يغطّي هذا القسم الثلث الأخير من «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»: تتمّة المقالة الخامسة المعنونة في النسخة «التعاون والاتحاد» [ص ١٤٧]، وهي مقالة المحبة والصداقة، ثمّ المقالة السادسة المعنونة «دواء النفوس» [ص ١٨٣]، ثمّ ما تحمل النسخة عنوانه «المقالة السابعة — ردّ الصحة على النفس» [ص ١٩٩]. والأرقام المثبتة بين معقوفتين في هذه الصفحة كلّها صفحات المطبوع كما ترد في النصّ المقروء، لا أرقام الملفّ الداخلية. وينتهي الكتاب عند [ص ٢٢٨] بفقرة توصي القارئ بتصفّح أنواع الأمراض تحت أجناسها ومداواتها بمقابلاتها، ثمّ بخاتمة نصّها: «هذا آخر المقالة السادسة وهي تمام الكتاب». وفي هذه الخاتمة إشكال ترقيمي ظاهر، إذ يسمّي الكتابُ الجزءَ الأخير في عنوانه «المقالة السابعة» ثمّ يسمّيه في خاتمته «المقالة السادسة»؛ وهو تعارض داخل النسخة نفسها أثبته كما وجدته دون ترجيح. ويلزم التنبيه على أمر آخر: النسخة المقروءة خالية تمامًا من حواشي المحقِّق؛ فحقل الحاشية فارغ في كل صفحة من ص ١٤٧ إلى ص ٢٢٨، وكلّ ما يرد هنا متنٌ لمسكويه لا تعليق لمحقِّق. كذلك تخلو النسخة من الصفحات ١٤٨ و١٨٤ و٢٠٠، وكلّها تلي صفحات عناوين المقالات.
أنواع المحبة الأربعة وأسبابها الثلاثة
يبني مسكويه المقالة الخامسة على مقدّمة سبق تقريرها في الكتاب: أنّ الناس «مطبوعون على النقصانات ومضطرّون إلى تماماتها»، وأنّ كلّ واحد يجد تمامه عند صاحبه، فالضرورة داعية إلى حال تجمع بين أشتات الأشخاص «ليصيروا بالاتفاق والائتلاف كالشخص الواحد» [ص ١٤٩]. ثمّ يقسّم المحبة قسمة زمنية رباعية: ما ينعقد سريعًا وينحلّ سريعًا، وما ينعقد سريعًا وينحلّ بطيئًا، وما ينعقد بطيئًا وينحلّ سريعًا، وما ينعقد بطيئًا وينحلّ بطيئًا. وعلّة هذا التقسيم عنده أنّ مقاصد الناس ثلاثة يتركّب منها رابع: اللذة والخير والمنافع والمركّب منها [ص ١٤٩]. ثمّ يوزّع الأنواع على الأسباب: محبة اللذة تنعقد سريعًا وتنحلّ سريعًا لأنّ اللذة سريعة التغيّر، ومحبة الخير تنعقد سريعًا وتنحلّ بطيئًا، ومحبة المنافع تنعقد بطيئًا وتنحلّ سريعًا [ص ١٥٠]. ويستطرد إلى ما دون الإنسان: ما يقع بين الحيوانات غير الناطقة «الأحرى به أن يسمّى ألفًا» ويقع بين الأشكال منها خاصة؛ وأمّا ما لا نفوس له كالأحجار فليس فيه إلا الميل الطبيعي إلى مراكزها، مع مشاكلة ومنافرة بحسب النسب التأليفية والعددية والمساحية، وهي التي تُسمّى آثارها «أسرار الطبائع»، ويحيل في بيانها على صناعة الأرتماطيقي وصناعة التأليف [ص ١٥٠].
الصداقة والعشق والمحبة الإلهية
يخصّص مسكويه المصطلحات تخصيصًا دقيقًا: «الصداقة نوع من المحبة إلا أنها أخصّ منها، وهي المودّة بعينها، وليس يمكن أن تقع بين جماعة كثيرين كما تقع المحبة. وأمّا العشق فهو إفراط في المحبة، وهو أخصّ من المودّة، وذلك أنه لا يمكن أن يقع إلا بين اثنين فقط» [ص ١٥١]. والعشق لا يقع في النافع ولا في المركّب منه، وإنما يقع لمحبّ اللذة بإفراط ولمحبّ الخير بإفراط، «وأحدهما مذموم والآخر محمود». وعلى هذا يقسّم الصداقات بحسب الأعمار والطبائع: صداقة الأحداث تحدث لأجل اللذة، «فهم يتصادقون سريعًا ويتقاطعون سريعًا»، وتبقى بمقدار ثقتهم ببقاء اللذة؛ وصداقة المشايخ تقع لمكان المنفعة، فتبقى ما بقيت المنافع المشتركة؛ وصداقة الأخيار سببها الخير، «ولمّا كان الخير شيئًا غير متغيّر الذات صارت مودّات أصحابه باقية غير متغيّرة» [ص ١٥١].
ويضيف تعليلًا مأخوذًا من تركيب الإنسان: هو مركّب من طبائع متضادّة، وميل كلّ واحدة يخالف ميل الأخرى، فاللذة الموافقة لإحداها تخالف لذة ضدّها، «فلا تخلص له لذة غير مشوبة بأذى»؛ لكن فيه أيضًا «جوهر آخر بسيط إلهي غير مخالط لشيء من الطبائع الأخرى»، فله لذّة بسيطة لا تشبه شيئًا من تلك اللذّات، والمحبة التي سببها هذه اللذّة «هي التي تفرط حتى تصير عشقًا تامًّا خالصًا شبيهًا بالوله» [ص ١٥١–١٥٢]. وينقل في هذا الموضع عن أرسطوطاليس حكايةً عن فيلسوف يرد اسمه في النسخة «ابرفليطس» — والرسم غير واضح ولا أرجّح فيه شيئًا — أنّ «الأشياء المختلفة لا تتشاكل ولا يكون منها تأليف جيّد»؛ فالجواهر البسيطة إذا تشاكلت واشتاق بعضها إلى بعض تألّفت وصارت شيئًا واحدًا «لا غيرية بينها، إذ الغيرية إنما تحدث من جهة الهيولى»؛ وأمّا ذوات الهيولى فتلتقي «بنهاياتها وسطوحها دون ذواتها، وهذا الالتقاء سريع الانفصال» [ص ١٥٢]. ثمّ يقرّر ما ينبني على ذلك: هذه المحبة الإلهية «لا تقبل النقصان، ولا تقدح فيها السعاية، ولا يعترض عليها المَلَك، ولا تكون إلا بين الأخيار فقط»؛ بخلاف محبات المنفعة واللذة، فإنها تقع بين الأشرار وبين الأخيار والأشرار جميعًا، «إلا أنها تنقضي وتنحلّ مع تقضّي المنافع واللذائذ لأنها عرضية»، وكثيرًا ما تحدث بالاجتماع في المواضع الغريبة «كالسفينة وما جرى مجراها» فتزول بزوال الموضع [ص ١٥٢–١٥٣].
الأنس، وتعليل عبادات الشريعة، والمَلِك حارس الدين
يجعل مسكويه الأنس مبدأ المحبات كلّها: «الإنسان آنس بالطبع، وليس بوحشيّ ولا نفور، ومنه اشتُقّ اسم الإنسان في اللغة العربية»؛ ويردّ قول الشاعر «سُمّيت إنسانًا لأنك ناسِ» ويعدّه غلطًا ممّن ظنّ اشتقاقه من النسيان [ص ١٥٣]. وعلى هذا الأصل يفسّر عبادات الشريعة تفسيرًا اجتماعيًّا صريحًا: الدعوات والمآدب وُضعت ليحصل الأنس؛ والصلوات الخمس في المساجد كلّ يوم، وتفضيل صلاة الجماعة على صلاة الآحاد، ليخرج هذا الأنس الطبيعي «من القوة إلى الفعل ثم يتأكّد بالاعتقادات الصحيحة التي تجمعهم» [ص ١٥٣]. ثم يتدرّج في دوائر الاجتماع: الجمعة تجمع أهل المحالّ والسكك في مسجد واحد يسعهم كلّ أسبوع، والعيدان يجمعان أهل المدينة مع أهل القرى والرساتيق مرّتين في السنة «في مصلًّى بارزين مصحرين ليسعهم المكان»، والحجّ يجمع أهل المدن المتباعدة مرّة في العمر، ولم يُعيَّن له وقت من العمر «ليتّسع لهم الزمان» [ص ١٥٤]. والغرض عنده واحد في الجميع: تجديد الأنس وشمول المحبة الناظمة.
ويترتّب على ذلك بابُ الإمامة. القائم بحفظ هذه السنن هو الإمام، وصناعته صناعة المُلك، «والأوائل لا يسمّون بالمَلِك إلا من حرس الدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره وزواجره؛ وأمّا من أعرض عن ذلك فيسمّونه متغلّبًا ولا يؤهّلونه لاسم المَلِك» [ص ١٥٤]. ويستشهد بقول أزدشير، ويصفه بـ«حكيم الفرس وملكهم»: «إنّ الدين والمُلك إخوان توأمان لا يتمّ أحدهما إلا بالآخر»؛ ثمّ يشرحه بقوله: «فالدين أُسّ والمُلك حارس، وكلّ ما لا أُسّ له فمهدوم، وكلّ ما لا حارس له فضائع» [ص ١٥٥]. ومن هنا يلزم الحارسَ أن يتيقّظ ولا يباشر أمره «بالهوينا» ولا يشتغل بلذّة تخصّه؛ فمتى أغفل حدًّا من حدوده دخل الخلل، «وحينئذ تتبدّل أوضاع الدين، ويجد الناس رخصة في شهواتهم»، فتنقلب هيئة السعادة إلى ضدّها، ويحدث الاختلاف والتباغض المؤدّيان إلى الشتات، فيُحتاج إلى «تجديد الأمر واستئناف التدبير وطلب الإمام الحقّ والملك العدل» [ص ١٥٥].
