حدود هذا القسم
يغطّي هذا القسم المجلّدين السادس والسابع من طبعة «تجارب الأمم وتعاقب الهمم»، أي من [٦/ ١] إلى [٧/ ٥٢٨]. ويبدأ المجلّد السادس في وسط أحداث خلافة الراضي بالله، ثمّ يمضي في خلافة المتّقي والمستكفي والمطيع والطائع، وينتهي متنُ مسكويه نفسه عند [٦/ ٤٦٧] بعبارة صريحة يثبتها المتن: «وهذا آخر ما عمله الأستاذ أبو على أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه رضى الله عنه»، وآخر خبر فيه مسير عضد الدولة إلى الجبل وافتتاحه قلعة سرماج، ثمّ إصابته بعلّة «شبيها بالصرع» ومرض في الدماغ «يعرف بليترغس وهو النسيان». وما بعد ذلك ليس من تصنيفه: المجلّد السابع كلّه ذيلٌ وملحقٌ لرجلين آخرين، على ما سيأتي تفصيله في آخر هذا القسم. أمّا الحدّ الداخليّ الأهمّ في هذا الجزء فحدٌّ صرّح به مسكويه بنفسه: عنوانٌ في سنة أربعين وثلاثمائة نصّه «ابتداء ذكر مشاهدات مسكويه صاحب هذا الكتاب وما يجرى مجرى مشاهداته» [٦/ ١٧٠]. وقد ثبت لي — من قراءة ما قبله وما بعده — أنّ هذا الحدّ صحيح في جملته لا في تفصيله، وسيأتي بيان ذلك.
من إمارة الأمراء إلى دخول بني بويه
يفتتح المجلّد السادس على عالمٍ عسكريّ محض: بجكم يدبّر ويحتال، ثمّ يُقتل سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ويتعاقب على بغداد ابن رائق وناصر الدولة وسيف الدولة وتوزون، والخلافة اسمٌ يُخطب به. ومسكويه في هذه الصفحات ناقلٌ مرتّب، يبني على أخبارٍ لم يشهدها، ويعنون فصولها بعناوين تُظهر غرضه من التصنيف: «ذكر حيلة تمّت عليهم»، «ذكر إضاعة حزم»، «ذكر تدبير صواب». ومن أوسع ما أورده في هذا الطور خبرُ «الروسيّة» الذين خرجوا سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة فملكوا برذعة وسبَوا أهلها، ووصفهم بأنّهم «أمة عظيمة لهم خلق عظام ولهم بأس شديد لا يعرفون الهزيمة»، ثمّ ساق مفاوضة النصرانيّ ابن سمعون على أن يفتدي كلُّ رجلٍ نفسَه بعشرين درهمًا، ورفضَ أكثر أهل البلد ذلك خشية أن يُلحقهم بالنصارى في أداء الجزية، فوضعت الروسيّة فيهم السيوف [٦/ ٩٤–٩٦]. وفي هذا الموضع بالذات ينكسر وصفُ «الناقل»: يقول «فحدثني أبو العبّاس ابن ندار وجماعة من المحصّلين» [٦/ ٩٥]. فهو يسمّي مخبريه بأعيانهم قبل سنة أربعين بثمانٍ.
