Miskawayh · Tahdhīb al-Akhlāq · A Reader's Companion

النفسُ والفضائل، والخُلقُ وتقويمه

القسم الأول

أبو علي أحمد بن محمد مسكويه (ت ٤٢١ هـ)

شوقُ النفس إلى أفعالها، والفضائلُ تحت العفة والشجاعة والسخاء والعدالة، ثمّ «الخلق» أمكتسَبٌ هو أم مطبوع، والشريعةُ والفلسفة، وقوى النفس، وتأديبُ الأحداث — وفيه يسمّي «كتاب بروسنس».

ابدأ

يغطّي هذا القسم المقالتين الأوليين من «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» لأحمد بن محمد مسكويه، أي ما بين الصفحتين ٩ و٧٥ من المطبوع؛ وكلّ رقم يرد بعدُ بين معقوفتين هو رقم الصفحة المطبوعة لا الترقيم الداخليّ للنسخة الإلكترونية. والنسخة المقروءة خالية من حواشي المحقِّق خلوًّا تامًّا — لم يرد في هذه الصفحات نصٌّ واحد في موضع الحاشية — فكلّ ما يُنقل هنا متنٌ لمسكويه. يفتتح الكتاب بحمدلة تصل الغرض بالنبوّة، «وأرسل نبيه محمد متمما لمكارم الأخلاق»، ثم بدعاء، ثم بإعلان الغرض في جملة صريحة: «غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا تصدر به عنا الأفعال كلها جميلة وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقة ويكون ذلك بصناعة وعلى ترتيب تعليمي»؛ وشرطُ ذلك أن نعرف أولًا نفوسنا «ما هي وأي شيء ولأي شيء أوجدت فينا» [ص ٩]. ويعتذر عن إدخال مبادئ ليست من صناعة الأخلاق بأنّ «لكل صناعة مباد عليها تبتني... وكانت تلك المبادى مأخوذة من صناعة أخرى»، فيقدّم علم النفس على علم الخلق قصدًا [ص ١٠].

النفس جوهر ليس بجسم ولا عرض

الدعوى الأولى في الكتاب أنّ في الإنسان شيئًا «ليس بجسم ولا بجزء من جسم ولا عرض ولا محتاج في وجوده إلى قوة جسمية بل هو جوهر بسيط غير محسوس بشيء من الحواس» [ص ١٠]. والحجّة الأولى من قبول الصور: الجسم لا يقبل صورة من جنس صورته الأولى إلّا بعد مفارقة الأولى مفارقة تامّة، كالشمع لا يقبل نقشًا ثانيًا حتى يزول رسم الأول [ص ١٣]. أمّا النفس فتقبل «صور الأشياء كلها على اختلافها من المحسوسات والمعقولات على التمام والكمال من غير مفارقة للأولى ولا معاقبة ولا زوال رسم»، بل تزداد بالصورة الأولى قوّةً على ما بعدها؛ «ولهذه العلة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض وتخرج في العلوم والآداب». وليست عرضًا لأنّ العرض لا يحمل عرضًا، «لأن العرض في نفسه محمول موجود في غيره لا قوام له بذاته» [ص ١٤].

ثم يقلب المقياس: الجسم يزداد بالمحسوسات قوّةً «لأنها مادته وأسباب وجوده»، والنفس بالعكس، «كلما تباعد من هذه المعاني البدنية... وتحلى من الحواس بأكثر ما يمكن ازداد قوة وتماما وكمالا»، وهذا عنده «أدل دليل على أن طباعه وجوهره من غير طباع الجسم والبدن». ويقرّر أنّ لها مبادئ لا تؤخذ عن الحسّ ألبتة، «وهي المبادىء الشريفة العالية التي تنبني عليها القياسات الصحيحة»، ومثالها حكمها بأنّه «ليس بين طرفي النقيض واسطة» [ص ١٥].

وأطول أدلّته استدراكُ العقل على خطأ الحواسّ: البصر يخطئ في البعيد، «فبادراكه الشمس صغيرة مقدارها عرض قدم وهي مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة يشهد بذلك البرهان العقلي»؛ ويخطئ في القريب، كضوء الشمس ينفذ من ثقوب مربّعة فيُرى مستديرًا [ص ١٦]. والقاعدة المستخرجة: «والحاكم في الشيء المزيف له أو المصحح أفضل وأعلى رتبة من المحكوم عليه». ويختم بحجّة التسلسل: علم النفس بأنّها علمت ليس مأخوذًا من علم آخر، وإلّا احتاج إلى ثالث «وهذا يمر بلا نهاية»؛ «ولهذا ما قيل في أواخر هذا العلم. إن العقل والعاقل والمعقول شيء واحد» [ص ١٧].