المحبة اللوّامة، ونسبة المَلِك إلى رعيته، ومراتب المحبات
يخصّ مسكويه بابًا لما يسمّيه «المحبة اللوّامة»، وهي التي يلازمها التشكّي. وأصل الفساد فيها اختلاف الأسباب: إذا كان سبب أحد المتحابّين المنفعة وسبب الآخر اللذة لم يعتدل الأمر بينهما، «لأنّ طالب اللذة يتعجّل مطلوبه وطالب المنفعة يتأخّر عنه»؛ ومثاله المغنّي والمستمع، والعاشق والمعشوق. ويحكم في العاشق حكمًا لافتًا: «لذلك ترى العاشق يشكو معشوقه ويتظلّم منه، وهو بالحقيقة ظالم ينبغي أن يُشتكى، لأنه يتعجّل لذّته بالنظر ولا يرى المكافأة بما يستحقّ صاحبه» [ص ١٥٦]. وهذا الصنف يشمل الرئيس والمرؤوس، والغني والفقير، والموالي والمماليك، «لأنّ كلّ واحد ينتظر من المكافأة عند الآخر ما لا يجده عنده». ولا مخرج منها إلا بالعدل: «فهذه المحبة اللوّامة لا يكاد يخلو الإنسان منها إلا على شريطة العدل وطلب الوسط من الاستحقاق والرضا به، وهو صعب» [ص ١٥٧].
وفي مقابلها محبة الأخيار، وهي التي لا تطرأ عليها هذه الآفات: تكون «لا للذّة خارجة ولا لمنفعة، بل للمناسبة الجوهرية بينهما، وهي قصد الخير والتماس الفضيلة»؛ ولذلك لا تقع بينهم مخالفة ولا منازعة، «وهذا التساوي في النصيحة وإرادة الخير هو الذي يوحّد كثرتهم». ومن هنا يسوق الحدّ المشهور عنده للصديق: «آخَرُ هو أنت، إلا أنه غيرك بالشخص» — «ولهذا صار عزيز الوجود» [ص ١٥٧]. ويستثني من ذلك السلاطين، فإنهم «يظهرون الصداقة على أنهم متفضّلون ومحسنون إلى من يصادقهم، فلا يدخلون تحت الحدّ الذي ذكرناه، وفي صداقتهم زيادة ونقصان، والمساواة عزيزة الوجود عندهم» [ص ١٥٧].
ويعالج محبة الوالد والولد بتعليل جوهري: الوالد «يرى في ولده أنه هو هو، وأنه نسخ صورته التي تخصّه من الإنسانية في شخص ولده نسخًا طبيعيًّا»، ولذلك «لا يشقّ عليه أن يقال له: ولدك أفضل منك». ومحبة الوالد تفضل محبة الولد لأنه فاعله ولأنه يعرفه منذ أول تكوينه؛ ومحبة الولد أنقص «بأنّ الولد مفعول، وبأنه لا يعرف ذاته ولا فاعل ذاته إلا بعد زمان طويل». ثمّ يستنتج من ذلك حكمًا شرعيًّا: «ولهذه العلّة وصّى الله ﷿ الولدَ بوالده ولم يوصِ الوالدَ بولده» [ص ١٥٨]. وعلى هذا النموذج الأسري يبني نظرية الحكم: «يجب أن تكون نسبة المَلِك إلى رعيته نسبة أبوية، ونسبة رعيته إليه نسبة بنوية، ونسبة الرعية بعضهم إلى بعض نسبة أخوية»؛ وعناية المَلِك برعيته يجب أن تكون «مثل عناية الأب بأولاده شفقة وتحنّنًا وتعهّدًا وتعطّفًا»، فعندها «تحبّه رعيته محبة الأولاد للأب الشفيق» [ص ١٥٩]. ويُتبع ذلك بشرط العدالة: فإذا لم تُحفظ المراتب بالعدل «عرض لها الفساد وانتقلت الرياسات وانعكست الأمور، فيعترض لرياسة المُلك أن تنتقل إلى رياسة التغلّب، ويتبع ذلك أن تنتقل محبة الرعية إلى البغض له» [ص ١٥٩–١٦٠].
وأمّا المحبة التي لا تشوبها الانفعالات أصلًا فهي محبة العبد لخالقه، «فإنها إنما تخلص للعالِم الربّاني وحده خاصة، ولا سبيل لغيره إليها إلا بالدعوى الكاذبة». وحجّته: «كيف يجد الإنسان السبيل إلى محبة من لا يعرفه ولا يعرف ضروب إنعامه؟ اللهمّ إلا أن يتصوّر في نفسه صنمًا ويظنّه الخالق فيحبّه ويعبده»، ويستشهد بقوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)، ويحكم بأنّ «مدّعي هذه المحبة كثيرون جدًّا، والمحقّون منهم قليلون جدًّا، بل هم أقلّ من القليل» [ص ١٦٠]. ثمّ يرتّب المراتب ترتيبًا يقدّم فيه الحكماء على الوالدين: محبة الحكماء عند تلامذتهم «متوسّطة بين المحبة الأولى والمحبة الثانية»، بل «أشرف وأكرم من محبة الوالدين، لأجل أنّ تربيتهم هي لنفوسنا وهم الأسباب في وجودنا الحقيقي»؛ فالحكيم «والد روحاني»، «وبقدر فضل النفس على البدن يكون فضل التربية على التربية» [ص ١٦١]. ويختم الباب بواجب عملي: أن يعرف المرء مراتب المحبات «حتى لا يبذل كرامة الوالد للرئيس الأجنبي، ولا كرامة الصديق للسلطان»؛ ثمّ ينقل عن «الحكيم» أنّ المحبة المغشوشة تنحلّ سريعًا كالدرهم المغشوش، ويعلّق: «ومن غشّ المحبة والصداقة كان أسوأ حالًا ممّن غشّ الدرهم والدينار» [ص ١٦٢].
الشرير يهرب من ذاته، والإحسان، ولماذا لا يكون الصديق كثيرًا
يقدّم مسكويه وصفًا نفسيًّا للشرير قوامه أنّ العقوبة داخلية: «من كانت ذاته رديئة هرب من ذاته»، فاضطُرّ إلى صحبة قوم يناسبونه «ليفنى عمره معهم ويشتغل بهم عن ذاته وما يجده فيها من الاضطراب والقلق»؛ فإنّ هؤلاء «إذا خلوا بأنفسهم تذكّروا أفعالهم الرديئة، وهاجت بهم القوى المتضادّة… فيألمون من ذواتهم». وحجّته أنّ التضادّ لا يجتمع: «لا يمكن أن يفرح ويحزن معًا، ولا يرضى ويسخط في حال واحدة». ويجد في مجالسة أشباهه «راحة للوقت وسكونًا إليه لأجل المشاكلة، ثم يعود بعد قليل وبالًا عليه»؛ حتى يخلص إلى العبارة الحاسمة: «ليس له محبّ ولا ذاته، ولا له نصيح ولا نفسه» [ص ١٦٣]. وفي مقابله الخيّر الفاضل: «فهو صديق نفسه والناس أصدقاؤه، وليس يضادّه إلا الشرير فقط» [ص ١٦٣].
ويميّز إحسانين: إحسان ذاتيّ خُلُقيّ «يبقى ولا ينقطع ويتزايد على الأيام ولا ينتقص»، وإحسان عرضيّ ليس بخُلُق «فإنه ينقطع ويلحق فيه اللوم، والمحبة التي تعرض منه تلحق بالمحبات اللوّامة» [ص ١٦٤]. ثمّ ينقل عن أرسطوطاليس دعوى ودليلها: أنّ محبة المحسن للمحسَن إليه أشدّ من العكس، واستدلّ عليها بحال المقرض وصانع المعروف؛ فالمقرض «ربما أحبّ سلامة المقترض لمكان الأخذ لا لمكان المحبة»، أمّا مصطنع المعروف «فإنه بالحقّ الواجب يودّ الذي اصطنع إليه معروفه وإن لم ينتظر منه منفعة، ذلك أن كلّ صانع فعلٍ جيّدٍ محمودٍ يحبّ مصنوعه» [ص ١٦٤]. ويضيف مسكويه تعليلًا من جهة الكلفة: المحبة المكتسبة بالتعب أشدّ، «ولهذه العلّة صارت الأمّ أكثر محبة للولد من الأب»، «وبهذا النوع من المحبة يحبّ الشاعر شعره ويُعجَب به أكثر من إعجاب غيره» [ص ١٦٥]. ويرتّب المحسنين ثلاث مراتب: من يصطنع المعروف لأجل الخير نفسه، ومن يصطنعه لأجل الذكر الجميل، ومن يصطنعه رياءً؛ «ومن البيّن أنّ أعلاهم مرتبةً من صنعه لذاته، أعني لذات الخير» [ص ١٦٥].
