تنظيم التجارة

تنظيم التجارة

بعد أن فشلت محاولة تركيز حركة التجارة مع بلاد البربر والهند وجزر الكناري في خليج قادس، وهو مرسى خطير عند هبوب رياح الشرق والغرب، فضلًا عن بُعده عن الأسواق الداخلية، اقتبس الملكان الكاثوليكيان النموذج البرتغالي المتمثل في "Casa da Mina"، فأنشآ "دار الهند" (Casa de Indias) في إشبيلية، التي ستُعرف فيما بعد باسم "دار التعاقد" (la Contratación). ووُقّع المرسوم في ألكالا دي إيناريس في 14 يناير 1503، ونصّ على أن كل ما يخرج أو يَرِد من الأراضي التي يحق للملكين فيها الخُمس يمرّ عبر تلك المؤسسة، ما عدا الغنائم المأخوذة في البحر وحطام السفن، لأن خُمسها يعود إلى قيادة أميرالية قشتالة الكبرى (Almirantazgo Mayor de Castilla). وعبر "الدار"، التي "بأمرنا يجب أن تُنشأ"، وُجّهت حركة التجارة الخاصة بحصن سانتا كروث (Santa Cruz)، والبحر الصغير (la Mar Pequeña)، و"سائر أنحاء بلاد البربر" الأخرى أو إفريقيا، وجزر الكناري، وجزر الهند، ورأس أغير (Cabo de Aguer)، ومدينة تاغاوز (Tagaoz)[1]، من غير أن يُذكر البرّ الرئيس (Tierra Firme)، لأنه كان داخلًا في تلك الأنحاء.

وكما كان يفعل من قبلُ مُتسلّمو غينيا، كانوا يُصدرون تراخيص التجارة، ويسجّلون البضائع الصادرة والواردة، ويجبون الخُمس ويوزّعون "الأفاريّة" (avería). ولمّا كان التاج يشارك في الربح دون النفقة، كانت تُوزَّع بحسب القيمة المقدّرة، على التصدير والاستيراد الخاصّين، تكاليفُ الأساطيل والأساطيل التجارية وسفن الإنذار وحراسة الطرق والسواحل، والاكتشافات والفتوحات وتأسيس المستوطنات، فضلًا عمّا تولّده المؤسسة نفسها، بما في ذلك الرواتب. وتحت سلطة الموظفين في كل ما يمسّ الملاحة، كانوا ينفّذون مصادرة السفن والعتاد والمؤن والبحّارة متى أمر الملكان بذلك. وفي الأراضي الخاضعة لولايتهم، كانوا يجبون الجزى (parias) وغيرها من الضرائب، وينظّمون المراكز التجارية (factorías) وعمليات الافتداء (rescates)، ويتفاوضون على عقود الإيجار، ويؤسّسون المستوطنات، ويأمرون بالفتوحات وحروب الانتقام وتجارة الرقيق[2].

ولمّا كان الملكان الكاثوليكيان لا يمتلكان إلا بُعد نظرٍ قصيرَ المدى، لم يُدركا أن تحميل التجارة كلفةَ فتح الهند والمحافظة عليها واستغلالها من شأنه أن يودي بطائفة تجّار إشبيلية. فأولئك الذين كانوا حتى ذلك الحين يُبحرون في حماية تأمينات خاصة، من غير أن يدفعوا من "الأفاريّة" أكثر من نصيبهم منها ومن تلك العارضة التي يفرضها التاج في الظروف الاستثنائية، وكان أشدّ ما يروّعهم عمليات المصادرة، صاروا بدءًا من عام 1503 يُبحرون بهامش ربحٍ ضيّقٍ إلى حدّ أن أدنى حادثٍ كان يُزيل بيوتًا تجارية موسِرة. وإذا كان في مطلع عهد فيليب الثاني (Felipe II)، الذي فرض نظام الأساطيل، تُرَدّ السفن لتجاوز عدد القادمة منها الثلاثينَ سفينةً في الأسطول الواحد، فقد جاء في أواخر القرن عامٌ لم يكن فيه من اليسير تدبير 14 شراعًا للأسطولين معًا، وأنقذ الموقفَ "البيرويّون" (peruleros)، أي التجّار من أهل الهند، الذين كانوا يشترون في إشبيلية ليبيعوا في بلادهم. وأصل غليونات الذهب التي جهّزها التاج إنما هو في إفلاس التجارة الإسبانية.