فضيلة النفس، وقسمة الخير والشرّ، وحاجة الناس بعضهم إلى بعض

فضيلة النفس عنده «شوقها إلى أفعالها الخاصة بها أعني العلوم والمعارف مع هربها من أفعال الجسم الخاصة به»، ولا تحصل الفضائل «إلا بعد أن تطهر نفوسنا من الرذائل التي هي أضدادها». ويبرهن على أنّ المآكل والمشارب والمناكح رذائل لا فضائل ببرهان مقارِن: أنّ كثيرًا من الحيوان «أقدر على الإستكثار منها وأحرص عليها كالخنزير والكلب»، وليست بذلك أفضل من الإنسان [ص ١٨]؛ وببرهان من الشبع: أنّ المكتفي من طعامه إذا عُرضت عليه الاستزادة «كما يستزاد من الفضائل أبى ذلك وعافه» [ص ١٩].

ثم يضع القاعدة التي يقوم عليها الكتاب: لكلّ موجود «قوى وملكات وأفعال بها يصير ذلك الموجود هو ما هو وبها يميز عن كل ما سواه». والنظر في قوى الإنسان المشتركة من حقّ العلم الطبيعيّ، أمّا الخاصّة به فهي «الأمور الإرادية التي بها تتعلق قوة الفكر والتمييز. والنظر فيها يسمى الفلسفة العلمية». فالخيرات ما يحصل بإرادته وسعيه فيما لأجله أُوجد، والشرور ما يعوقه عنها «بإرادته وسعيه أو كسله وانصرافه» [ص ١٩–٢٠]. والفعل الخاصّ بالإنسان «ما صدر عن قوته المميزة المروية»؛ فإذا قصر الفرس عن كماله «حط عن مرتبة الفرسية واستعمل بالأكاف كما تستعمل الحمير»، والإنسان إذا نقصت أفعاله «أحرى بأن يحط عن مرتبة الإنسانية إلى مرتبة البهيمية» [ص ٢٠–٢١].

ومن هذا يستخرج أصل الاجتماع: الخيرات الإنسانية كثيرة «ولم يكن في طاقة الإنسان الواحد القيام بجميعها»، فوجب «على الناس أن يحب بعضهم بعضا لأن كل واحد يرى كماله عند الآخر»، فيكون كلّ واحد «بمنزلة عضو من أعضاء البدن»؛ ويحيل هنا على «السعادات الثلاث التي شرحناها في كتاب الترتيب» [ص ٢٣].

القوى الثلاث وأجناس الفضائل الأربعة

يقسم النفس ثلاثًا: قوّةً بها الفكر والتمييز والنظر في حقائق الأمور، وقوّةً بها الغضب والنجدة والإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلّط، وقوّةً بها الشهوة وطلب الغذاء والشوق إلى ملاذّ المآكل والمشارب والمناكح [ص ٢٣]. ويتحاشى الخوض في كونها نفوسًا ثلاثًا أو قوى لنفس واحدة: «والنظر في ذلك ليس يليق بهذا الموضع وأنت تكتفي في تعلم الأخلاق بأنها قوى ثلاث متباينة تقوي إحداهما وتضعف بحسب المزاج أو العادة أوالتأدب». ويعيّن لكلٍّ آلتها من البدن: الناطقة — وتُسمّى المَلَكية — الدماغ [ص ٢٣]، والشهوية — البهيمية — الكبد، والغضبية — السبعية — القلب [ص ٢٤].

ويبني عدد الفضائل على عدد القوى: اعتدال الناطقة يُحدث «فضيلة العلم وتتبعها الحكمة»، واعتدال البهيمية وانقيادها للعاقلة يُحدث «فضيلة العفة وتتبعها فضيلة السخاء»، واعتدال الغضبية يُحدث «فضيلة الحلم وتتبعها فضيلة الشجاعة»، ثم يحدث عن الثلاث باعتدالها «فضيلة هي كمالها وتمامها وهي فضيلة العدالة». ويعقّب: «فلذلك أجمع الحكماء على أن أجناس الفضائل أربع وهي الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة» [ص ٢٤]. وأضدادها أربعة: «الجهل والشره والجبن والجور» [ص ٢٥].