ثمّ تأتي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وهي المفصل السياسيّ للقسم كلّه. مات توزون في المحرّم، «فكانت مدة إمارته سنتين وأربعة أشهر وسبعة عشر يوما ومدة كتابة ابن شيرزاد له سنتان وستة عشر يوما» [٦/ ١١١] — وهذا ضبطٌ للمُدَد بالأيّام لا يصنعه إلّا من كان قريبًا من دواوين الحساب. وتولّى ابن شيرزاد فزاد الأتراك والديلم في أرزاقهم، «فاشتدّت الإضاقة»، وأخذ في المصادرات وقسّط على الكتّاب والعمّال والتجّار مالًا لأرزاق الجند [٦/ ١١٢]. ويذكر مسكويه رجلين من السُّعاة «يعرفان بهاروت وماروت» كانا يصلان إلى ابن شيرزاد في الأسحار ويغمزان بمن عنده قوتٌ من حنطة، حتى تهارب التجّار من بغداد [٦/ ١١٣]. ثمّ ورد الخبر بتحرّك أحمد بن بويه من الأهواز، فاستتر ابن شيرزاد واستتر المستكفي بالله، ودخل الأمير أبو الحسين في جمادى الآخرة، ووقف بين يدي الخليفة، وأُخذت عليه البيعة بأغلظ الأيمان، ثمّ «لبس الأمير الخلع وكنّى ولقّب بمعز الدولة ولقّب أخوه أبو الحسن على بن بويه بعماد الدولة وأخوه أبو على الحسن بن بويه بركن الدولة وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم» [٦/ ١١٥]. ويختم المشهد بجملةٍ لا تصدر عن ناقلٍ بعيد: «ونزل الديلم والجيل والأتراك دور الناس فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة وصار رسما عليهم إلى اليوم» [٦/ ١١٥]. عبارة «إلى اليوم» تنتمي إلى زمن المؤلّف لا إلى زمن الخبر.
المجاعة، ثمّ تشريح انهيار الخراج
من أقسى صفحات المجلّد وصفُ الغلاء في خلافة المطيع: «أكل الناس الموتى والحشيش والميتة والجيف»، وكانت الدابّة إذا راثت اجتمع على الروث جماعة يفتّشونه ويلقطون ما فيه من شعير، وكانت الدور والعقارات تُباع برغفان «ويأخذ الدلال بحق دلالته بعض ذلك الخبز»، ووُجدت امرأة هاشميّة سرقت صبيًّا فشوته حيًّا في تنّور [٦/ ١٢٧–١٢٨].
ثمّ ينتقل من الوصف إلى التحليل، في أطول فصلٍ إداريّ في المجلّد كلّه: «ذكر ما انتهى إليه هذا التدبير من سوء العاقبة وخراب البلاد وفساد العساكر وسوء النظام» [٦/ ١٢٩]. وخلاصته أنّ معزّ الدولة اضطُرّ — بعد شغب الديلم — إلى إقطاع قوّاده وخواصّه وأتراكه «ضباع السلطان وضياع المستترين وضياع ابن شيرزاد وحقّ بيت المال في ضياع الرعية»، فصار أكثر السواد مغلقًا، وزالت أيدي العمّال عنه، «واستغنى عن أكثر الدواوين فبطلت وبطلت أزمّتها وجمعت الأعمال كلّها فى ديوان واحد» [٦/ ١٢٩]. ثمّ يفصّل الآليّة: أُقطعت الأرض وقت الغلاء المفرط، فلمّا رخصت الأسعار تمسّك الرابحون بإقطاعاتهم، وردّ الخاسرون إقطاعاتهم فعُوّضوا، «حتى صار الرسم جاريا بأن يخرب الجند إقطاعاتهم ثمّ يردّوها ويعتاضوا عنها من حيث يختارون» [٦/ ١٣٠]. ونتيجة ذلك عنده: «فبطلت العمارات وأغلقت الدواوين وأمحى أثر الكتابة والعمالة ومات من كان يحسنها ونشأ قوم لا يعرفونها» [٦/ ١٣٠]. وهذه معرفةٌ بالعِبَر والمقاطعات والضمناء وحسبانات النفقات لا تُلتقط من كتاب؛ ولا يكتب مثلَها إلّا من عرف الدواوين من داخلها. ويُكمل الصورة بأنّ معزّ الدولة «ركب الهوى فى أمور غلمانه فتوسّع فى إقطاعاتهم... حتى حصل عليه عجز لم يكن واقفا على حدّ منه» [٦/ ١٣٢].
