Part II · The Fortunate Isles · الفصل 3 من 9
حرب الكناري الأولى

حرب الكناري الأولى

بعد وفاة إنريكي الرابع في ديسمبر 1474، أعلنت إيزابيلا في أغسطس 1475 أن جزر إفريقيا وغينيا أرضٌ خاضعة لفتحها. وتذرّعت بضعف إنريكي الرابع سبباً في استيلاء ملك البرتغال على تلك الأملاك، فأمرت بتحرير براءة (albalá) تُثبِت ذلك. وهي محفوظة بين أوراق إستيبان بيريث كابيتوس (Esteban Pérez Cabitos)، في صورة نسخة موثّقة من كتابٍ أصلي، "مكتوب على رقٍّ من جلد"، يُزعم أن هيريرا (Herrera) استخرجه في 6 مارس 1470، في مكتب كاتب عدلٍ من خيريث، رجل كنيسةٍ فوق ذلك. وقد نسي المزوّر الماضي القريب، فأرّخ الوثيقة في بلاسِنسيا (Plasencia)، في 6 أبريل 1468، حين كان الملك مسلوب السلطة، وأخوه ألفونسو الثاني عشر سجيناً. وتُصرِّح الوثيقة بأن الملك، إذ خضع "للإلحاح الشديد والضغط العظيم" من الكونتين البرتغاليَّين لتوخيا (Tuguia) وفيّاريال (Villarreal)، ارتكب ظلماً بأن أعطاهما جزر غران كناريا وتنريفة (Tenerife) ولا بالما (La Palma)، "في بحاري إسبانيا"، سالباً إياها من دييغو دي هيريرا (Diego de Herrera)، الذي وصفه بـ"الفارس النبيل"، وإن لم يكن قد استحقّ حتى لقب "دون". وأعاد إليه هذه الجزر مع جميع جزر الكناري والجزر المجاورة، بوصفه "السيد الحقيقي" لـ"البحر الأصغر (Mar Menor)، في نواحي بلاد البربر (Bebería)". وزيادةً في تعقيد المسألة، أقحم الملك البابا في اللعبة، طالباً أن "يُلغِيَ ويُبطِل أيّ رسائل ومراسيم بابوية تكون مناقضةً لهذا الإلغاء"، دون أن يدرك أنه لا ناقة له في ذلك ولا جمل[1].

والحقّ أن شيئاً لا يبدو أنه غيّر من سيادة بيت بيراثا (Peraza) قبل مايو 1476. ولمّا أُغلقت الجزر في وجه البرتغاليين وفي وجه كل من يقصد غينيا دون إذنٍ من الملكين الكاثوليكيين، كان على دييغو دي هيريرا أن يحشد جيشاً لفتح الجزر المجاورة الواقعة في قبضة ألفونسو الخامس[2]. غير أن المكلَّف اكتفى بالنزول في بوهيو (Bohío)، وهو مرسى في المغرب، ثم امتدّ إلى غالدار (Galdar) حيث أقام برجاً سمّاه برج سانتا كروث (Santa Cruz)، وترك عليه قائداً يُدعى ألونسو دي كابريرا (Alonso de Cabrera). وكان سيد جزر الكناري في زمنٍ مضى سلبياً ومناصراً لإنريكي، فلا بدّ أنه أصبح موضع شبهةٍ في التعاطف مع خوانا، ولذلك ففي 27 مايو منحت الملكة إنريكي دي غوثمان (Enrique de Guzmán) جزر أنطونيو أو الرأس الأخضر (Cabo Verde). وهي "في قبضة خصمنا البرتغالي"، فإذا فتحها أمكنه أن يحتفظ بها في سيادةٍ، بصفة دولةٍ شبه ذات سيادة[3]. وفي الشهر نفسه أقلع أسطول تشارلس دي باليرا (Charles de Valera)، الذي أُنشئ لشنّ الحرب والتجارة (الاسترقاق) في غينيا. وفي طريقه نهب جزيرة أنطونيو، التي سُمِّيت أيضاً بورتو سانتو (Porto Santo)، فجعل تدخّل غوثمان غير ذي حاجة. أما أنطونيو نولي (Antonio Noli)[4]، قائد "جزيرة الرأس الأخضر"، ووارث خوان باوتيستا نولي (Juan Bautista Noli) الذي أعاد اكتشافها في 1462، فقد أدّى الطاعة لفِرناندو. وكان الملك متقبِّلاً لمثل هذه اللفتة الدعائية، فأقرّ في 6 يونيو 1477 نولي في منصبه، آمراً بأن يُعامَل سكان الرأس الأخضر معاملة رعايا قشتالة[5].

