Miskawayh · Tahdhīb al-Akhlāq · A Reader's Companion

الخيرُ والسعادةُ والعدل

القسم الثاني

أبو علي أحمد بن محمد مسكويه (ت ٤٢١ هـ)

مراتبُ الحيوان والشوقُ إلى المعارف، وأقسامُ الخير ورأيُ المؤلِّف في السعادة ومراتبِها، ورأيُ أرسطو في بقاء النفس، ثمّ العدالةُ ومواضعُها والإمامُ العادل، والمسألتان العويصتان.

ابدأ

يضمّ هذا القسم المقالتين الثالثة والرابعة من «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» لمسكويه، ويمتدّ في المطبوع من الصفحة ٧٦ إلى الصفحة ١٤٥؛ وكل رقم يرد بعدُ بين معقوفتين هو رقم صفحة المطبوع لا الرقم الداخلي للنسخة الإلكترونية. والنسخة المقروءة خالية من حواشي المحقِّق: حقل الحاشية فارغ في كل صفحات هذا القسم بلا استثناء، فليس فيما يلي حرف واحد منقول عن محقِّق، وكل ما يُنسب هنا إلى مسكويه أو إلى من ينقل عنهم مأخوذ من المتن وحده. ومدار المقالة الثالثة على الخير والسعادة: يرتّب الموجودات من الجماد إلى أعلى أفق الإنسان ليعيّن موضع الغاية الإنسانية، ثم يفرّق بين الخير المطلق والسعادة، ويقسّم الخيرات، وينقل أقسام السعادة عن أرسطوطاليس وخلاف من قبله، ثم يعرض رأيه هو على أنه جامع للرأيين، ويورد نصًّا مترجمًا في مراتب الفضائل، ويستدلّ على قول أرسطوطاليس ببقاء النفس. ومدار المقالة الرابعة على العدل: يفصل بين صورة الفعل الفاضل وحقيقته، ويحدّ العدالة بالمساواة، ويعيّن مواضعها، ويربطها بالشريعة والدينار والحاكم، ثم يثير مسألتين عويصتين على مذهبه هو ويجيب عنهما.

سُلّم الموجودات والشوق إلى المعارف

المقدّمة الطبيعية عنده ذات غرض عملي: أن يعرف القارئ الأفق الذي هو فيه والأفق الذي يليه، ليبتدئ التقويم على الترتيب الطبيعي [ص ٧٥]. والأجسام الطبيعية تشترك في حدّ عامّ ثم تتفاضل بقبول الصور الأشرف: زيادةُ النبات على الجماد هي الاغتذاء والنموّ ونفض الفضلات [ص ٧٦]، ثم يتدرّج حتى يبلغ النخل، فلا يبقى بينه وبين الحيوان إلا الانقلاع من الأرض والسعي إلى الغذاء [ص ٧٧]. وفي الحيوان تتزايد الآلات، ثم تظهر قوّة الشعور باللذة والأذى، ثم القوّة الغضبية؛ ويُعطى كلٌّ من السلاح بحسب قوّته الغضبية وطاقته على استعماله، ومن ضعفت قوّته لم يُعطَ سلاحًا لئلا يصير كلًّا عليه بل أُعطي آلة الهرب، أما الإنسان فعُوِّض من الآلات كلها بأن هُدي إلى استعمالها وسُخّرت له [ص ٧٨]. وأول الأفق الإنساني مراتب من يسكنون أقاصي المعمورة ممّن «لا تُميَّز عن القرود إلا بمرتبة يسيرة»، ثم تتزايد قوّة التمييز حتى يُصار إلى وسط الأقاليم؛ وعند هذا الحدّ ينتهي فعل الطبيعة ويبتدئ الاكتساب بالإرادة والسعي [ص ٧٩–٨٠]. فإذا بلغ الإنسان آخر أفقه اتصل بأول أفق الملائكة، وعندها «تتأحّد الموجودات ويتصل أوّلها بآخرها»، وهو ما يسمّيه دائرة الوجود [ص ٨٠]؛ ومن بلغ هذه الغاية صار إما حكيمًا تامًّا تأتيه الإلهامات، وإما نبيًّا مؤيَّدًا يكون واسطة بين الملأ الأعلى والملأ الأسفل [ص ٨١].

ثم يقيّد ذلك بتحذير: الشوق إلى المعارف قد يسوق صاحبه إلى كماله، «وقلما يتفق ذلك»؛ فكما تشتاق الطبيعة إلى ما يهدم البدن كأكل الطين، تشتاق النفس الناطقة إلى نظر يعوقها، فتحتاج إلى علاج نفساني كما احتاج البدن إلى طبّ. ولذلك تكثر الحاجة إلى المؤدّبين، فإن الطبائع التي تنساق بذاتها إلى السعادة «عسرة الوجود ولا توجد إلا في الأزمنة الطوال» [ص ٨٢]. وكل إنسان معدٌّ نحو فضيلة بعينها، ومن ثمّ لا تكون سعادة الواحد سعادةَ الآخر إلا لمن اتفقت له نفس صافية. ويبني على ذلك واجب الحاكم: على مدير المدن أن يسوق كل إنسان نحو سعادته التي تخصّه، وأن يقسم عنايته قسمين، تسديدًا بالعلوم الفكرية يبدأ فيه من الغاية الأخيرة على طريق التحليل، وتسديدًا نحو الصناعات والأعمال الحسية يبدأ فيه من القوى فينتهي بهم إلى الغاية؛ والكتاب موضوع «لمحبّي الفلسفة خاصة لا للعوام» [ص ٨٣].