المهلّبي: كيف يُصلَح ارتفاعُ ناحية
سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة استكتب معزّ الدولة أبا محمد المهلّبي، ويعلّل مسكويه الاختيار تعليلًا إداريًّا: وجده «جامعا لادوات الرياسة»، وقد خلف الصيمريّ على الوزارة «فعرف غوامض الأمور وأسرار المملكة وكان الباقون لا يعرفون ذلك» [٦/ ١٥٧]. ثمّ يفرد فصلًا لآثاره في البصرة، وهو من أدقّ ما في الكتاب من التفصيل الماليّ: كان البريديّون قد ألزموا ملّاك أراضي العشر عشرين درهمًا عن كلّ جريب من الحنطة والشعير بسبب غلاء الأسعار — وقد بلغ الكرُّ بالمعدّل من الحنطة مئتي دينار — ثمّ أُلزم من زرع تحت النخل أربعين درهمًا عن الجريب، فتهارب الناس «فزاد ذلك على من بقي» [٦/ ١٥٩–١٦٠]. فردّهم المهلّبي إلى رسمهم القديم في أخذ العشر حبًّا بعينه «من غير ترييع ولا تسعير»، وأشار على أرباب العشر أن يبتاعوا فضل ما بين المعاملتين بثمنٍ يُعجَّل لمعزّ الدولة، «فتقرر الأمر بينهم على ألفى ألف درهم ومائتي ألف درهم»، ثمّ حطّ عن الضعفاء مئتي ألف درهم، وأُشهد على المطيع لله بالبيع وسُجّل بالابتياع [٦/ ١٦٠]. والنتيجة عنده: «فعمر الناس وتضاعف الارتفاع للسلطان». هذا مستوى من المعرفة بالعقود والوثائق والأرقام لا يبلغه مؤرّخٌ بعيد.
«ابتداء ذكر مشاهدات مسكويه»
عند دخول سنة أربعين وثلاثمائة يتوقّف السرد ويضع مسكويه عنوانًا وإعلانًا. والنصّ في المتن: «قال الأستاذ أبو علىّ أحمد بن محمد مسكويه صاحب هذا الكتاب: أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة فهو عن مشاهدة وعيان أو خبر محصّل يجرى عندي خبره مجرى ما عاينته» [٦/ ١٧٠]. ثمّ يسمّي مصدرَيه: الأستاذ الرئيس أبو الفضل بن العميد «خبّرنى عن هذه الواقعة وغيرها بما دبّره وما اتّفق له فيها، فلم يكن أخباره لى دون مشاهدتى فى الثقة به»، وأبو محمد المهلّبي «خبّرنى بأكثر ما جرى فى أيامه وذلك بطول الصحبة وكثرة المجالسة»، ويضيف: «وحدّثنى كثير من المشايخ فى عصرهما بما يستفاد منه تجربة... وما شاهدته وجرّبته بنفسي فسأحكيه أيضا» [٦/ ١٧٠]. ويصدُق عن هذا الإعلان مباشرةً، فيستهلّ الخبر التالي بقوله: «فحدّثنى الأستاذ الرئيس أبو الفضل ابن العميد رضى الله عنه عن هذه الوقعة» [٦/ ١٧١]، ثمّ بعد صفحتين: «فسمعت أبا الفضل ابن العميد رحمه الله يقول: إنّى قلت للأمير ركن الدولة: هؤلاء أعداؤنا وقد كاشفونا فكيف نسير بهم إلى أعدائنا؟» [٦/ ١٧٣].
فهذا الحدّ معلَنٌ ومُشتغَلٌ به. غير أنّه ليس قاطعًا كما يوحي عنوانه: خبرُ برذعة الذي أسنده إلى ابن ندار سابقٌ عليه بثماني سنين [٦/ ٩٥]، وفي المجلّد الخامس روايةٌ عن الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد عن ليلة الوقود المعروفة بالسّذق في أيّام مرداويج [٥/ ٤٠٢]. فالانتقال تدريجيّ في الواقع: مسكويه يستعمل مخبريه المعاصرين قبل سنة أربعين، ثمّ يجعل ذلك — عند سنة أربعين — قاعدةَ الكتاب المعلنة لا استثناءً فيه. وأصرحُ ما وجدتُه من شهادةٍ مباشرةٍ بضمير المتكلّم يقع بعد ذلك بخمس عشرة سنة، لا في سنة أربعين نفسها.