ودخلت سفينةٌ برتغالية صغيرة (caravelón) كانت عائدةً من لا مينا (Mina) بحمولةٍ من فلفل الملاغيتا (manegueta) وأسماك القرش (cazones) و6,000 من قطع الذهب في "جراب كبير"، إلى لانثاروتي (Lanzarote) لأخذ الماء، جاهلةً أن الجزيرة في حالة حرب. وكان أهل الجزيرة في ضائقة لإغلاق موانئهم، فاستولوا على السفينة والحمولة والطاقم، وتولّى خوان دي أرماس (Juan de Armas) توزيع الذهب بالعدل. وخشي دييغو دي هيريرا أن يحمل البرتغاليون ذكرى سيئة فلا يعودوا في زمن السلم، فهبّ لنجدة أهل الجزيرة يتبعه ابنه. وبعد أن "جرحوا" الرعايا، استردّوا هيكل السفينة والملّاحين وجزءاً من الغنيمة. وحين اشتكى المتضررون إلى المجلس، أعلن الملكان الكاثوليكيان، اللذان كانا يسمّيان نفسيهما مَلِكَي البرتغال، أن الغنيمة تهريبٌ، لأنها صادرة من رعايا ذهبوا إلى غينيا دون إذن. وقرّرا حجزها على يد الحكّام (regidores) وتسليمها إلى غونثالو دي كورونادو (Gonzalo de Coronado)، "قابض غينيا". وقد صدر المرسوم في مارس 1477، فطالب الأهالي بأن تُعلَن الغنيمة غنيمة حرب، متعهّدين بدفع الخُمس. ولأنه لم يكن من المناسب إثارة سخط من ستكون بهم حاجةٌ في القتال، رضخ الملكان الكاثوليكيان، ولم يُطالبا إلا بالذهب. ولمّا لم يظهر منه فلسٌ واحد، انتهى المودَعون في السجن. وفي أثناء التحقيق، تقلّص ما في الجراب إلى 2,430 قطعة، تبيّن أنها غير قابلة للاسترداد[6].

وبعد أن مُنِع أهل الكناري من الظهور قرب غينيا، وحُرِموا من الزوّار الذين كانوا يعطون الذهب مقابل الزاد (matalotaje)، تبلور السخط في عصيانٍ مدني. فلمّا حان وقت دفع الأتاوات، رفضوا أن يدفعوا فلساً واحداً، بحجّة أن زوجَي هيريرا-بيراثا (Herrera-Peraza) قد اغتصبا الجزيرة من التاج[7]. ولم يشأ الملكان الكاثوليكيان تفويت فرصة إضعاف الطرفين، فعيّنا قاضياً محقِّقاً (juez pesquisidor) هو إستيبان بيريث كابيتوس[8]، في نوفمبر 1476. وكان عليه أن يُجري "تحقيقاً واستقصاءً" في لانثاروتي، ليتحقّق مما إذا كان "فيريرا (Ferrera)" قد استولى على الجزيرة، "التي هي من تاجنا الملكي وتخصّنا"[9]. وقُسِّم راتب القاضي بالنصف بين المدَّعين والمدَّعى عليه، وسُمِح لهيريرا بأن يُخضِع رعاياه بانتظار الحكم[10]. وردّ الزوجان بإثبات حقّهما، مع طلب حمايةٍ مرفق: "إنهما يخشيان ويتوجّسان أن بعض الأشخاص"، رغبةً في إلحاق "الضرر" بهما، قد يحرّضون الأهالي على العصيان. ولم يكن الوضع يسمح بالمَسرّات، فأقرّ الملكان الكاثوليكيان بأن آل هيريرا-بيراثا، وقد حازوا جزر الكناري "منذ عشرين عاماً إلى هذا الحين وأكثر"، بموجب "سنداتٍ عادلة وحقّة للمُلك والسيادة"، ولمّا لم تكن لانثاروتي استثناءً، فإن الأهالي مُلزَمون بالدفع والطاعة، "حتى يُستدعَوا أولاً في ذلك إلى المحاكمة، ويُسمَعوا، ويُغلَبوا بالحقّ"[11].