وله هنا تمييز لافت: الجود والشجاعة إذا تعدّيا صاحبَهما رُجي بهما «وذلك في الدنيا فقط لأنهما فضيلتان حيوانيتان»، أمّا العلم فيُرجى به «في الدنيا والآخرة لأنه فضيلة إنسانية ملكية» [ص ٢٥].

وحدود الأربعة: الحكمة «فضيلة النفس الناطقة المميزة وهي أن تعلم الموجودات كلها من حيث هي موجودة»، وثمرتها أن تعرف «أيها يجب أن يفعل وأيها يجب أن يغفل»؛ والعفّة «فضيلة الحس الشهواني»، وظهورها بأن يصرف الإنسان شهواته بحسب الرأي «فيصير بذلك حرا غير متعبد لشيء من شهواته»؛ والشجاعة «فضيلة النفس الغضبية»، «أعني أن لا يخاف من الأمور المفزعة إذا كان فعلها جميلا» [ص ٢٦]؛ والعدالة فضيلة تحدث «من إجتماع هذه الفضائل الثلاث» عند مسالمة القوى واستسلامها للمميِّزة، فتحدث سمة «يختار بها ابدا الإنصاف من نفسه أولا ثم الإنصاف والإنتصاف من غيره وله» [ص ٢٧].

أنواع الفضائل تحت كلّ جنس

يعدّد ما تحت كلّ جنس ويحدّ كلّ نوع حدًّا وجيزًا. فتحت الحكمة ستّة: الذكاء — «سرعة انقداح النتائج وسهولتها على النفس» — والذكر، والتعقّل، وسرعة الفهم وقوّته، وصفاء الذهن، وسهولة التعلّم [ص ٢٧–٢٨].

وتحت العفّة اثنا عشر: الحياء — «إنحصار النفس خوف إتيان القبائح» — والدعة — «سكون النفس عند حركة الشهوات» — والصبر — «مقاومة النفس الهوى لئلا تنقاد لقبائح اللذات» [ص ٢٨] — والسخاء «التوسط في الإعطاء»، والحرّية، والقناعة «التساهل في المآكل والمشارب والزينة»، والدماثة، والانتظام، وحسن الهدى، والمسالمة، والوقار، والورع [ص ٢٩].

وتحت الشجاعة تسعة: كِبَر النفس — «الإستهانة باليسير والإقتدار على حمل الكرائه» — والنجدة، وعِظَم الهمّة، والثبات، والصبر، والحلم، وعدم الطيش، والشهامة، واحتمال الكدّ؛ ويفرّق بين هذا الصبر وصبر العفّة بأنّ «هذا يكون في الأمور الهائلة وذلك يكون في الشهوات الهائجة» [ص ٣٠]. وتحت السخاء ستّة: الكرم، والإيثار، والنَّيل، والمواساة، والسماحة — «بذل بعض ما لا يجب» — والمسامحة — «ترك بعض ما يجب» [ص ٣١].

وقائمة العدالة أطول القوائم وأبعدها عن التجريد، إذ تخرج من الحدود إلى وصايا عملية: الصداقة، والألفة، وصلة الرحم، والمكافأة، وحسن الشركة، وحسن القضاء، والتودّد، والعبادة، وترك الحقد، ومكافأة الشرّ بالخير، و«ترك اليمين بالله وبشيء من أسماءه وصفاته رأسا». ويقرّر ضمنها: «وليس بعدل من لم يكرم زوجته وأهلها المتصلين بها»، و«خير الناس خيرهم لأهله وعشيرته»، و«من احب المال حبا مفرطا لم يؤهل لهذه المرتبة» [ص ٣٢]. والعبادة عنده «تعظيم الله تعالى وتمجيده وطاعته وإكرام أوليائه من الملائكة والأنبياء والأئمة والعمل بما توجبه الشريعة». ثم يستغني عن تعداد الرذائل بقاعدة منطقية: «لأنه يفهم من كل واحدة من تلك الفضائل كلها ما يقابلها لأن العلم بالأضداد واحد» [ص ٣٣].