الرَّيّ سنة ٣٥٥: «وكنت مع القوم»
في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ورد غزاةٌ من خراسان إلى الرَّيّ، ومعهم فقهاء خراسان وشيوخها «مثل المعروف بالقفّال وغيره»، فتبيّن الأستاذ الرئيس خبث سرائرهم [٦/ ٢٦١]. وتطوّر الأمر إلى قتالٍ في شهر رمضان، فبرز ابن العميد للقتال وبين يديه حاجبه روين، فطُعن روين بحربةٍ دخلت في كمّ درعه، وانكسر الأستاذ الرئيس وثبت وحده حتى أخذ السلّار بلجامه وردّه، «وسمعته يقول: عصّبها بى وأنت بريء من عارها» [٦/ ٢٦٢]. ثمّ نُهبت دار ابن العميد وخزائنه، «وكان إلىّ خزانة كتبه فسلمت من بين خزائنه ولم يتعرض لها» [٦/ ٢٦٢]. وهنا يظهر مسكويه في الحدث بصفته الوظيفيّة: خازنُ كتب الوزير. فلمّا انصرف ابن العميد ليلًا إلى منزلٍ خالٍ «لم يجد فيه ما يجلس عليه ولا كوزا واحدا يشرب فيه ماء»، واشتغل قلبه بدفاتره «وكانت كثيرة فيها كلّ علم... يحمل على مائة وقر وزيادة. فلمّا رآني سألنى عنها فقلت: هي بحالها لم تمسّها يد. فسرّى عنه وقال: أشهد أنّك ميمون النقيبة» [٦/ ٢٦٢–٢٦٣].
وفي اليوم التالي، وقد هجم الخراسانيّة من كلّ وجه على دار الإمارة، ازدحمت البغال بصناديق الخزائن حتى لم يجد ركن الدولة مخلصًا، فوُضعت الدبابيس وكُسرت عدّة صناديق وبغال، «فخلصوا إلى الطريق وكنت مع القوم» [٦/ ٢٦٤]. ثمّ: «حتى ردّوهم إلى الصحراء... بعد أن أشرفنا على ذهاب النفس وزوال الدولة» [٦/ ٢٦٤]. وهذه أوضح شهادةِ حضورٍ في الكتاب. ويقول المحقِّق في حاشية الصفحة نفسها إنّ هذه العبارة «من سيرة مسكويه الذاتية» [حاشية ٦/ ٢٦٤] — وهو حكم المحقِّق لا نصّ المؤلّف.
آذربيجان: الأرقام، ثمّ مثَل المغازل
بعد ذلك أُخرج الأستاذ الرئيس مددًا لإبراهيم السلّار حتى فتح بلاد آذربيجان [٦/ ٢٦٧]. فنظر ابن العميد في الناحية نظرَ محاسب: «رأى زكاء أرضها وكثرة ريعها وسعة مياهها واحتمالها للعمارة وحسب ما يرجى من ارتفاعها فوجده مالا عظيما مثل ارتفاع ممالك ركن الدولة أو قريبا منه»، ووجد ما تحصّل لإبراهيم منه «شيئا نزرا قليلا جدا» لسوء تدبيره واشتغاله باللعب والنساء [٦/ ٢٦٧]. فكتب إلى ركن الدولة يشير عليه أن يدبّر الناحية لنفسه ليُرفع له منها خمسون ألف ألف درهم، ويعوّض إبراهيمَ من ارتفاع الريّ أو أصبهان أو همذان، وكان الصافي المرجوّ بعد إقطاعات الديلم والأكراد وما يضيع بالإهمال «من ألفى ألف درهم» [٦/ ٢٦٨]. فأبى ركن الدولة وقال: «يتحدّث الناس أنّى افتتحت البلاد لرجل لجأ إلىّ ثم طمعت فيه!» [٦/ ٢٦٨].
