Miskawayh · Tahdhīb al-Akhlāq · A Reader's Companion

أين يقف الكتاب

تحليل

أبو علي أحمد بن محمد مسكويه (ت ٤٢١ هـ)

مسكويه بين الأخلاق والتاريخ وما يجمع بينهما وما لا يجمع، وخطّةُ الكتاب، وطبُّ النفس، ومصادرُه اليونانية بإحصائها، ومسألةُ عدد المقالات.

ابدأ

أرقام الصفحات بين معقوفتين — على هيئة [ص ٦٦] — هي أرقام المطبوع كما تحملها نسخة «المكتبة الشاملة» المعتمدة في هذا الدليل (الكتاب رقم ١٢٧٢٠). والنسخة تقع في ٢١٠ صفحةٍ إلكترونيّة تحمل أرقام المطبوع من ٩ إلى ٢٢٨. وكلّ ما نُقل هنا عن الكتاب فمن متنٍ استُرجع فعلاً، لا من الفهرس ولا من الذاكرة.

مسكويه: الأخلاقُ إلى جانب التاريخ

يسمّي الكتابُ مؤلِّفَه في أوّل سطرٍ بعد الديباجة: «قال أحمد بن محمد بن مسكويه» [ص ٩]. وهذا كلُّ ما يقوله النصّ عن صاحبه.

وما تضيفه كتب التراجم المنزَّلة على هذا الجهاز قليلٌ إلى حدٍّ يلفت. ترجمة ياقوت الحموي كلُّها سطر: «أحمد بن محمد بن يعقوب الملقب مسكويه، أبو علي الخازن صاحب «التجارب»: مات فيما ذكره يحيى بن منده في تاسع صفر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة» (معجم الأدباء ٢/ ٤٩٣) — لقبٌ، وكتابٌ واحدٌ يُعرَف به، وتاريخُ وفاةٍ منقولٌ عن غيره. ويلخّص إليان سركيس في «معجم المطبوعات العربيّة» ما وجده عند غيره: أنّه «كان خازناً للملك عضد الدولة ابن بويه»، وأنّه اتّصل في شبابه بابن العميد ثمّ اختصّ ببهاء الدولة، وأنّ الثعالبيّ وصفه بأنّه «كان في الذروة العليا من الفضل والأدب والبلاغة والشعر» (١/ ٢٣٧). وينقل سركيس في الموضع نفسه خبراً بأنّه كان مجوسيّاً فأسلم، ثمّ يعلّق عليه في حاشيته بأنّ بعضهم جعل ذلك في جدّه لا فيه. فالخبر عند سركيس نفسه مختلَفٌ فيه، وأنقله على هذا الوجه ولا أرجّح.

ولم أتحقّق من سنة مولده، ولا من شيوخه، ولا من المكان الذي كتب فيه هذا الكتاب، ولا من تاريخ تأليفه؛ وليس في النصّ ولا في المصادر التي بلغتُها ما يعيّن شيئاً من ذلك.

والمكتبة المحلّية تحفظ له ثلاثة كتب: «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، و«تجارب الأمم وتعاقب الهمم»، و«الهوامل والشوامل». والثالث كتاب مسائل: سؤالٌ يُطرح ثمّ جوابٌ يُفتتح بـ«قال أبو علي أحمد بن محمد مسكويه» [الهوامل، ص ٣٢]. ونسخة الشاملة منه لا تسمّي السائل في موضعٍ بحثتُ عنه، فلا أنسب السؤال إلى أحد.

وهذا الموقع ينشر خلاصةً لتاريخه «تجارب الأمم» على هذا الرابط. وبين الكتابين صلةٌ يمكن قياسها، لا مجرّد الظنّ بها، وسيأتي قياسها في الفقرة التالية.

الكتابُ وخطّتُه

يفتتح مسكويه بجملةٍ تحدّد الغرض والطريقة معاً: «غرضنا في هذا الكتاب أن نحصّل لأنفسنا خُلُقاً تصدر به عنّا الأفعال كلُّها جميلة، وتكون مع ذلك سهلةً علينا لا كُلفة فيها ولا مشقّة، ويكون ذلك بصناعةٍ وعلى ترتيبٍ تعليميّ» [ص ٩]. ثمّ يعتذر عن مقدّماتٍ سيسوقها في النفس لأنّها «مبادئ» مأخوذةٌ من صناعةٍ أخرى [ص ١٠]. فالكتاب — بتصريح صاحبه — مبنيّ على ترتيبٍ برهانيّ، لا على جمعِ مواعظ.