وكان سيّدا الجزر في الحظوة الملكية، فطلبا إذناً لإنشاء وقفٍ عقاري (mayorazgo). وبربطهما الأموال الحاضرة والمستقبلة، سمّيا الجزر السبع جميعاً، دون استثناء الكبرى منها[12]. وكون التاج قد وافق على ذلك يُرجِّح الافتراض بأن أسماء المواضع كانت تشمل أقاليم مختلفة، دون أن تمسّ فتوحات الملكين ملكية إينيس (Inés)[13]. واتّهما البِكر، بيدرو غارسيا دي هيريرا (Pedro García de Herrera)، بأنه حاول أن يستأثر بجزر الكناري، مقيماً "عصبةً مع الرعايا، باحثاً عن سبلٍ ليُقبَض على أبيه المذكور، متمنّياً موتنا، وباحثاً عن قوّاتٍ لذلك"، فأعلنه والداه "غير جديرٍ... بنيل ذلك الوقف، لأسبابٍ كثيرةٍ من نُكران الجميل ارتكبها، في حقّ الله الذي خلقه، وفي حقّي أنا التي أنا أمّه، بل ارتكبه حتى في حقّ أبيه...". ولمّا حُرِم من الميراث، عيّنا خليفةً الابن الثاني، فِرنان (Fernán)، الذي تلقّى لا غوميرا (La Gomera) والهييرو (Hierro)، على سبيل التقدُّم في الميراث[14].

وصار للسيد حرّية رهن رعاياه، فشكّل تجّار من بالوس (Palos) وموغير (Moguer) في 1477 أسطولاً من سفنٍ من طراز الكرافيل وسفينة كرّاكة (carraca) جديدة، متوجّهين إلى الجزيرة بحثاً عن الرقيق. وكان فِرنان دي بيراثا (Fernán de Peraza) لطيفاً مع زبائنه، فأسر رعايا، ملبّياً الطلب. وبعد أن استُلِموا وشُحِنوا، بيعوا في الأندلس، وبقي المخزون منهم "أسرى في الحديد، كأنهم مسلمون (moros)"، على العادة. واستثارت السلطةُ السياسية أسقفَ روبيكو (Rubico) على نحوٍ غير متوقَّع، ففي 28 سبتمبر 1477، وبذريعة أن أهالي جزر الكناري الذين اسْتُرِقّوا، "سواء بمساعدة سيّد الجزر المذكورة أو بمساعدة أشخاصٍ آخرين"، كانوا مسيحيين أو في طريقهم إلى ذلك، ملتزمين "بجميع أوامر الكنيسة الأمّ المقدّسة... كمسيحيين حقيقيين"، متلقّين "الأسرار المقدّسة، وقد دفعوا ويدفعون عُشورهم"، وهي أوّل واجبات المؤمن، أمر القضاة عامّةً وقضاة بالوس وموغير خاصّةً بحجز "القطع"، لوضعها في أيدي "أشخاصٍ صالحين"، بانتظار سبيلٍ يُعيدهم إلى جزرهم[15]، ولا سيما أهل غوميرا. ودون خوفٍ من الوقوع في التناقض، لأنه لم يكن ثمّة من يستطيع مجادلته، طالب الملك الكاثوليكي، وهو مقيمٌ في خيريث، في 12 نوفمبر بالخُمس، نقداً أو بأهل غوميرا، مهدِّداً التاجر المماطل بمصادرة أمواله وبيعها بالمزاد، دون عزاءٍ سوى أن يرفع دعوى على فِرنان لكي يردّ ما قبضه[16]. وكانت عائدات التاج مقدّسة، فبلغ الأمر حدّاً وقع فيه خوان غيرّا (Juan Guerra) وخوان ألفونسو (Juan Alfonso)، وقد دفعا في موعدهما عند عودتهما من جزيرة كناري لم تُسمَّ، ومن "أيّ نواحٍ أخرى"، ومن غوميرا، بحمولةٍ من الذهب والرقيق، خلف القضبان، لأن موظّفاً مرتشياً أدخل الخُمس إلى جيبه[17].

