Part II · The Fortunate Isles
الجزر الخالدات وجزرٌ أخرى

أسطورةُ الجزر الخالدات وغزوُها، وحروبُ الكناري، حتى دعوى «الأرخبيلين»: أنّ اسماً واحداً حمل جزيرتين متباعدتين.

من النظرية إلى الميدان

إن كان القسمُ الأول قد وضع الأدوات، فالقسمُ الثاني يجرّبها على مسرحٍ محدَّد: جزر الكناري و«الجزر الخالدات». وهو أطولُ الأقسام (تسعةُ فصول)، وفيه يتحوّل الكتابُ من الحجّة اللغوية إلى السرد التاريخيّ المفصَّل لحروب القرن الخامس عشر — لكنّه سردٌ مشحونٌ بأطروحةٍ واحدة: أنّ «الجزر» في الوثائق كثيراً ما كانت أمريكا، وأنّ حروبها كانت تجارةَ رقيقٍ تحت غطاءٍ دينيّ.

الأسطورة: حجرُ الأساس اللغويّ

الفصلُ السادسُ («الأسطورة») هو أساسُ القسم. تفرّق فيه المؤلِّفة بين الكناري وماديرا «الحاليّتين» وبين ما ورد في الاكتشافات القديمة، لتستنتج أنّ الأسماء «هاجرت» أو «تراكبت» على مواضعَ أطلسية بعد أن أُعيد ترتيبُ الجغرافيا. وحجّتها تطابقُ الأسماء والمسافات:

«فبقيت من مخلّفات الماضي جزرُ الكناري (Islas das Canarias) التي تقع قُبالة بارنايبا… وبقي نهرُ ماديرا، أحدُ روافد الأمازون.»

وهذان صحيحان جغرافيّاً اليوم (ثمّة موضعٌ باسم الكناري في البرازيل، ونهرُ ماديرا رافدٌ للأمازون)؛ والسؤالُ في دلالتهما: أهي أثرُ عبورٍ قديم، أم تشابهُ أسماءٍ عارض؟

للقارئ: هذا أكثفُ فصول القسم. الكثافةُ آتيةٌ من تراكم عشرات الأسماء المتشابهة (سان ميغيل، سانتا كروث، غوميرا) في موضعين متباعدين معاً. تتبّعْ في كلّ جملةٍ زوجَ المواضع (الاسم الأطلسيّ مقابل نظيره الأمريكيّ)، ولا تقرأها سرداً متّصلاً. والحجّةُ قائمةٌ على تطابق الأسماء، وهي قرينةٌ لا برهانٌ قاطع، كما تُقرّ المؤلِّفة ضمناً.

فرسانُ الهيكل: الفاعلُ الخفيّ

يقدّم الفصلُ السابعُ «الفاعلَ التاريخيّ» الذي حمل — في زعم الكتاب — سرَّ الاتصال بأمريكا: فرسانُ الهيكل، بأسطولهم ومالهم ومعرفتهم، أُبيدوا رسمياً سنة ١٣١٢ فتسرّبت شبكاتُهم إلى نبلاء الأطلسي (آل غوثمان، آل بيتانكور). ومحورُ الحجّة كلمةُ «ما وراء البحار» (Ultramar) في قاعدة الرهبانية، تقرؤها المؤلِّفة دلالةً على الغرب لا على الأرض المقدّسة.

للقارئ: هذا الفصلُ أصرحُ الكتاب اعترافاً بطبيعته الفرضية؛ المؤلِّفة نفسُها تقول «علينا أن نفترض ذلك انطلاقاً من القرائن» و«من المستحيل أن ننفي أو نؤكّد». فاقرأه بوصفه فرضيةً استكشافية لا استنتاجاً مبرهناً.

حروبُ الكناري: فتحٌ أم تجارةُ رقيق؟

الفصولُ من الثامن إلى الحادي عشر تُعيد قراءة «فتح» الكناري بوصفه عمليةَ استرقاقٍ منظَّمة، مموَّلةً بشراكاتٍ من تجّار جنويين وفلورنسيين، والحروبُ «العادلة» فيها مُختلَقةٌ بادّعاءاتٍ كاذبة، لأنّ الأهالي كانوا قد أدّوا الطاعة وتعمّدوا سلماً، فلم يكن ثمّة سببٌ شرعيٌّ للاسترقاق. وهنا يظهر نموذجُ التزوير الوثائقيّ مصغَّراً في «وثيقة كابيتوس» التي بُرّرت بها حرب الكناري، إذ تكشف تناقضاتُ تاريخها — عند المؤلِّفة — عن تزييفها:

«وقد نسي المزوّرُ الماضيَ القريب، فأرّخ الوثيقةَ في بلاسِنسيا، في ٦ أبريل ١٤٦٨، حين كان الملكُ مسلوبَ السلطة، وأخوه ألفونسو الثاني عشر سجيناً.»