والمقالات في هذه النسخة سبع، وعناوينها كما تقع في المتن: الأولى في النفس وقواها والفضائل الأربع [ص ٩ وما بعدها]، والثانية بلا عنوانٍ زائدٍ على رقمها [ص ٣٩]، والثالثة تُفتتح بقوله «نبدأ بمعونة الله تعالى في هذه المقالة بذكر الفرق بين الخير والسعادة» [ص ٨٧]، والرابعة «ظهور الفضائل ممّن ليس بسعيدٍ ولا فاضل» [ص ١١٥]، والخامسة «التعاون والاتّحاد» [ص ١٤٧]، والسادسة «دواء النفوس» [ص ١٨٣]، والسابعة «ردّ الصحّة على النفس» [ص ١٩٩].

والترتيب حجّةٌ متّصلة. الأولى تُثبت أنّ في الإنسان جوهراً ليس بجسمٍ ولا عرَض [ص ١٣–١٤]، وتقسّم قواه، وتُخرج من ذلك الفضائل الأربع. والثانية تعرّف الخُلُق: «الخلق حالٌ للنفس داعيةٌ لها إلى أفعالها من غير فكرٍ ولا رويّة» [ص ٤١]، ثمّ تعرض الخلاف القديم في هل هو طبيعيّ لا ينتقل أم مكتسب، وتختار الانتقال بالتأديب: «وهذا الرأي الأخير هو الذي نختاره لأنّا نشاهده عياناً» [ص ٤١]. وعلى هذا الاختيار يقوم الكتاب كلُّه، ومسكويه يقول ذلك صراحةً — الرأي المقابل «يؤدّي إلى إبطال قوّة التمييز والعقل وإلى رفض السياسات كلّها» [ص ٤١]. ولذلك جاءت الثانية موضعَ فصول التأديب والملابس والمطاعم [ص ٦٦–٧٢]: تطبيقٌ على الحالة التي يكون فيها الانتقال أسهل ما يكون.

ثمّ تصعد الثالثة من الخُلُق إلى غايته، ففرقٌ بين الخير المطلق والسعادة المضافة إلى صاحبها [ص ٨٧]، وتنتهي إلى مراتب السعادة. والرابعة والخامسة تنزلان بالمسألة إلى الاجتماع: العدالة والمعاملات والإمامة، ثمّ الصداقة والتعاون. والسادسة والسابعة تعودان بالقارئ إلى نفسه بعد أن عرف الغاية والمجتمع. فالمسار: ما النفس ← ما الخُلُق وهل يتغيّر ← إلى أيّ غايةٍ يُساق ← كيف يستقيم بين الناس ← كيف يُحفظ ويُعالَج. هذا نظامُ حجّة، لا فهرس أبواب.

فهل يكون هذا هو برنامج «تجارب الأمم» نفسه بلباسٍ آخر؟ الجواب من العدّ لا من الانطباع، وهو جوابٌ مركّب.

أمّا في اللفظ فلا. كلمة «تجربة» ترد في «تجارب الأمم» إحدى وأربعين مرّة — بحسب ما أثبتَته صفحةُ خلاصة التاريخ على هذا الموقع — وترد في «تهذيب الأخلاق» صفرَ مرّة، وكذلك «التجارب». وبحثتُ عن مادّة «جرب» كلِّها بالتحليل الصرفيّ فلم أجد في الكتاب إلّا موضعاً واحداً: «وقد جرّبنا ذلك في اليسير ممّا ملكناه فدلّنا على الكثير ممّا وصفناه» [ص ١٩٠]. موضعٌ واحدٌ في مئتي صفحة.

وأمّا في المثال فلا أيضاً. «تجارب الأمم» يشتغل على الملوك والدول والوقائع؛ و«تهذيب الأخلاق» يكاد يخلو منها: اسم الإسكندر في صفحةٍ واحدة [ص ٢١٣]، وسقراط في صفحةٍ واحدة [ص ٢٢٧]، ولفظ «كسرى» لا يرد ألبتّة. فالكتاب لا يعامل الأمثلة معاملةَ التاريخ للدول؛ هو يبرهن بالحدّ والقسمة وبمثالٍ هندسيّ — الدائرة ومركزها والخطّ وطرفاه [ص ٢٠١–٢٠٢] — لا بخبرٍ يُستنبط منه.