وكان الملكان الكاثوليكيان في حاجةٍ إلى المال لحربهما، فطلبا، على النهج المتناقض ذاته، مرسوماً بابوياً بالغفران (bula de indulgencias)، من أجل تنصير غينيا وجزر كناري لم يكن يُفترَض أن يبقى فيها، عند تلك المرحلة، مخلوقٌ حيّ دون تعميد. وكان اقتناؤه إلزامياً في ممالك أراغون ونافارّا (Navarra) وقشتالة والبرتغال[18]، فما إن طُرِح للبيع حتى تبيّن لأهل الجزر تغيُّراً في اتجاه الحرب. فلمّا علِموا في مطلع 1478 أن الملكين الكاثوليكيين كانا يخسرانها، فتحوا موانئهم للسفن العابرة إلى غينيا، مستأنفين المقايضة كما في زمن السلم. وحاول فِرنان دي بيراثا أن يعرقل ذلك. فأنكروا عليه الطاعة. واشتكى بحماقةٍ إلى الملكين من أن الأهالي "لا يريدون أن يوافوه بالأتاوات والحقوق"، إلا "أولئك الذين يُدْعَون من حزب الذهب (Vando de Oro)، الذين كانوا دائماً أوفياء"[19]. فأثار تحقيقاً في جميع الجزر. واضطُرّ دييغو دي هيريرا أن يعترف، على مضضٍ شديد، بأنهم في جزره "قد آووا ويأوون" البرتغاليين، وأن الأهالي يتردّدون على "فتوحات" ألفونسو الخامس، بل حتى على لشبونة. ولمّا "مُنِع" أن "يذهب رعاياي إلى مملكة البرتغال"، عُوتِب السيد، وكُلِّف باكتشاف "المذنبين"، ومعاقبتهم على نحوٍ "يكون فيه لأولئك عبرةً وللآخرين مثالاً"، نافياً من آوى برتغالياً[20]. وعاد أنطونيو نولي إلى طاعة البرتغال، بجزيرته الرأس الأخضر، ممّا أثار قلق آل كوبارّوبياس (Covarrubias)، وهم تجّار من بورغش، من "الحرب التي أمرتُ بشنّها على خصمي ومملكة البرتغال وعلى جميع أراضيها". وخشوا اقتحام الجزيرة بالسيف والنار، فطلبوا من فِرناندو أماناً لوكيلهم بيدرو دي مونتويا (Pedro de Montoya)، متوسّلين أن يسمح له بمواصلة التجارة[21].

أما الأسطول الذي كان مقرَّراً أن يفتح غران كناريا، فقد أُعلِن لآل هيريرا-بيراثا أنه أسطول نجدةٍ، لمساعدتهم على السيطرة على رعاياهم. وقد موّله قرضٌ قدره 268,000 مرابطي (maravedís)، قدّمه مصدِّر الأورشيلا (orchilla) خوان دي لوغو (Juan de Lugo)، على أن يُستردّ من غنائم النزاع[22]. وعُيِّن مديرو الصندوق: مساعد إشبيلية دييغو دي ميلو (Diego de Melo)، والمؤرّخ ألفونسو دي بالنسيا (Alfonso de Palencia)، وبيدرو ثيربانتس (Pedro Cervantes) نائب المقاطعة في الأخوية (hermandad)[23]، ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى ضُمّ إليهم المُقرِض[24]. وكان "قائد أسطولي" هو خوان ريخون (Juan Rejón)، من أهل البلاط الملكي، يسانده العميد يوهان بيرموذيث (Iohan Bermúdez). أما تنسيق العمليات وحكم الجزيرة فقد أُوكِلا إلى الأخ يوهان دي فرياس (Fr. Iohan de Frías)، أسقف روبيكو[25]. وحمل معه كتيبةً من الرهبان، كان عليهم أن يُعمِّدوا "المفتوحين حديثاً"[26]، وجيشاً قوامه 3,500 رجل[27]، وأهل غوميرا المستردّين من الحُمولة التي باعها فِرنان دي بيراثا، وهم أدواتٌ لعملية تلميع صورة، كان عليها أن تُثبِت سماحة الملكين[28].