الخير والسعادة: الحدّ والأقسام والخلاف الموروث

الخير، على ما حدّه أرسطوطاليس واستحسنه من آراء المتقدمين، هو المقصود من الكلّ والغاية الأخيرة؛ والسعادة «الخير بالإضافة إلى صاحبها وهي كمال له»، فسعادة الإنسان غير سعادة الفرس، وسعادة كل شيء في تمامه الذي يخصّه [ص ٨٧]. ويلزم من ذلك فرق حاسم: الخير المطلق طبيعة لها ذات معيّنة، وهو عامّ للناس من حيث هم ناس، فلذلك لا يُختلف فيه؛ والسعادة بالإضافة، فليست لها ذات معيّنة وتختلف باختلاف قاصديها. وما يتأتّى للحيوان في مآكله وراحاته «ينبغي أن يسمّى بختًا أو اتفاقًا» لا سعادة [ص ٨٧]. وحجّته على حدّ الخير عقلية: العقل لا يطلق السعي إلا إلى نهاية، وما لم يُقصد به خير فهو عبث والعقل يحظره [ص ٨٧–٨٨].

ثم ينقل تقسيم الخير عن أرسطوطاليس، ويذكر أن «قرقوريوس» حكاه عنه: خيرات شريفة شرفها من ذاتها كالحكمة والعقل، وممدوحة كالفضائل والأفعال الجميلة الإرادية، وما هي بالقوّة كالتهيّؤ والاستعداد، ونافعة تُطلب ليُتوصَّل بها [ص ٨٨–٨٩]. ويعيد القسمة على جهات أخرى: غايات تامّة كالسعادة وغير تامّة كالعلاج والتعلّم، ومؤثَر لذاته ومؤثَر لغيره، وخير على الإطلاق وخير عند الضرورة؛ ثم يوزّعها على المقولات، ففي الجوهر «الله هو الخير الأول» لأن الأشياء كلها تتحرك نحوه بالشوق إليه [ص ٨٩].

وينقل عنه أن السعادة، مع كونها أفضل الخيرات، تحتاج إلى سعادات في البدن وخارجه، «فإنه يعسر على الإنسان أن يفعل الأفعال الشريفة بلا مادة مثل اتساع اليد وكثرة الأصدقاء وجودة البخت»، ولهذا احتاجت الحكمة إلى صناعة الملك في إظهار شرفها [ص ٩٠]. وأقسامها على مذهبه خمسة: صحة البدن ولطف الحواس، والثروة والأعوان بما يتّسع به لوضع المال موضعه، وحُسن الأحدوثة بين أهل الفضل، والنجاح بأن يستتمّ ما رَوّى فيه، وجودة الرأي وسلامة الاعتقاد؛ فمن اجتمعت له كلها فهو السعيد الكامل، ومن حصل بعضها فحظّه بحسبه [ص ٩١].

ويقابل ذلك بمذهب من قبله: فيثاغورس وبقراط وأفلاطون وأشباههم أجمعوا على أن الفضائل والسعادة في النفس وحدها، فلا يضرّ صاحبَها أن يكون سقيمًا ناقص الأعضاء ولا فقيرًا خاملًا، إلا أن تلحق النفسَ مضرّة في خاصّ أفعالها كفساد العقل [ص ٩١–٩٢]. أما الرواقيون وجماعة من الطبيعيين فجعلوا البدن جزءًا من الإنسان لا آلة له، فاضطرّوا إلى أن السعادة النفسية ناقصة ما لم تقترن بسعادة البدن وما هو خارجه [ص ٩٢]. وينتهي العرض إلى خلاف في السعادة العظمى: فريق يرى أنها لا تحصل إلا بعد مفارقة البدن؛ وفريق يستشنع أن يكون من يعمل الصالحات ويخلف ربّ العزة في خلقه شقيًّا ناقصًا حتى إذا مات صار سعيدًا. ويقرّر أن أرسطوطاليس «يتحقق بهذا الرأي» الثاني، لأن الإنسان عنده مركّب من بدن ونفس، ولذلك حدّه بالناطق المائت [ص ٩٣]. ويصف اختلاف الناس في تعيينها: الفقير يراها في الثروة، والذليل في الجاه، والعاشق في الظفر بالمعشوق، والفاضل في إفاضة المعروف؛ والفيلسوف يرى هذه كلها سعادات متى رُتّبت بحسب تقسيط العدل، عند الحاجة وفي الوقت الذي يجب وكما يجب وعند من يجب [ص ٩٤].

رأي المؤلف في السعادة

يعلن أن كلًّا من الفرقتين نظرت نظرًا ما، وأن الواجب أن يقول «ما نراه صوابًا وجامعًا للرأيين» [ص ٩٤]. ومبنى قوله أن الإنسان ذو فضيلة روحانية يناسب بها الملائكة، وذو فضيلة جسمانية يناسب بها الأنعام، لأنه مركّب منهما؛ فهو بالخير الجسماني مقيم في العالم السفلي مدة قصيرة ليعمره وينظمه، حتى إذا ظفر بهذه المرتبة على الكمال انتقل إلى العالم العلوي فأقام فيه سرمدًا [ص ٩٤–٩٥]. ولا يريد بالعلوّ والسفول المكان الحسّي: «كل محسوس فهو أسفل وإن كان محسوسًا في المكان الأعلى، وكل معقول فهو أعلى وإن كان معقولًا في المكان الأسفل». والنتيجة التي يبني عليها الجمع: الأرواح المستغنية عن الأبدان لا تحتاج إلى شيء من السعادات البدنية، «فإذًا ما دام الإنسان إنسانًا فلا تتمّ له السعادة إلا بتحصيل الحالين جميعًا» [ص ٩٥].