ويعقب ذلك مباشرةً فصلٌ عنوانه «كلام لابن العميد قاله لمسكويه صاحب هذا الكتاب»، وفيه: «فأذكر يوما كنت جالسا فيه بين يدي الأستاذ الرئيس وهو يحدّثنى بالشدّة التي قاساها هو وعسكره فى سفرته» [٦/ ٢٦٨]. ثمّ ضرب له مثَل صانع الإبريسم الذي يعلّق المغازل بالصنّارات: يتعب حتى ينصب الآلة، ثمّ يكفيه أن يتتبّع أذناب المغازل بالفتل؛ «فإذا فارقنا الموضع ابتدأت القوة التي فى الدوران تضعف... ثم تبتدئ فى الانتكاث وتنقلب راجعة بعكس ما كانت تدور» [٦/ ٢٦٩]. ويعلّق مسكويه: «فكأنّ هذا المثل كان وحيا فإنّه ما أخطأ شيئا من صورة إبراهيم بعد خروجنا» [٦/ ٢٦٩]. والضمير في «خروجنا» ضميرُ من كان في الحملة.
سبع سنين من الملازمة: سيرة ابن العميد
توفّي الأستاذ الرئيس بهمذان في صفر سنة ستّين وثلاثمائة [٦/ ٣١٤]، فأفرد له مسكويه فصلًا طويلًا هو أوضح موضعٍ في الكتاب يتكلّم فيه بصفته صاحبًا لا مؤرّخًا. يقول: «ولم أر أحدا قطّ زادت مشاهدته على الخبر عنه غيره» [٦/ ٣١٤]، ثمّ يعنون: «ما شاهدته أنا من ابن العميد من مقدرته العجيبة على الحفظ»، ويحدّد مدّة الصحبة: «وكانت سبع سنين لازمته فيها ليلا ونهارا» [٦/ ٣١٥]. ويروي حوارًا: «حتى سألته يوما وقلت: أيّها الأستاذ كيف تفرغ زمانك لحفظ شعر هذا الرجل. فقال: وكأنّك تظنّ أنّى أتكلّف حفظ مثل هذا. إنّما ينحفظ لى إذا مرّ بسمعي مرّة» [٦/ ٣١٥]. ويقرّ على نفسه بالعجز في مقابله: «فإنّى كنت أنشده لنفسي الأبيات التي تبلغ عدتها ثلاثين وأربعين... فلا أقوم بإعادة ثلاثة أبيات منتظمة على نسق حتى يذكّرنيها» [٦/ ٣١٦]. ويذكر مشهدًا حضره: «وقد رأيت بحضرته أبا الحسن العامري... وعنده أنّه فيلسوف تامّ وقد شرح كتب أرسطاطاليس وشاخ فيها. فلمّا اطّلع على علوم الأستاذ الرئيس... برك بين يديه واستأنف القراءة عليه» [٦/ ٣١٧]. ويقول في هيبته: «وقد شاهدت من ذلك مواقف كثيرة لو شرحتها لأطلت هذا الفصل» [٦/ ٣٢١]. ويختم الفصل بقسمٍ يدفع به تهمة المحاباة: «ولعلّ من يطّلع على هذا الفصل من كتابنا ممن لم يشاهده يظن أنّا أعرناه شهادة... لا والذي أنطقنا بالحقّ» [٦/ ٣٢٣].
والفصل نفسه ليس مديحًا خالصًا؛ ففيه حكمٌ صريح على ركن الدولة: كان «على طريقة الجند المتغلبين يتغنّم ما يتعجل له ولا يرى النظر فى عواقب أمره»، وكان مضطرًّا إلى مسامحة الديلم «لأنّه لم يكن من أهل بيت الملك» [٦/ ٣١٩–٣٢٠]. ويصف ما كان عليه وزراءُ ما قبل ابن العميد: يهربون من الجند ويتواعدون ليلًا إلى مواضع غامضة، «وربما خرجوا إلى الصحراء ويجتمعون على ظهور دوابّهم» ليدبّروا نفقة يومٍ واحد [٦/ ٣٢١]. وينقل عن ركن الدولة نادرةً في تسامحه مع عيث الأكراد: قيل له إنّهم أخذوا ستّة بغالٍ له، فسأل عن عدد الأكراد فقيل سبعة، فقال: «سيقع بينهم الخلاف. كان يجب أن تكون البغال سبعة بعددهم» [٦/ ٣٢٢].