وحين كان الأسطول على وشك الإقلاع، مع أسطول غينيا، وصل إلى سانلوكار (Sanlúcar) مرسومٌ موجَّه إلى قضاة الجزر وإلى زوجَي هيريرا-بيراثا، مُغفِلاً صفتهما كسيّدين. فبعد التنبيه إلى أنهما يعرفان قيمة الأصداف (conchas) في منجم الذهب (Mina de Oro)، أمر الملكان بإعطاء موظّفيهما الدوابّ والرجال، ليجمعوها: "دعوهم يبحثون عنها ويأخذونها"، دون طلب "أيّ مال". وسيشترون تلك التي "تكونان قد بحثتما عنها"، "بأسعارٍ معقولة"، دون السماح بأن تقع أيّ قطعةٍ في يد تاجرٍ خاص[29]. وأبحرت السفن في ربيع 1478. وبينما واصل الأسطول طريقه إلى غينيا، رست القوة الغازية في مرسى غران كناريا، التي يعدّها كثيرون "بلاد البربر (Bebería)"، مؤسِّسةً فِيّا ريال دي لاس بالماس (Villa Real de las Palmas)، على عهدة خوان دي لوغو وحسابه، مزوَّدةً بحصنٍ[30].

وضاع أسطول غينيا، وتُرِك غزاة جزر الكناري لأهوائهم، فتشابكوا فيما بينهم. وصار الوضع فوضوياً، فعيّنت الملكة في نوفمبر حاكماً هو بيدرو دي لا ألغابا (Pedro de la Algaba). وكُلِّف بتصفية "الانقسامات والخلافات" التي نشأت في "إضرارٍ عظيمٍ بمصلحة" الملكين، فحمل صلاحياتٍ للاستيلاء على الحصن وسحب عصيّ العدالة (varas de justicia)، لتقويم الوضع قبل استئناف "مشروع وفتح الجزيرة"، التي "هي لنا وتخصّ تاجنا الملكي"[31]. وقد نُسِي أهل غوميرا، وكان وضعهم على وشك أن يُحدِث أثراً معاكساً للمرغوب، فأرفق الملكان الكاثوليكيان كتاباً موجَّهاً إلى ريخون، "قائد رجالي الموجودين في الجزيرة المذكورة"، لكي يُعيدهم إلى "بيوتهم وأملاكهم"، في سفنٍ متجهةٍ إلى الجزيرة. وكان على الرَّبابنة (maestres) أن يستقبلوهم، "على أن يُدفَع لهم ما يستحقّونه لهذا السبب من أجور شحن تلك السفينة أو المركب"[32]. وكان تدخُّل ألغابا فعّالاً، فضمّه خوان دي لوغو إلى احتكار الأورشيلا[33]، مُثبِتاً أنه ما من تجارةٍ في قشتالة إلا وفيها رجلٌ من أهل السلطة مُدمَج.

ويقدّم بولغار (Pulgar) روايته للفتح: فبعد أن نزل المسيحيون في "جزر غران كناريا"، قاتلوا "مراراً كثيرةً الأقوام البربرية التي كانت تسكنها"[34]. وكانوا يسترون عوراتهم بمآزر من الأعشاب أو الجلود، ويحتمون بالكهوف والصخور، ويطلقون مقاليعهم "بشدّةٍ" بحيث كانت تخترق الدروع (adargas). ولأنهم كانوا أقواماً "يُقدِّمون الموت على القتل"[35]، امتدّ النزاع ثلاث سنوات، خرجت خلالها من قشتالة أساطيل عديدة، محمَّلة بالنبيذ والكتّان والحديد والأقمشة والسلاح، إذ كان الجنود يشكون من العيش "كلّ يومٍ في خطرٍ وحذرٍ عظيمين، سواء من أهل الكناري وأعداء إيماننا المقدّس، أو من الجوع الشديد والمشاقّ والحاجات التي يمرّون بها كلّ يوم"، ممّا أفضى بالسخط إلى "انشقاقاتٍ ومقاتل" بين المسيحيين[36]. أما برنالديث (Bernáldez)، وهو مؤلّفٌ لاحقٌ للأحداث، فيُقلِّص الجيش إلى 500 رجلٍ من المشاة، جاعلاً ريخون وألغابا يُبحِران معاً. وبعد وصولهما إلى غران كناريا، شرعا في بناء برجٍ ذي نزعة بابلية. ولم يكن قد اكتمل حين قضى ريخون على ألغابا، ثم لقي حتفه على يد فِرنان دي بيراثا[37].