وقد تألّفت القيادة العليا الأولى لدار التعاقد من الدكتور سانتشو دي ماتيينثو (Sancho de Matienço)، وهو قانونيٌّ كنسيّ في إشبيلية، عُيّن خازنًا؛ والمحلَّف الأمين المنفِّذ فرانثيسكو بينيلو (Francisco Pinelo)، الذي تولّى وظيفة الوكيل (factor)؛ وخيمينو دي بريبييسكا (Ximeno de Briviesca)، محاسب أسطول الهند، الذي كان النائب؛ وانضمّ إليهم كاتب. ولمّا اعتُزم بناء مخازن للبضائع "التي يُحمَل بها" إلى "الجزر التي اكتُشفت أو ستُكتشف، ويُجلَب منها"، دلّ الملكان على الموقع في "جوار" ترسانات إشبيلية (Atarazanas de Sevilla)، "في الجهة التي تبدو أنسب"[3]. وبكتابٍ مؤرّخ في 18 مارس، ردّ المسؤولون عن الدار بأن الأرض حول الترسانتين فائضة، لأنها تغرق عند أدنى فيضان. وتفاديًا لفقدان كل ما يُخزَّن، أشاروا بالبناء "خلف القصر القديم" (el Alcázar viejo)، استغلالًا لـ"البناء الذي يُدعى بناء الأميرالات"، حيث لا يبلغه الماء. وأراد الملكان بناء سفنٍ لدار التعاقد، فأشار الموظفون بغير ذلك: "إذ في هذه الممالك وفرةٌ عظيمة من السفن"[4]، خلافًا لرأي بالنثيا (Palencia) الذي يفترض ندرتها، ورأوا أن الأنسب استئجارها عن طريق المصادرة، "لأن البحّارة لا يعتنون بما ليس ملكهم" عنايتهم بما هو ملكهم، وهو ما يُتوقّع معه أن يُبدّدوا المؤن والعتاد، ويُطيلوا الرحلات بلا علاج، لكثرة الأعذار في البحر لتبرير التأخير[5].

أمّا تنظيم التجارة والافتداءات "في الأرض التي اكتشفها باستيداس" (Bastidas)، وجزر اللؤلؤ، و"تلك التي سيكتشفها الأدميرال دون كريستوبال الآن"، فلم يكن يطرح إشكالًا. لكن في شأن سانتا كروث والبحر الصغير ورأس أغير وبلاد البربر، فـ"لم نحصل على معلومات كافية"، إذ كانت التجارة موقوفة. وكانوا يأملون أن يوافيهم بالخبر حاكمُ غران كناريا، أنطونيو دي توريس (Antonio de Torres)، الذي كان في طريقه، لكنه هلك مع سفينته عند مدخل قادس[6]. وعلموا أن أحدَ خدم الفقيد، وكان مقيمًا في سانتا كروث، تسلّم أقمشةً وصفائحَ و"إسبورداتيس" (esbordates) لـ"تدبير التجارة وتجربتها"، لكنهم لم يعرفوا اسمه، ولا أين له الافتداءات، وبقيت أذواق الزبائن لغزًا، إذ لم يكن يُحمَل إلا الشعير "وبعض المؤن الأخرى". وكانوا يحاولون الاتصال بـ"كريستوبال دي لا بويبلا" (Cristóbal de la Puebla) المقيم في الكناري، الذي أشار على توريس. ولمّا صعُب على الملكين الكاثوليكيين استثمارُ الملك مباشرةً، أرادا استئجار البحر الصغير. فثبّطهما الموظفون. فمع أنه صار في الإمكان التفاوض "بأمنٍ أكبر وكلفةٍ أقلّ" ممّا كان عليه الحال "قبل أن يقوم ذلك الحصن" ومخزنٌ وحمايةٌ للتجّار، فـ"الحقّ أننا لا نشعر الآن أنه ذو قيمة كبيرة"[7].

