Miskawayh · Tajārib al-Umam · A Reader's Companion

العصرُ العبّاسي

القسم الثاني

مسكويه الرازي (ت ٤٢١ هـ) · تحقيق أبو القاسم إمامي · سروش، طهران ١٩٨٧–٢٠٠١ م

من مطلع الدولة العبّاسية عند [٣/ ٣١١] — السفّاحُ وابنُ هبيرة، والمنصورُ ومقتلُ أبي مسلم، والرشيدُ والبرامكة، والمأمونُ والمعتصم، والمتوكِّلُ والزنج — إلى داخل خلافة الراضي سنة ٣٢٦.

ابدأ

حدود هذا القسم وما ثبت منها

الأرقام بين معقوفتين في هذه الصفحة كلّها من ترقيم المطبوع: رقم المجلّد ثمّ رقم الصفحة، لا الترقيم الداخلي لقاعدة البيانات. يقع هذا القسم في المجلّدات الثالث والرابع والخامس من «تجارب الأمم وتعاقب الهمم» لمسكويه الرازي. غير أنّ حدّ العصر العبّاسي في الكتاب ليس حدّ المجلّد: فهرس المجلّد الثالث ينقسم قسمين، أوّلهما «تتمّة تجارب العصر الأموي» وهو يستغرق نحو ثلاثمائة صفحة من أوّل المجلّد، وثانيهما عنوان مستقلّ نصّه «تجارب العصر العبّاسىّ» يبتدئ عند [٣/ ٣١١]. فالمادّة العبّاسية تبدأ إذًا في وسط المجلّد الثالث لا في أوّله. أمّا نهايتها فليست نهاية عصر: المجلّد الخامس ينقطع في وسط خلافة الراضي بالله، عند سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، بعبارة صريحة في آخر ورقة: «تمّت المجلّدة الخامسة من كتاب تجارب الأمم ويتلوها فى المجلّدة السادسة حكاية عن بجكم تدلّ على دهاء ونكر» [٥/ ٤٨٥]. ويلي ذلك في المتن نفسه اسم الناسخ وتاريخه: «فرغ من انتساخه محمّد بن علىّ أبو طاهر البلخي فى المحرّم سنة ستّ وخمسمائة». فالمدى الفعليّ لهذا القسم من [٣/ ٣١١] إلى [٥/ ٤٨٥]، ومن سنة اثنتين وثلاثين ومائة إلى سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، بامتداد أربع عشرة خلافة معنونة: السفّاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكّل، والمنتصر، والمستعين، والمعتزّ، والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد، والمكتفي، والمقتدر، والقاهر، والراضي.

مبتدأ الدولة: كيف يروي مسكويه انتقال الملك

يفتتح مسكويه العصر العبّاسي بترجمة البيعة إلى سبب، فيضع عنوانًا مستقلًّا: «ذكر الخبر عن خلافة أبى العباس وسببها» [٣/ ٣١٣]. والسبب عنده مركّب من طبقتين: طبقة توقّع دينيّ متوارث في البيت العبّاسي، حتّى صاروا يسمّون محمّد بن عليّ «أبا الأملاك»؛ وطبقة تقدير جغرافيّ ـ عسكريّ يضعه على لسان خالد بن يزيد حين خالف ابن الأشعث: «أمّا إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك بأس. إنّما كنّا نتخوّف لو كان من خراسان». هذه الجملة هي مفتاح الفصل كلّه، ومسكويه يوردها لا بوصفها طرفة بل بوصفها حكمًا صحّ.

ومن هذا الباب يروي مشورة عبد الحميد بن يحيى على مروان بن محمّد أن يصاهر إبراهيم بن محمّد بن عليّ: «فإن ظهر كنت أعلقت بينك وبينه سببا لا يريبك معه وإن كفيته لم يشنك صهره»، فيردّ مروان: «لو علمته صاحب ذاك سبقت إليه ولكن ليس بصاحبه» [٣/ ٣١٤]. الرأي سديد والرافض مخطئ، ومسكويه لا يعلّق؛ ترتيب الخبر وحده يحمل الحكم. وعلى المنوال نفسه يمضي في وصف كتمان أبي سلمة الخلّال أمر أبي العبّاس نحوًا من أربعين ليلة، وميله إلى تحويل الأمر إلى آل أبي طالب، حتّى كشفه أبو الجهم [٣/ ٣١٥]. ويخصّ هذا الخبر بعنوان: «أبو العباس يريد أن يجعلها شورى بين ولد علىّ والعباس»، ويصدّره بصيغة تعدّد الطرق: «وروى من عدّة وجوه» [٣/ ٣١٦]، ويسمّي ممّن كوتب جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين وعمر بن عليّ.