الفضيلة وسط، وردّ الزهد والانفراد

يفسّر «الوسط» تفسيرًا هندسيًّا لا حسابيًّا: المركز من الدائرة «على غاية البعد من المحيط»، فهكذا يُفهم وسط الفضيلة. ويترتّب عليه أنّ الفضيلة «إذا انحرفت عن موضعها الخاص بها أدنى انحراف قربت من رذيلة أخرى»، «ولهذا صعب جدا وجود هذا الوسط ثم التمسك به بعد وجوده أصعب»؛ ويستشهد بقول الحكماء: «إصابة نقطة الهدف أعسر من العدول عنها»، ويستنتج أنّ «دواعي الشر أكثر من دواعي الخير». ويحصر واجب المؤلِّف في القوانين دون الأشخاص، «والصناعة لا تضمن إلا معرفة الأصول فقط» [ص ٣٤–٣٥].

ثم يجري الأوساط تفصيلًا: الحكمة بين السَّفَه — «إستعمال القوة الفكرية فيما لا ينبغي» — والبَلَه، ويشترط أنّ البله هنا ليس نقصان الخلقة بل «تعطيل القوة الفكرية بالإرادة»؛ والذكاء بين الخبث والبلادة، إذ «أحد طرفي كل وسط إفراط والآخر تفريط» [ص ٣٥]؛ والعفّة بين الشره وخمود الشهوة، والحياء بين الوقاحة والخُرْق، والشجاعة بين الجبن والتهوّر، والسخاء بين التبذير والتقتير [ص ٣٦]. والعدالة وسط بين الظلم والانظلام: الظلم «التوصل إلى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغي»، والانظلام «الإستحذاء والإستماتة في المقتنيات لمن لا ينبغي»؛ ولهذا يكون للجائر أموال كثيرة وللمنظلم أموال يسيرة جدًّا [ص ٣٧].

ويختم المقالة الأولى بردّ صريح على أهل الاعتزال. مقدّمته أنّ «الإنسان مدني بالطبع أي هو محتاج إلى مدينة فيها خلق كثير لتتم له السعادة الإنسانية». ونتيجته أنّ «القوم الذين رأوا الفضيلة في الزهد وترك مخالطة الناس وتفردوا عنهم إما بملازمة المغارات في الجبال وأما ببناء الصوامع في المفاوز. وأما بالسياحة في البلدان لا يحصل لهم شيء من الفضائل الإنسانية»، لأنّ من لم يخالط الناس تبطل قواه «لأنها لا تتوجه لا إلى خير ولا إلى شر»؛ «وليست الفضائل إعداما بل هي أفعال وأعمال تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم» [ص ٣٨].

حدّ «الخلق»: طبعًا أم اكتسابًا

تفتتح المقالة الثانية بالحدّ: «الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية». ويقسمه قسمين: ما يكون «طبيعيا من أصل المزاج» — كمن يحرّكه أدنى شيء نحو غضب — «ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدرب وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا» [ص ٤١].

ثم يعرض الخلاف. اختلف القدماء أوّلًا: أهو خاصّ بالنفس غير الناطقة، أم للناطقة فيه حظّ؟ واختلفوا ثانيًا: فقال بعضهم «من كان له خلق طبيعي لم ينتقل عنه»، وقال آخرون: «ليس شيء من الأخلاق طبيعيا للإنسان ولا نقول أنه غير طبيعي. وذلك أنا مطبوعون على قبول الخلق بل ننتقل بالتأديب والمواعظ إما سريعا أو بطيئا». وموقفه من ذلك صريح: «وهذا الرأي الأخير هو الذي نختاره». وعلّته شقّان: «لأنا نشاهده عيانا»، ولأنّ الرأي الأول «يؤدي إلى أبطال قوة التمييز والعقل وإلى رفض السياسات كلها وترك الناس همجا مهملين وإلى ترك الأحداث والصبيان على ما يتفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم وهذا ظاهر الشناعة جدا» [ص ٤١–٤٢].

ويستعرض أقوال المدارس بأسمائها. «الرواقيون» ظنّوا أنّ الناس كلّهم يُخلقون أخيارًا بالطبع ثم يصيرون أشرارًا بمجالسة أهل الشرّ. و«قوم آخرون كانوا قبل هؤلاء» ظنّوا أنّ الناس خُلقوا «من الطينة السفلى وهي كدر العالم فهم لأجل ذلك أشرار بالطبع». أمّا جالينوس فأفسد المذهبين الأوّلين بحجّة واحدة مطّردة ينقلها مسكويه: إن كان الناس كلّهم أخيارًا بالطبع وإنّما ينتقلون إلى الشرّ بالتعليم، فإمّا أن يتعلّموه من غيرهم — فمعلّموهم أشرار بالطبع، فليسوا كلّهم أخيارًا — وإمّا من أنفسهم، ففيهم قوّة يشتاقون بها إلى الشرّ، «فهم إذاً أشرار بالطبع» [ص ٤٢]؛ ويُعاد الكلام بعينه على الرأي الثاني. ثم صحّح رأيه هو: أنّ الأخيار بالطبع «قليلون وليس ينتقل هؤلاء إلى الشر»، وأنّ الأشرار بالطبع «كثيرون وليس ينتقل هؤلاء إلى الخير»، وأنّ المتوسّطين ينتقلون بمصاحبة الأخيار أو بمقاربة أهل الشرّ [ص ٤٣].