وعلى هذا الأساس يقرّر أنّ الصديق بالمعنى الأول لا يمكن أن يكون كثيرًا، «لعزّته، ولأنه محبوب بإفراط، وإفراط المحبة لا يصحّ ولا يتمّ إلا لواحد»؛ وأمّا حسن العشرة مع سائر الناس فمبذول لطلب الفضيلة [ص ١٦٧]. ثمّ ينقل عن أرسطوطاليس: «إنّ الإنسان محتاج إلى الصديق عند حسن الحال وعند سوء الحال؛ فعند سوء الحال يحتاج إلى معونة الأصدقاء، وعند حسن الحال يحتاج إلى المؤانسة وإلى من يحسن إليه» — ويعلّق مسكويه بأنّ «الملك العظيم يحتاج إلى من يصطنعه ويضع إحسانه عنده، كما أنّ الفقير من الناس يحتاج إلى صديق يصطنعه» [ص ١٦٧]. وينقل عن سقراطيس بألفاظه: عجبُه ممّن يعلّم أولاده أخبار الملوك والحروب والضغائن «ولا يخطر ببالهم أمر المودّة وأحاديث الألفة»، وأنه «لا يستطيع أحد من الناس أن يعيش بغير المودّة وإن مالت إليه الدنيا بجميع رغائبها»، ثمّ: «فإن ظنّ أحد أنّ أمر المودّة صغير فالصغير من ظنّ ذلك»، وأنّ قدر المودّة عنده «أعظم من جميع ذهب كنوز قارون» [ص ١٦٧]. ويتمّم المنقول بحاجة صاحب السلطان خاصّة: «فطوبى لمن أُوتي هذه النعمة العظيمة وهو خِلوٌ من السلطان، وأعظم طوبى لمن أُوتيه في سلطان»، لأنّ من باشر أمور الرعية «لن يكفيه أذنان ولا عينان ولا قلب واحد»، فإن وجد إخوانًا ذوي ثقة «وجد بهم عيونًا وآذانًا وقلوبًا» [ص ١٦٨].
كيف يُختار الصديق ويُحفَظ
يفتح مسكويه هذا الباب بمثَل الشاة الوارمة التي حُسب ورمُها شحمًا، ويستشهد بالبيت: «أُعيذها نظراتٍ صادقةً … أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم» [ص ١٦٨]؛ ويعلّل الحاجة إلى الاحتياط بأنّ الإنسان «من بين الحيوان يتصنّع حتى يظهر للناس منه ما لا حقيقة له، فيبذل مالَه وهو بخيل ليقال هو جواد» [ص ١٦٩]. ثمّ يعرض طريقة في الفحص يسندها إلى سقراطيس: أن يُسأل عن الرجل كيف كان في صباه مع والديه وإخوته وعشيرته، «فإن كان صالحًا معهم فارجُ الصلاح منه»؛ ثمّ سيرته مع أصدقائه قبلك؛ ثمّ أمره في شكر النعمة أو كفرها — ولا يُقصد بالشكر المكافأة بالفعل التي قد يعجز عنها، بل ألّا يعطّل نيّته، «وليس أحد يتعذّر عليه نشر النعمة التي تتولّاه والثناء على صاحبها»؛ ثمّ ميله إلى الراحات وتباطؤه عن الحركة «فإن هذا خُلق رديء ويتبعه الميل إلى اللذّات»؛ ثمّ محبته للذهب والفضة، «فإذا وقعت بينهم معاملة في هذين الحجرين هرّ بعضهم على بعض هرير الكلاب»؛ ثمّ محبته للرئاسة، فمن أحبّ الغلبة «لا ينصفك في المودّة»؛ ثمّ انشغاله بضروب اللهو والمجون [ص ١٦٩–١٧٠].
ويقيّد ذلك بقيدين. الأول: ألّا يُكثر المرء الأصدقاء، «فإن من كثرت أصدقاؤه لم يفِ بحقوقهم واضطرّ إلى الإغضاء عن بعض ما يجب عليه»، ويُبتلى بأحوال متضادّة تدعوه مساعدة صديق إلى السرور ومساعدة آخر إلى الغمّ؛ «فلتكتفِ بواحد إن وُجد، فإن الكمال عزيز» [ص ١٧٠]. والثاني: ألّا يتتبّع صغار العيوب، «بل يجب أن تغضّ عن المعايب اليسيرة التي لا يسلم من مثلها البشر، وتنظر ما تجده في نفسك من عيب فتحتمل مثله من غيرك»، ويستشهد بالبيت: «عدوّك من صديقك مستفادُ … فلا تستكثرنّ من الصحاب» [ص ١٧١]. ثمّ يفصّل آدابًا عملية: لقاؤه بالوجه الطلق وإظهار السرور به، والثناء الصادق على من يحبّه من ولد أو تابع «من غير إسراف يخرج بك إلى الملق»؛ والمشاركة في الضرّاء أوجب من المشاركة في السرّاء، ولا ينتظر أن يسأله «بل اطّلع على قلبه واسبق إلى ما في نفسه»؛ وإن بلغ سلطانًا أو غنًى «فاغمس إخوانك فيها من غير امتنان ولا تطاول» [ص ١٧١–١٧٢]. ويشدّد على المداومة، بحجة أنّ المركوب والملبوس والمنزل تفسد بترك المراعاة، فكيف بمن تنتظر مشاركته في السرّاء والضرّاء [ص ١٧٣].
ثمّ يحذّر من ثلاثة: المراء، «فإن مماراة الصديق تقتلع المودّة من أصلها، لأنها سبب الاختلاف»، ويصف من يتعمّد مماراة صديقه في المحافل «ليزيد في خجل صديقه وليُظهر انقطاعه» [ص ١٧٣]؛ والبخل بالعلم، وحجّته أنّ متاع الدنيا يتزاحم عليه القوم «فينقص حظّ كلّ واحد من حظّ الآخر»، «وأمّا العلم فإنه بالضدّ… بل يزكو على النفقة ويربو مع الصداقة»، وأسباب البخل به ثلاثة كلّها قبيحة: قلّة البضاعة، أو الاكتساب به، أو الحسد [ص ١٧٤]؛ والنميمة، «فإن الأشرار يدخلون بين الأخيار في صورة النصحاء»، ويذكر أنّ «للقدماء في هذا المعنى كتبًا مؤلَّفة» يشبّهون فيها النمّام بمن يحكّ بأظافيره أصول البنيان حتى يقلعه، ويحيل على «حديث الثور مع الأسد في كتاب كليلة ودمنة»، ثمّ يكتفي بالإيماء «لئلّا نخرج عن رسم كتابنا وعمّا بنينا عليه مذهبنا من الإيجاز» [ص ١٧٥]. وفي باب مصارحة الصديق بعيبه يستعمل صورة طبّية سيبني عليها المقالتين التاليتين: «فإن الطبيب الرقيق ربما بلغ بالدواء اللطيف ما يبلغه غيره بالشقّ والقطع والكيّ»؛ والإغضاء عمّا تعرفه من عيبه «خيانة منك» [ص ١٧٥].
ويختم المقالة بحكمٍ على العزلة: الفضائل الخلقية إنما وُضعت «لأجل المعاملات والمعاشرات التي لا يتمّ الوجود الإنساني إلا بها» — العدل لتصحيح المعاملات، والعفة لأجل اللذّات الرديئة، والشجاعة لأجل الأمور الهائلة [ص ١٧٦–١٧٧]. ومن ثمّ: «ولذلك ذممنا المتوسّمين بالزهد إذا تفرّدوا عن الناس وسكنوا الجبال والمفاوز واختاروا التوحّش الذي هو ضدّ التمدّن، لأنهم ينسلخون عن جميع الفضائل الخلقية»؛ ثمّ يسأل: «وكيف يعفّ ويعدل ويسخو ويشجع من فارق الناس وتفرّد عنهم؟ وهل هو إلا بمنزلة الجماد والميت؟» [ص ١٧٧]. وينقل عن أرسطوطاليس أنّ السعادة التامّة الخالصة «هي لله ﷿ ثمّ للملائكة والمتألّهين»، وأنه لا ينبغي أن تُضاف إلى الملائكة الفضائل المعدودة في سعادة الإنسان، «فإنهم لا يتعاملون، ولا يكون عند أحد منهم وديعة فيحتاج إلى ردّها، ولا لأحد منهم تجارة فيحتاج إلى العدالة، ولا يفزعه شيء فيحتاج إلى النجدة» [ص ١٧٨]. وينقل عنه أيضًا: «من أحبّ الله وتعاهده كما يتعاهد الأصدقاء بعضهم بعضًا أحسن إليه» — ويتحفّظ مسكويه على العبارة فيقول إنّ أرسطوطاليس «أطلق بعد ذلك بالعلّة شيئًا غير مُطلَق في لغتنا» [ص ١٧٩]. وله عنه ثالثة: «لا ينبغي أن تكون همم الإنسان إنسيّة وإن كان إنسانًا… بل يقصد بجميع قواه أن يحيا حياة إلهية، فإن الإنسان وإن كان صغير الجثّة فهو عظيم بالحكمة شريف بالعقل» [ص ١٨٠]؛ ورابعة في أنّ من كان خيّرًا بالطبع فإنّ «عناية الله به أكبر» [ص ١٨١]. ويقسم السعداء أربعة أصناف: الخيّر من مبدأ تكوينه، والساعي المجتهد الذي يبلغ مرتبة الحكماء بالتفلسف، والمأخوذ على ذلك بالتأديب الشرعي، والمأخوذ به بالتعليم الحكمي؛ ويحكم بأنّ المطلوب هو الصنف الثاني وحده، «لأنّ الأقسام الباقية هي من خارج ولا يمكن أن تُطلب» [ص ١٨٢].
المقالة السادسة: النفس مريضًا، وحفظ صحتها
تفتتح المقالة السادسة بإعلان المنهج الطبّي صراحة: يبدأ بذكر أمراض النفس وعلاجها وأسبابها، «فإنّ حذّاق الأطبّاء لا يقدمون على علاج مرض جسماني إلا بعد أن يعرفوه ويعرفوا السبب والعلّة فيه، ثم يرومون مقابلته بأضداده من العلاجات، ويبتدئون من الحمية والأدوية اللطيفة إلى أن ينتهوا… إلى القطع بالحديد والكيّ بالنار» [ص ١٨٥]. ويؤسّس ذلك على ربط النفس بالمزاج: «مربوطة به رباطًا طبيعيًّا إلهيًّا»، فأحدهما «متعلّق بصاحبه متغيّر بتغيّره، فيصحّ بصحّته ويمرض بمرضه»؛ والشاهد من الطرفين: مريض البدن إذا كانت علّته في الدماغ أو القلب «يتغيّر عقله ويمرض حتى يُنكر ذهنه وفكره وتخيّله»، ومريض النفس بالغضب أو الحزن أو العشق «تتغيّر صورة بدنه حتى يضطرب ويرتعد ويصفرّ ويحمرّ ويهزل ويسمن» [ص ١٨٥]. ويبني على ذلك قاعدة تشخيصية: يُتفقّد مبدأ المرض؛ فإن كان من ذات النفس — كالفكر في الأشياء الرديئة واستشعار الخوف — عولج بما يخصّه، وإن كان من المزاج والحواسّ — «كالخور الذي مبدؤه ضعف حرارة القلب مع الكسل والرفاهية، وكالعشق الذي مبدؤه النظر مع الفراغ والبطالة» — عولج بما يخصّ ذلك [ص ١٨٥–١٨٦]. ثمّ يقسّم طبّ النفس القسمة نفسها التي يُقسَّم بها طبّ الأبدان: حفظ الصحة إذا كانت حاضرة، وردّها إذا كانت غائبة [ص ١٨٦].