الصلة الحقيقيّة في موضعٍ ثالث: في الصنعة. الكتابان يشتركان في غياب جهاز الرواية. صيغة «حدّثنا» ترد في «تجارب الأمم» في ثلاث صفحاتٍ من سبعة مجلّدات، وفي «تاريخ الطبري» في ١٣٩٤ صفحة، وفي «تهذيب الأخلاق» صفرَ مرّة — ومسكويه يستشهد بحديثين مرفوعين في صفحةٍ واحدة [ص ٤٧] بلا إسنادٍ ولا تخريج. ويشتركان كذلك في التوجّه إلى العمل: التاريخ عنده معرفةٌ تُغني عن معايشة الزمان، والأخلاق «صناعة» يقول عنها إنّها «أفضل الصناعات كلّها» لأنّها تعنى «بتجويد أفعال الإنسان بحسب ما هو إنسان» [ص ٤٦]. الرجل نفسه في الحالين: يأخذ مادّةً موروثة، ويجرّدها من جهاز النقل، ويعيد ترتيبها لتُستعمل. لكنّ آلة الاستعمال تختلف: في التاريخ استقراءُ الوقائع، وفي الأخلاق قسمةٌ برهانيّةٌ وعلاجٌ موصوف. فالصلة قائمةٌ في المزاج والغاية، منقطعةٌ في المفردات والمنهج.

طبٌّ للنفس

المقالتان الأخيرتان هما أغرب ما في الكتاب على القارئ المعاصر، وأقربه إليه.

يفتتح مسكويه السادسة بتشبيهٍ يلتزمه بعد ذلك التزاماً كاملاً: «فإنّ حُذّاق الأطبّاء لا يُقدمون على علاج مرضٍ جسمانيّ إلّا بعد أن يعرفوه ويعرفوا السبب والعلّة فيه، ثمّ يرومون مقابلته بأضداده من العلاجات، ويبتدئون من الحِمية والأدوية اللطيفة إلى أن ينتهوا في بعضها إلى استعمال الأغذية الكريهة والأدوية البشعة، وفي بعضها إلى القطع بالحديد والكيّ بالنار» [ص ١٨٥]. ثمّ يشرح لماذا يصحّ التشبيه عنده: النفس مربوطةٌ بمزاجٍ خاصّ، «فتصحّ بصحّته وتمرض بمرضه»، ويسوق شواهد متبادَلة — مريضُ الدماغ يفسد فكره، ومريض الغضب أو العشق يصفرّ ويرتعد ويهزل [ص ١٨٥].

والتشبيه ليس زينةً بلاغيّة: منه استُخرجت قسمةُ الكتاب. «ولمّا كان طبّ الأبدان ينقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين: أحدهما حفظ صحّتها إذا كانت حاضرة، والآخر ردُّها إليها إذا كانت غائبة، وجب أن نقسم طبّ النفس هذه القسمة بعينها» [ص ١٨٦]. فالسادسة حفظُ الصحّة، والسابعة ردُّها — وعنوانها الحرفيّ «ردّ الصحّة على النفس» [ص ١٩٩]. ويسمّي أهلَ صنعته باسمهم: «وأطبّاء النفوس» يعظّمون وظيفةً نظريّةً وعمليّةً يلزمها المرء كلّ يوم «لتجري النفس مجرى الرياضة التي تُلزَم في حفظ صحّة البدن» [ص ١٨٧].

ثمّ يُحصي الأمراض إحصاءً. أجناسها الغالبة «مقابلات الفضائل الأربع التي أحصيناها في مبدأ الكتاب» [ص ٢٠١]، وهي ثمانية لأنّ لكلّ فضيلةٍ طرفين: «التهوّر والجبن طرفان للوسط الذي هو الشجاعة، والشَّرَه والخمود طرفان للوسط الذي هو العفّة، والسَّفَه والبَلَه طرفان للوسط الذي هو الحكمة، والجَور والمهانة — أعني الظلم والانظلام — طرفان للوسط الذي هو العدالة» [ص ٢٠٢]. ويبرهن على أنّ الوسط واحدٌ معيَّنٌ والأطراف بلا نهاية بمثال الدائرة ومركزها [ص ٢٠١–٢٠٢].