فالسعيد في إحدى مرتبتين: أن يكون في رتبة الأشياء الجسمانية سعيدًا بها وهو مع ذلك يطالع الأمور الشريفة مشتاقًا إليها؛ أو في رتبة الأشياء الروحانية سعيدًا بها وهو مع ذلك يطالع الأمور البدنية معتبرًا بها ناظمًا لها مفيضًا الخيرات عليها [ص ٩٥]. ومن لم يحصل في إحداهما فهو «في رتبة الأنعام بل هو أضلّ»، لأن الأنعام غير معرَّضة لهذه الخيرات ولا أُعطيت استطاعة التحرّك نحوها، والإنسان معرَّض لها مزاح العلة فيها؛ فالأول كأعمى جار عن الطريق فتردّى في بئر فهو مرحوم غير ملوم، والثاني كبصير تردّى على بصيرة فهو ممقوت ملوم [ص ٩٥–٩٦].

ويفاضل بين المرتبتين صراحة: الأولى ناقصة لا تتعرّى من الآلام والحسرات لأجل «خدائع الطبيعة والزخارف الحسية» التي تعوق صاحبها عن الترقّي؛ وصاحب الثانية هو السعيد التامّ، الموفور الحظّ من الحكمة، فيكون خاليًا من تلك الآلام مسرورًا بذاته دائمًا [ص ٩٦]، لا يبالي بفراق الأحباب، ويرى جسمه وماله وخيرات الدنيا كلَّها كلًّا عليه إلا في ضرورة بدنه الذي لا يستطيع الانحلال عنه إلا عند مشيئة خالقه [ص ٩٧]. ويستدرك أن هذه المرتبة نفسها «تتفاوت تفاوتًا عظيمًا»، فمن يصل إليها على طبقات كثيرة غير متقاربة [ص ٩٧].

مراتب الفضائل ونصّ «فضائل النفس»

هاتان المرتبتان هما اللتان ساق الحكيم الكلام إليهما واختار الأخيرة منهما في كتابه المسمّى «فضائل النفس»، ويصرّح مسكويه أنه سيورد ألفاظه المنقولة إلى العربية بعينها [ص ٩٧]. والنصّ يجعل أول رتب الفضائل ما يسمّى سعادة: أن يصرف الإنسان إرادته إلى مصالحه في العالم المحسوس تصرّفًا لا يخرجه عن الاعتدال، فيتلبّس بالأهواء بقدر معتدل غير مفرط. والثانية أن يصرفها إلى الأفضل من صلاح النفس والبدن بلا تلبّس بشيء من الأهواء ولا اكتراث بالمحسوسات إلا لضرورة؛ وأماكن هذه الرتبة كثيرة بعضها فوق بعض، لاختلاف الطبائع، ثم العادات، ثم منازلهم من الفضل والعلم، ثم هممهم، ثم شوقهم ومعاناتهم [ص ٩٨]. ثم النقلة إلى الفضيلة الإلهية المحضة، التي لا تشوّف فيها إلى آتٍ ولا تلفّت إلى ماضٍ ولا طلب لحظّ من حظوظ الإنسانية، بل صرف الوكد إلى الأمور الإلهية بلا طلب عوض، حتى يكون تشبّهه بالعلة الأولى واقتداؤه بها [ص ٩٩].

وآخر مراتب الفضيلة أن تكون أفعال الإنسان كلها إلهية، وهي خير محض؛ والخير المحض غاية متوخّاة لذاتها، فلا يفعله فاعله من أجل شيء آخر غير الفعل نفسه [ص ٩٩–١٠٠]. ويقيس النصّ ذلك على فعل الباري: كما يفعل الله لذاته لا من أجل شيء خارج عنه، إذ لو كانت أفعاله من أجل سياسة الأشياء لصارت الأشياء الخارجة أسبابًا وعللًا لأفعاله «وهذا شنيع قبيح»؛ فعنايته بها على القصد الثاني [ص ١٠٠–١٠١]. وكذلك الإنسان إذا بلغ الغاية القصوى في الإمكان من الاقتداء: يفعل لنفس الفضيلة، لا لاجتلاب منفعة ولا لدفع مضرّة ولا للتباهي وطلب الرياسة، «فهذا هو غرض الفلسفة ومنتهى السعادة» [ص ١٠١].

ثم يعلّق في المتن على النقل نفسه: هو نقل أبي عثمان الدمشقي، «فصيح باللغتين جميعًا أعني اليونانية والعربية، مرضيّ النقل»، شديد التحرّي. ويشترط شرطًا صارمًا: هذه المراتب لا تحصل إلا بعد العلم الصحيح بأجزاء الحكمة كلها على الترتيب الذي رتّبه في كتابه «ترتيب السعادات»، ومن ظنّ أنه يصل إليها على غير ذلك المنهج «فقد ظنّ باطلًا وبَعُد عن الحق بعدًا كثيرًا»؛ ويخصّ بالردّ قومًا ظنّوا أنهم يدركون الفضيلة بتعطيل القوة العالمة وترك النظر الخاص بالعقل، «وقد سمّاهم قوم العاملة والناجية» [ص ١٠٢].

الرتبة الأولى من السعادة الأخيرة ولذّتها

ينقل عن أرسطوطاليس أن كتاب الأخلاق لا ينتفع به الأحداث ولا من هو في طبيعتهم، وأنه لا يعني حدث السنّ «لأن الزمان لا تأثير له في هذا المعنى» بل السيرة التي يقصدها أهل الشهوات. ويعقّب بصوته: إنما ذكر المرتبة الأخيرة «ليمرّ على سمعهم فقط» وليُعلَم أن ثَمّ مرتبة لا يصل إليها إلا أهلها؛ فليلتمس كل ناظر في الكتاب المرتبة الأولى، ثم يترقَّ إن وُفِّق [ص ١٠٣]. ولا سبيل إلى الثانية من غير المرور بالأولى، فيعود إليها ويرجئ بيان الثانية «إلى وقت آخر» [ص ١٠٤].