وحفظ الصحة عنده جملة تدابير. أولها اختيار العشرة: يعاشر من يجانسه، ويحذر أهل الشرّ والمجون؛ وحجّته أنّ «حضور مجلس واحد من مجالسهم وسماع خبر واحد من أخبارهم يعلق من وضره ووسخه بالنفس ما لا يُغسل عنها إلا بالزمان الطويل والعلاج الصعب» [ص ١٨٦]، وعلّة الخطر أنّ محبة اللذّات البدنية «طبيعة للإنسان لأجل النقائص التي فيه»، فنحن نميل إليها بالجبلّة «وإنما نَزُمّ أنفسنا عنها بزمام العقل». وثانيها مقدار محسوب من اللهو: العشرة لا تتمّ «إلا بالمزاح المستعذَب والأحاديث المستطابة والفكاهة المحبوبة وإصابة اللذّة التي تطيقها الشريعة ويقدّرها العقل»؛ فالخروج إلى جانب الزيادة «يُسمّى مجونًا وفسقًا وخلاعة»، وإلى جانب النقصان «يُسمّى فدامة وعبوسًا وشكاسة»، والوسط هو «الظريف الذي يوصف بالهشاشة والطلاقة وحسن العشرة» [ص ١٨٧]. وثالثها وظيفة علمية دائمة من الجزء النظري والعملي «لا يسوغ له الإخلال بها البتّة، لتجري النفس مجرى الرياضة التي تلزم في حفظ صحة البدن»؛ فالنفس متى تعطّلت من النظر «تبلّدت وتبلّهت وانقطعت عنها مادّة كلّ خير»، وفي عطلتها «انسلاخ من صورتها الخاصّة بها ورجوع منها إلى رتبة البهائم» [ص ١٨٧]. ويستشهد بقول الحسن البصري: «اقدعوا هذه النفوس فإنها طائعة، وحادثوها فإنها سريعة الدثور»، ويثني على فصاحته وبلاغته [ص ١٨٨]. وترد كلمة «طائعة» في النسخة هكذا، والسياق يوهم اضطرابًا فيها.
الملوك والقناعة
ينتقل من ذلك إلى مقارنة بين النعم التي في ذواتنا والنعم الخارجة عنّا. طالب الخارجة «يتجشّم الأسفار البعيدة الخطرة… وهم يخيبون في أكثر الأحوال»، وما ظفروا به «لا محالة زائل عن قرب أو معرَّض للزوال»، وصاحبه «شديد الوجل دائم الإشفاق متعب الجسم والنفس» [ص ١٨٨–١٨٩]. ويشتدّ الأمر على السلطان خاصّة: تتضاعف عليه المكاره بقدر ما يلابس، ولا سبيل له إلى إرضاء واحد من أهله فضلًا عن جميعهم، «وكلّما ازداد من الأعوان والأعضاد والأنصار زادوه في شغل القلب». ثمّ يخرج بالحكم: «فهو غنيّ عند الناس وهو أشدّهم فقرًا، ومحسود وهو أكثرهم حسدًا»؛ والبرهان حدّيّ: «حدّ الفقر هو كثرة الحاجة، فأكثر الناس حاجة أشدّهم فقرًا، كما أنّ أغنى الناس أقلّهم حاجة» — ومن ثمّ «حكمنا حكمًا صادقًا بأنّ الله تعالى أغنى الأغنياء، لأنه لا حاجة له إلى شيء من الأشياء» [ص ١٨٩].
ويسند حكمه على الملوك إلى خطبة أبي بكر الصديق: «أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك»، ثمّ وصفهم: «إنّ المَلِك إذا مَلَك زهّده الله فيما في يده ورغّبه فيما في يد غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الإشفاق… فهو كالدرهم الغشّ والسراب الخادع، جلد الظاهر حزين الباطن… ألا إنّ الملوك هم المرحومون» [ص ١٩٠]. ويضيف شهادتين من عصره: أنه سمع «أعظم من شاهدتُ من الملوك يستعيد هذا الكلام ثم يستعبر لموافقته ما في قلبه»؛ وأنّ من رأى ظاهرهم في مواكبهم «يروعه ذلك فيظنّ أنهم مسرورون»، والأمر بخلافه، «وقد جرّبنا ذلك في اليسير ممّا ملكناه فدلّنا على الكثير ممّا وصفناه» [ص ١٩٠]. ويقرّر قانونًا نفسيًّا في التملّك: من وصل إلى المُلك يلتذّ به مدّة يسيرة، «لكنه بعد ذلك يصير جميع ما ملكه كالشيء الطبيعي له لا يلتذّ به ولا يفكّر فيه، ويمدّ عينه إلى ما لا يملكه؛ فلو ملك الدنيا بحذافيرها لتمنّى دنيا أخرى» [ص ١٩١].
ومن هنا باب القناعة. ينقل عن «الحكيم» أنّ من رُزق الكفاية «ألّا يشتغل بفضول العيش فإنها بلا نهاية، ومن طلبها أوقعته في مهالك لا نهاية لها» [ص ١٩٢]. والغرض الصحيح من المطعم والمشرب عنده «مداواة الآلام والتحرّز من الوقوع فيها، لا التمتّع وطلب اللذّة»؛ فمن عالج الجوع والعطش — وهما «مرضان مؤلمان حادّان» — «لا ينبغي له أن يقصد لذّة البدن بل صحّته، وسيلتذّ لا محالة»، ثمّ يقلب المعادلة: «فإنّ من طلب بالعلاج اللذّة لا الصحة لم تحصل له الصحة ولم تبقَ له اللذّة» [ص ١٩٢]. ومن لم يُرزق الكفاية فليطلبها «إجمال العارف بخساستها»، ويطلب منها كسائر الحيوانات في ضروراتها؛ ويسوق مثالًا: من الحيوان ما يأكل الميتة ومنها ما يأكل الروث «وهي مسرورة بما تجده من أقواتها قريرة العين بها»، والجُعَل والخنافس تهرب من الروائح الطيبة والنحل تطلبها — «فنسبة كلّ حيوان إلى قوته الخاصّ به كنسبة كلّ مقتنع بما يحفظ بقاءه» [ص ١٩٢–١٩٣]. ويضمّ إلى ذلك قاعدة وقائية في القوّتين الشهوانية والغضبية: ألّا يحرّكهما بتذكّر ما أصاب منهما، «بل يتركهما حتى يتحرّكا بأنفسهما»؛ فمن استدعاهما بالفكر «فهذه صورة من يثير بهائم عادية ويهيج سباعًا ضارية ثم يلتمس معالجتها والخلاص منها» [ص ١٩٣]. والأصل عنده أنّ الله «إنما وهب هاتين القوّتين لنا لنستخدمهما عند حاجتنا إليهما، لا لنخدمهما ونتعبّد لهما؛ فكلّ من استعمل النفس الناطقة في خدمة عبدها فقد تجاوز أمر الله وعكس سياسته» [ص ١٩٤]. ويقترح عقوبات ذاتية مقنَّنة: من بادر إلى طعام ضارّ عاقب نفسه بصوم يزيد فيه في الحمية من غير حاجة؛ ومن غضب في غير موضعه «فليقابل ذلك بالتعرّض لسفيه يعرفه بالبذاء ثم ليحتمله، وليتذلّل لمن يعرفه بالخيرية ممّن كان لا يتواضع له»، أو ليفرض على نفسه صدقة نذرًا لا يخلّ به؛ ومن أنكر من نفسه كسلًا فليعاقبها «بسعي فيه مشقّة أو صلاة فيها طول» [ص ١٩٥]. ويقرّر أن الاستعداد يسبق الهيجان، تشبّهًا بالملوك الحازمين الذين يستعدّون قبل هجوم العدوّ: «ولا ننتظر دفع هذه الرذائل وقت هيجانها، فإنّ الأمر عند ذلك صعب جدًّا ولعلّه غير ممكن ألبتة» [ص ١٩٦].
معرفة عيوب النفس: جالينوس والكندي
يخصّ مسكويه هذه المسألة بموازنة صريحة بين مصدرين يونانيّ وعربيّ. ينقل عن جالينوس في كتابه «تعرّف المرء عيوب نفسه» قوله: «لمّا كان كلّ إنسان يحبّ نفسه خفيت عليه معايبه ولم يرها وإن كانت ظاهرة» [ص ١٩٦]. وطريقة جالينوس في العلاج أن يختار المرء صديقًا كاملًا فاضلًا، فيخبره بعد طول المؤانسة أنه «إنما يعرف صدق مودّته إذا أصدقه عن عيوبه»، ويأخذ عليه العهد بذلك، ولا يرضى منه بقوله «لا أعرف لك عيبًا» بل يعلمه أنه اتّهمه بالخيانة ويعاود الإلحاح؛ فإذا أخبره «فلا يُظهر له في وجهه أو كلامه نكرة ولا انقباضًا، بل يبسط له وجهه ويُظهر السرور بما أخرجه إليه» ويشكره، ثمّ يعالج ذلك العيب «ليعلم ذلك المهدي إليك عيبك أنك من وراء نفسك وفي طريق علاج مرضك، فلا ينقض عن معاودتك ونصيحتك» [ص ١٩٧]. ثمّ يعترض مسكويه على العملية لا على المبدأ: «وهذا الذي أشار به جالينوس مُعوِز غير موجود ولا مطموع فيه؛ ولعلّ العدوّ في هذا الموضع أنفع من الصديق، فإنّ العدوّ لا يحتشمنا في إظهار عيوبنا، بل يتجاوز ما يعرف منّا إلى التحرّض والكذب فيها» — فينتبه المرء من جهته على كثير من عيوبه [ص ١٩٧]؛ ويعضده بأنّ لجالينوس «مقالة يقول فيها إنّ خيار الناس ينتفعون بأعدائهم، وهذا صحيح لا يخالفه فيه أحد».