بوار بغداد وخلع المطيع
سنة إحدى وستّين وثلاثمائة وردت الأخبار بغزو الروم نصيبين، فاستنفر أهلُ الأطراف الناسَ في المساجد، ثمّ قصدوا دار المطيع لله وحاولوا الهجوم عليها وقلعوا بعض شبابيكها «فأسمعوه ما كره ونسبوه إلى العجز عمّا أوجب الله على الائمة» [٦/ ٣٤٦]. وبختيار يومئذ بالكوفة «مظهرا زيارة المشهد وغرضه التصيّد» [٦/ ٣٤٦]. ثمّ ركب سبكتكين ببغداد واستنفر العامّة فثار منهم عددٌ كثير بالسلاح، «ولم يوفق لتربيتهم وضمهم إلى رئيس يقوم بهم بل جعلهم كالعدة لنفسه فصاروا وبالا عظيما... حتى صار ذلك سببا لخراب بغداد» [٦/ ٣٤٧]. وقُتل صاحبُ شرطة بختيار المسمّى خمار «قتلة الكلاب خفقا بالسيوف واللتوت»، ثمّ سُلّمت جثّته إلى العامّة ففصّلوه إربًا [٦/ ٣٤٨]. ويسجّل مسكويه أنّ سبكتكين «تعصّب للطائفة المنتسبة إلى السنّة على الشيعة فثار أهل التشيع وعادت الحروب والفتن كأعظم ما كانت» [٦/ ٣٤٨]. أمّا بختيار فيصفه بأنّه «كان لا ينظر فى دخل ولا خرج وإنّما يلزم وزيره تمشية الأمور»، ويحبّ أن تُقضى أوقاته «فى الصيد والأكل والشرب والسماع واللهو واللعب بالنرد وتحريش الكلاب والديكة والقباج» [٦/ ٣٤٩].
وينقل جوابَ المطيع لله حين طُولب بمالٍ للغزو، وهو من أصرح النصوص في الكتاب عن موضع الخلافة: «الغزو يلزمني إذا كانت الدنيا فى يدي والىّ تدبير الأموال والرجال. وأمّا الآن وليس لى منها إلّا القوت القاصر عن كفايتي وهي فى أيديكم وأيدى أصحاب الأطراف... وإنّما لكم منّى هذا الاسم الذي يخطب به على منابركم» [٦/ ٣٤٩–٣٥٠]. ثمّ خُلع المطيع سنة ثلاث وستّين بعد فالجٍ ثقّل لسانه، وسلّم الأمر إلى ابنه الطائع [٦/ ٣٧٣]. واحترق الكرخ حريقًا ثانيًا، «وصارت العصبية بين هذين الصنفين فى أمر الدين والدنيا بعد أن كانت فى أمر الدين خاصة، وذلك أنّ الشيعة ثاروا بشعار بختيار والديلم وأهل السنة ثاروا بشعار سبكتكين والأتراك» [٦/ ٣٧٤].
عضد الدولة: من قصر الجصّ إلى عمارة بغداد
سنة خمس وستّين اجتمع ركن الدولة وأولاده بأصبهان بسعي أبي الفتح بن العميد، فترجّل عضد الدولة لأبيه وقبّل الأرض مرارًا، وعقد له ركن الدولة ولاية العهد على مماليكه، وكان فيما خُلع على الخواصّ «ألف قباء وألف كساء» [٦/ ٤١٠]. ثمّ تحرّك عضد الدولة نحو العراق سنة ستٍّ وستّين. وفي شوّال سنة سبع وستّين كانت وقعة قصر الجصّ، فانهزم بختيار وظفر به غلامٌ تركيّ، وأُحضر بين يدي ابن عمّه؛ «فلم تطب نفس عضد الدولة به ولحقته دهشة وأراد استبقاءه فألحّ عليه أبو الوفاء» حتى قال: «أنتم أعلم»، ورفع يده إلى عينه يمسحها من الدموع، فبادر أبو القاسم سعد الحاجب فاحتزّ رأسه [٦/ ٤٣٠]. وقبل ذلك بأيّام قُتل ابن بقيّة: طُرح بباب حرب للفِيَلة وأُضريت عليه «فقتلته شر قتلة»، وصُلب على شاطئ دجلة في رأس الجسر يوم الجمعة لستٍّ خلون من شوّال [٦/ ٤٢٩]. ويسجّل أنّ الطائع لله خرج مع عضد الدولة «لمشاهدة الحرب»، وأنّ بروز عضد الدولة كان يوم الاثنين لليلتين خلتا من شوّال وبروز الخليفة يوم الخميس لخمسٍ خلون منه [٦/ ٤٣٢].