وشرط هذه الرتبة الشمول والدوام: من عني ببعض القوى دون بعض، أو في وقت دون وقت، لم تحصل له السعادة؛ كمدبّر المدينة الذي يخصّ بنظره طائفة دون طائفة فلا يستحق اسم الرياسة على الإطلاق. ويستشهد بمثَل أرسطوطاليس: الخطّاف الواحد إذا ظهر لا يدلّ على الربيع. والسِّيَر ثلاث بانقسام الغايات: سيرة اللذة، وسيرة الكرامة، وسيرة الحكمة، وأشرفها الأخيرة، وهي لذيذة بنفسها لأن أفعال أهلها أبدًا مختارة ممدوحة [ص ١٠٤–١٠٥]. وينقل عنه أن السعادة الإلهية محتاجة إلى السعادات الخارجة لتظهر بها وإلا كانت كامنة، وكان صاحبها «كالفاضل النائم الذي لا يظهر فعله» [ص ١٠٥]. ولا يدّعي للسعيد عصمة من المصائب: يرد عليه من النوائب ما يرد على غيره، لكنه قادر على ضبط نفسه، «ولو ابتُلي ببلايا أيوب وأضعافها ما أخرجه عن حدّ السعادة»؛ وحجّته مقارنة: المصارع الذي يهوى الغلبة يصبر على شدائد عظيمة طلبًا للصيت، فالسعيد أولى بالصبر إذا كان غرضه أشرف [ص ١٠٦–١٠٧].

وفي بيان اللذة يقسمها انفعالية وفاعلة. والانفعالية تشاركنا فيها غير الناطقة لاقترانها بالشهوات؛ والفاعلة يختصّ بها الحيوان الناطق لأنها غير هيولانية، فهي تامّة ذاتية وتلك ناقصة عرضية، إذ اللذات الحسية تنقلب إلى أضدادها فتصير آلامًا [ص ١١١]. ويلفت إلى «سرّ» ينبغي أن يقف عليه المتعلّم: ميل الطبع إلى اللذة الحسية قويّ بأصل الجِبِلّة، فإذا مال إليها بإفراط استحسن فيها كل قبيح ولم يرَ موضع الغلط حتى تبصّره الحكمة؛ واللذة العقلية بالضدّ، الطبع يكرهها فيحتاج فيها إلى صبر ورياضة. ومن هنا نتيجة تربوية: الإنسان في ابتداء تكوينه محتاج إلى سياسة الوالدين، ثم إلى الشريعة الإلهية والدين القيّم، حتى يتولّى تدبير نفسه [ص ١١٢]. ويربط السعادة بالجود: لذة الفاعل في الإعطاء ولذة المنفعل في الأخذ؛ والفرق بين الجودَين أن مال المنفق ينتقص بالإنفاق ويتعرّض للّصوص، وأما صاحب السعادة فأمواله «لا تنقص بالإنفاق بل تزيد» [ص ١١٣].

رأي أرسطوطاليس في بقاء النفس

هذا الفصل استدلالي في صياغته لا تقريري؛ مطلعه: «ومما يُستدلّ به من كلام أرسطوطاليس على أنه كان يقول ببقاء النفس والمعاد: كلامه المتداول في كتاب الأخلاق» [ص ١٠٨]. فمسكويه لا ينقل عن أرسطوطاليس تصريحًا ببقاء النفس، بل يستنبطه من موضع آخر: من إيراده شكًّا على نفسه في مسألة تسمية الحيّ سعيدًا.

والنصّ المنقول يبني الشكّ على مقدّمتين مسلَّمتين عند أرسطوطاليس نفسه: أن السعادة شيء ثابت غير متغيّر، وأن الإنسان تلحقه تغيّرات واتفاقات شتّى، حتى إن أرغد الناس عيشًا قد يُصاب بمصائب عظيمة. (واسم العَلَم الذي يُضرب به المثل مضطرب في المطبوع، يرد مرة «كما رمز في برنامس» ومرة «المصائب التي حلّت ببرنامس»، ولا يستقيم على وجه بيّن.) فمن مات على تلك المصائب لا يسمّيه أحد سعيدًا، ويلزم على هذا القياس ألّا يسمّى إنسان سعيدًا ما دام حيًّا بل يُنتظر آخر عمره؛ «فالإنسان إذًا إنما يصير سعيدًا إذا مات»، وهذا قول في غاية الشناعة إذا كنّا نقول إن السعادة خير ما [ص ١٠٨]. ثم يوسّع الشكّ: قد يُظنّ بالميت أن يلحقه خير وشرّ كما يلحق الحيّ وهو لا يحسّ به، مثل الكرامة أو الهوان واستقامة أمر الأولاد وأولاد الأولاد؛ ومن المنكر أن يصير الميت بتغيّر غيره مرّة سعيدًا ومرّة شقيًّا، ومن المنكر أيضًا ألّا تكون أمور الأولاد متصلة بالوالدين في وقت من الأوقات [ص ١٠٨–١٠٩].

وههنا يتكلم مسكويه بصوته هو، وهو موضع الاستدلال كلّه: «فهذا الشكّ الذي أورده أرسطوطاليس على نفسه في هذا الموضع هو شكّ من يعتقد أن للإنسان بعد موته أحوالًا، وأنه يتصل به لا محالة من أمور أولاده وأولاد أولاده أحوال مختلفة» [ص ١٠٩]. أي إن صياغة الإشكال نفسها — لا جوابه — هي الدليل عنده: من لا يرى للميت حالًا بعد موته لا يعرض له هذا الشكّ أصلًا. ثم يزيده إيضاحًا: كيف يقال في الإنسان إذا مات سعيدًا ثم لحقه شقاء بعض أولاده؟ فإن تغيّرت سعادته كان شنيعًا، وإن لم يلحقه شيء من ذلك كان شنيعًا أيضًا [ص ١٠٩].