ثمّ ينقل ما اختاره «أبو يوسف بن إسحاق الكندي» بلفظه: على طالب الفضيلة «أن يتّخذ صور جميع معارفه من الناس مرآةً له، تريه صور كلّ واحد منهم عندما تعرض له آلام الشهوات التي تثمر السيئات، حتى لا يغيب عنه شيء من السيئات التي له»؛ فمتى رأى سيئة بادية من أحد «ذمّ نفسه عليها كأنه هو فعلها»، ويعرض على نفسه كلّ يوم وليلة جميع أفعاله. وحجّة الكندي في ذلك موازنة: «فإنه قبيح بنا أن نجتهد في حفظ ما نقتنيه من الحجارة الدنيئة… التي لا ينقصنا عدمها ألبتة، ولا نحفظ ما ينفَق من ذواتنا التي بتوفيرها بقاؤنا وبنقصانها فناؤنا» [ص ١٩٨]. ويختم الكندي بصورتين متقابلتين: ألّا نصير «أشباه الدفاتر والكتب التي تفيد غيرها معاني الحكمة وهي عادمة اقتناءها»، ولا «كالمِسنّ يشحذ ولا يقطع»، بل «كالشمس التي تفيد القمر… فتفعل له تمامًا حتى يكون له شبهها وإن قصر عن نورها» [ص ١٩٨]. ويحكم مسكويه: «وهذا الذي ذكره الكندي في ذلك أبلغ ممّا قاله من تقدّمه» [ص ١٩٨].
المقالة الأخيرة: هندسة الرذائل الثمانية، والغضب
تبدأ المقالة الأخيرة بردّ الصحة على النفس إذا غابت، «وهو القول في علاج أمراضها»، على ترتيب معلن: «ثمّ بمداواة الأعظم فالأعظم منها نكاية، والأكثر فالأكثر جناية» [ص ٢٠١]. وقبل التشخيص يقيم مسكويه نموذجًا هندسيًّا لتفسير كون الفضيلة واحدة والرذيلة كثيرة: الفضيلة كمركز الدائرة، «لها وجود في ذاتها يُقصد ويُشار إليها»، وإن لم تُدرك بالحسّ أمكن استخراجها بالبرهان؛ وأمّا النقط التي ليست بمركز «فإنها لا نهاية لها ولا وجود لها بالذات، وإنما توجد إذا فُرضت فرضًا» [ص ٢٠١]. ولكلّ فضيلة طرفان محدودان يمكن الإشارة إليهما، «إلا أنّ أحدهما يجري مجرى الإفراط والغلوّ، والآخر يجري مجرى التفريط والتقتير» [ص ٢٠٢]. ومن ثمّ تصير أجناس الرذائل ثمانية، ضِعف الفضائل الأربع: «التهوّر والجبن طرفان للوسط الذي هو الشجاعة، والشره والخمود طرفان للوسط الذي هو العفّة، والسفه والبله طرفان للوسط الذي هو الحكمة، والجور والمهانة — أعني الظلم والانظلام — طرفان للوسط الذي هو العدالة» [ص ٢٠٢]. وتحت هذه الأجناس «أنواع لا نهاية لها».
ويبدأ بالتهوّر والجبن، ومبدؤهما النفس الغضبية. وحدّ الغضب عنده: «حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة للانتقام»؛ فإذا عنفت هذه الحركة «أجّجت نار الغضب وأضرمتها، فاحتدّ غليان دم القلب، وامتلأت الشرايين والدماغ دخانًا مظلمًا مضطربًا يسوء منه حال العقل ويضعف فعله». ومَثَل صاحبه «كهفٌ مُلئ حريقًا وأُضرم نارًا، فاختنق فيه اللهيب والدخان»، فيصعب علاجه «ويصير كلّ ما يُدنى إليه للإطفاء سببًا لزيادته»؛ ومن ثمّ «يعمى الإنسان عن الرشد ويصمّ عن الموعظة، بل تصير المواعظ في تلك الحال سببًا للزيادة في الغضب» [ص ٢٠٣]. ويفرّق بين الناس بحسب المزاج: الحارّ اليابس «قريب الحال من حال الكبريت الذي إذا أدنيت منه الشرارة الضعيفة التهب»، «فأمّا إذا احتدم فيكاد الحال يتقارب فيه» [ص ٢٠٣]. وينقل عن بقراطس — والاسم مرسوم في النسخة هكذا — قوله: «إني للسفينة إذا عصفت الرياح وتلاطمت عليها الأمواج وقذفت بها إلى اللجج التي كالجبال أرجى منّي للغضبان الملتهب»؛ وعلّته أنّ السفينة «يلطف لها الملّاحون ويخلّصونها بضروب الحيل، وأمّا النفس إذا استشاطت غضبًا فليس يُرجى لها حيلة ألبتة»، لأنّ التضرّع والمواعظ يصيران للغضب «بمنزلة الجزل من الحطب يوهجه ويزيده اشتعالًا» [ص ٢٠٤].
ولمّا تعذّر العلاج في وقت الهيجان، نقل مسكويه العلاج كلّه إلى مرتبة الأسباب، فأحصاها: العجب، والافتخار، والمراء، واللجاج، والمزاح، والتيه، والاستهزاء، والغدر، والضيم، وطلب الأمور التي فيها لذّة ويتنافس فيها الناس؛ «وشهوة الانتقام غاية لجميعها لأنها بأجمعها تنتهي إليه». ولواحقه: الندامة، وتوقّع المجازاة بالعقاب عاجلًا وآجلًا، وتغيّر المزاج، ومقت الأصدقاء وشماتة الأعداء، «وذلك أنّ الغضب جنون ساعة، وربما أدّى إلى التلف باختناق لحرارة القلب» [ص ٢٠٤]. ثمّ صرّح بالقاعدة العلاجية: بإماطة هذه الأسباب «فقد أوهنّا قوة الغضب وقطعنا مادّتها وأمنّا غائلتها» — والعبارة في هذا الموضع مضطربة في النسخة، وموضع الاضطراب مطلعها.
تفصيل الأسباب: العجب والافتخار والمزاح والتيه والغدر والمقتنيات
يحدّ العجب بأنه «ظنّ كاذب بالنفس في استحقاق مرتبة هي غير مستحقّة لها»؛ وعلاجه معرفة النفس بعيوبها، والأصل الذي يستند إليه: «فإنّ الفضل مقسوم بين البشر، وليس يكمل الواحد منهم إلا بفضائل غيره؛ وكلّ من كانت فضيلته عند غيره فواجب عليه ألّا يُعجَب بنفسه» [ص ٢٠٥]. والافتخار «هو المباهاة بالأشياء الخارجة عنّا، ومن باهى بما هو خارج عنه فقد باهى بما لا يملكه»، ويحتجّ بأنّ الخارج «معرَّض للآفات والزوال في كلّ ساعة»، ويستشهد بمثل صاحب الجنّتين وبمثل الحياة الدنيا كماء أُنزل من السماء [ص ٢٠٥]. وأمّا المفتخر بالنسب فيردّه بحجّة مباشرة: لو حضر ذلك الأب الفاضل وقال «إنّ الفضل الذي تدّعيه لي أنا مستبدّ به دونك، فما الذي عندك منه ممّا ليس عند غيرك؟» لأفحمه وأسكته [ص ٢٠٦]؛ ويروي في هذا المعنى عن النبي ﷺ: «لا تأتوني بأنسابكم وائتوني بأعمالكم»، مع تحفّظ في العبارة نصّه «أو ما هذا معناه». ويسوق حكايتين: مملوكٌ لبعض الفلاسفة ردّ على رئيس افتخر عليه فقال: «إن افتخرت عليّ بفرسك فالحسن والفراهة للفرس لا لك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالحسن لها دونك، وإن افتخرت بآبائك فالفضل كان فيهم دونك»؛ وفيلسوفٌ دخل على ذي ثروة يفتخر بكثرة آلاته، فبصق في وجهه وقال حين عوتب: «إني نظرت إلى البيت وجميع ما فيه فلم أجد هناك أقبح منه فبصقت عليه» [ص ٢٠٦].