ابن هبيرة والنصائح المردودة

أوضح موضع في المجلّد الثالث تظهر فيه صنعة مسكويه هو الفصل الذي عنونه: «ذكر آراء أشير بها على ابن هبيرة فخالفها» [٣/ ٣٣٨]. العنوان نفسه أطروحة. يسوق رأيين: رأي حوثرة أن يمضي إلى الكوفة فيقاتل بجنده الكثير، ورأي يحيى بن حسن أن يلزم الفرات ويتجنّب واسطًا «فتصير فى حصار، فليس بعد الحصار إلّا القتل». ثمّ يعلّل الرفض تعليلًا نفسيًّا لا حربيًّا: «فأبى، لأنّه كان يخاف مروان». وينتهي الفصل إلى ما تنبّأ به الناصحان بالحرف: الحصار، ثمّ الأمان المكتوب الذي شاور فيه ابن هبيرة العلماء أربعين يومًا، ثمّ نقضه. ويورد اعتراض أبي مسلم على الأمان في صورة مثل: «إنّ الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، ولا والله، ما صلح ملك فيه ابن هبيرة» [٣/ ٣٣٩]. ويختم بمقتله ساجدًا وبمرثيتي أبي عطاء السنديّ ومنقذ بن عبد الرحمن الهلاليّ [٣/ ٣٤٢]. البنية هنا كاملة: مشورة، ورفض، وعلّة الرفض، ثمّ العاقبة.

المنصور وأبو مسلم: تشريح تصفية

يبدأ مسكويه خلافة المنصور من مشهد يقلب علاقة القوّة: أبو جعفر جزع من عبد الله بن عليّ، وأبو مسلم يطمئنه بأنّ جند عبد الله «أهل خراسان وهم لا يعصوننى» [٣/ ٣٤٩]. ثمّ ينقل حرب نصيبين نقلًا فنّيًّا دقيقًا: تعوير المياه وإلقاء الجيف فيها، وستّة أشهر من المصافّة، وجلوس أبي مسلم في عريش يرقب الميمنة والميسرة ويرسل بتصحيح الخلل [٣/ ٣٥٢–٣٥٣]، ثمّ خدعته بإعراء ميمنته ليستدرج أهل الشام إلى إعراء ميسرتهم فيحمل عليها. ويحفظ له كلمة تصلح شعارًا لكتاب في التجارب: «إنّ أهل الحجى لا يعطفون دوابّهم فى مثل هذه الحال» [٣/ ٣٥٢].

ثمّ يفصّل قتله في سلسلة متّصلة السبب. يورد كتاب أبي داود إلى أبي مسلم يأمره بألّا يخالف إمامه، فيزيده رعبًا [٣/ ٣٥٩]؛ ونصيحة نيزك الصريحة: «إذا دخلت عليه فاقتله، ثمّ بايع لمن شئت، فإنّ الناس لا يخالفونك» [٣/ ٣٦٠] — نصيحة أخرى مردودة، على منهاج ابن هبيرة؛ وعزم المنصور المصرَّح: «والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنّه». ثمّ يفرد للحيلة عنوانًا: «ذكر حيلة احتال بها أبو أيّوب المورياني على أبى مسلم حتّى ترك التحرّز» [٣/ ٣٦١]، ويشرح آليّة الحيلة خطوةً خطوة: إغراء سلمة بن سعيد بولاية كسكر ليحمل أبا مسلم على الاطمئنان، «وأردت أن يطمع ولا ينكر منه شيئا». الرواية هنا بضمير المتكلّم على لسان أبي أيّوب، ومعها تعليل صريح لتأجيل القتل ليلةً: «إن كان آمنا فعسى أن تناول ما تريد وإن قدم وهو حذر لم تقدر عليه» [٣/ ٣٦٠]. ثمّ استدعاء عثمان بن نهيك ووجومه ساعةً قبل أن يقول قولةً ضعيفة: «أقتله» [٣/ ٣٦٣]. لا إسناد في هذا كلّه بالمعنى المحدَّث؛ الصيغ الغالبة «فحكى»، و«قالوا»، و«فيقال»، و«روى من عدّة وجوه».

