مدخل
دعاني إلى كتابة هذا المقال قصةٌ قرأتُها على وسائل التواصل، رواها صاحبها عن عودته من حافّة الموت. لم يكن ما استوقفني غرابةَ القصّة وحدها، بل أنها ليست فريدة؛ فمثلها يتكرّر ويتشابه على اختلاف الرواة والأزمنة. وذلك التكرار والتشابه — في ظنّي — أدعى إلى أخذ هذه الروايات مأخذ الجدّ لا إلى ردّها بجرّة قلم. من هذا الحدس انطلقتُ، ثم قادني البحث إلى ما ستقرأه.
في صيف عام 1991، وعلى طاولةٍ في معهد بارو للأعصاب (Barrow Neurological Institute) بمدينة فينيكس الأمريكية، رقدت امرأةٌ عمرها 35 عامًا اسمها بام رينولدز (Pam Reynolds). وُجد في قاع دماغها، قرب جذعه، تمدّدٌ وعائيٌّ ضخم لا يُستأصل بالجراحة المعتادة. اختار الجرّاح روبرت شبتزلر (Robert Spetzler) إجراءً نادرًا يُسمّى «التوقّف الدوري تحت التبريد العميق» (deep hypothermic circulatory arrest): يُبرَّد الجسم حتى نحو 15 درجة مئوية، ويُوقَف القلب، ويُصرَف الدم من الرأس كما يُفرَّغ الحوض، فتخمد كل إشارةٍ كهربائية في الدماغ.
سدّوا أذنيها بسمّاعتين صغيرتين تصدران نقراتٍ متّصلةً عالية، ليراقبوا بها جذع الدماغ، وألصقوا جفنيها بشريط. صار جسدها، بكل مقياسٍ طبّيٍّ نعرفه، على حافّة الموت الكامل: قلبٌ ساكن، وتخطيط دماغٍ مسطَّح، ودمٌ خارج الجمجمة.
ثم أفاقت. ووصفت لاحقًا منشارًا كهربائيًّا لعظم الجمجمة قالت إنه أشبه بفرشاة أسنانٍ كهربائية، ونقلت حديثًا دار في الغرفة عن صِغَر أوعية فخذها. تحقّق بعض ما وصفت. فكيف رأت وسمعت، وقد أُغلقت عيناها وأُصمّت أذناها وسكن دماغها؟
هذا هو اللغز الذي يقف عنده كل من قرأ قصّةً واحدة من قصص «العودة من الموت»، ثم قرأ بعدها عشرات القصص فوجدها تتشابه تشابهًا يوقف القلب.
ظاهرةٌ لا يحدّها زمان
الحكاية ليست ابنة زماننا. رواها أفلاطون (Plato) قبل نحو 24 قرنًا في ختام «الجمهورية»، على لسان جنديٍّ اسمه إير (Er) ظُنّ ميتًا في معركة، فبقي جسده 12 يومًا لا يبلى، ثم عاد على محرقته ليصف رحلة روحه. والقصّة عند أفلاطون أسطورةٌ فلسفية مصنوعة لغرضٍ تعليمي — يجب أن نقولها صراحةً — لا شهادةً سريرية، لكنها تكشف أن بنية الحكاية قديمةٌ قِدَم الفلسفة نفسها.
ثم تتكرّر البنية نفسها في مواضع لا يعرف بعضها بعضًا. دوّن بيدا الموقَّر (Bede) سنة 731 للميلاد قصّة رجلٍ إنجليزيٍّ اسمه دريثيلم (Drythelm) مات ليلةً ثم عاد صباحًا يصف واديًا ونورًا ومرشدًا قاده. ووصف التراث التبتيّ طائفةً سمّاهم «الديلوك» (délok)، ومعناها حرفيًّا «العائد من الموت»: مريضٌ يخمد أيامًا ثم يفيق ليروي عبورًا في عوالم وسطى بصحبة كائنٍ يحرسه ويشرح له، ثم يعود برسالةٍ للأحياء. وفي عام 1975 جمع الطبيب الأمريكي ريموند مودي (Raymond Moody) 150 روايةً معاصرة في كتابٍ صار حجر الأساس، ونحت لها المصطلح الذي نستعمله اليوم: «تجربة الاقتراب من الموت» (Near-Death Experience).