ثمّ يأتي فصل العمارة سنة تسع وستّين وثلاثمائة، وهو أطول تقريرٍ مدنيّ في الكتاب: بدأ بالمساجد الجامعة «وكانت أيضا فى نهاية الخراب» فأنفق عليها وأدرّ أرزاق قوّامها ومؤذّنيها وأئمّتها [٦/ ٤٥٣]؛ وألزم أرباب العقارات المحترقة أن يعيدوها، «فمن قصرت يده عن ذلك اقترض من بيت ماله ليرتجع منه عند الميسرة» [٦/ ٤٥٣]؛ ورفع «سنّة الإخراب وبيع الأنقاض» التي سنّها بختيار حين نقض دار أبي الفضل العبّاس بن الحسين وبستانها الذي كان نحو سبعة أجربة [٦/ ٤٥٤–٤٥٥]؛ وأمر بحفر الأنهار التي «اندفنت مجاريها وعفت رسومها ونشأ قرن بعد قرن من الناس لا يعرفونها» فيسمّي منها نهر العبارة ونهر البزّازين ونهر القلّايين وغيرها [٦/ ٤٥٥]؛ ووسّع جسر بغداد بسفنٍ كبار «وحصّن بالدرابزينات» [٦/ ٤٥٦]؛ و«أخّر افتتاح الخراج الى النيروز المعتضدي وكان يؤخذ سلفا قبل إدراك الغلّات»، ورفع الجباية عن قوافل الحجيج [٦/ ٤٥٦]. وبُسطت رسومٌ للفقهاء والمفسّرين والمتكلّمين والمحدّثين والنسّابين والشعراء والنحويّين والعروضيّين والأطبّاء والمنجّمين والحسّاب والمهندسين، «وأفرد فى دار عضد الدولة لأهل الخصوص والحكماء من الفلاسفة موضع يقرب من مجلسه... فكانوا يجتمعون فيها للمفاوضة آمنين من السفهاء ورعاع العامة» [٦/ ٤٥٧].
ويكشف مسكويه هنا عن موقعه من الحدث وعن غرضه معًا: «وكنّا بعرض الزيادة من هذه البركات إلى أن أتى أمر الله الذي لا يدفع. وإنّما شرحناها لينظر فيها من يأتى بعدنا ويقرأها الملوك أو تقرأ بين أيديهم فيعملون بمثل ذلك» [٦/ ٤٥٨]. ثمّ يستدرك استدراكًا يمنع الفصل من أن يكون مديحًا: «فلولا خلال كانت فى عضد الدولة يسيرة لا أستحسن ذكرها مع كثرة فضائله، لبلغ من الدنيا مناه» [٦/ ٤٥٨].
أين ينتهي مسكويه، ولمن الذيل
ينتهي متن مسكويه عند [٦/ ٤٦٧] في أحداث سنة تسع وستّين وثلاثمائة، بمسير عضد الدولة إلى الجبل، وافتتاح قلعة سرماج، ولحاق العلّة به. ويلي ذلك في المتن عبارة الختم المذكورة في صدر هذا القسم، ثمّ قيودُ نسخٍ ليست من كلام مسكويه: «فرغ من انتساخه محمد بن علىّ بن محمد أبو طاهر البلخي فى منتصف شهر ربيع الأول سنة ستّ وخمسمائة، نقله وقابله علىّ بن حنظلة سنة عشرين وخمسمائة» [٦/ ٤٦٧]. فهذه قيود نسّاخ لا كلام مؤلّف.