المهدي والهادي والرشيد: الوزارة، والاصطفاء، وشرط الإثبات

في خلافة المهدي يبني مسكويه فصلًا كاملًا على صعود رجل واحد، ويعنونه «ذكر السبب فى ذلك» [٣/ ٤٦١]: إطلاق يعقوب بن داود من سجن المنصور، ثمّ وشايته بهرب الحسن بن إبراهيم الحسنيّ، ثمّ تحوّله إلى مورد نصائح ليليّة في «أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزّاب وفكاك الأسارى»، حتّى سمّاه المهدي أخًا في الله وأخرج بذلك توقيعًا ثبت في الدواوين ووصله بمائة ألف [٣/ ٤٦٣]. ويلي ذلك خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، وفيه مشهد سياسيّ محكم: المهدي يبعث أبا هريرة محمّد بن فرّوخ في ألف رجل مع كلّ واحد منهم طبل، فيدخلون الكوفة في وجه الصبح ويضربون بها جميعًا، «فراع ذلك عيسى بن موسى روعا شديدا» [٣/ ٤٦٤]. الإكراه هنا يُصنع بالصوت لا بالسيف، ومسكويه يرويه بوصفه تدبيرًا.

وفي خلافة الرشيد يصرّح مسكويه بشرط الإثبات عنده مرّتين متقاربتين، وهما أصرح ما وقع في هذا القسم من كلامه عن كتابه. يقول في سنتَي إحدى واثنتين وسبعين ومائة: «ولم يجر فيهما ما يستفاد منه تجربة» [٣/ ٥٠٥]. ويقول في سنة أربع وسبعين ومائة: «ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يليق بهذا الكتاب إثباته» [٣/ ٥٠٦]. فالسنة تُطوى لا لخلوّها من الحوادث بل لخلوّها ممّا يُستفاد؛ والحوليّة عنده منخول لا مستوعِب. ومن هذا الباب أيضًا يحتفظ بخبر تقليد يحيى بن خالد الوزارة بنصّه: «قد قلّدتك أمر الرعيّة وأخرجته من عنقي إليك... واعزل من رأيت وأمض الأمور على ما ترى»، ودفعِ الخاتم إليه، مع ملاحظة أنّ الخيزران «هي الناظرة فى الأمور» وأنّ يحيى كان يعرض عليها [٣/ ٥٠٤]. ويجاور ذلك خبر اصطفاء تركة محمّد بن سليمان بالبصرة، ويفصّل آليّة الاصطفاء: رجل لكلّ صنف، حتّى وُجدت ثياب صباه في الكتّاب مرتّبةً على مقادير السنين، وستّون ألف ألف حُملت في السفن ثمّ فُرّقت صكاكًا على الندماء والمغنّين «لم يدخل بيت ماله منه درهم واحد» [٣/ ٥٠٥–٥٠٦].

نكبة البرامكة: نموذج تعدّد الأسباب

عند سنة سبع وثمانين ومائة يضع مسكويه عنوان السبب ثمّ يفعل شيئًا لافتًا: يرفض السبب الواحد. يقول: «كانت أسباب تغيّره لهم كثيرة» [٣/ ٥٢٩]، ثمّ يعدّد أربعة، كلّ واحد منها مصدَّر بـ«ومن ذلك» أو «وكان من أسباب ذلك أيضا». الأوّل إطلاق جعفر يحيى بن عبد الله بن حسن ثمّ كذبه على الرشيد، وينتهي بجملة يُبنى عليها ما بعدها: «فلمّا خرج أتبعه بصره حتّى كاد يتوارى عن عينه وقال: قتلني الله إن لم أقتلك» [٣/ ٥٣٠]. والثاني ماليّ: جارية بمائة ألف دينار، فيدبّر جعفر أن تُبدَّد قيمتها دراهم في ممرّ الرشيد ليستكثرها بعينه فيرجع عن السرف، فينقلب التدبير عليه — «وبحث عن الأموال، فوجد البرامكة قد استهلكوها فتغيّر لهم حتّى أوقع بهم» [٣/ ٥٣١]. والثالث حوار مرويّ عن إبراهيم بن المهدي في دار جعفر التي أنفق عليها عشرين ألف ألف، وفيه تحليل صريح لكيفيّة عمل الوشاية: «إنّ العدوّ إنّما يأتيه فى هذا من جهة أن يقول... وما ظنّك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك» [٣/ ٥٣١]. والرابع خبر العبّاسة بنت المهدي والزواج المشروط [٣/ ٥٣٢]. هذا التركيب — سبب نفسيّ، وسبب ماليّ، وسبب من آليّة البلاط، وسبب من الحرم — هو أدقّ ما في هذا القسم من تعليل، ومسكويه يقدّمه في صورة قائمة صريحة لا في صورة إيماء.