وفي أبريل 1503 احتكر الملكان الأورشيلّة (orchilla) في جزر الكناري و"أنحاء إفريقيا... المجاورة للجزر". ولمّا أُبلغا أن "تجارةً ما قد بدأت في افتداء بعض البضائع" في مدينة تاغاوز، أمرا بحماية البُرغُسيّ دييغو دي كاسترو (Diego de Castro)، الذي كان قد استأجر تجارة رأس أغير من التاج، ريثما يُوجَد حلٌّ أكثر ربحيّة، مع النظر فيما إذا كان يُستحسن تأجيرها مجتمعةً أم "كلّ شيء على حِدة"، مع مراعاة أنها لمّا كانت "صناعةً ومكسبًا" معقّدًا، فسيُخسَر بتسليمها إلى قليلي الخبرة. وكان على موظفي دار التعاقد أن يتحرّوا "البضائع... التي ستنفع لتلك الافتداءات، وتلك التي يمكن أن تُجلَب من هناك إلى هذه الدار"، حرصًا على ألّا يفلت صنفٌ مربح من احتكار التاج[8]. وكان ذلك يشمل المعادن عمومًا، ولا سيّما الفضة والذهب، والأحجار الكريمة، واللؤلؤ، واللؤلؤ الصغير (aljófar)، والأصباغ، والأخشاب مثل "مو" (mou) والبقّم (brasil) و"سائر الأشياء الثمينة التي تعود إلينا على أيّ نحوٍ كان"، مضافًا إليها النيلة أو الوَسمة (pastel). ومن حمّل أو أنزل بضائع لِما وراء البحار من غير أن يسجّلها في الدار، فقدها بحكم "التهريب" (descamino) أو الاحتكار المخالف، وصودرت في "شاطئ" المغادرة أو الوصول، ويُفعَل "بها ما يأمرنا به". ومتى قُبض الخُمس والأفاريّة عينًا أو نقدًا، زُوّد التاجر بمخالصة (carta de finiquito) تُبيح له البيع حيث يشاء. وبُعيد افتتاح المخزن والمكاتب خلف القصر القديم، حُجز في 30 يونيو رصيف "لاس مويلاس" (las Muelas) لتجارة دار التعاقد[9].

ولمّا كان ألونسو دي إسكوديرو (Alonso de Escudero) في غران كناريا قاضيَ محاسبة (juez de residencia)، عُيّن حاكمًا لـ"جزر الكناري وقائدًا لسانتا كروث البحر الصغير" في 2 مايو 1503[10]، وأُنيطت به الافتداءات التي "نأمر بإجرائها في بلاد البربر والبحر الصغير وبرج سانتا كروث". وبعد أن يتفقّد الوكلاء "وسائر الأنحاء التي ترون أنه ينبغي وجود شخصٍ فيها لتلك التجارة"[11]، كان عليه أن يتّصل بالمكلّفين بـ"دار الهند"، الذين كان عليهم أن يمدّوه بما يحتاج، متسلّمين الذهب وغيره من البضائع[12].