وأمّا أرسطوطاليس فقد بيّن — كما يقول مسكويه — «في كتاب الأخلاق وفي كتاب المقولات أيضا أن الشرير قد ينتقل بالتأديب إلى الخير. ولكن ليس على الإطلاق»، لأنّ تكرير المواعظ والسياسات الفاضلة «لا بد أن يؤثر ضروب التأثير في ضروب الناس». ومن هذا يبني مسكويه قياسه ويصرّح بصورته المنطقية: «كل خلق يمكن تغيره. ولا شيء مما يمكن تغيره هو بالطبع. فإذا لا خلق ولا واحد منه بالطبع. والمقدمتان صحيحتان والقياس منتج في الضرب الثاني من الشكل الأول» [ص ٤٣]. ثم يصحّح المقدّمتين: الأولى «بين من العيان» ومن نفع التأديب في الصبيان «ومن الشرائع الصادقة التي هي سياسة الله لخلقه»؛ والثانية ظاهرة لأنّا «لا نروم تغيير شيء مما هو بالطبع أبدا. فإن أي أحد لا يروم أن يغير حركة النار التي إلى فوق» [ص ٤٤]. ومع ذلك يحتفظ بمراتب الناس في القبول، فهم «ليسوا على رتبة واحدة»، والطباع إذا أُهملت «نشأ كل إنسان على رسوم طباعه وبقي عمره كله على الحال التي كان عليها في الطفولية» [ص ٤٥]. فموقفه على التحرير: الخلق ليس بالطبع بمعنى الثبوت الذي لا يقبل التغيير، وإنّما الطبع فينا هو الاستعداد لقبوله.

الشريعة والفلسفة وكمالا الإنسان

يعيّن للشريعة موضعها في هذا الترتيب بلا مواربة: «والشريعة هي التي تقوم الأحداث وتعودهم الأفعال المرضية وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسية بالفكر الصحيح والقياس المستقيم»؛ وعلى الوالدين أخذهم بها، «حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدة من الزمان كثيرة أمكن فيهم حينئذ أن يعلموا برهين ما أخذوه تقليدا» [ص ٤٥]. فالعلاقة عنده علاقة ترتيب: الشريعة تُعطي الخلق عادةً وتقليدًا، والصناعة التي هو بصددها تُعطيه برهانًا. ويعيد المعنى بصيغة سيرة تعليمية: من رُبّي في الصبا «على أدب الشريعة ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى يتعودها ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى تتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه بالبراهين. ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان»، ثم يتدرّج على الترتيب الموصوف في كتابه «ترتيب السعادات ومنازل العلوم» [ص ٦٠].

والفلسفة «تنقسم إلى قسمين إلى الجزء النظري والجزء العملي فإذا كمل الإنسان بالجزء العملي والجزء النظري فقد سعد السعادة التامة». والكمال الأوّل بالقوّة العالمة أن «يصدق نظره وتصح بصيرته»، وينتهي في ترتيب العلوم «إلى العلم الإلهي الذي هو آخر مرتبة العلوم». والثاني بالقوّة العاملة، وهو «الكمال الخلقي» الذي يقصده الكتاب، ومنتهاه «التدبير المدني الذي يرتب الأفعال والقوى بين الناس». والنسبة بينهما: «فإذا الكمال الأول النظري منزلته منزلة الصورة والكمال الثاني العملي منزلته منزلة المادة وليس يتم أحدهما إلا بالآخر لأن العلم مبدأ والعمل تمام والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا والتمام بلا مبدأ يكون مستحيلا» [ص ٥٠]. وغايته أن تحصل صور الموجودات كلّها في ذات الإنسان «فصرت أنت هي بنحو ما»، فيستحقّ أن يُسمّى «عالما صغيرا» ويصير «خليفة لمولاك خالق الكل» [ص ٥١]؛ ومن لم ينتهِ إلى علم هذه الحال يظنّ أنّ الإنسان إذا انتقض تركيبه الجسمانيّ بطل وتلاشى، «فحينئذ يستحق إسم الإلحاد ويخرج عن سمة الحكمة وسنة الشريعة» [ص ٥٢].