ثم يعود إلى نقل حلّ أرسطوطاليس، وهو حلّ يردّ السعادة إلى الأفعال لا إلى العوارض: سيرة الإنسان ينبغي أن تكون محمودة لأنه يختار في كل ما يعرض له أفضل الأعمال، من الصبر مرة، ومن حسن التصرّف في المال إذا اتسع، ومن حسن التجمّل إذا عدمه. فالسعيد إذا ورد عليه نحس عظيم «جعل سيرته أكثر سعادة» لأنه يداريه مداراة جميلة، بشرط أن يكون احتماله لشهامته وكبر نفسه لا لعدم حسّه ولا لنقصان فهمه [ص ١٠٩]. ومتى كانت الأفعال هي ملاك السيرة فليس أحد من السعداء شقيًّا، لأنه لا يفعل في وقت من الأوقات أفعالًا مرذولة؛ فهو أبدًا مغبوط وإن حلّت به تلك المصائب، ولا تنقله عن السعادة الأوقات اليسيرة ولا الآفات العظيمة [ص ١١٠]. أما حال الإنسان بعد موته فينقل عنه أن القول بأن ما يعرض لأولاده وأصدقائه لا يتعلّق به أصلًا «مضادّ لما يعتقده جميع الناس»؛ والقسمة في تفاصيل ذلك تمضي إلى غير نهاية، فالوجه أن يُقال قولًا كليًّا على طريق الرسم: كما أن بعض الآفات في حياته يثقل احتماله وبعضها يخفّ، كذلك حاله فيما يعرض لأولاده؛ وإن وصل إليهم من ذلك شيء، خيرًا كان أو شرًّا، فحقيق أن يكون «يسيرًا نزرًا بمقدار ما لا يجعل غير السعيد سعيدًا ولا ينتزع السعادة من السعداء» [ص ١١٠]. ويختم مسكويه بجملة تقريرية محايدة: «هذا حلّ أرسطوطاليس للشكّ الذي أورده» [ص ١١٠].

ولا يعقّب على الحلّ بتصويب ولا بتخطئة في هذا الفصل. غير أن موقفه منه يُقرأ من موضعين سابقين: نسبته إلى أرسطوطاليس القولَ بأن السعادة الإنسانية تحصل في الدنيا وأنه «يتحقق بهذا الرأي» [ص ٩٣]، وإعلانه أن رأيه هو جامع للرأيين لا مطابق لأحدهما [ص ٩٤]، ثم تقريره أن الإنسان ما دام إنسانًا لا تتمّ له السعادة إلا بالحالين معًا، وأنه ينتقل بعد استكمال المرتبة السفلى إلى العالم العلوي فيقيم فيه سرمدًا [ص ٩٤–٩٥]. فالذي يستخرجه من أرسطوطاليس ههنا هو إثبات البقاء والمعاد، ويستبقي لنفسه بناء السعادة على مرتبتين متمايزتين لا على واحدة.

المقالة الرابعة: صورة الفعل وحقيقة الفضيلة، واكتساب المال

مفتتح المقالة الرابعة تفريق بين الفعل والهيئة النفسانية الصادر عنها: السعادة تظهر في أفعال العدالة والشجاعة والعفة، وهذه الأفعال بعينها «قد تظهر ممّن ليس بسعيد ولا فاضل» [ص ١١٧]. فمن ترك الشهوات لأنه ينتظر أكثر ممّا يحضره، أو لأنه لم يعرفها كالرعاة في قلل الجبال، أو لجمود شهوته، أو خوفًا من مكروه، أو لأنه ممنوع منها — فهؤلاء يعملون عمل الأعفّاء وليسوا بأعفّاء؛ وإنما العفيف من وفّى العفة حدّها واختارها لنفسها لا لغرض آخر. ومن باشر الحروب طلبًا للمال فهو يعمل عمل الشجعان «بطبيعة الشره لا بطبيعة الفضيلة»، وكلما ازداد إقدامًا وجب أن يكون أكثر شرهًا لا أكثر شجاعة [ص ١١٧]. ويُلحق بذلك من يقدم خوف لائمة عشيرته، ومن يقدم ثقة بعادة الغلبة وجهلًا بمواقع الاتفاقات، والعشّاق، وشجاعةَ الأسد التي هي ثقة بالقوة لا اختيار، وهي كصاحب السلاح إذا أقدم على الأعزل [ص ١١٨].

والشجاع بالحقيقة خوفه من الأمر القبيح أشدّ من خوفه من الموت، ولذّته في عواقب الأمور لا في مبادئها، ولا سيما إذا حامى عن دينه وعن الشريعة «التي هي سياسة الله وسنّته العادلة التي بها مصالح العباد في الدنيا والآخرة» [ص ١١٩]. وفي المقابل: من خاطر بنفسه في وقت الأمن مراءاةً فهو «مُطَرْمِذ مائق»، ومن قتل نفسه خوفًا من الفقر أو الذلّ فهو بالجبن أولى، «فإن الإقدام وقع منه بطبيعة الجبن لا بطبيعة الشجاعة» [ص ١٢٠]. وينتهي إلى قاعدة جامعة: لا تتمّ شرائط الشجاعة والعفة إلا للحكيم الذي يستعمل كل شيء في موضعه، «فكلّ شجاع عفيف حكيم، وكلّ حكيم شجاع عفيف» [ص ١٢١].