وكان آخر عامٍ خرجت فيه القوارب (carabelas) من مصبّ نهر بارباتي (Barbate)، محمّلةً بالحبوب والزيت وعيّناتٍ من البقول كالفول والحمّص، إلى "بلاد ما وراءَ التي لملك البرتغال"، هو عام 1503. ولمّا كان المحصول رديئًا، لجأ خوان دي غثمان (Juan de Guzmán) إلى السوق السوداء ليجمع الـ6,000 قفيزٍ (cahíces) من الشعير و11,581 من القمح المتعاقَد عليها، فدفع 110 و120 مرابطيًّا (maravedís) للقفيز من القمح المسعَّر بـ60. وبانتهاء الموسم، انحصرت حركة التجارة في إشبيلية، مقرّ دار التعاقد. فاحتجّ خوان دي غثمان مستندًا إلى حقّ سنلوكار (Sanlúcar) في التواصل مع بلاد البربر. وانتهت المسألة إلى المحاكم[13]. وحين استدعاه القضاة، مثَل محاموه في 11 يناير 1504، مزوَّدين بشهادات تجّارٍ أندلسيين وأجانب أكّدوا أنهم أبحروا من سنلوكار إلى أرض المسلمين وإلى حيث يبدو لهم أفضل، على منوال آبائهم وأجدادهم، لا يعرفون مالكًا للجمرك والدِّيوانة (almojarifazgo y aduana) سوى دوقِ مدينة سيدونيا. وكان أكبرهم سنًّا يذكرون أنهم تحادثوا على الشاطئ مع دون خوان "الطيّب" (el Bueno) في مسائل الملاحة والصيد[14]، من غير أن يذكروا فترةً انقطعت فيها التجارة مع هند قشتالة أو بلاد البربر أو "فتوحات" و"جزر" البرتغال[15]. وكان ازدهار بلدةٍ قائمةٍ في نطاقٍ ضيّقٍ شحيح الموارد دليلًا على تلك التجارة، وهي حججٌ قانونية وإنسانية ما كانت لتُلقى لها بالٌ لولا اصطدام الرغبة الملكية بضحضاح النهر.

ولمّا اكتُسبت في الهند عادةُ جمع البضائع في مرافئ مريحة، لم يعُد لازمًا صعود الأنهار وعبور حواجزها الرملية بحثًا عن "المناجم" والافتداءات. وكان بيّنًا أنه كلّما زادت حمولة السفينة (arqueo) زاد الربح عن الرحلة، فاختفت الهياكل التي دون الـ100 طنّ، ولم يمض وقتٌ طويلٌ حتى بلغت 150 و200. ولمّا كان صعود نهر الوادي الكبير (Guadalquivir) عسيرًا على مثل تلك السفن، اضطُرّ الملكان إلى الرضوخ لطبيعةٍ لم يكن في وسعهما تغييرها. ولم يكن أمامهما حيلة، فأذنا بالتحميل والتنزيل لأجل "جزر الهند" والبرّ الرئيس وجزر الكناري وبلاد البربر، في مرفأ ثانفانيخوس (Zanfanejos) السنلوكاري، فأنشآ فرعًا لدار التعاقد في بونانثا (Bonanza). وقد زُوّد بمخزنٍ وموظفين، وكان على رأسه بيدرو دي أنياسكو (Pedro de Añasco)، الذي كان دوق مدينة سيدونيا يخاطبه بـ"صديقي الخاصّ"[16]. وعلى غرار أيّ تاجرٍ من أهل البلدة، مارس خوان دي غثمان التصدير والاستيراد. وكان أنفريون كاتانو (Anfreon Catano) الجنويّ وكيلَه في آسفي (Çafy). وكان يقايض الزيت والحبوب والأقمشة، التي يبعث بها أهل فلاندرز وبريتاني وإنجلترا، بالجلود والرقيق وشيءٍ من الذهب. وتاجر مع الرأس الأخضر (Cabo Verde)، ينوب عنه ألمانيٌّ في جزر الكناري. وفضلًا عن الأقمشة كان يُرسل الفولاذ، وهو تصديرٌ محظورٌ إلى أرض المسلمين. ومن الجزر كان يَرِد الخشب الجيّد والسكّر والمربّيات وخمر المالفازيّة (malvasía) والصقور أحيانًا[17].