والمزاح ليس مذمومًا في نفسه: «فإنّ المعتدل منه محمود، وكان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقًّا»؛ وإنما وجه الخطر أنّ «الوقوف على المقدار المعتدل منه صعب، وأكثر الناس يبتدئ ولا يدري أين يقف منه»، فيروم الزيادة على صاحبه «حتى يصير سببًا للوحشة فيثير غضبًا كامنًا ويزرع حقدًا باقيًا»؛ ومن ثمّ عُدّ في الأسباب [ص ٢٠٧]. والتيه قريب من العجب، «والفرق بينهما أنّ المعجَب يكذب نفسه فيما يظنّ لها، والتيّاه يتيه على غيره ولا يكذب نفسه»، وعلاجه علاج المعجب: أن يعرف أنّ ما يتيه به «لا مقدار له عند العقلاء»، وأنّ المال والأثاث وسائر الأعراض «قد توجد عند كلّ صنف من الناس: الأراذل والأشراف والجهّال، فأمّا الحكمة فليست توجد إلا عند الحكماء خاصة» [ص ٢٠٧]. والاستهزاء صناعة المُجّان ومن «وضع في نفسه احتمال مثل ذلك وأضعافه»، فهو يتعرّض للقليل ليُعامَل بالكثير «ليضحك غيره وينال اليسير من برّه»؛ والحرّ الفاضل بعيد من هذا المقام «لأنه يكرم نفسه وعرضه عن تعريضهما للسفهاء» [ص ٢٠٨]. والغدر «مذموم بكلّ لسان»، ويزعم مسكويه أنّ الوفاء الذي هو ضدّه «موجود في جنس الحبشة والروم والنوبة»، ويقول: «وقد شاهدنا من حسن وفاء كثير من العبيد ما لم نشاهده في كثير من المتسمّين بالأحرار» [ص ٢٠٨]. والضيم «تكليف احتمال الظلم»، وعلاجه التمهّل: «ألّا نسرع إلى الانتقام عند ضيم يلحقنا حتى ننظر فيه ونحذر ألّا يعود علينا الانتقام بضرر أعظم من احتمال ذلك الضيم؛ وهذا النظر والحذر هو استشارة العقل، وهو الحلم بعينه» [ص ٢٠٩].
ويفرد بابًا للمقتنيات النفيسة، وحجّته فيه أنّ اقتناء النادر شراءُ حزنٍ مؤجّل: المَلِك إذا حصل في خزانته «عِلق كريم أو جوهر نفيس فهو متعرّض به للجزع عند فقده، ولا بدّ من حلول الآفات به لما عليه طبيعة عالم الكون والفساد» [ص ٢٠٩]؛ ويسوق حكاية قبّة بلّور أُهديت إلى بعض الملوك فأُعجب بها ورُفعت في خاصّ خزائنه، فلم يمض زمان طويل «حتى أصابها ما يصيب أمثالها من المتالف»، فظهر عليه من الأسف والجزع ما منعه من التصرّف في أموره والجلوس لجنده، ثمّ زاد جزعه بعجز الناس عن إيجاد شبيهها [ص ٢٠٩–٢١٠]. وأوساط الناس إن ادّخروا آلة كريمة «التمسها منهم من لا يمكنه ردّه عنها»، فإن منعها عرّض نفسه ونعمته للبوار، وإن سمح بها «لحقه من الغمّ والجزع ما كان مستغنيًا عنه» [ص ٢١٠]. ويضيف حجّة اقتصادية من مشاهدته: «وقد شاهدنا أعظم الملوك خطرًا في عصرنا لمّا احتاج إليها بعد فناء أموال ونفاد ما في خزائنه وقلاعه، لم يجد ثمنها ولا قريبًا من ثمنها عند أحد»، فلم يجنِ منها «إلا الفضيحة في حاجته إلى رعيته في بعض قيمتها» [ص ٢١٠].
ويعود إلى الغضب ليردّ تسميته باسم مدح: «قومًا يسمّون هذا النوع من الجور — أعني الغضب في غير موضعه — رجولية وشدّة شكيمة، ويذهبون به مذهب الشجاعة»؛ ويردّ بأنّ صاحبه يجور على نفسه ثمّ إخوانه ثمّ الأقرب فالأقرب حتى ينتهي إلى عبيده وحرمه «فيكون عليهم سوط عذاب»، وربما تجاوز الناس «إلى البهائم التي لا تعقل وإلى الأواني التي لا تحسّ»، فيعضّ القفل إذا تعسّر عليه ويكسر الآنية «التي لا يجد فيها طاعة لأمره» [ص ٢١١]. ويذكر ملوكًا يغضبون على الهواء إذا هبّ مخالفًا وعلى القلم إذا لم يجرِ على رضاهم، ومَلِكًا متقدّمًا كان يغضب على البحر إذا تأخّرت سفينة «حتى يهدّده بطرح الجبال فيه وطمّه بها»، وسفيهًا في عصره كان يغضب على القمر ويهجوه بشعر مشهور «لأنه كان يتأذّى به إذا نام فيه» [ص ٢١٢]. ثمّ يسوق حجّته الحاسمة على أنّ الغضب ليس عزّة نفس: «وأيّ حظّ لها في العزّة والشدّة، ونحن نجدها في النساء أكثر منها في الرجال، وفي المرضى أقوى منها في الأصحاء؛ ونجد الصبيان أسرع غضبًا وضجرًا من الرجال، والشيوخ أكثر من الشبّان» [ص ٢١٢]. وأمّا الشجاع عزيز النفس «فهو الذي يقهر بحلمه غضبه ويتمكّن من التمييز والنظر فيما يدهمه» [ص ٢١٢]. ويحتجّ بخبرين عن الإسكندر: قيل له في رجل يعيبه لو أدّبته بعقوبة تنهكه، فقال: «وكيف يكون إنهاكه بعد عقوبتي إيّاه في ثلبي وطلب معايبي؟ لأنه حينئذ أبسط لسانًا وأعذر عند الناس»؛ وأُتي بعدوّ متغلّب قد عاث في أطراف بلاده فصفح عنه، فقال جليسه: لو كنت أنا أنت لقتلته، فقال: «ولكن لم أكن أنا أنت، فلست بقاتله» [ص ٢١٣].
والطرف المقابل هو الجبن والخور، ويحدّه بالمقابلة: «سكون للنفس عندما يجب أن تتحرّك فيه، وبطلان شهوة الانتقام» [ص ٢١٣]. ولواحقه: «إهانة النفس، وسوء العيش، وطمع طبقات الأنذال… وقلّة الثبات والصبر في المواطن التي يجب فيها الثبات»، وهما أيضًا سبب الكسل ومحبة الراحة «اللذين هما سببا كلّ رذيلة» [ص ٢١٤]. والعلاج بالأضداد: توقظ النفس «بالهزّ والتحريك»، فإنّ الإنسان لا يخلو من القوّة الغضبية رأسًا حتى تُجلب إليه من مكان آخر، «ولكنها تكون ناقصة عن الواجب، فهي بمنزلة النار الخامدة التي فيها بقيّة لقبول الترويح والنفخ». ويحكي عن بعض المتفلسفين أنه «كان يتعمّد مواطن الخوف فيقف فيها ويحمل نفسه على المخاطرات العظيمة… ويركب البحر عند اضطرابه وهيجانه ليعوّد نفسه الثبات في المخاوف». ولا يُكره لصاحب هذا المرض خاصّةً «بعض المراء والتعرّض للملاحاة وخصومة من يأمن غائلته»، حتى يقرب من الوسط؛ «فإذا وجدها وأحسّ بها من نفسه كفّ ووقف ولم يتجاوزها حذرًا من الوقوع في الجانب الآخر» [ص ٢١٤].
الخوف: تعريفه وتقسيم موضوعاته
يحدّ الخوف بأنه «يعرض من توقّع مكروه وانتظار محذور، والتوقّع والانتظار إنما يكونان للحوادث في الزمان المستقبل» [ص ٢١٥]. ثمّ يقسّم هذه الحوادث: عظيمة ويسيرة، ضرورية وممكنة؛ والممكنة إمّا نحن أسبابها أو غيرنا. وحكمه على الجميع واحد: «وجميع هذه الأقسام لا ينبغي للعاقل أن يخاف منها». وحجّته في الممكن أنّه «مردّد بين أن يكون وبين ألّا يكون، ولا يجب أن يصمّم على أنها تكون فيستشعر الخوف منها ويتعجّل مكروه التألّم بها وهي لم تقع بعد ولعلّها لا تقع»؛ ويستشهد ببيت شعر يرد في النسخة مضطرب المطلع: «وقل للفؤاد أن ترى بك نزوةٌ … من الروع أفرِج أكثرُ الروع باطله». ويستخلص وصيّة إيجابية: «وإنما يحسن العيش وتطيب الحياة بالظنّ الجميل والأمل القوي وترك الفكر في كلّ ما يمكن ألّا يقع من المكاره» [ص ٢١٥]. وأمّا ما كان سببه سوء اختيارنا فعلاجه سابق لا لاحق: «أن نحترز منه بترك الذنوب والجنايات التي نخاف عواقبها»؛ والمذنب إنما يقع فيما وقع فيه الخائف — كلاهما يجعل الممكن واجبًا، «إلا أنّ هذا يأمن الجانب المحذور خاصة» [ص ٢١٦]. ويشرح ذلك بخطّ ا ج ب: النقطة (ا) الجانب الواجب، و(ب) الجانب الممتنع، و(ج) الممكن وبعده من الجانبين واحد؛ «فإذا صار مستقبله ماضيًا بطل اسم الممكن عنه»، ويستشهد بقول «الحكيم»: «وجوه الأمور الممكنة في أعقابها» [ص ٢١٦].
وأمّا الأمور الضرورية كالهرم، فعلاج الخوف منها منطقيّ: «أن نعلم أنّ الإنسان إذا أحبّ طول الحياة فقد أحبّ لا محالة الهرم». ثمّ يعدّد ما يلزم عنه: نقصان الحرارة الغريزية والرطوبة الأصلية التابعة لها، وغلبة ضدّيهما من البرد واليبس، وضعف الأعضاء الأصلية، وقلّة الحركة، وبطلان النشاط، وضعف آلات الهضم، وسقوط آلات الطحن، ونقصان القوى الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة — «وليست الأمراض والآلام شيئًا غير هذه الأشياء». ومن استشعر ذلك والتزم شرائطه «في مبدأ كونه لا يخاف منها، بل ينتظرها ويرجوها ويُدعى له بها ويرغب إلى الله فيها» [ص ٢١٦–٢١٧].