وينقل الحكم نفسه إلى السخاء: من بذل ماله للسمعة والرياء، أو تقرّبًا إلى السلطان، أو طمعًا في أكثر منه على سبيل التجارة، فهو يعمل عمل الأسخياء وليس بسخيّ [ص ١٢١]. ثم يعالج المال: الحاجة إليه ضرورية في العيش، وهو نافع في إظهار الحكمة والفضيلة، «ومن اكتسبه من وجهه صعب عليه»، لأن المكاسب الجميلة قليلة عند الرجل العادل الحرّ، بخلاف غيره الذي لا يبالي كيف اكتسبه؛ ولهذا يوجد كثير من الفضلاء ناقصي الحظّ ذامّين للبخت، وأضدادُهم وافرو الحظّ والعامة يغبطونهم. ويعدّد وجوه الكسب الذميم: الخيانة والسرقة وظلم من هو دونه، وترويج السلع القبيحة على الملوك واستنزالهم عن أموالهم بالمكر، والسعاية والنميمة؛ والعاقل النقيّ العرض «يعتاض من المال الراحة والمحمدة، فلا يلوم البخت ولا يحسد أصحاب الأموال المكتسبة من غير وجوهها» [ص ١٢٢].

العدالة: المساواة والشريعة والإمام العادل وحقّ الخالق

العادل بالحقيقة هو الذي عدّل قواه وأفعاله وأحواله كلها حتى لا يزيد بعضها على بعض، ثم رام ذلك فيما هو خارج عنه من المعاملات والكرامات، قاصدًا فضيلة العدالة نفسها لا غرضًا سواها؛ ولا يتمّ ذلك إلا بهيئة نفسانية تصدر عنها أفعاله كلها. ولمّا كانت العدالة وسطًا وهيئةً يُقتدَر بها على ردّ الزائد والناقص، صارت «أتمّ الفضائل وأشبهها بالوحدة»؛ وحجّته أن كل كثرة لا يضبطها معنى يوحّدها فلا قوام لها، والاعتدال هو الذي يُلبس الأشياء ظلّ الوحدة [ص ١٢٣]. ويعضّده بالاشتقاق وبعلم العدد: العدالة مشتقّة من المساواة، والمساواة أشرف النسب في صناعة الأرتماطيقي، فلا تنقسم ولا أنواع لها؛ فإذا لم توجد بالحقيقة في الكثرة عُدل إلى النسب التي تنحلّ إليها، منفصلة بين أربعة أو متصلة بين ثلاثة يتكرّر فيها الوسط [ص ١٢٤].

ومواضع العدالة ثلاثة: قسمة الأموال والكرامات، وقسمة المعاملات الإرادية كالبيع والشراء، وقسمة ما وقع فيه ظلم وتعدٍّ. فالأول بالنسبة المنفصلة: نسبة هذا الإنسان إلى هذه الكرامة كنسبة كلّ من في مثل مرتبته إلى مثل قسطه. والثاني بالمنفصلة مرة وبالمتصلة أخرى: نسبة البزّاز إلى الإسكاف كنسبة الثوب إلى الخفّ [ص ١٢٥]. والثالث بالنسبة المساحية: إذا أبطل إنسان نسبته من آخر بحيف، أوجبت العدالة أن يلحق به ضرر مثله ليعود التناسب؛ «فالعادل من شأنه أن يساوي بين الأشياء غير المتساوية» [ص ١٢٦].

وههنا تدخل الشريعة في صلب النظرية لا على هامشها: «والشريعة هي التي ترسم في كل واحد من هذه الأشياء التوسّط والاعتدال»، لأن الناس مدنيّون بالطبع لا يتمّ عيشهم إلا بالتعاون، فهم يطلبون المكافأة المناسبة [ص ١٢٦]. والدينار هو المقوِّم المسوِّي بين العملين المختلفين، «وهو عدل ولكنه ساكت»؛ ولذلك يُستعان بالحاكم الذي هو «عدل ناطق» إذا لم يستقم الأمر بين الخصمين بالدينار. وينقل عن أرسطوطاليس من كتابه المعروف بنيقوماخيا ترتيبًا ثلاثيًّا: الناموس الأكبر من عند الله، والحاكم ناموس ثانٍ من قِبَله، والدينار ناموس ثالث، «فناموس الله قدوة النواميس كلها» — ويفسّره مسكويه بالشريعة، ويفسّر الناموس في لغة أرسطوطاليس بالسياسة والتدبير. ومن هنا قوله: «بالعدل المدني عُمرت المدن، وبالجور المدني خرِبت المدن» [ص ١٢٧]. والجائر على ثلاث منازل منقولة عنه: الأعظم من لا يقبل الشريعة ولا يدخل تحتها، والثاني من لا يقبل قول الحاكم العادل، والثالث من يغتصب الأموال فيعطي نفسه أكثر مما يجب وغيره أقلّ. والمستمسك بالشريعة يعمل بطبيعة المساواة، لأن الشريعة من عند الله فلا تأمر إلا بالخير وبما يفعل السعادة، «وليست العدالة جزءًا من الفضيلة بل هي الفضيلة كلها» [ص ١٢٨].

والإمام العادل الحاكم بالسوية «يبطل هذه الأنواع ويخلف صاحب الشريعة في حفظ المساواة»، وشرطه المذكور صريحًا: «فهو لا يعطي ذاته من الخيرات أكثر مما يعطي غيره». ويميّز بين ما تؤهّل به العامةُ للإمامة — الشرف في الحسب والنسب أو كثرة المال — وبين ما يؤهّل به العقلاء، وهو الحكمة والفضيلة، «فإن الحكمة والفضيلة هي التي تعطي الرياسات والسيادات الحقيقية» [ص ١٢٩]. ويردف بحصر أسباب المضرّات في أربعة: الشهوة، والشرارة، والخطأ، والشقاء؛ فصاحب الشهوة يُضرّ بغيره من غير التذاذ بل ليصل إلى شهوته، والشرير يتعمّد الإضرار التذاذًا به، والمخطئ يقصد فعلًا فيعرض غيره فيحزن، والشقيّ لا صنع له بالقصد فهو مرحوم معذور. ويستثني السكران والغضبان: يستحقّان العتب لأن مبتدأ أفعالهما منهما، فالسكران باختياره أزال عقله [ص ١٢٩–١٣٠].