المأمون وما بعده: السبب البنيويّ يدخل الرواية

عند خروج ابن طباطبا بالكوفة سنة تسع وتسعين ومائة يفصل مسكويه بين مستويين من السبب فصلًا واعيًا. يقول تحت «ذكر السبب فى خروجه» إنّ السبب صرف طاهر بن الحسين وتولية الحسن بن سهل، «وذلك أنّ الناس بالعراق تحدّثوا بينهم أنّ الفضل بن سهل قد غلب على المأمون... وأنّه يبرم الأمور على هواه ويستبدّ بالرأى دونه»، فغضب بنو هاشم ووجوه الناس «وهاجت الفتن فى الأمصار» [٤/ ١١٤]. ثمّ يستدرك بسبب ثانٍ أصغر وأشدّ تعيينًا: «وكان سبب خروجه أنّ أبا السرايا كان من رجال هرثمة، فمطله بأرزاقه وأخّره بها». سببٌ عامّ في شرعيّة الحكم، وسببٌ خاصّ في رزق مؤخَّر. ويروي موت ابن طباطبا فجأةً غداة انتصاره، ويسند الاتّهام إلى الشائعة لا إلى نفسه: «فتحدّث الناس أنّ أبا السرايا سمّه»، ثمّ يعلّل الدافع بأنّ ابن طباطبا حظر عليه غنيمة عسكر زهير «فعلم أبو السرايا أنّه لا أمر له فسمّه» [٤/ ١١٥]. ويحفظ من هذه الفتنة كلمة هرثمة حين استُدعي بعد الامتناع: «تذكروننا عند البلاء» [٤/ ١١٦].

وفي خلافة المعتصم تبدأ الرواية تُظهر ثقل الجند. يفتتحها بشغب الناس وطلبهم العبّاس بن المأمون ومناداتهم إيّاه باسم الخلافة، فيحضره المعتصم ويبايعه ثمّ يخرج إلى الجند قائلًا: «ما هذا الخبّ البارد؟ قد بايعت عمّى وسلّمت الخلافة إليكم» [٤/ ١٧٥]. الخبر مختصر جدًّا بالقياس إلى ما مضى، وكذلك خبر الخرّميّة وقتل ستّين ألفًا منهم على يد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب [٤/ ١٧٦]. المجلّد الرابع في هذه المنطقة أقرب إلى تلخيص الحوليّة منه إلى التحليل.

من المتوكّل إلى المعتمد: العسكر يصنع الخليفة

بيعة المتوكّل عند مسكويه ليست بيعة أمّة بل مداولة خمسة رجال في دار: أحمد بن أبي دؤاد، وإيتاخ، ووصيف، ومحمّد بن عبد الملك، وأحمد بن خالد. عزموا على محمّد بن الواثق فألبسوه الدرّاعة فإذا هو قصير، فقال وصيف: «أما تتّقون الله تولّون مثل هذا الخلافة وهو لا تجوز معه الصلاة» [٤/ ٢٨٧]. ثمّ ذكر ابن أبي دؤاد جعفرًا فأُحضر وعُمّم وقُبّل بين عينيه. ويعقّب ذلك أنصع عنوان أخلاقيّ في القسم كلّه: «ذكر سوء نظر محمد بن عبد الملك فى العاقبة وتجهّمه للمتوكّل حتّى أهلكه» [٤/ ٢٨٨]. العنوان يقرّر الحكم قبل الخبر، والخبر بعده مسرود ليؤيّده: تجهّم ابن الزيّات بجعفر وهو محجوب، مقابل قيام أحمد بن أبي دؤاد له والتزامه إيّاه، ثمّ جزّ شعر قفاه على السواد الجديد بأمر الواثق [٤/ ٢٨٩]، ثمّ انقلاب الأمر بعد البيعة. ومسكويه يورد أثر المشهد بضمير المتكلّم عن المتوكّل: «ما دخلني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حيث أخذ شعري على السواد الجديد» [٤/ ٢٩٠]. الدرس المعقود هنا هو سوء النظر في العاقبة، وهو من صميم مفهوم «التجربة» في الكتاب.