وتصريف هذا في الأبواب المفردة هو موضع الفائدة. باب الخوف من الموت يبدأ بتشخيصٍ يعدّ الأسباب واحداً واحداً: «إنّ الخوف من الموت ليس يعرض إلّا لمن لا يدري ما الموت على الحقيقة، أو لا يعلم إلى أين تصير نفسه، أو لأنّه يظنّ أنّ بدنه إذا انحلّ… بطلت نفسه… أو لأنّه يظنّ أنّ للموت ألماً عظيماً… أو لأنّه يعتقد عقوبةً تحلّ به بعد الموت… أو لأنّه يأسف على ما يخلّفه من المال والمقتنيات» [ص ٢١٧]. ستّة أسباب مفصولة، لكلٍّ منها بعد ذلك ردّ، وقاعدةُ العلاج مصوغةٌ صياغةً طبّيّة: «فقد أقرّ بالجهل، وعلاج الجهل العلم» [ص ٢٢٢]. ويفصل الحزن عن الخوف فصلاً منهجيّاً، فيؤجّل «علاج الحزن في بابٍ مفردٍ له خاصّ، لأنّا في هذا الباب إنّما نذكر علاج الخوف» [ص ٢٢٢].

ويختم بما يشبه توصية طبيبٍ لمريضٍ يتولّى نفسه: أن يتصفّح المرء «الأمراض التي تحت هذه الأجناس من أنواعها وأشخاصها، فيداوي بنفسه منها ويعالجها بمقابلاتها من العلاجات» [ص ٢٢٨]. تشخيصٌ بالجنس ثمّ بالنوع ثمّ بالشخص، وعلاجٌ بالضدّ. هذه هي بنية الكتاب الأخيرة، وهي أوضح ما يجعله قابلاً للقراءة اليوم.

مصادرُه اليونانية، معلَنةً

لا يبتلع مسكويه مصادره. يسمّيها، ويسمّي أحياناً كتبها، ويصرّح بمقدار ما أخذ.

وأصرح موضعٍ في ذلك عنوانُ فصلٍ في المتن نفسه، لا في فهرسٍ من صنع الناشر: «فصل في تأديب الأحداث والصبيان خاصّة، نقلتُ أكثره من كتاب بروسنس» [ص ٦٦]. ورد اللفظ في الكتاب كلّه مرّةً واحدة، في هذا الموضع وحده. ولم أتحقّق من هوية «بروسنس» ولا من كتابه، فلا أزيد على ما قاله.

وأمّا الأعداد، فبحثتُ عن كلّ اسمٍ في الكتاب وحده، والعدد هو عدد الصفحات التي يرد فيها:

  • أرسطو / أرسطوطاليس: ١٨ صفحة [ص ٤٣، ٨٧، ٨٨، ٩٤، ١٠٣، ١٠٨، ١٠٩، ١١٠، ١١٣، ١٢٨، ١٣١، ١٣٣، ١٣٤، ١٥٢، ١٦٤، ١٧٨، ١٧٩، ١٨١].
  • جالينوس: ٤ صفحات [ص ٤٢، ٥٤، ١٩٦، ١٩٧].
  • الكندي: ٣ صفحات [ص ١٩٧، ١٩٨، ٢٢٦].
  • أفلاطون: صفحتان [ص ٦٥، ٢٢٠].
  • سقراط: صفحة واحدة [ص ٢٢٧].
  • بروسنس: صفحة واحدة [ص ٦٦].

وتوزيع هذه الأعداد أنطق من مجموعها. أرسطو يتكثّف في المقالة الثالثة — ثماني صفحاتٍ بين [ص ٨٧] و[ص ١١٣] — وهي مقالة الخير والسعادة، ويظلّ حاضراً في الرابعة والخامسة. ومسكويه يقول لماذا: يفتتح الثالثة بأنّه سيذكر ألفاظ أرسطو «اقتداءً به وتوفيةً لحقّه» [ص ٨٧]، ويشرح في الصفحة السابقة أنّ «أرسطوطاليس إنّما بدأ كتابه بهذا الموضع وافتتحه بذكر الخير المطلق» [ص ٨٤] — أي إنّه يتبع ترتيب أرسطو لا مادّته وحدها. ويستعمله أيضاً ناقلاً عن غيره، فينقل عنه قولاً «حكايةً عن ابرفليطس» في تشاكل الجواهر البسيطة واتّحادها [ص ١٥٢].