وقبل ذلك يقرّر أنّ صناعة الأخلاق أشرف الصناعات، لأنّ مراتب الصناعات «بحسب مراتب جوهر الشيء الذي تستصلحه» [ص ٤٧]. ويفصل بين الموهوب والمكتسب فصلًا حاسمًا: «إن وجود الجوهر الإنساني متعلق بقدرة فاعله وخالقه... فأما تجويد جوهره فمفوض إلى الإنسان وهو معلق بإرادته» [ص ٤٨–٤٩].

مراتب الناس، وسياسة النفوس الثلاث

يردّ مسكويه على من جعل اللذّة غاية الإنسان، ويصف رأيهم بأنّه «رأي الجمهور من العامة الرعاع وجهال الناس السقاط»، وأنّهم جعلوا النفس المميّزة «كالعبد المهين وكالأجير المستعمل في خدمة النفس الشهوية». وحجّته الأولى من داخل معتقدهم: أنّهم إذا ذُكرت الملائكة علموا أنّها أعلى رتبة وغير محتاجة إلى حاجات البشر، وأنّ الناس يشاركون في هذه اللذّات «الخنافس والديدان وصغار الحشرات»، ثم يجمعون بين الاعتقادين — «وهذا هو العجب العجيب» [ص ٥٣]. والثانية أنّ اللذّة راحة من ألم: «إن لم يؤلموا بالجوع لم يلتذوا بالأكل» [ص ٥٤]. وينسب إلى جالينوس أنّه «تعجب في كتابه الذي سماه بأخلاق النفس من هذا الرأي وكثر استجهاله للقوم الذين هذه مرتبتهم من العقل»، وينقل عنه أنّ أهل السير الرديئة ينصرون القائل به «ليوهموا بذلك أنهم غير منفردين بهذه الطريقة» [ص ٥٤].

ويرتّب النفوس الثلاث في الشرف: «فأدونها النفس البهيمية. وأوسطها النفس السبعية. وأشرفها النفس الناطقة. والإنسان إنما صار إنسانا بأفضل هذه النفوس أعني الناطقة وبها شارك الملائكة وبها باين البهائم»، ثم يخاطب القارئ: «فانظر رحمك الله أين تضع نفسك... فإن هذا أمر موكول إليك ومردود إلى اختيارك» [ص ٥٦].

ثم يرتّب مراتب الناس على الأقاليم، وهو موضع يقوله صريحًا: «وذلك أن أخس الناس هو من كان قليل العقل قريبا من البهيمية. وهم القوم الذين في أقاصي الأرض المعمورة وسكان آخر ناحية الجنوب والشمال لا ينفصلون عن القرود إلا بشيء قليل من التمييز. وبذلك القدر يستحقون إسم الإنسانية»، ثم يتزايدون «حتى يبلغوا إلى وسط الأقاليم، ويعتدل فيهم المزاج القابل لصورة العقل فيصير فيهم العاقل التام»، حتى يصير من بلغ الغاية «في الأفق الذي بين الإنسان والملك ويصير فيهم القابل للوحي» [ص ٥٧]. وواجب العاقل عنده مقدَّر بالضرورة لا باللذّة: من الغذاء قدر الضرورة، «ولا يطلب اللذة لعينها بل قوام الحياة التي تتبعه اللذة»؛ ومن اللباس ما يدفع أذى الحرّ والبرد ويستر العورة؛ ومن الجماع «الذي يحفظ نوعه وتبقى به صورته، أعني طلب النسل» [ص ٥٩].

وهنا يدخل في كلام عن نفسه هو أوضح موضع يلتقي فيه صاحب «تجارب الأمم» بصاحب الأخلاق: يذكر من رُبّي على رواية «الشعر الفاحش» «كما يوجد في شعر امرىء القيس والنابغة وأشباههما»، ومال طبعه إلى الاستكثار من المطاعم والملابس، ثم يعترض على نفسه بين قوسين: «(كما اتفق لي مثل ذلك في بعض الأوقات)» [ص ٦٠]، ويصرّح بعدها: «وليعلم الناظر في هذا الكتاب إن خاصة تدرجت إلى فطام نفسي بعد الكبر واستحكام العادة وجاهدتها جهادا عظيما» [ص ٦١]. فالخبرة المعاشة تدخل عنده مدخل الشاهد.