وفي خلافة المهتدي ينقل نصّ وثيقة خلع المعتزّ نفسه بحروفها، بصيغة الشهادة والإقرار «فى صحّة من عقله وبدنه وجواز من أمره طائعا غير مكره»، بتاريخ ثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين [٤/ ٣٨٩–٣٩٠]. ثمّ يروي فتنة بغداد حين قدم بارجوخ بثلاثين ألف دينار لأرزاق الجند فضجّ الناس ووقع القتال في شارع دجلة وعلى الجسر «فقتل خلق وغرق خلق»، حتّى وُجّه مال رضوا به [٤/ ٣٩٠]. ثمّ فصل خزائن قبيحة أمّ المعتزّ، بروايةٍ عن الجوهريّ الذي دُلّ على السرب تحت الدار، ووجد ألف ألف دينار وثلاثة أسفاط جوهر قوّمها بألفي ألف؛ فقال صالح بن وصيف: «عرّضت ابنها للقتل فى خمسين ألف دينار وعندها مثل هذا فى خزانة واحدة من خزائنها» [٤/ ٣٩٢]. الجملة تلخّص الفصل، ومسكويه يجعلها خاتمته.

وخلافة المعتمد يفتتحها بحرب الزنج مباشرة، فيروي حصار جعلان ستّة أشهر ثمّ تبييت صاحب الزنج له وانصرافه إلى البصرة، ويختم بعبارة تقريريّة: «وظهر عجز السلطان» [٤/ ٤٢٣]. ثمّ إحراق الأبلّة واستسلام عبّادان ودخول الأهواز وأسر إبراهيم بن المدبّر [٤/ ٤٢٤]، وفي الصفحة نفسها وما بعدها ظهور عليّ بن زيد بالكوفة، وغلبة محمّد بن واصل على فارس، والحسن بن زيد على الريّ، ومسير يعقوب بن الليث إلى فارس [٤/ ٤٢٥]. الرواية هنا سريعة متلاحقة، لكن اختيار الترتيب — العجز أوّلًا ثمّ تفكّك الأطراف — يقول ما لا يقوله مسكويه بصريح العبارة.

المقتدر فما بعده: حيث تثخن الرواية

الموضع الذي ينقلب فيه الكتاب انقلابًا محسوسًا هو مبتدأ خلافة المقتدر [٥/ ٥١]. الحاشية هنا حاشية محقِّق لا كلام مسكويه، ويقول المحقِّق فيها إنّ هذا الموضع هو «ابتداء نشرة ايمدروز (Amedroz) من تجارب الأمم، مع العلم بأنّ المقتدر آخر خليفة جاء ذكره فى تاريخ الطبري». وهذه ملاحظة تفسّر الكثير: قبل هذا الحدّ تحفل حواشي المحقِّق بمقابلات دائمة على الطبريّ — «فى الطبري (١٠: ٢٣)»، «والطبري (١١: ٦٧٧)» — تكاد لا تخلو منها صفحة في المجلّد الثالث والرابع؛ وبعده تتحوّل الحواشي إلى مقابلة نسخ خطّية ومطبوعات (الأصل، ومط، ومد) لا إلى مصدر موازٍ. المتن بعد هذا الحدّ يصير أطول نفَسًا وأشدّ تفصيلًا في التدبير الإداريّ.

يظهر ذلك في مشاورة العبّاس بن الحسن الوزير في من يقلَّد الخلافة، وهي مشاورة على ثلاثة أيّام مع ثلاثة رجال يسمّيهم بكناهم وأنسابهم. رأي ابن الفرات هو الموضع الذي يبلغ فيه التحليل السياسيّ أقصاه في هذا القسم: «اتق الله ولا تنصب فى هذا الأمر من قد عرف دار هذا ونعمة هذا وبستان هذا وجارية هذا وضيعة هذا وفرس هذا، ومن لقى الناس ولقوه وعرف الأمور وتحنّك وحسب حساب نعم الناس» [٥/ ٥٢]. فلمّا قيل له إنّ جعفرًا صبيّ أجاب: «ولم لا تسلّم هذا الأمر إلى من يدعك تدبّره أنت» [٥/ ٥٣]. اختيار خليفة ابن ثلاث عشرة سنة يُعرض هنا بوصفه حسابًا واعيًا لمصلحة الكتّاب لا بوصفه غفلة. وفي الصفحة التالية يرد إسناد معاصر صريح: «وحكى القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشمي: أنّ القاضي أبا عمر محمّد بن يوسف حدّثه» [٥/ ٥٤]. الأسانيد في هذا القسم من نمط القضاة والكتّاب المعاصرين لا من نمط رواة الأخبار الأوائل.