والمجلّد السابع كلّه لغيره، وهو قسمان. الأوّل: «ذيل كتاب تجارب الأمم للوزير أبى شجاع محمد بن الحسين الملقّب ظهير الدين الروذراورى (حوادث سنة ٣٦٩ إلى ٣٨٩ هجرية)» [٧/ ٥]. وصاحب الذيل يصرّح بغرضه في مقدّمته: «وإنّنى تأمّلت كتاب تجارب الأمم وعواقب الهمم، الذي صنّفه أبو على أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، فوجدت فوائده غزيرة... فدعاني وقوف همّتى عليه إلى اقتفاء أثره» [٧/ ١١–١٢]، ويحدّد نقطة الوصل: «وأوّل ما أبدأ به الآن فى كتابي، هو آخر ما ختم أبو على مسكويه رحمه الله به كتابه فى سنة تسع وستين وثلاثمائة» [٧/ ١٦]. وهو رجلٌ من زمنٍ لاحق بيّنٍ: يمدح في مقدّمته خلافة «الإمام المقتدى بأمر الله» و«نظام الملك قوام الدين» [٧/ ١٣–١٤]. ويَعِد بمنهجٍ يشبه منهج سلفه: «وإذا انتهيت إلى أخبار زماننا اتسع المجال... وعمدت حينئذ إلى ما شاهدناه وخبرناه» [٧/ ١٦]. وينتهي ذيله بحوادث سنة تسعٍ وثمانين وثلاثمائة — استيلاء محمود بن سبكتكين على خراسان وإقامته الدعوة للقادر بالله على تلك المنابر بعد أن كان آل سامان يقيمونها للطائع — ثمّ يقول: «انقضت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وبانقضاء أخبارها ختمنا هذا الكتاب... آخر ما صنفه الوزير أبو شجاع» [٧/ ٣٩١].
والقسم الثاني: «الملحق بذيل الروذراورى وهو الجزء الثامن من تاريخ أبى الحسين هلال بن المحسّن بن إبراهيم الصابي الكاتب (حوادث سنة ٣٨٩ – ٣٩٣ هجرية)» [٧/ ٣٩٣]. ويبدأ بخبرٍ سبق للروذراوريّ أن رواه — قبضُ بكران بن بلفوارس على ابن مما نقيب النقباء — فيتداخل آخرُ الذيل وأوّلُ الملحق في الحادثة نفسها [قارن ٧/ ٣٩٠ و٧/ ٣٩٥]. وصاحب الملحق يتكلّم هو أيضًا بضمير المتكلّم عن مشاهداته: «وقد رأيتها فى أيامه... وما شاهدت صحنا كصحنها فى انفساحه واتساعه» [٧/ ٥٢٣]، ويقول في خبرٍ آخر: «وهذا الخبر أرويه عن أبى عبد الله الفسوي وحدّثنى معه» [٧/ ٥٢٦] — وهذه شهادةُ هلال الصابي لا شهادةُ مسكويه، ولا يجوز الخلط بينهما.
وآخر ما في الكتاب حوادثُ سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاثمائة: منعُ عميد الجيوش أهلَ الكرخ وباب الطاق من النوح في عاشوراء وتعليق المسوح، ومنعُ أهل باب البصرة وباب الشعير من مثل ذلك «فيما نسبوه إلى مقتل مصعب بن الزبير» [٧/ ٥٢٧]؛ ثمّ القبض على الوزير أبي غالب محمد بن علي بن خلف وتقليدُ أبي الفضل بن سودمند الوزارة، «وقرر على أبى غالب مائة ألف دينار قاسانية قيمتها أربعة آلاف ألف درهم من نقد الوقت» [٧/ ٥٢٨]. وينقطع النصّ في وسط الجملة: «فخرج فيه إلى بعض العسف والإرهاق من غير أن يمكنه....» [٧/ ٥٢٨]. فالكتاب في هذه الطبعة لا يُختم خاتمةً، بل ينقطع.