ولأن تاريخ الجزر صار معقّداً حتماً، فإن الباحثين من القرون اللاحقة يخلطون. فألونسو راموس (Alonso Ramos)، وهو مؤلّفٌ من القرن الثامن عشر، يؤكّد دون ذكر مصدرٍ أنه في 25 أكتوبر 1477، تنازل دييغو دي هيريرا عن الجزر الكبرى الثلاث، بدافع الإخلاص المحض للتاج، متلقّياً في المقابل لقب كونت غوميرا، الذي منحه شارل الخامس لحفيده غيّين دي بيراثا (Guillén de Peraza). ولا تظهر شكوى موثّقة من الزوجين هيريرا تشير إلى سلبٍ من جانب الملكة. وربما مضطرّاً بحكم الازدواجية القانونية لجزر كناري، التي كانت تتجاوز بكثيرٍ إقليم السيادة، يروي برنالديث أنه في 1480، حين رغب الملكان الكاثوليكيان في ضمّ الجزر الكناريّة الكبرى الثلاث، رفعا دعوى ماليةً ضدّ دييغو دي هيريرا. وأغفل المؤرّخ تدخُّل فِرنان دي بيراثا، والد إينيس، وكون هذه الأخيرة مالكةً للجزر، فجعل المدَّعى عليه يردّ بأنه كسبها بماله ودمه، فرُكِنت القضية جانباً بانتظار انتهاء الحرب[38]. وحين أُعيد إطلاق الدعوى في 1483، اتُّهِم هيريرا بأنه لم يُفلح في فتح الجزر الكبرى الثلاث، واتُّهِم الزوجان بأنهما جعلا أهالي الأرخبيل كلّه يعاملونهما معاملة الملوك، مع ازدراءٍ لأهل قشتالة. وتجاوزاً للتناقض، يضيف برنالديث أن هيريرا وقع في جُرمٍ، لأنه تلقّى الطاعة من أهل الجزر ثم أحجم عن فتحها بالسيف والنار. ولمّا لم يكن ثمّة موجزُ دعوى ولا حكم، يلجأ المؤلّف إلى التسوية: تنازل دييغو عن الجزر الكبرى للملكة، مقابل خمسة ملايين مرابطي (cinco cuentos de maravedís)، لم يستطع أن ينعم بها، إذ توفّي في ذلك العام[39]. وقد مات في أواخر 1484[40]، ويُقال إن بيت بيراثا أمضت 20 عاماً من الترمّل في إشبيلية، "مُدبِّرةً أمورها أحسنَ تدبير، بوصفها سيّدةً نبيلةً جداً وذات نجدةٍ وفضيلة"[41]. والحقّ أنها أقامت في جزيرتها، تزور العاصمة الأندلسية بين الحين والآخر.