صوت مسكويه ومَن يسمّيهم من المعاصرين

أهمّ ما يمكن تقريره عن هذا القسم أنّ صوت المؤلّف بضمير المتكلّم يظهر داخله، قبل الموضع المشهور الذي يعلن فيه مشاهداته في المجلّد السادس. عند سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، في خبر مقتل مرداويج بن زيار في الحمّام بإصبهان، يذكر أنّ محمّد بن ياقوت ادّعى أنّ التدبير كان له وأنشأ في ذلك كتبًا قُرئت في المسجد الجامع، ثمّ يردّ الدعوى بضمير الجماعة المتكلّمة: «وكلّ ذلك كذب فإنّا سمعنا من شرح الصورة ما اقتضاه الأمر من أوّله إلى آخره ما نعلم أنّه لم يكن من تدبير بشرىّ» [٥/ ٤٠١]. ويلي ذلك مباشرةً في المتن: «قال الأستاذ أبو علىّ أحمد بن محمّد مسكويه أدام الله نعمته: حدّثنى الأستاذ الرئيس حقّا أبو الفضل ابن العميد ﵀ أنّه لمّا حضرت ليلة الوقود التي تعرف بالسّذق...» [٥/ ٤٠١–٤٠٢].

هذا هو الموضع المشار إليه بـ[٥/ ٤٠٢]، وحقيقته أنّه سماع مباشر من ابن العميد وزير ركن الدولة، بصيغة «حدّثنى»، داخل المجلّد الخامس أي داخل هذا القسم. والخبر نفسه لا يقتصر على السرد: بعد وصف مبالغ في تجهيز ليلة السذق — الأحطاب من الجبال البعيدة، والنفّاطون والزرّاقات، والغربان والحدأ يُعلَّق بمناقرها الجوز المحشوّ نفطًا — يعلّل استصغار مرداويج لما صُنع تعليلًا عامًّا في طبيعة الإبصار: «لأنّ البصر إذا امتدّ فى فضاء واسع ثمّ انقلب عنه إلى هذه الأشياء المصنوعة استحقرها وإن كانت عظيمة» [٥/ ٤٠٢]. قاعدة كلّية تُستخرج من واقعة، وهذا هو الطراز الذي يميّز مسكويه الفيلسوف عن الإخباريّ. وفي [٥/ ٤٠٣] يمضي الخبر في حوار العميد مع مرداويج وهو ملتفّ بكسائه في الخركاه. ويسبق ذلك في [٥/ ٣٦٨] تعريف بوالد أبي الفضل: «أبو عبد الله الحسين بن محمّد الملقّب بالعميد- وهو والد أبى الفضل ابن العميد وزير ركن الدولة»، وهو تعريف يكشف أنّ صلة المؤلّف بهذا البيت حاضرة في ذهنه قبل أن يبلغ عصره.

وينبغي التنبيه على موضع يسهل أن يُنسب إلى مسكويه خطأً: في خبر قطع يد أبي عليّ ابن مقلة سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، الرواية بضمير المتكلّم كلّها، لكنّ صاحبها مسمّى في أوّلها: «قال ثابت: فلمّا كان فى آخر هذا اليوم استدعاني الراضي وأمرنى بالدخول إليه وعلاجه» [٥/ ٤٨٢]. فالمتكلّم طبيب يصف الورم وسرجين الدوابّ على موضع القطع ومعالجته إيّاه بالكافور والصندل وماء الورد، ثمّ يروي محاورته المريض في السجن ونَوْحَه على يده: «قد خدمت بها الخلافة ثلاث دفعات لثلاثة من الخلفاء وكتبت بها القرآن دفعتين» [٥/ ٤٨٣]. ومنه أيضًا الملاحظة الطريفة أنّ ابن مقلة كان بعد القطع يشدّ القلم على ساعده الأيمن ويكتب به. ثمّ قُطع لسانه ومات في الحبس [٥/ ٤٨٤].