أربعةٌ وعشرون قرنًا، وثقافاتٌ لا رابط بينها، والحكاية واحدةٌ تقريبًا. وهنا يعود السؤال الذي بدأتُ منه: أليس هذا التكرار والتشابه أدعى إلى تصديق القصص لا إلى تكذيبها؟
ما الذي يتكرّر بالضبط؟
حين نُنحّي التفاصيل الملوّنة، تبقى نواةٌ ثابتة تتكرّر في الروايات على اختلاف أصحابها: إحساسٌ بمغادرة الجسد ورؤيته من علٍ، ومرورٌ في ممرٍّ مظلمٍ نحو نور، واستعراضٌ سريعٌ لشريط الحياة، ولقاءٌ بموتى معروفين أو بكائنٍ من نور، وسكينةٌ غامرة، ثم حدٌّ يشعر المرء أنه إن تجاوزه لم يعد.
وضع الطبيب النفسي بروس غريسون (Bruce Greyson) عام 1983 مقياسًا من 16 بندًا لضبط هذه النواة كمّيًّا، وصار المقياس الأكثر استعمالًا في هذا الحقل. ثم جاءت أوّل دراسةٍ استباقية كبرى عام 2001، أجراها طبيب القلب الهولندي بيم فان لوميل (Pim van Lommel) ونشرتها مجلة «لانسِت» (The Lancet)، على 344 مريضًا نُجّوا من توقّف القلب. أبلغ 18% منهم عن تجربةٍ من هذا النوع. النسبة ليست ضئيلة، والتشابه بين الروايات حقيقيٌّ لا مُتوهَّم.
حجّة التشابه، وأين مكمن الخلل فيها
الحجّة التي تخطر لكل عاقلٍ أنه حين تجتمع شهاداتٌ كثيرة، مستقلٌّ بعضها عن بعض، على وصفٍ واحد، فإن أرجح تفسيرٍ لاجتماعها أنها تصف شيئًا واقعًا. هذا مبدأٌ سليم نستعمله في العلم وفي القضاء وفي الحياة كلها؛ فتطابق شهادات شهودٍ لم يتواطؤوا قرينةٌ على صدقهم. وقد تناولتُ منطق هذا الاستدلال في مقال «من الملاحظة إلى الثورة العلمية».
لكنّ في الحجّة مقدّمةً خفيّة. التشابه يدلّ على أن للتجارب سببًا مشتركًا، وهذا صحيح؛ لكنه لا يدلّ وحده على ما هو ذلك السبب. فقد تكون التجارب لمحةً صادقة من عالمٍ ينتقل إليه الجميع، فتشابهت لأن الوجهة واحدة؛ وقد تكون نتاجَ دماغٍ بشريٍّ يموت، وأدمغتنا متشابهةٌ في بنيتها وفي طريقة انطفائها، فتشابهت لأن العطب واحد. وكلا التفسيرين يتنبّأ بالتشابه نفسه تمامًا.
فما دام التفسيران يتوقّعان الدرجة نفسها من التشابه، فإن التشابه — مهما عظُم — لا يرجّح أحدهما على الآخر. الشهادات المتطابقة تُثبت أن ثمّة سببًا جامعًا، لا أنّ السبب هو ما نتمنّاه. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس «لماذا تتشابه؟»، بل «هل في هذه الروايات ما لا يفسّره الدماغ المحتضَر وحده؟».
الفيصل: الإدراك المتحقَّق، لا التشابه
الشيء الوحيد الذي يكسر التعادل بين التفسيرين ليس تشابه المشاعر — فالنور والنفق والسكينة كلها أحوالٌ يمكن للدماغ أن يصنعها — بل إدراكٌ متحقِّق: أن يصف العائد شيئًا وقع فعلًا في الغرفة، في لحظةٍ كان دماغه فيها معطَّلًا يقينًا، وصفًا لا يمكن أن يكون خمّنه أو سمعه من قبل.
هنا نعود إلى بام رينولدز. وصفت شكل المنشار وصوته، ونقلت حوارًا عن أوعية فخذها. ولو كان ذلك وقلبها متوقّف ودماغها مسطَّح الإشارة، لكان ما لا يفسّره أيُّ نموذجٍ مادّيٍّ نعرفه.
لكنّ جدول العملية لا يحتمل ذلك. فالمنشار وحديثُ الفخذ وقعا عند نحو الساعة 8:40 صباحًا، ولم يتوقّف القلب إلا عند 11:05، ولم يستوِ التخطيط مسطَّحًا إلا عند 11:10، ولم يبلغ التوقّف التامّ إلا عند 11:25؛ وهذه أوقاتُ مايكل سابوم (Michael Sabom) نفسِه، ناشرِ الحالة والمدافعِ عنها، وقد أقرّ بها سنة 2007. وقد بيّن طبيب التخدير جيرالد وورلي (Gerald Woerlee) أن التخدير في تلك المرحلة يقبل أن يخفّ، وأن الصوت ينتقل إلى الأذن الداخلية عبر عظم الجمجمة حتى مع السمّاعات، وأن ذاكرةً تُبنى بأثرٍ رجعيٍّ بعد الإفاقة قد تُلبِس ما عرفته المريضة سلفًا ثوبَ ما شهدته. لا يُبطل هذا القصّة، لكنه يمنع من جعلها برهانًا قاطعًا؛ فأقوى الحالات المشهورة يسقط عند تفصيله الحاسم.