وفي 4 أكتوبر 1504، كلّف الملكان الكاثوليكيان غثمانَ بفتح قزازة (Cazaza)، "التي في مملكة فاس"، إتمامًا لما أُقرّ في تورديسيلاس (Tordesillas). وترغيبًا له، منحاه سيادةَ المكان، الذي لم يكن يعدو ضاحيةً لمليلة، مع لقب ماركيز[18]. وقبل أن تموت إيزابيلا، ربّما خوفًا على مستقبل ابنتها، محَت خطيئة سِفاح القربى وجُرمها، لجوءًا إلى "المبادرة الذاتية" (propio motu) لتُعيد إلى غثمان ما صادرته منه[19]. ولمّا لم تكن قد فقدت سوى جزر رأس أغير وجبل طارق، فلم يكن في وسع الملكة أن تقصد شيئًا آخر. وبوفاة إيزابيلا في مدينة ديل كامبو (Medina del Campo) في 25 نوفمبر 1504، خطا فِرناندو الكاثوليكي، بالتعاون الوثيق مع الوصيّ سيسنيروس (Cisneros)، الخطوةَ الأولى نحو سلب الهنديّ الكاريبيّ. فلمّا كانوا معتادين الاغتسال أكثر من الإسبان بكثير، اتُّهموا بأنهم أقذار و"لوطيّون" وأَكَلة لحوم البشر. وبعد أن حُكم عليهم جماعيًّا، عُرضت عليهم فرصة النجاة من الأسر أو الموت، إذا استجابوا للدعوة إلى المعموديّة بمظاهر توبةٍ بيّنةٍ وطلبٍ يُعبَّر عنه "بأصواتٍ عالية". وربّما كان سبب القانون الصارم الحاجةَ إلى المال لأجل فتح نابولي.

ولمّا كان يُستشفّ أن الأب لن يترك العرش طائعًا، عيّنت خوانا قادةً عامّين موثوقين ليُعِدّوا وصولها إلى قشتالة. فعُيّن كونت ليموس (Conde de Lemos) في غاليسيا، وعُيّن خوان دي غثمان في الأندلس بمرسومٍ ملكيٍّ مؤرّخٍ في 25 أكتوبر 1505. وتحت سلطته كان الجنوب حتى تخوم غرناطة والغرب (los Algarbes) والمحيط، وكان له من الأمر كلُّ ما يُبحر في مياهه. وحيث كان تجنيد الجيوش والأساطيل على عاتقه، كان مُتسلّمو الخزانة الملكية يمدّونه بالأموال التي يطلبها. وكانوا "من الآن" يطيعون أوامر خوانا، أمّا أوامر "سيّدنا وأبينا... فنَعُدّها من غير قيمةٍ ولا سلطان"[20]. ولمّا علم فِرناندو أن ابنته تريده خارج المملكة، اتّفق مع سيسنيروس على أن يجهّز أسطولًا. ولجوءًا إلى المبادرة الخاصة، أمر بإجراء استطلاعٍ يبرّر استئناف "الغارات" (saltos). فالسؤال عمّا إذا كان يُستحسن رفع التأمين الممنوح "لمسلمي بلاد البربر... الذين على نحو تسعين فرسخًا (leguas) من ساحل" جزيرة الكناري، لقي جوابًا بالإيجاب بالإجماع. وعزا المرخَّص أغوايو (Aguayo) الحظرَ إلى لوغو (Lugo)، الذي رغب في السلم بينما كان يُقيم بُرجَي تاغاوز ونُل (Nul) في رأس أغير، فحصل من الملكين على تأمينٍ للمسلمين، بما يضرّ التاج والجزر. وبتراجع تدفّق الرقيق، فرّ التجّار ورأس المال والأيدي التي كانت تحرث الحقل. ونقص خُمس التاج، وتضرّر العليّ القدير، الذي خسر نفوسًا كثيرة وخسِرها السود أنفسهم، إذ كانوا في الأسر يقبلون التعميد فيربحون السعادة الأبدية في مقابل حريّةٍ أرضيّةٍ زائلة. ونُسب انحطاط الجزر إلى عقابٍ على حرمان أهل بلاد البربر من الخلاص[21].