ويضرب للنفوس مثالين: أوّلهما مثله هو، «ثلاثة حيوانات مختلفة جمعت في مكان واحد ملك وسبع وخنزير. فأيها غلب بقوته قوة الباقين كان الحكم له» [ص ٦١]؛ والثاني ينسبه إلى القدماء، «شبه القدماء الإنسان وحاله في هذه الأنفس الثلاث بإنسان راكب دابة قوية يقود كلبا أو فهدا للقنص» [ص ٦٣]. ويقرّر على هذا التقسيم قاعدة تربوية: الناطقة «كريمة أدبية بالطبع»، والبهيمية «عادمة للأدب» غير قابلة له، والغضبية «عدمت الأدب ولكنها تقبله وتنقاد له»، «وإنما وهب الله تعالى لنا هذه النفس خاصة لنستعين بها على تقويم البهيمية التي لا تقبل الأدب» [ص ٦٢]؛ فسياسة العاقلة أن تقوّم الغضبية ثم تستنهضها وقت هيجان البهيمية [ص ٦٤]. وينقل عن أفلاطون بلفظه: «وأما النفس الناطقة أعني العاقلة فهي كما قال أفلاطون بهذه الألفاظ: أما هذه فبمنزلة الذهب في اللين والإنعطاف. وأما تلك فبمنزلة الحديد في الصلابة والإمتناع»، وينقل عن «الحكيم الأول» قولًا في ضعف العزيمة عند من يعرف فضل الفعل الجميل ولا يحتمل مؤنته [ص ٦٥].

تأديب الأحداث والصبيان: مصدره المنقول وآدابه

يصرّح مسكويه بمصدر هذا الفصل في عنوانه نفسه: «فصل في تأديب الأحداث والصبيان خاصة نقلت أكثره من كتاب بروسنس» [ص ٦٦]. وهي أوضح إحالة مصدرية في القسم كلّه، لأنّها تسبق النصّ ولا تُذكر في أثنائه.

يبدأ الفصل بترتيب طبيعيّ لظهور القوى: أوّلها القوّة التي يشتاق بها الطفل إلى الغذاء «فيتحرك بالطبع إلى اللبن يلتمسه من الثدي... من غير تعليم ولا توقيف»، ثم القوّة الخيالية، ثم قوّة الغضب [ص ٦٦]، ثم الشوق إلى تمييز الأفعال الإنسانية «فيسمى حينئذ عاقلا» [ص ٦٧].

والعلامة الأولى التي يوصي بتفرّسها الحياءُ: «أول ما ينبغي أن يتفرس في الصبي ويستدل به على عقله. الحياء فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح»؛ فإذا وجدته «مستحييا مطرقا بطرفه إلى الأرض... فهو أول دليل نجابته». وعلّته أنّ نفس الصبيّ «ساذجة لم تنتقش بعد بصورة»، «فإذا نقشت بصورة وقبلتها نشأ عليها وأعتادها»؛ فينبَّه على حبّ الكرامة، «ولا سيما ما يحصل له منها بالدين دون المال» [ص ٦٧].

وفي الملابس يقول: «ويعلم أن أولى الناس بالملابس الملونة والمنقوشة النساء اللاتي يتزين للرجال ثم العبيد والخول. وأن الأحسن بأهل النبل والشرف من اللباس البياض وما أشبهه». ويصف حال الصبيّ في ابتداء نشوئه وصفًا قاسيًا: «فإنه يكون كذوبا... ويكون حسودا سروقا نماما لجوجا ذا فضول»، ثم لا يزال به التأديب «حتى ينتقل في أحوال بعد أحوال» [ص ٦٨]. ويحذّر من الأشعار السخيفة وما فيها من ذكر العشق «فإن هذا الباب مفسدة للأحداث جدا»، ويضع قاعدة في العقوبة: إن خالف فالأولى «أن لا يوبخ عليه... بل يتغافل عنه»؛ فإن عاد «فليوبخ عليه سرا»، لأنّك «إن عودته التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة» [ص ٦٩].