ثم ينقل عنه تقسيم العدالة ثلاثة أقسام: ما يقوم به الناس لربّ العالمين، وما يقوم به بعضهم لبعض من أداء الحقوق والنصفة في المعاملات، وما يقومون به من حقوق أسلافهم كأداء ديونهم وإنفاذ وصاياهم. ويتولّى تحقيق القسم الأول بحجّة مبنيّة على حدّ العدل: العدل إعطاء ما يجب لمن يجب كما يجب، «فمن المحال ألّا يكون لله الذي وهب لنا هذه الخيرات العظيمة واجبٌ ينبغي أن يقوم به الناس»؛ فمن أُعطي خيرًا وإن قلّ ثم لم يقابله بضرب من المقابلة فهو جائر [ص ١٣١–١٣٢]. ومثاله الملك الفاضل الذي أمّن السرب وبسط العدل ومنع من التظالم: يستحقّ من رعيته مقابلة، وهي إخلاص الدعاء وبذل الطاعة وترك المخالفة في السرّ والعلانية، «فنسبة الملك إلى مدينته ورعيته كنسبة صاحب المنزل إلى منزله وأهله» [ص ١٣٢]؛ فإذا وجب هذا في ملوكنا فبالأحرى أن يجب لملك الملوك [ص ١٣٣]. وينبّه أن أرسطوطاليس «لم ينصّ في هذا الموضع على العبادة»، وإنما حكى اختلاف الناس فيها: بين من رآها صلوات وصيامًا وقرابين، ومن اقتصر على الإقرار بالربوبية والتمجيد، ومن رآها إحسانًا إلى النفس بتزكيتها وإلى المستحقين بالمواساة، ومن رآها اللهج بالفكر في الإلهيات، ومن رأى أن الواجب يختلف بحسب طبقات الناس ومراتبهم من العلم [ص ١٣٤]. ويرتّب مقامات الإنسان أربعة: الموقنون وهم الحكماء، والمحسنون، والأبرار وهم المصلحون «خلفاء الله بالحقيقة في إصلاح العباد والبلاد»، والفائزون وهم المخلصون في المحبة [ص ١٣٥]؛ ويقابلها بأسباب الانقطاع الأربعة: الكسل، والغباوة، والوقاحة، والانهماك، ويسمّيها بأسمائها في الشريعة: الزيغ والرَّين والغشاوة والختم، ويقرّر أن هذه الأمور «لا خلاف بين الحكماء فيها وبين أصحاب الشرائع، وإنما تختلف بالعبارات» [ص ١٣٦].

المسألتان العويصتان وخاتمة المقالة

قبلهما يُحكم الربط بين العدالة والشريعة بصيغته النهائية: الفضائل كلها اعتدالات، والعدالة اسم يشملها؛ ولمّا كانت الشريعة تقدّر الأفعال الإرادية، صار المتمسّك بها في معاملاته عدلًا والمخالف جائرًا، «فلهذا قلنا إن العدالة لقب للمتمسّك بالشريعة». ويستدرك فورًا بأنها مع ذلك هيئة نفسانية تصدر عنها الفضيلة، وأن صاحب تلك الهيئة ينقاد للشريعة طوعًا، لأن محافظته على المناسبات هي بعينها اختيار للمساواة. وينقل عن أفلاطون أن العدالة توسّط لا على جهة توسّط سائر الفضائل، بل لأنها في الوسط والجور في الطرفين معًا [ص ١٣٧].

المسألة العويصة الأولى [ص ١٣٩]: يعرضها بصيغة الشاكّ على مذهبه هو. إن كانت العدالة فعلًا اختياريًّا يتعاطاه العادل قاصدًا تحصيل الفضيلة لنفسه والمحمدة من الناس، وجب أن يكون الجور فعلًا اختياريًّا يتعاطاه الجائر قاصدًا تحصيل الرذيلة لنفسه ومذمّة الناس؛ «ومن القبيح الشنيع أن يُظنّ بالإنسان العاقل أنه يقصد الإضرار بنفسه بعد الرويّة وعلى سبيل الاختيار». ويذكر جوابين. جواب الحكماء، ووصفه بأنه مقنع: من ارتكب فعلًا يؤدّيه إلى ضرر فهو ظالم لنفسه «من حيث يقدّر أنه ينفعها»، لسوء اختياره وترك مشاورة العقل؛ ومثاله الحاسد الذي يجني على نفسه لا إيثارًا للضرر بل لظنّه أنه ينفعها في العاجل بالخلاص من أذى الحسد. ثم جوابه هو، وقد قدّم أنه «أشدّ إقناعًا»: الإنسان ذو قوى كثيرة يسمّى بمجموعها إنسانًا واحدًا، فلا يُنكَر أن تصدر عنه أفعال مختلفة بحسب تلك القوى؛ وإنما المنكر أن يصدر عن شيء واحد بسيط ذي قوة واحدة أفعالٌ مختلفة بتلك القوة وحدها لا بحسب آلات مختلفة، «فهذا لعمري منكر شنيع» [ص ١٣٩–١٤٠]. ودليله استقرائي: صاحب الغضب إذا استشاط اختار أفعالًا مخالفة لأفعاله ساكنًا وديعًا، وكذلك صاحب الشهوة الهائجة؛ وشأن هؤلاء أن «يستخدموا العقل الشريف في تلك الأحوال ولا يستشيرونه»، ولذلك يتعجّب العاقل من نفسه إذا صار من الغضب إلى الرضا ومن السكر إلى الإفاقة، ويلحقه الندم. والمخرج عملي: من تعوّد ألّا يقدم على فعل إلا بعد مطالعة العقل الصريح ومراعاة الشريعة القويمة كانت أفعاله منتظمة غير خارجة عن سنن العدل؛ ولهذا قال إن السعيد من اتفق له في صباه أن يأنس بالشريعة ويتعوّد ما تأمره به، حتى إذا بلغ سنّ معرفة العلل «طالع الحكمة فوجدها موافقة لما تقدّمت عادته به فاستحكم رأيه» [ص ١٤٠].