علاج الخوف من الموت
هذا أوسع أبواب المقالة وأدقّها بناءً. يبدأ مسكويه بحصر أسباب الخوف من الموت حصرًا، ثمّ يعالج كلّ سبب على حدة. والدعوى الأولى: «إنّ الخوف من الموت ليس يعرض إلا لمن لا يدري ما الموت على الحقيقة، أو لا يعلم إلى أين تصير نفسه، أو لأنه يظنّ أنّ بدنه إذا انحلّ وبطل تركيبه فقد انحلّت ذاته وبطلت نفسه بطلان عدم ودثور… أو لأنه يظنّ أنّ للموت ألمًا عظيمًا غير ألم الأمراض التي ربما تقدّمته… أو لأنه يعتقد عقوبة تحلّ به بعد الموت، أو لأنه متحيّر لا يدري على أيّ شيء يَقدَم بعد الموت، أو لأنه يأسف على ما يخلّفه من المال والمقتنيات». وحكمه على الجميع: «وهذه كلّها ظنون باطلة لا حقيقة لها» [ص ٢١٧].
ثمّ يأخذ في الردّ سببًا سببًا. أوّلًا في حقيقة الموت: «الموت ليس بشيء أكثر من ترك النفس استعمال آلاتها، وهي الأعضاء التي يسمّى مجموعها بدنًا، كما يترك الصانع استعمال آلاته». وأنّ النفس «جوهر غير جسماني، وليست عرضًا، وأنها غير قابلة للفساد»؛ ويصرّح بأنّ البرهان على ذلك «يحتاج فيه إلى علوم تتقدّمه، وهو مبرهن مشروح على الاستقصاء في موضعه الخاصّ به» [ص ٢١٨] — أي إنه يحيل على مبحث آخر ولا يستوفيه هنا. ثمّ يقيم الحجّة الجوهرية: «فإنّ الجوهر لا يفنى من حيث هو جوهر، ولا تبطل ذاته، وإنما تبطل الأعراض والنسب والإضافات التي بينه وبين الأجسام بأضدادها؛ فأمّا الجوهر فلا ضدّ له، وكلّ شيء يفسد فإنما فساده من ضدّه» [ص ٢١٨]. ويعزّزها بحجّة الأولى: لو تأمّلت الجوهر الجسماني — وهو أخسّ من الجوهر الروحاني — لوجدته «غير فانٍ ولا متلاشٍ من حيث هو جوهر، إنما يستحيل بعضه إلى بعض»؛ مثاله الماء يستحيل بخارًا وهواءً، والهواء يستحيل ماءً ونارًا، «فتبطل عن الجوهر أعراضه وخواصّه، وأمّا الجوهر نفسه فهو باقٍ» [ص ٢١٨]. ومن ثمّ: «فأمّا الجوهر الروحاني الذي لا يقبل الاستحالة ولا التغيّر في ذاته، وإنما يقبل كمالاته وتمامات صورته، فكيف يُتوهّم فيه العدم والتلاشي؟» [ص ٢١٩].
ثانيًا: من يخاف لأنه لا يعلم إلى أين تصير نفسه، فحكمه أنّ الخوف عنده في غير موضعه: «فليس يخاف الموت على الحقيقة، وإنما يجهل ما ينبغي أن يعلمه. فالجهل إذًا هو المخوف إذ هو سبب الخوف» [ص ٢١٩]. وهذه النقلة هي محور الباب: يحوّل موضوع الخوف من الموت إلى الجهل. ويبني عليها تعليل سيرة الحكماء: «وهذا الجهل هو الذي حمل الحكماء على طلب العلم والتعب به، وتركوا لأجله اللذّات الجسمانية وراحات البدن… ورأوا أنّ الراحة التي تكون من الجهل هي الراحة الحقيقية، وأنّ التعب الحقيقي هو تعب الجهل، لأنه مرض مزمن للنفس، والبرء منه خلاص لها وراحة سرمدية» [ص ٢١٩]. ثمّ ينقل عن الحكماء تقسيمًا مزدوجًا: «الموت موتان: موت إرادي وموت طبيعي؛ وكذلك الحياة حياتان: حياة إرادية وحياة طبيعية». والموت الإرادي «إماتة الشهوات وترك التعرّض لها»، والطبيعي «مفارقة النفس البدن»؛ والحياة الإرادية «ما يسعى له الإنسان لحياته الدنيا من المآكل والمشارب والشهوات»، والطبيعية «بقاء النفس السرمدي بما تستفيده من العلوم الحقيقية وتبرأ به من الجهل». وعلى هذا يسند إلى أفلاطون وصيّته لطالب الحكمة: «مُت بالإرادة تحيَ بالطبيعة» [ص ٢٢٠].
ثالثًا وهو ألطف حججه: الحجّة الحدّية. «من خاف الموت الطبيعي للإنسان فقد خاف ما ينبغي أن يرجوه؛ ذلك أنّ هذا الموت هو تمام حدّ الإنسان، لأنه حيّ ناطق ميّت. فالموت تمامه وكماله، وبه يصير إلى أفقه الأعلى». وتفصيل الحجّة: كلّ شيء مركّب من حدّ، وحدّه مركّب من جنسه وفصوله؛ وجنس الإنسان «الحيّ»، وفصلاه «الناطق» و«المائت»؛ فمن علم ذلك «علم أنه سينحلّ إلى جنسه وفصوله، لأنّ المركّب لا محالة منحلّ إلى ما تركّب منه». ثمّ الاستنتاج: «فمن أجهل ممّن يخاف تمام ذاته؟ ومن أسوأ حالًا ممّن يظنّ أنّ فناءه بحياته ونقصانه بتمامه؟… فالناقص إذا خاف أن يتمّ فقد دلّ من نفسه على غاية الجهل» [ص ٢٢٠]. ويترتّب على ذلك واجب عملي: «فإذًا الواجب على العاقل أن يستوحش من النقصان ويأنس بالتمام»، وأن يعمل على تخفيف رباطه «من الوجه الذي يأمن به الوقوع في الأسر، لا من الوجه الذي يشدّ وثاقه ويزيده تركيبًا وتعقيدًا» [ص ٢٢٠]. ويقلب الأمر على الخائف: «من فارقت نفسه بدنه وهي مشتاقة إليه مشفقة عليه خائفة من فراقه، فهي في غاية الشقاء والبعد من ذاتها وجوهرها… طالبة قرارَ ما لا قرار له» [ص ٢٢١].
رابعًا: ألم الموت. يبطله بقياس قصير: «الألم إنما يكون للحيّ، والحيّ هو القابل أثر النفس؛ وأمّا الجسم الذي ليس فيه أثر النفس فإنه لا يألم ولا يحسّ. فإذًا الموت الذي هو مفارقة النفس البدن لا ألم له… فقد تبيّن أنّ الموت حال للبدن غير محسوس عنده ولا مؤلم، لأنه فراق ما به كان يحسّ ويتألّم» [ص ٢٢١]. خامسًا: خوف العقاب. يفكّه بالتمييز: «ليس يخاف الموت بل يخاف العقاب، والعقاب إنما يكون على شيء باقٍ بعد البدن»؛ ومن أقرّ ببقاء شيء منه، وبذنوب يستحقّ عليها العقاب، وبحاكم عدل، «فهو إذًا خائف من ذنوبه لا من الموت. ومن خاف عقوبة على ذنب فالواجب عليه أن يحذر ذلك الذنب ويجتنبه»؛ والذنوب تصدر عن هيئات رديئة هي الرذائل التي أحصاها — «فإذًا الحكمة هي التي تخلّصنا من هذه الآلام والظنون الكاذبة التي هي نتائج الجهالات» [ص ٢٢١]. سادسًا: الحيرة. «فعلاجه أن يتعلّم ليعلم ويشتاق»، إذ من أثبت لنفسه حالًا بعد الموت ثمّ لم يعلم ما هي «فقد أقرّ بالجهل، وعلاج الجهل العلم. ومن علم فقد وثق، ومن وثق فقد عرف سبيل السعادة فهو يسلكها لا محالة… وهذه الثقة التي تكون بالعلم هي اليقين» [ص ٢٢١–٢٢٢]. سابعًا: الأسف على المخلَّفات، ويحيله على باب مستقلّ، بعد أن يقرّر أنّ «الحزن تعجّل ألمٍ ومكروهٍ على ما لا يجدي الحزن إليه بطائل» [ص ٢٢٢].
ثمّ يزيد الباب بيانين. الأول برهان كوني: «الإنسان من جملة الأمور الكائنة، وقد تبيّن في الآراء الفلسفية أنّ كلّ كائن فاسد لا محالة؛ فمن أحبّ ألّا يفسد فقد أحبّ ألّا يكون، ومن أحبّ ألّا يكون فقد أحبّ فساد ذاته» — فيلزمه أن «يحبّ أن يفسد ويحبّ ألّا يفسد… وهذا محال لا يخطر ببال عاقل» [ص ٢٢٢]. والثاني حجّة عددية مكانية: لولا موت الأسلاف «لم ينتهِ الوجود إلينا»؛ ولو بقي المتقدّمون على تناسلهم «لما وسعتهم الأرض». ويسوق حسابًا: هَبْ رجلًا واحدًا مشهورًا من أربعمائة سنة يمكن إحصاء نسله — ويمثّل بعليّ بن أبي طالب — بقي هو ونسله ولم يمت منهم أحد؛ فبقيّتهم اليوم «مع ما قُدّر فيهم من الموت والقتل الذريع أكثر من مائة ألف نسمة في جميع الأرض»، ولو لم يموتوا لبلغوا «أكثر من عشرة آلاف ألف رجل»؛ ثمّ «امسح بسيط الأرض فإنه محدود معروف، لتعلم أنّ الأرض حينئذ لا تسعهم قيامًا فكيف قعودًا؟ ولا يبقى موضع عمارة يفضل عنهم ولا مكان زراعة ولا مسير لأحد» — «وهذه مدّة يسيرة من الزمان، فكيف إذا امتدّ الزمان؟» [ص ٢٢٢–٢٢٣]. فالنتيجة أنّ الموت من الحكمة والعدل الإلهي: «والخائف منه هو الخائف من عدل الباري وحكمته، بل هو الخائف من وجوده وعطائه» [ص ٢٢٣]. ويختم الباب بجملته الجامعة: «فقد ظهر ظهورًا حسيًّا أنّ الموت ليس برديء كما يظنّه جمهور الناس، وإنما الرديء هو الخوف منه، وأنّ الذي يخاف هو الجاهل به وبذاته» [ص ٢٢٣]. ويضيف أنّ جوهر النفس، لكونه غير جسم، «لا يتزاحم في المكان لاستغنائه عن المكان، ولا يحرص على البقاء الزماني لاستغنائه عن الزمان»، وإنما استفاد بالحواسّ والأجسام كمالًا، «فإذا كمل بها ثم خلص منها صار إلى عالمه الشريف» [ص ٢٢٣–٢٢٤].