وأرسطو يغيب غياباً تامّاً عن المقالتين السادسة والسابعة: لا يرد اسمه في صفحةٍ واحدةٍ بعد [ص ١٨١]. ومن يحلّ محلّه هناك هو الطبيب: جالينوس في [ص ١٩٦–١٩٧]، والكندي في [ص ١٩٧–١٩٨] و[ص ٢٢٦]. فالمؤلّف الفلسفيّ للنظر، والمؤلّف الطبّيّ للعلاج، والتوزيع نفسُه برهانٌ على أنّ قسمة الكتاب مقصودة.

ويسمّي الكتب لا الأسماء فقط: كتاب جالينوس «الذي سمّاه بأخلاق النفس» [ص ٥٤]، وكتابه «المعروف بتعرُّف المرء عيوب نفسه» [ص ١٩٦]، وكتاب الكندي «دفع الأحزان» [ص ٢٢٦]. ويسمّي المذاهب كذلك، فيعرض رأي «الرواقيّين» في أنّ الناس يُخلقون أخياراً ثمّ يفسدون بالمجالسة [ص ٤٢]. وينقل نصّاً طويلاً لـ«أبي يوسف بن إسحاق الكندي» بلفظه — «ما حكاه بألفاظه» — ثمّ يحكم: «وهذا الذي ذكره الكندي في ذلك أبلغ ممّا قاله من تقدّمه» [ص ١٩٧–١٩٨]. النقل معلَنٌ، والتقويم معلَنٌ معه.

الشريعةُ والفلسفة

في الكتاب فصلان متجاوران يحملان الاسمين: «الشريعة» [ص ٤٥] و«الفلسفة» [ص ٥٠]. وأنقل ما يقوله فيهما ولا أحكم بينه وبين غيره.

فصل «الشريعة» يعرّفها بوظيفةٍ تربويّة: «والشريعة هي التي تقوّم الأحداث وتعوّدهم الأفعال المرضيّة وتُعِدّ نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسيّة بالفكر الصحيح والقياس المستقيم» [ص ٤٥]. ثمّ يجعل بينها وبين كتابه ترتيباً زمنيّاً: إذا تعوّد الأحداث على ذلك واستمرّوا عليه مدّةً طويلة، أمكن حينئذٍ أن يعلموا بالبرهان ما أخذوه تقليداً، وأن يُنبَّهوا على طرق الفضائل «بهذه الصناعة التي نحن بصددها» [ص ٤٥]. فالشريعة عنده تسبق، والصناعة تلحق وتحوّل المأخوذ تقليداً إلى معلومٍ ببرهان.

وفصل «الفلسفة» يقسمها قسمين، نظريّاً وعمليّاً، ويحدّد موضع كتابه من القسمة: الكمال بالقوّة العاملة «هو الذي نقصده في كتابنا هذا، وهو الكمال الخلقيّ» [ص ٥٠]. ثمّ يقرّر أنّ القسمين لا يستغني أحدهما عن الآخر: «لأنّ العلم مبدأ والعمل تمام، والمبدأ بلا تمامٍ يكون ضائعاً، والتمام بلا مبدأٍ يكون مستحيلاً» [ص ٥٠].

وتعود الشريعة في مواضع لاحقة بوظائف أخرى. في المعاملات: «والشريعة هي التي ترسم في كلّ واحدٍ من هذه الأشياء التوسّط والاعتدال، لأنّ الناس هم مدنيّون بالطبع، ولا يتمّ لهم عيشٌ إلّا بالتعاون» [ص ١٢٦] — أي إنّها تعيّن الوسط الذي أثبت العقل وجوبَه ولم يعيّن مقداره. وفي الاجتماع يقرأ العبادة قراءةً وظيفيّة: «والشريعة إنّما أوجبت على الناس أن يجتمعوا في مساجدهم كلّ يومٍ خمس مرّات، وفضّلت صلاة الجماعة على صلاة الآحاد، ليحصل لهم هذا الأنس الطبيعيّ الذي هو فيهم بالقوّة حتّى يخرج إلى الفعل»، ويستدلّ على مراد «صاحب الشريعة» بأنّه أوجب على أهل المدينة اجتماعاً أسبوعيّاً أوسع بعد الاجتماع اليوميّ الأضيق [ص ١٥٣]. وفي اللذّة يجعلها حدّاً، فعنوان فصلٍ كامل عنده «اللذّة التي تطيقها الشريعة»، والمزاح فيه مطلوبٌ بقدرٍ «تطيقه الشريعة ويقدّره العقل» [ص ١٨٧]. وفي السياسة: «والأوائل لا يسمّون بالملك إلّا من حرس الدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره» [ص ١٥٤].