ويظهر نموذجٌ آخر لـ«طمس الهوية»: تحويلُ الكناريّ ميشيل دي مونشيكا — وهو، بحسبها، «أسمرُ اللون، أي أسود»، قارئٌ كاتبٌ متعدّد اللغات — في الحوليّات إلى بشكنسيٍّ أبيض. ومنحُ الملكة أسرى «الخيانة» المزعومة يفتح موسم الاسترقاق:

«وقد أنعمنا عليه بمئةٍ وخمسين أسيراً، ممّن كانوا في الخيانة المذكورة.» (سيمانكاس، السجلّ العام للخَتْم)

للقارئ: هذه الفصولُ أوضحُ منهجيّاً، لأنّ حجّتها وثائقيةٌ مباشرة (كشفُ تناقضٍ في تاريخ وثيقة). التعثّرُ الرئيس تعدُّدُ الأسماء المتشابهة (هيريرا، بيراثا، ريخون، لوغو) وتشابكُ أدوارها؛ ميّزْ بين ثلاث طبقات: التاجُ، والسادةُ الملّاك، والممولون-التجّار. وحين تتناقض روايتا المؤرِّخَين، ترجّح المؤلِّفة الوثيقةَ عليهما بحجّة أنّ الحوليّات نُقِّحت سياسيّاً — وهو منهجٌ يَحسُن بالقارئ أن يقيّمه بعينٍ نقدية.

برجُ سانتا كروث: الجسرُ الجغرافيّ

الفصلُ الثاني عشر يُفعِّل المعادلةَ المركزية «بربرية/إفريقيا = أمريكا» عبر منشأةٍ ماديّة: برجُ سانتا كروث الذي أمرت ببنائه الملكةُ إيزابيلا (١٤٩٦). تضعه الوثائقُ على «ساحل بربرية المغرب»، لكنّ المؤلِّفة ترجّح أنّه كان على الساحل الأمريكيّ، مستندةً إلى قرائنَ ظرفية: تسميةُ سانتا كروث الشائعة في جزر الهند، ومرافئُ نهرية «كحال جُلّ المرافئ الأمريكية»، وإشاراتُ الخرائط.

للقارئ: ميّزْ بوضوح بين طبقتين: (١) وقائعُ صلبة موثّقة (وجودُ برجٍ باسم سانتا كروث، تكلفتُه، تسميتُه الرسمية «الأفريقية»، ظهورُه في معاهدة سِنترا ١٥٠٩)؛ (٢) استدلالٌ تأويليٌّ بأنّ موقعه أمريكيٌّ لا مغربيّ — يقوم على تجميع قرائنَ لا على وثيقةٍ تحدّد إحداثياته. والفصلُ نفسُه يعرض عدّة مواضعَ بديلةً محتملة، ما يدلّ على أنّ التحديد غيرُ قاطعٍ عند المؤلِّفة.

الأرخبيلان: مِفصلُ القسم كلِّه

الفصلُ الرابع عشر («الأرخبيلان») هو حجرُ الزاوية الذي تلتقي عنده خيوطُ القسم، إذ يقدّم الآليّةَ النظرية التي تجعل بقيّةَ الادّعاءات ممكنة. أطروحتُه صريحة: أنّ أرخبيلين مختلفين حملا الاسمَ نفسه («الفورتوناتا»)، وجرى الخلطُ بينهما بل التبديلُ المتعمَّد. فحين احتاج كارلوس الخامس إلى بسط مبدأ «الأرض المجهولة» على القارّة، استُعملت جُزُرٌ كانت تُسمّى قديماً «بالياريس»، ونُقلت إليها أسماءُ الكناري وأهلُها:

«وبعد نقل أهل الكناري وأسماء المواضع، أُعيد العملُ بضريبة الخُمُس في الجزر القديمة عام ١٥٢٥… وقد وُقِّع ذلك في الثالث من أغسطس عام ١٥٢٦، وهو العامُ الذي تلاشت فيه سانتا كروز والبحرُ الصغير.»

للقارئ: اقرأ هذا الفصلَ مرّتين — مرّةً لمتابعة السرد المزدحم، ومرّةً لعزل الحجّة النظرية المدفونة فيه. فالحجّةُ كلُّها تتكثّف في فقرةٍ واحدة (نقلُ الاسم من «بالياريس» إلى «الفورتوناتا»، ونقلُ السكان والأسماء ١٥٢٥–١٥٢٦)، وكلُّ ما حولها قرائنُ مساندة. ومدارُ البرهان كلِّه هو تأويلُ شهادةٍ واحدةٍ لفرنانديث دي أوبييدو عن اسم «بالياريس»؛ فمتانةُ الأطروحة تتوقّف على صحّة هذا التأويل، وهو موضعٌ يستحقّ رجوعَ القارئ إلى النصّ الأصليّ ليحكم بنفسه.

كيف تقرأ هذا القسم

القسمُ الثاني نموذجٌ صافٍ لمنهج الكتاب: طبقةٌ سُفلى من وقائعَ مالية وإدارية موثّقةٍ بدقّة (عقودُ التمويل، مراسيمُ الغزو، الحسابات) — وهذه صلبةٌ قابلةٌ للتوثيق؛ وطبقةٌ عُليا من تأويلٍ يعيد تحديدَ الجغرافيا (بربرية/الكناري = أمريكا) — وهذه فرضيةٌ تراكمية. وحيثما التبس عليك الأمر، فاسأل: أهذا نصُّ الوثيقة، أم قراءةُ المؤلِّفة له؟ والفصلُ الرابع عشر هو المفتاح؛ فإن أحكمتَ فهمَه، فهمتَ كيف يمكن — في منطق الكتاب — أن تُخفى قارّةٌ داخل رواية «جزر الكناري».

اقرأ فصول هذا القسم في الترجمة

كلُّ بطاقةٍ تفتح الفصلَ كاملاً في الترجمة العربية.