المسألة العويصة الثانية [ص ١٤١]، ويصفها بأنها «أشدّ من الأولى»: التفضّل شيء محمود جدًّا وليس يقع تحت العدالة، لأن العدالة مساواة والتفضّل زيادة؛ وقد حكم أن العدالة تجمع الفضائل كلها ولا مزيد عليها، فيجب أن تكون الزيادة عليها مذمومة كما أن النقصان عنها مذموم، ليحصل للعدالة شرف الوسط الذي قرّره في سائر الأخلاق. وجوابه من ثلاثة وجوه. الأول أن التفضّل «احتياط يقع من صاحبه في العدالة» ليأمن به وقوع النقص في شيء من شرائطها. والثاني أن طرفَي الوسط ليسا على شريطة واحدة في كل خُلق: فالزيادة في باب السخاء، ما لم تخرج إلى التبذير، أحسن من النقصان وأشبه بالمحافظة على شرائطه؛ وأما العفة فالنقصان من الوسط فيها أحسن من الزيادة عليه. والثالث أن التفضّل لا يُستعمل إلا حيث تُستعمل العدالة: من أعطى ماله من لا يستحقّ وترك مواساة المستحقّ «لا يسمّى متفضّلًا بل مضيّعًا»، وإنما يكون متفضّلًا إذا أعطى المستحقّ كلَّ ما يستحقّ ثم زاده [ص ١٤١]. والنتيجة: «فقد بان أن التفضّل ليس غير العدالة، بل هو العدالة مع الاحتياط فيها»، ولذلك قيل إن المتفضّل أشرف من العادل [ص ١٤٢]. ويقيّده بقيدين: الشريعة تأمر بالعدالة الكلية أمرًا جازمًا لأنها محصورة يمكن التعيين عليها، ولم تأمر بالتفضّل الكلي بل ندبت إليه في الجزئيات التي لا نهاية لها؛ والتفضّل إنما يكون في العدالة التي تخصّ الإنسان في نفسه، «ولو كان حاكمًا بين قوم ولا نصيب له في تلك الحكومة لم يجز له التفضّل، ولم يسعه إلا العدل المحض والتسوية الصحيحة بلا زيادة ولا نقصان» [ص ١٤٣].

ويوسّع معنى المساواة إلى ما فوق الأخلاق: نسبة الماء إلى الهواء ليست بالكمية بل بالكيفية، ولو كانت بالكمية لتغالبا وأحال أحدهما الآخر إلى ذاته، ولفني العالم في أقرب مدة، «ولكن الباري عدل بين هذه بالقوة فتقاومت»، وبهذا النوع من العدل قيل: بالعدل قامت السموات والأرض [ص ١٤٢]. ثم يعود إلى الأصل: الهيئة الواحدة تسمّى فضيلة إذا نُسبت إلى صاحبها، وعدالة إذا نُسبت إلى من يعامله بها، وملكة نفسانية إذا اعتُبرت بذاتها [ص ١٤٣]. ولا ينظم كثرة قوى الإنسان إلا «الرئيس الواحد الموهوب له من الفطرة، أعني العقل الذي به تميّز من البهائم وهو خليفة الله عنده»؛ ويترتّب على العدل على النفس أن يعدل على أهله وعشيرته ثم في الأباعد وسائر الحيوان، «فخير الناس العادل وشرّهم الجائر» [ص ١٤٤].

ويختم المقالة بدعوى مخالفة: ادّعى قوم أن نظام أمر الموجودات معلّق بالمحبة، وأن الإنسان إنما اضطرّ إلى اقتناء هيئة العدالة «لما فاته شرف المحبة»، إذ لو كان المتعاملون أحبّاء لتناصفوا. ويقرّ لهم بموضع نظرهم: إنما نظروا إلى فضيلة التأحّد الحاصلة بين الكثرة، «ولعمري إنها أشرف غايات أهل المدينة»؛ ويجعل إيقاع المودّات بين أهل المدينة غرض مدبّرها في جميع تدابيره [ص ١٤٤–١٤٥]. لكنه يشترط شرطًا أخيرًا يردّ الأمر إلى ما بناه: هذا التأحّد «لا يتمّ إلا بالآراء الصحيحة التي يُرجى الاتفاق من العقول السليمة عليها، والاعتقادات القوية التي لا تحصل إلا بالديانات التي يُقصد بها وجه الله» [ص ١٤٥].

ملاحظة على حال النصّ

نصّ هذا القسم في النسخة المقروءة مضطرب في مواضع: تتكرّر عبارات بعينها مرّتين متتاليتين في الصفحات ٩٩ و١٠٠ و١٠٨ و١١٧ و١٢١ على وجه يقطع بأنه تكرار طباعي لا أسلوبي؛ واسم العَلَم اليوناني في فصل بقاء النفس لا يستقيم قراءةً («كما رمز في برنامس» / «ببرنامس») [ص ١٠٨، ١١٠]؛ وينتهي الكلام قبيل النقل عن «فضائل النفس» بعلامتَي استفهام مكان تمام العبارة [ص ٩٧]. وتسقط من الترقيم صفحات بين ٨٤ و٨٧ وبين ١١٥ و١١٧، وهي على الأرجح صفحات فواصل المقالات وعناوينها. وقد نُقلت هذه المواضع على ما هي عليه بلا ترميم.