في المتن والحاشية، وفي ما يثخن وما يرقّ

الفصل بين المتن والحاشية في هذا القسم واضح لا يلتبس. الحواشي كلّها من المحقِّق، وهي على نوعين: مقابلة على مخطوطات ومطبوعات يرمز إليها بـ«آ» و«مط» و«مد»، وضبط لغويّ أو جغرافيّ موجز مثل تفسير «الخرثىّ» بأنّه أردأ المتاع، و«الجمّة» بمجتمع شعر الرأس، وتعريف «شاهي» بأنّه موضع قرب القادسيّة نقلًا عن «مراصد الاطّلاع» [٣/ ٥٠٥]، [٣/ ٥٠٣]، [٤/ ١١٥]. ولا يوجد في الحواشي حكم تاريخيّ يمكن أن يُنسب إلى مسكويه. وتوجد صفحات كاملة بلا حاشية أصلًا، منها [٣/ ٣٣٨] و[٣/ ٣١٥] و[٤/ ٢٨٩–٢٩٠] و[٥/ ٣٢٨]. وفي آخر المجلّد حاشية للمحقِّق تنبّه على أنّ نشرة أيمدروز ألحقت ثماني وعشرين صفحة من الجزء السادس من مخطوطة أيا صوفيا بهذا الجزء الخامس [٥/ ٤٨٥]، وهي ملاحظة في تاريخ النشر لا في تاريخ الدولة.

أمّا ثِخَن الرواية فيتدرّج تدرّجًا يمكن قياسه بالصفحات. خلافة الرشيد كلّها، على طولها في التاريخ، تستغرق من [٣/ ٥٠٣] إلى أوائل المجلّد الرابع، ويطوي المؤلّف منها سنين بجملة واحدة لأنّها لا تفيد تجربة. وخلافة المقتدر وحدها تستغرق من [٥/ ٥١] إلى [٥/ ٣٢٦]، أي نحوًا من مائتين وخمس وسبعين صفحة مطبوعة، وهي أطول من العصر العبّاسيّ الأوّل كلّه من السفّاح إلى الرشيد. وخلافة القاهر على قصرها — سنتان — تستغرق من [٥/ ٣٢٧] إلى [٥/ ٤٨٠]، وفيها من التفصيل ما لا نظير له فيما قبل: مداولة مونس ساعة قتل المقتدر، ومعارضة أبي يعقوب النوبختي لرأيه، والأيمان المتبادلة قبل البيعة، والمفاضلة بين عليّ بن عيسى وابن مقلة للوزارة بحجّة أنّ «الحال الحاضرة لا تحتمل أخلاق علىّ بن عيسى» [٥/ ٣٢٨]، ثمّ تعذيب القاهر والدةَ المقتدر وهي في علّة عظيمة حتّى «علّقها بفرد رجل»، وقولها: «لو كانت عندي مال لما سلّمت ولدي للقتل» [٥/ ٣٢٩]. وحين يصل إلى الراضي تصير الرواية شبه يوميّة، تُذكر فيها أيّام الأسبوع وأعداد الخلع: خلعة أولى لبجكم، ثمّ ثانية، ثمّ ثالثة عُقد له معها لواء وجُعل أمير الأمراء يوم الخميس لثمان بقين من ذي القعدة، «فكان مدّة إمارة ابن رائق سنة واحدة وعشرة أشهر وكسر» [٥/ ٤٨٥]. الدقّة في الأيّام والمدد علامة القرب، وهي أوضح دليل داخليّ على أنّ المؤلّف قد اقترب من زمانه ومن مخبريه.

ولم يقع في ما اطُّلع عليه من هذا القسم إسناد على طريقة المحدّثين بسلسلة متّصلة؛ الصيغ الغالبة في المجلّدين الثالث والرابع «فحكى» و«قالوا» و«فيقال» و«روى من عدّة وجوه» و«على ما بلغنا»، من غير تسمية شيوخ. أمّا في المجلّد الخامس فتظهر التسمية الصريحة للمعاصرين: القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشمي عن القاضي أبي عمر محمّد بن يوسف [٥/ ٥٤]، وثابت الطبيب [٥/ ٤٨٢]، وأبو الفضل ابن العميد بصيغة «حدّثنى» [٥/ ٤٠٢].