ولأن الحكايات الفردية لا تحسم، صمّم طبيب العناية سام بارنيا (Sam Parnia) تجربةً تقطع الشكّ: أهدافٌ بصريةٌ مخفيّة في أماكن عالية لا تُرى إلا من فوق، فإن وصفها عائدٌ خرج من جسده كان ذلك دليلًا لا يُردّ. علّق في «AWARE» الأولى، المنشورة عام 2014، نحو ألف رفٍّ من هذا النوع؛ غير أن 78% من حالات توقّف القلب وقعت في غرفٍ لا رفّ فيها، وكان المريضان الوحيدان اللذان أبلغا عن وعيٍ بصريّ في غرفتين منها. فلم يكن ما جرى اختبارًا أُجري فأخفق، بل اختبارًا لم يُجرَ. ثم جاءت «AWARE II» عام 2023 بحاسوبٍ لوحيٍّ عند السرير وسمّاعتَي رأس، وكانت نتيجتها الحاسمة صامتة: لم يتعرّف أحدٌ على الصورة، وتعرّف واحدٌ من ثمانيةٍ وعشرين على المؤثّر السمعيّ. ومع ذلك سجّل الباحثون نشاطًا دماغيًّا يوافق الوعي — موجات دلتا وثيتا وألفا — ظهر بعد مُضيّ ما يصل إلى 35–60 دقيقة على بدء الإنعاش، وحمل نحو 40% ممّن استُجوبوا ذكرياتٍ من تلك الفترة. على أن غريسون وفان لوميل نبّها سنة 2024 إلى أن التخطيط لم يُقرأ إلا في 53 مريضًا من 567، وأن اللذين توفّر لهما تخطيطٌ من بين المستجوَبين لم يكونا ممّن أبلغوا عن ذكرياتٍ صريحة؛ فلم يثبت ارتباطٌ بين النشاط الكهربائيّ وبين ما رُوي. خلص بارنيا نفسه إلى حكمٍ منصف: التجربة لم تَثبت ولم تُدحض.
أقوى ما عند أصحاب التفسير المادي
للتفسير المادّيّ أسانيده، وليس تعنّتًا. فنقص الأكسجة عن الدماغ (hypoxia) يولّد وحده كثيرًا من هذه الأحوال: الأنفاق البصرية، والنشوة، والشعور بالانفصال. ويُرجَع «النفق» خاصّةً إلى نقص التروية عن الشبكية والقشرة البصرية (occipital cortex)، وهي بنيةٌ بشرية لا دينية، فلا عجب أن يظهر عند صاحب أيّ ملّة. وفي عام 2013 رصد فريقٌ بجامعة ميشيغان، تقوده جيمو بورجيغين (Jimo Borjigin)، في أدمغة جرذانٍ لحظةَ توقّف القلب، اندفاعًا عنيفًا ومتزامنًا من موجات «غاما» فاق ما يُرى في اليقظة الكاملة — في الثواني الثلاثين الأولى بعد التوقّف، قبل أن يخمد كل شيء. وفي عام 2022 رُصد نمطٌ شبيه في دماغ مريضٍ بشريٍّ توفّي على جهاز التخطيط. أضِف إلى ذلك فرضيةَ مادّةٍ داخلية شبيهة بمخدّر «دي إم تي» (DMT) تُغرق الدماغ لحظة الشدّة، ونموذجَ «اقتحام نوم حركة العين السريعة» (REM intrusion) الذي يفسّر الشلل والرؤى.
هذا كلّه قويّ، ويفسّر — في تقديري — الجانب الأعظم من شكل التجربة وتوقيتها. على أنّ للإنصاف حدًّا آخر؛ فقد ردّ غريسون على تجربة الجرذان بملاحظةٍ دقيقة، أن كل الجرذان أظهرت اندفاع «غاما» نفسه، بينما لا يُبلّغ عن التجربة إلا أقلّيةٌ من البشر؛ فلو كان الاندفاع هو الصانع لعمّت التجربة لا لندرت. ثم إن وجود مرافقٍ عصبيٍّ للوعي لا يعني بالضرورة أنه صانعُ محتواه؛ فرصد النشاط شيء، والقول بأن هذا النشاط هو الذي «رأى» الغرفة شيءٌ آخر. فالمادّة تفسّر المناسبة والصورة، وتقف عاجزةً — إن ثبت الإدراك المتحقِّق يومًا — أمامه وحده.