علاج الحزن
يحدّ الحزن بأنه «ألم نفساني يعرض لفقد محبوب أو فوت مطلوب»، وسببه «الحرص على القُنيات الجسمانية والشره إلى الشهوات البدنية والحسرة على ما يفقده أو يفوته منها» [ص ٢٢٤]. والخطأ المولِّد للحزن عنده خطأ في الاعتقاد لا في العاطفة: «إنما يحزن ويجزع على فقد محبوباته وفوت مطلوباته من يظنّ أنّ ما يحصل له من محبوبات الدنيا يجوز أن يبقى ويثبت عنده، أو أنّ جميع ما يطلبه من مفقوداتها لا بدّ أن يحصل له ويصير في مِلكه» [ص ٢٢٤]. فالعلاج تصحيح هذا الظنّ: «فإذا أنصف نفسه وعلم أنّ جميع ما في عالم الكون والفساد غير ثابت ولا باقٍ، وإنما الثابت الباقي هو ما يكون في عالم العقل، لم يطمع في المحال ولم يطلبه؛ وإذا لم يطمع فيه لم يحزن لفقد ما يهواه ولا لفوت ما يتمنّاه». ويصرف سعيه إلى المطلوبات الباقية، ويأخذ من العاجل «مقدار الحاجة إلى دفع الآلام التي أحصيناها من الجوع والعُري»، ويترك «الادّخار والاستكثار والتماس المباهاة والافتخار». والنتيجة في ثلاث جمل متوازية: «فإنّ من فعل ذلك أمِن فلم يجزع، وفرح فلم يحزن، وسعد فلم يشقَ» [ص ٢٢٤–٢٢٥].
ويقيم الحجّة السالبة أيضًا: من لم يقبل هذه الوصية «لم يزل في جزع دائم وحزن غير منتقص»، لأنه «لا يعدم في كلّ حال فوت مطلوب أو فقد محبوب، وهذا لازم لعالمنا هذا لأنه عالم الكون والفساد»؛ ثمّ السلسلة: «ومن طمع من الكائن الفاسد ألّا يكون ولا يفسد فقد طمع في المحال، لم يزل خائبًا؛ والخائب أبدًا محزون، والمحزون شقيّ» [ص ٢٢٥]. ويعترض على نفسه بإمكان أن يقال إنّ هذا «الاستشعار» لا يتمّ للإنسان ولا ينتفع به، فيردّ بحجّة استقرائية: فلينظر المعترض إلى استشعارات الناس في مطالبهم ومعايشهم، «فإنه سيرى رؤية بيّنة ظاهرة فرح المتعيّشين بمعايشهم على تفاوتها»؛ ويعدّد: «فرح التاجر بتجارته، والجندي بشجاعته، والمقامر بقماره، والشاطر بشطارته، والمخنّث بتخنّثه، حتى يظنّ كلّ واحد منهم أنّ المغبون من عدم تلك الحالة». وموضع الحجّة: «وليس ذلك إلا لقوّة استشعار كلّ طائفة بحسن مذهبها ولزومها إيّاه بالعادة الطويلة». فإذا لزم طالبُ الفضيلة مذهبه وطالت عادته «كان أولى بالسرور من هذه الطبقات الذين يخبطون في جهالاتهم»؛ «لأنه محقّ وهم مبطلون، وهو متيقّن وهم ظانّون، ثم هو صحيح وهم مرضى، وهو سعيد وهم أشقياء». ويختم بقوله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [ص ٢٢٥].
ثمّ ينقل عن الكندي من «كتاب دفع الأحزان» برهانًا على أنّ الحزن مكتسب لا طبيعي: «مما يدلّك دلالة واضحة أنّ الحزن شيء يجلبه الإنسان ويضعه وضعًا، وليس هو من الأشياء الطبيعية، أنّ من فقد مُلكًا أو طلب أمرًا فلم يجده فلحقه حزن، ثمّ نظر في حزنه ذلك نظرًا حكيمًا وعرف أنّ أسباب حزنه هي أسباب غير ضرورية، وأنّ كثيرًا من الناس ليس لهم ذلك المُلك وهم غير محزونين بل فرحون مغبوطون — علم علمًا لا ريب فيه أنّ الحزن ليس بضروري ولا طبيعي» [ص ٢٢٦]. والدليل الثاني من المشاهدة: «قد شاهدنا قومًا فقدوا من الأولاد والأعزّة والأصدقاء ما اشتدّ حزنهم عليه، ثمّ لم يلبثوا أن يعودوا إلى حالة المسرّة والضحك والغبطة، ويصيرون إلى حال من لم يحزن قطّ». فمن هنا موضع العلاج: «أنّ غايته من مصيبته السلوة» — فالعاقل الذي يعلم أنّ نهاية الحزن السلوّ «لم يضع لنفسه عارضًا رديئًا ولم يكتسب مرضًا وضيعًا» [ص ٢٢٦].
ويسوق صورة العارية والوديعة: كمن يُحيّا بتحيّة ليشمّها ويتمتّع بها ثمّ يردّها ليشمّها غيره، «فأطمعته نفسه فيها وظنّ أنها موهوبة له هبة أبدية، فلمّا أُخذت منه حزن وأسف وغضب — فإنّ هذه حال من عدم عقله وطمع فيما لا مطمع فيه» [ص ٢٢٦]. والخيرات «ودائع الله عند خلقه، وله أن يرتجع العارية متى شاء على يد من شاء؛ ولا سيّئة علينا ولا عار إذا رددنا الودائع، وإنما العار والسيّئة أن نحزن إذا ارتُجعت منّا»، وهو مع ذلك «كفر للنعمة، لأنّ أقلّ ما يجب من الشكر للمنعم أن نردّ عليه عاريته عن طيب نفس» [ص ٢٢٧]. ويشدّد المعنى بالموازنة، والقول للكندي كما يسوقه مسكويه: «لا سيّما إذا ترك المعير علينا أفضل ما أعارنا وارتجع أخسّه… وأعني بالأفضل ما لا تصل إليه يد ولا يشركنا فيه أحد، أعني النفس والعقل والفضائل الموهوبة لنا هبةً لا تُسترَدّ ولا تُرتَجَع» [ص ٢٢٧]. ويُلحق بالحزن الحسدَ ويعدّه «أقبح الأمراض وأشنع الشرور»، وينقل عن الحكماء تدرّجًا في القبح: «من أحبّ أن ينال الشرُّ أعداءَه فهو محبّ للشرّ، ومحبّ الشرّ شرير؛ وشرّ من هذا من أحبّ الشرّ لمن ليس له بعدوّ؛ وأسوأ من هذا حالًا من أحبّ ألّا ينال أصدقاءه خير» [ص ٢٢٧]. ويختم الباب بجواب سقراط حين سُئل عن سبب نشاطه وقلّة حزنه: «لأنني لا أقتني ما إذا فقدته حزنتُ عليه» [ص ٢٢٧]. ثمّ تأتي خاتمة الكتاب: بعد إحصاء أجناس الأمراض الغالبة، على طالب صحّة نفسه «أن يتصفّح الأمراض التي تحت هذه الأجناس من أنواعها وأشخاصها، فيداوي بنفسه منها ويعالجها بمقابلاتها من العلاجات»، راغبًا إلى الله في التوفيق، «فإنّ التوفيق مقرون بالاجتهاد وليس يتمّ أحدهما إلا بالآخر» [ص ٢٢٨].
ملاحظات على النصّ المقروء
النسخة المقروءة كثيرة التصحيف، وأثبتُّ ما قرأتُه كما ورد. من ذلك أسماء الأعلام: يرد الفيلسوف المنقول عنه في باب تشاكل الجواهر باسم «ابرفليطس» [ص ١٥٢]، وبقراط باسم «بقراطس» [ص ٢٠٤]، وسقراط تارة «سقراطيس» [ص ١٦٧] وتارة «سقراط» [ص ٢٢٧]. ومن السَّقط والقلب في الكلمات: «وإنما يع لمحبّ اللذة بإفراد» [ص ١٥١] وصوابها المعنوي «وإنما يقع لمحبّ اللذة بإفراط»؛ و«سائر النقد التي ليست بأوساط» [ص ٢٠١] وسياقها النقط لا النقد؛ و«ولكلّ واحد من هذه الأسباب وإماطتها» [ص ٢٠٤] وفيها سقط ظاهر؛ ومطلع الصفحة الأخيرة «وإذ قد ذكرنا أجناس الأمراض الغالبة التي تخصّ لنفسه الساعي لها» [ص ٢٢٨] وفيه سقط بيّن. وبيت الشعر في باب الخوف «وقل للفؤاد أن ترى بك نزوة» [ص ٢١٥] مكسور المطلع. وتخلو النسخة من الصفحات ١٤٨ و١٨٤ و٢٠٠، وهي التي تلي صفحات عناوين المقالات الثلاث. ولا توجد في هذا القسم كلّه حاشية واحدة للمحقّق؛ فما نُقل هنا متنٌ خالص.