فالنسبة التي يقيمها في هذه المواضع نسبةُ توزيعِ عملٍ لا نسبةُ تنازع: الشريعة تؤدّب وتعيّن المقادير وتصنع الاجتماع، والصناعة الخلقيّة تبرهن وترتّب وتعالج. ولا يعرض الكتاب لمسألة التعارض بينهما في المواضع التي قرأتُها، فلا أنسب إليه فيها قولاً.

الطبعةُ وما لا يُعرف عنها

بيانات النشر غائبة كلُّها. فهرس «الشاملة» لهذا الكتاب يعطي الاسم، والمؤلّف، وسنة الوفاة (٤٢١)، والتصنيف («الرقائق والآداب والأذكار»)، ولا يعطي محقّقاً، ولا ناشراً، ولا مدينة، ولا رقم طبعة. وهذه الحقول غير موجودة في قاعدة البيانات أصلاً، لا ناقصةً في هذا الكتاب وحده.

ولا تسدّ صفحاتُ المطبوع هذا النقص، لأنّ النسخة لا تبدأ من أوّله: أوّل صفحةٍ فيها تحمل الرقم ٩ وتفتتح بالبسملة والديباجة مباشرةً [ص ٩]. فالصفحات ١–٨ — وهي موضع صفحة العنوان وبيانات النشر ومقدّمة المحقّق — ليست في الملفّ. ولم أجد فيه حاشيةً واحدةً من عمل محقّق: حقل الحواشي فارغٌ في كلّ صفحةٍ فتحتُها. فليس هنا تعليقٌ يمكن أن يُنسب خطأً إلى مسكويه، وليس هنا كذلك ضبطٌ ولا مقابلةٌ ولا تخريج.

والنصّ نفسه محتاجٌ إلى حذر، ففيه تصحيفٌ ظاهرٌ متكرّر: «قوى النفس الثلاثاء» في عنوان [ص ٥٦]، و«خاسب من دسّاها» في آية الشمس موضع «خاب» [ص ٩]، و«الدائم الوجد» موضع «الوجود» [ص ٥١]. فمن نقل عنها لفظاً دقيقاً فعليه أن يقابله على مطبوعٍ محقّق.

وفي النسخة اضطرابٌ في عدد المقالات يستحقّ التسجيل. الفصل الأخير معنون في المتن «المقالة السابعة» [ص ١٩٩]، لكنّ خاتمة الكتاب تقول: «هذا آخر المقالة السادسة، وهي تمام الكتاب» [ص ٢٢٨]. والعبارتان في المتن كلتاهما.

وما يقوله عن الكتاب أقدمُ فهرسين تحقّقتُ منهما يوافق الخاتمة لا العناوين. يذكر حاجي خليفة في «كشف الظنون» كتاباً لمسكويه باسم «كتاب الطهارة» في علم الأخلاق، ويثبت أوّله: «اللهمّ إنّا نتوجّه إليك ونسعى نحوك… إلخ»، ويقول إنّه «مرتَّبٌ على ستّ مقالات»، ثمّ يعدّها: «١ في الحكمة، ٢ في الخُلُق، ٣ في الفرق بين الخير والسعادة، ٤ في تهذيب الأخلاق، ٥ في تهذيب الإنسان، ٦ في شفاء الأمراض العارضة» (٥/ ٦٠٣ ط الفرقان). والافتتاح الذي أثبته مطابقٌ حرفاً لما في نسختنا [ص ٩]، والمقالة الثالثة عنده هي «الفرق بين الخير والسعادة» — وهو بعينه ما يفتتح به مسكويه مقالته الثالثة في نسختنا [ص ٨٧]. ويذكر سركيس الكتاب باسمه المشهور ويقول أيضاً إنّه «يشتمل على ستّ مقالات» (١/ ٢٣٨).