وآداب المطاعم مبنيّة على مبدأ واحد: أنّها «إنما تراد للصحة لا للذة»، وأنّ الأغذية «تجري مجرى الأدوية ليتداوى بها الجوع والألم الحادث منه» [ص ٦٩]. وتفاصيلها عملية: يقتصر على لون واحد وعلى ما يليه، ولا يبادر إلى الطعام، ولا يعظّم اللقمة، ويأكل «الخبز القفار الذي لا أدم معه في بعض الأوقات»؛ ويضيف: «وهذه الآداب وإن كانت جميلة بالفقراء فهي بالأغنياء أفضل وأجمل». وأمّا المسكرات «فإياها وإياها فإنها تضره في بدنه ونفسه وتحمله على سرعة الغضب والتهور» [ص ٧٠].

وفي الآداب المتنوّعة: يُمنع «من كل فعل يستره ويخفيه فإنه ليس يخفى شيئا إلا وهو يظن أو يعلم أنه قبيح»، ومن كثرة النوم ومن الفراش الوطيء «حتى يصلب بدنه ويتعود الخشونة» [ص ٧١]؛ ولا يتزيّن بملابس النساء، ولا يتوصّل بسلطان أهله إلى هضم أقرانه — «كمن اتفق له إن كان خاله وزيرا أو عمه سلطانا» — ويُعوَّد ألّا يحلف ألبتة «لا صادقا ولا كاذبا»، وقلّة الكلام «فلا يتكلم إلا جوابا» [ص ٧٢]؛ وإذا ضربه المعلّم «أن لا يصرخ ولا يستشفع بأحد فإن هذا فعل المماليك»؛ ويُبغَّض إليه الذهب والفضّة «ويحذر منهما أكثر من تحذير السباع والحيات والعقارب»؛ ويُؤذن له في اللعب الجميل «ليستريح إليه من تعب الأدب». ويقول: «وأحوج الصبيان إلى هذا الأدب أولاد الأغنياء والمترفين»، «فأما الفقراء فالأمر عليهم أسهل بل هم قريبون إلى الفضائل» [ص ٧٣–٧٤]. ويسند إلى التاريخ شاهدًا: «وقد كان ملوك الفرس الفضلاء لا يربون أولادهم بين حشمهم وخواصهم... وكانوا ينفذونهم مع ثقاتهم إلى النواحي البعيدة» ويتولّى تربيتهم «أهل الجفاء وخشونة العيش» [ص ٧٤].

ويختم الفصل بالحدّ الذي يقف عنده التأديب: من نشأ على الطريقة المقابلة «وأمعن قليلا في السن» فهو «بمنزلة الخنزير الوحشي الذي لا يطمع في رياضته»، «اللهم إلا أن يكون... عازما على الإقلاع والإنابة. فإن مثل هذا الإنسان من يرجى له النزوع عن أخلاقه بالتدريج والرجوع إلى الطريقة المثلى بالتوبة وبمصاحبة الأخيار وأهل الحكمة وبالأكباب على التفلسف» [ص ٧٥].

حال النصّ في هذه النسخة

النسخة المقروءة سليمة المعنى في جملتها، وفيها تصحيفات ظاهرة لا يجوز تسويتها في النقل: «إنّا لما وجدنا في الإنسان شياما يضاد أفعال الأجسام» [ص ١٣]، وصوابه على السياق «شيئًا ما»؛ وتكرار لفظة في حدّ الخلق، «من غير فكر ولا روية ولا روية» [ص ٤١]؛ وورود «المسألة» موضع «المسالمة» و«القاعة» موضع «القناعة» [ص ٢٨–٢٩]؛ وورود «الصدقة» في رأس قائمة فضائل العدالة [ص ٣٢] مع أنّ الحدّ اللاحق لـ«الصداقة» [ص ٣٣]؛ وقوله في طرف الحكمة «وسماه القوم الجزيرة» [ص ٣٥]، وهي كلمة غير مستقيمة في موضعها؛ ولفظ «منفاقا» اسمًا لمن لا يتعدّى جودُه غيرَه [ص ٢٥]. وفي [ص ٥٠] انقطاع ظاهر عند «وهذا الكمال قد بينا بالقوة الأخرى»، وفي [ص ٦٥] تكرار جملة كاملة، وفي [ص ٧٥] سقط قبل «أعني أن يشتغل بصلاحه وتقويمه». وفي ترقيم المطبوع انقطاعان لا يقابلهما انقطاع في السياق: بين [ص ١٠] و[ص ١٣]، وبين [ص ٣٩] و[ص ٤١].