الدليل الغائب: مَن نسمعه ومَن لا نسمعه أبدًا
يبقى في المسألة خللٌ بنيويٌّ لا ينتبه إليه كثيرون، وقد أفردتُ له مقالًا كاملًا بعنوان «الدليل الغائب». نحن لا نسمع في هذا الباب إلا العائدين. أمّا من عبر ولم يرجع فلا روايةَ له ولا صوت. فعيّنة القصص كلها — مهما كثُرت وتشابهت — مأخوذةٌ من الناجين وحدهم، ومصفّاةٌ سلفًا تصفيةً تجعلها عاجزةً بنيويًّا عن أن تُخبرنا عن الموت نفسه. إنها تُخبرنا عن الحافّة، لا عمّا وراءها.
وهذا يقلب حتى عنوان المسألة. ليست هذه «عودةً من الموت» بالمعنى الدقيق؛ فمن رجع لم يبلغ الموت الذي لا رجعة منه، وإنما وقف على حافّته ثم رُدّ. وما وراء الحافّة يظلّ، من جهة هذه القصص، بابًا موصدًا لم يخرج منه شاهد.
ميزان الوحي
في ميزان الوحي عبارةٌ قاطعة تفصل في موضع الحيرة. قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون 99-100). فالبرزخ حاجزٌ لا يُعبَر رجوعًا؛ ومن جاءه الموت الحقّ لم يُردّ. وعلى هذا فإن ما نسمّيه «عودةً من الموت» ليس في الميزان الشرعي موتًا انقطعت منه الرجعة، بل قربٌ من سكرات الموت ثم ردٌّ قبل بلوغ الحدّ. وهذا يوافق ما انتهينا إليه بالنظر المجرّد: هؤلاء عائدون من الحافّة، لا من البرزخ.
لكن قبل أن نحمّل الفروق أكثر مما تحتمل، يجب أن نفصل بين أمرين خلطهما كثيرٌ من الكتابات: الصورة الخام للتجربة، وتأويلها. أمّا الصورة الخام — الظلمة ثم النور، والسكينة، والإحساس بحدٍّ فاصل — فهي أوسع انتشارًا مما يُظنّ، وقد وردت عند مسلمين مرّوا بالتجربة أنفسهم. صحيحٌ أن بَسريتشا وستيفنسون (Pasricha & Stevenson) لم يجدا النفق في الروايات الهندية. لكنّ ألن كيلير (Allan Kellehear) لم يجعل خطّ القسمة غربًا وشرقًا، بل مجتمعاتِ الاستقرار ذاتِ الأديان التاريخية — وعدّ الإسلام منها مع النصرانية والهندوسية — في مقابل مجتمعات الصيد والجمع التي لا يكون النفق فيها شكلًا مألوفًا. فظهورُ النفق عند إيرانيين، إذ وصفه 5 من 17 منهم ووصف 4 استعراضًا للحياة، لا ينقض تعميمه لأنه ليس مما يتنبّأ بغيابه؛ وإنما يشدّ عليه ظهورُه عند مجتمعات الصيد والجمع. ووجد جيفري لونغ (Jeffrey Long) نفقًا في روايات غير غربية. فالمسألة متنازَعٌ فيها، والصواب أن النواة الشكلية ليست حكرًا على ثقافةٍ دون ثقافة.
وأمّا الذي يتشكّل بثقافة صاحبه فهو التأويل لا الشكل: مَن أو ما هو ذلك «النور»، وما هي تلك الديار. هنا تظهر الفروق واضحةً لا تُنكَر — النصرانيّ يقرأ النور كائنًا يشبه ما يعرف، والياباني يفتقد «استعراض الحياة» ويختلف تعامله مع النور كما بيّن أوهكادو وغريسون (Ohkado & Greyson)، والمسلم يردّ ما رأى إلى ما استقرّ في قلبه. وهنا بالذات يلزم الحذر من المضاهاة المتكلَّفة (parallelomania) التي نبّهتُ عليها في «يضاهئون قول الذين كفروا»: فما دامت الصورة الخام محايدةً لا تخصّ عقيدةً بعينها، والتأويل يُضاف إليها بعد الإفاقة، فلا يجوز أن نجعل النفق والنور شاهدًا يصدّق آخرتنا نحن، كما لا يجوز أن نجعلهما شاهدًا يصدّق آخرة سوانا. الشكل واحد، والدعاوى المبنية عليه متضاربة؛ ولو كان لمحةً من حقيقةٍ واحدة معيّنة لَما تضاربت تأويلاتها هذا التضارب.