وفي «كشف الظنون» أمرٌ آخر يجب نقله كما هو. فحاجي خليفة يذكر في بابٍ سابق مصنَّفاً باسم «أخلاق الشيخ الرئيس» ينسبه إلى ابن سينا، ويقول إنّه «مختصرٌ مرتَّبٌ على ستّ مقالات»، ويثبت أوّله «اللهمّ إنّا نتوجّه إليك…»، ثمّ يقول: «ويقال له: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» (١/ ٢٦٤–٢٦٥). فالعنوان نفسه والافتتاح نفسه والعدد نفسه يردان عنده مرّتين، مرّةً لابن سينا ومرّةً لمسكويه. أنقل هذا عن «كشف الظنون» ولا أفصل فيه؛ ولم أتحقّق من تاريخ هذا الالتباس ولا من وجهه.

ويسرد سركيس ثماني طبعاتٍ للكتاب بين سنة ١٢٧١ وسنة ١٣٢٧ هجريّة — الأستانة، ووادي النيل، والترقّي، ومطبعة والدة عبّاس، والمعارف ببيروت، وطبعةً بهامش «أدب الدنيا والدين» للماوردي، وطبعةً هنديّةً باسم «كتاب الطهارة» (١/ ٢٣٨). ولم أتحقّق من أيٍّ منها هو أصل نسخة «الشاملة»، وليس في النسخة ما يدلّ عليه.

كيف تقرأ هذا الكتاب اليوم

ابدأ من الخاتمة إن شئت. المقالتان السادسة والسابعة [ص ١٨٣–٢٢٨] تُقرآن وحدهما: تشخيصٌ بالسبب، وعلاجٌ بالضدّ، وأبوابٌ مفردةٌ للغضب والخوف والحزن والحسد والعُجب. وهي أقرب أجزاء الكتاب إلى قارئٍ لم يقرأ في النفس القديمة شيئاً. ثمّ ارجع إلى الأولى والثانية لتعرف من أين جاءت الفضائل الأربع التي بُنيت عليها الأمراض الثمانية [ص ٢٠١–٢٠٢].

واقرأ الحجّة على وجهها. مسكويه لا يعظ ولا يستشهد؛ يحدّ ويقسم ويبرهن بالمثال الهندسيّ. ومن قرأه باحثاً عن حكايةٍ أو خبرٍ لم يجد شيئاً يذكر — اسمان من التاريخ في صفحتين اثنتين من مئتين.

وميّز الإطار من المضمون. كثيرٌ ممّا يسوقه في الطبّ والمزاج قائمٌ على علم أبدانٍ لم يعد قائماً، وبعض ما يقوله في ترتيب الناس ابن قرنه بلا مواربة: يجعل الملابس الملوّنة والمنقوشة أولى بها «النساءُ اللاتي يتزيّنّ للرجال، ثمّ العبيد والخَوَل»، ويقابلها بلباس «أهل النبل والشرف» [ص ٦٨]؛ ويحتجّ على أنّ الحدّة ليست فضيلةً بأنّا «نجدها في النساء أكثر منها في الرجال، وفي المرضى أقوى منها في الأصحّاء» [ص ٢١٢]؛ ويرتّب الصناعات بشرف موضوعها فيضع الدباغة في أدناها والطبّ في أعلاها [ص ٤٧]؛ ويعرض خلاف القدماء في أنّ في الناس من هو شرّيرٌ بالطبع لا يصلحه تأديب [ص ٤٢]. هذه مواضع تُقرأ على أنّها من قرنها، وتُنسب إليه ولا تُطمَس ولا تُدافَع عنها.

وأخيراً: اقرأه إلى جانب «تجارب الأمم» لا داخله. الكتابان لرجلٍ واحدٍ يشتغل بمادّةٍ موروثةٍ بلا جهاز رواية، ويقصد بها العمل لا الحفظ. لكنّ آلته في التاريخ استقراءُ ما وقع، وآلته هنا قسمةُ ما يجب. ومن قرأهما معاً رأى الرجلَ نفسه في صنعتين، لا صنعةً واحدةً في كتابين.