا» [٣/ ٣٤٤].
الوفيات: كيف تُختم السنة
كلّ سنة في هذا القسم تُغلق بفصل «ذكر من توفّي فيها من الأعيان»، وهو عند العيني أداة عمل لا ملحق. ووظيفته الأولى توسيع نطاق الكتاب خارج السلاطين: في وفيات ٥٩٠ يترجم للإمام الشاطبي صاحب «حرز الأماني» [٣/ ٢١–٢٢]. وفي وفيات ٥٩٩ يجاور بين قاضٍ قُتل في الطريق، وواعظ حنبلي، ويهودي كاتب «كان يزوّر على خطّ ابن مقلة»، وصاحب خلاط الشابّ الذي قتله الهزار ديناري [٣/ ١٧٠–١٧١].
ووظيفتها الثانية استيعاب التراجم الكبرى ببنية «الكلام فيه على أنواع». وأوضح مثال ترجمة الشيخ أبي الفرج بن الجوزي في وفيات ٥٩٧ [٣/ ١٣٤]، حيث يعتمد العيني على حفيده السبط بوصفه شاهدًا عائليًّا: مولده ببغداد بدرب حبيب سنة ٥١٠، ووفاة أبيه وله ثلاث سنين [٣/ ١٣٥]. وحتى في عدد مصنّفاته يبقي الخلاف قائمًا: «قيل بلغت مصنّفاته نحو ثلثمائة مصنّف، وقال ابن كثير: نحوًا من أربعمائة» [٣/ ١٣٥]. وقصّة نفيه إلى واسط ترد في موضعين: مجملة في حوادث ٥٩٠ [٣/ ١٩]، ثمّ مفصّلة بشهادة السبط الصغير الذي رأى عبد السلام يهجم على جدّه في السرداب ويختم على كتبه [٣/ ١٩–٢٠].
ووظيفتها الثالثة أن تكون موضعًا للشعر، فيورد فيها مقطوعات كاملة قلّما تخدم الرواية التاريخية، كأبيات عليّ بن حسّان الكاتب البغدادي في سنة ٥٩١ [٣/ ٣٥–٣٦].
وينبغي التنبيه على أمرين في نصّ هذه الطبعة. الأول أنّ في الأصل بياضات لم تُملأ، يشير إليها المحقِّق في مواضعها، مثل «سقط في الأصل بمقدار سطر» عند اسم أمير الحاجّ سنة ٥٩٠ [حاشية ٣/ ٢٠]، وبياض في حوادث ٦١٤ [حاشية ٣/ ٣٢١] وفي وفيات ٦١٥ [حاشية ٣/ ٣٥٢]. والثاني أنّ العيني يخطئ أحيانًا في تسمية مصدره، ويصحّحه المحقِّق في الحاشية: فقوله «وقال ابن كثير» في خبر سلطنة المنصور إنّما هو نقل عن أبي الفدا [حاشية ٣/ ٧٦]، وفي حوادث ٥٩٦ ورد في الأصل «النويري» والصواب أبو الفدا [حاشية ٣/ ٩٩، ١٠٢]. وهذه ملاحظات المحقِّق لا كلام العيني.
ويقف هذا القسم عند آخر وفيات سنة ٦١٥. وما يلي ذلك في ترقيم المطبوع يبدأ مجلّدًا جديدًا، صدّره المحقِّق بتوطئة قال فيها إنّ السفر الرابع يبدأ من ٦١٦ وينتهي بـ٦٢٨ [٤/ ٣–٤]. وهذا من حاشية المحقِّق، لا من متن العيني.