يبقى من الحدس الذي بدأنا منه أمرٌ عظيم: نفور الإنسان في كل زمانٍ ومكان من أن يكون الموت عدمًا محضًا، وإجماعه على أن ثمّة ما بعده، شاهدٌ من شواهد الفطرة. وحتى تشابهُ النواة الشكلية نفسه عبر الملل قد يُقرأ من هذا الباب: خِلقةٌ واحدة تُنتج عند مقاربة الحدّ استجابةً واحدة. لكن الفطرة تدلّ على الباب ولا تملك الخبر عمّا خلفه. هذا هو «إله الفلاسفة الفقير» الذي تتبّعتُ خيطه في سلسلة «كان الناس أمةً واحدة»: العقل — ومعه هذه التجارب — يبلغ العتبة، ولا يملك بنفسه رسالةً موثوقة عمّا وراءها. الخبر الصادق عن البرزخ والبعث لم يأتِ من شاشة مراقبةٍ ولا من ذاكرة عائد، وإنما جاء من طريقٍ واحد: الوحي. وقد بيّنتُ في «نهاية الإلحاد» أن الدليل الحسّيّ حين يثبت يعلو على جدل الكلام؛ والمؤمن هنا لا ينتظر شهادة العائدين ليطمئنّ إلى ما أخبره به ربّه، ولا يُنكر أن يُكشف للعبد في سكرات الموت بعضُ ما لم يكن يراه.
ما تملكه هذه القصص أن تقوله
نعود إلى تلك الطاولة في فينيكس. أفاقت بام رينولدز، وحُمل التمدّد الوعائيّ من قاع دماغها، وعاشت لتروي قصّتها سنوات. لكنها في التحقيق لم تعبر البرزخ ثم ترجع؛ إنما بلغت الحافّة القصوى التي يبلغها الطبّ بأدواته، ثم رُدّت من عندها. وهذا هو حدّ ما تملكه هذه القصص كلها أن تقوله لنا: إنها أخبارٌ — صادقةٌ كانت أو واهمة — عن الحافّة، وصامتةٌ بالضرورة عمّا وراءها. أمّا الخبر عمّا وراء الحافّة، فبقي كما كان دائمًا: أمانةً في يد الوحي وحده.
للاستزادة
- 1. Raymond Moody, Life After Life (1975) — أصل المصطلح وجمع أوّل الروايات. — archive.org (إعارةٌ رقمية: تصفُّحُ ساعةٍ بحسابٍ مجاني)
- 2. Pim van Lommel et al., “Near-death experience in survivors of cardiac arrest,” The Lancet (2001). — doi.org (خلاصةٌ فقط؛ النصُّ الكامل مدفوع)
- 3. Sam Parnia et al., مشروع AWARE (Resuscitation, 2014) و AWARE II (Resuscitation, 2023). — doi.org (AWARE — خلاصةٌ فقط) · doi.org (AWARE II — خلاصةٌ فقط)
- 4. Bruce Greyson, “The Near-Death Experience Scale” (1983)، وكتابه After (2021). — doi.org (خلاصةُ مقالة المقياس فقط؛ ولا تتوفر نسخةٌ حرة من After)
- 5. Carol Zaleski, Otherworld Journeys (1987) — لرؤى العصور الوسطى وموازاتها للتجارب الحديثة. — archive.org (إعارةٌ رقمية بحسابٍ مجاني)
- 6. Allan Kellehear, “Census of Non-Western Near-Death Experiences to 2005” — للجدل حول السمات العابرة للثقافات مقابل السمات الثقافية (منها النفق). — digital.library.unt.edu (النصُّ كاملًا — صيغةُ المقالة في مجلة Journal of Near-Death Studies)
- 7. Gregory Shushan, Conceptions of the Afterlife in Early Civilizations (2009) — للمقارنة عبر الحضارات القديمة. (لا تتوفر نسخةٌ حرة)
- 8. ابن القيّم، كتاب الروح — لأحوال ما بعد الموت والبرزخ في الميزان الشرعي. — shamela.ws (النصُّ كاملًا)
مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)
عُرضت وقائعُ هذه المقالة ومصادرُها على مدقّقٍ محايد، والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت. وقد صُحّح موضعان في المقالة قبل نشرها بناءً على ما وجده، وبقي سائرُ ما أُخذ عليها منشورًا دون تعديل: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←
© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.