  1. "معلومات إستيبان بيريث كابيتوس (Información de Esteban Pérez Cabitos)". Biblioteca de El Escorial. R.A. doc. IV.
  2. SRGS. V.1476.363, V.1476.363,364. ولمّا أُذِن له بتصدير الحبوب الأندلسية، تعيّن عليه أن يُقسِم أنه لن يبيعها لـ"أعداء الإيمان، ولا للبرتغاليين".
  3. ADMS. 928. 27.5.1476. P. C. T. IV. الشاهد: بيرو راميرث (Pero Ramírez). SRGS. VI.1477.233. يُغفِل ألونسو دي بالنسيا أن السيادة كانت تستلزم فتح الجزيرة. ويروي أن غوثمان طالب تشارلس دي باليرا، المناصر لإيزابيلا في الحرب ضدّ خوانا، بالغنيمة التي أخذها من نولي، فضلاً عن تأخيره خروج أسطول 1476، الذي أُنشئ لشنّ الحرب والتجارة (الاسترقاق) في غينيا (Crónica de Enrique IV. Lib. VI. Cap. VI).
  4. "Crónica de Enrique IV". Década III. Alonso de Palencia.
  5. SRGS. VI.1477.233.
  6. SRGS. III.1478.378 1º.2ª/VIII.1478.113
  7. SRGS. XI.1476.745.
  8. خدم إستيبان بيريث كابيتوس الملكين الكاثوليكيين. وكان من أهل إشبيلية ثم من أهل تريانا (Triana)، وفي 18 نوفمبر 1476 منحه الملكان الجزء من كانيو دي لاس روثيناس (Caño de las Rocinas)، الذي "قد يخصّ" التاج. وفي إقليم ألمونتي (Almonte)، عارض صيّادون من إشبيلية المنحة، مُثبِتين أنهم مُلّاكٌ بالإرث. فسُلِبوا بأمرٍ ملكي.
  9. SRGS. XI.1476.746.
  10. SRGS. XI.1476.745. حُدِّد راتب القاضي بـ100 مرابطي يومياً. وفي 1486، كان أحد حَملة الدروع في الخدمة الملكية يتقاضى تاجاً ذهبياً (corona) في الشهر، يساوي 500 مرابطي.
  11. SRGS. XI.1476.747.
  12. تظهر غران كناريا، وبالما، وتنريفة، وغوميرا، والهييرو، وفويرتيبنتورا (Fuerteventura)، ولانثاروتي. ولا تُذكَر غراسيوسا (Graciosa)، ولوبوس (Lobos)، وأليغرانثا (Alegranza)، ومونتانيا كلارا (Montaña Clara).
  13. SRGS III.1489.76.
  14. SRGS. V.1492.5. أنجب دييغو دي هيريرا: بيدرو غارسيا دي هيريرا، وفِرنان دي بيراثا، وسانتشو دي هيريرا (Sancho de Herrera)، وماريا دي أيالا (María de Ayala) التي تزوّجت في البرتغال كونت بورتوأليغري (Portoalegre) دييغو دي سيلبا (Diego de Silva)، وابنةً تزوّجت بيدرو فرنانديث دي سابيدرا (Pedro Fernández de Saavedra)، ابن مارشال ثاهارا (Bernáldez, cap. LXV).
  15. SRGS. IX.1477.521.
  16. SRGS. XI.1477.233.
  17. SRGS. XI.1477.324.
  18. SRGS. IX.1477.354.
  19. SRGS. V. 1478.100.
  20. SRGS. V. 1478. 77.
  21. SRGS. IX.1478.140.
  22. SRGS. IV.1480.147.
  23. SRGS. 1480.168.
  24. SRGS. IV.1480.177.
  25. في 1454، زوّج يون سِد (Jhon Cid)، أسقف روبيكو، تيريسا دي غوثمان (Teresa de Guzmán). وفي القرن الخامس عشر، كان الكرسي الأسقفي تابعاً لإشبيلية، مع كرسيَّي غران كناريا والبحر الصغير (Mar Pequeña). أما كرسيّا المغرب والرأس الأخضر فكانا تابعين لسبتة.
  26. SRGS. V.1478.100/VIII.1478.121.
  27. SRGS. IV.1480.147.
  28. SRGS. XI.1478.58.
  29. SRGS. V.1478.61.
  30. SRGS. XII.1479.33/34.
  31. SRGS.VIII.1478.121.
  32. SRGS. XI.1478.58.
  33. SRGS. IV.1480. 135.
  34. Pulgar cap. LXXVI.
  35. Pulgar cap. XVIII. Pág. 382.
  36. Pulgar cap. LXXVI. 330.
  37. Bernáldez cap. LXV. Pág.613.
  38. Ibídem.
  39. Bernáldez cap. CLV
  40. Bernáldez cap. LXV pág. 613 كان دييغو دي هيريرا حيّاً في نوفمبر 1494.
  41. Bernáldez cap. CLV