وباستئناف الغارات (cabalgadas)، سيكون تحت تصرّف الملك سفنٌ وخيولٌ وأسلحةٌ ورجالٌ مدرَّبون على الحرب، من غير أن ينفق مرابطيًّا واحدًا، فضلًا عن تنامي استيطان البحر الصغير، إذ بشنّ "الحرب" على المسلمين "في أنحاء أخرى" سيقبل كثيرون دفع الجزى مقابل الأمن، فيأتي الأهالي بذهبهم، عالمين أنهم لن يُسلَبوا ولا يُساؤوا معاملتهم. وأمّا القشتاليون، فسيكون لهم في برج سانتا كروث، المزوَّد بحاميةٍ، حمايةٌ لأشخاصهم وبضائعهم "إن هم أرادوا مع ذلك أن يَحصُلوا على تلك التجارة"، إذ يمكنهم النزول والركوب في حماية، ومن أغار منهم "إن دُهِموا وشُتِّتوا، لجؤوا إلى ذلك البرج"[22]. وفي 2 نوفمبر 1505، من غير انتظار نتيجة الاستطلاع، أذن الكاثوليكي بالحرب على "مسلمي بلاد البربر المجاورين لهذه الجزيرة، جزيرة الكناري، من رأس أغير حتى رأس بوخدور (Boxedor)"[23]. وريثما يُدعَون إلى الأسطول الذي سيُشكَّل عام 1506، كان لمن يملك سفينةً أن يأسر "أولئك المسلمين من الجانب الآخر، من نهر الذهب (Río de Oro) صعودًا نحو ناحية ميثة (Meça)، على أن لا يُغيروا من نهر الذهب هبوطًا حتى ناحية غينيا"[24]. وفي منتصف أغسطس، تسلّم لوبي دي سوسا (Lope de Sosa)، حاكم غران كناريا الجديد، صلاحيات مواصلة "تجارة وافتداء بلاد البربر والبحر الصغير وبرج سانتا كروث". وبعد أن يتفقّد المراكز التجارية، كان عليه أن يُعدّ جردًا وتقريرًا، طالبًا من دار التعاقد بضائع "تكون نافعة" في تلك السوق[25].

ونزلت خوانا في لا كورونيا (La Coruña). ولمّا علم فِرناندو أن دوق مدينة سيدونيا يُجنّد جيشًا، وجّه إليه كتابًا طويلًا يحثّه على "تسريحه" لعدم جدواه، إذ لم يكن ينتظر إلا ابنته ليسلّمها المملكة، من غير نقصٍ ولا وصمة[26]. ولمّا كان مكرُ الأراغونيّ معروفًا، أثارت مودّتُه قلقَ المرسَل إليه مضاعفًا. ورأى الدوق أنه من العاجل الاستيلاء على جبل طارق ليكون طريق البحر مفتوحًا أمامه، فطالب حاكمَ خيريث (Jerez) بردّه، محتجًّا بعفو الملكة الراحلة. فأبى تسليم الموقع، فانتقل دوق مدينة سيدونيا إلى الفعل. فزوّد صهرَه بيدرو خيرون (Pedro Girón)[27] بالرجال، وأرسله لفتحه بصحبة بكره إنريكي دي غثمان (Enrique de Guzmán)، الذي كان في الحادية عشرة من عمره يُضفي القوّة المعنوية لاسمٍ عريق. وفي أن دوق مدينة سيدونيا جعل غونثالو دي أوليباريس (Gonzalo de Olivares) كبيرَ حرّاس جبل طارق (alguacil mayor) دليلٌ على نجاح الحملة.

وعلى استعادة جبل طارق، تبعت حيازةٌ جديدة لجزر رأس أغير. فُوّض خوان باوتيستا الجنويّ (Juan Bautista Genovés)، فنزل في غورغرتي (Gurgarti) بولاية توفاني (Tufani) يوم الثلاثاء 19 مايو 1506. وعندما اجتمع "الرؤساء والقبائل"، "بالإجماع وبصوتٍ واحد، رضوا بأنه جيّدٌ وثابتٌ ونافذٌ كلُّ ما يرد في هذا الكتاب، مكتوبًا وموقَّعًا بأسمائهم". فأقرّوا لدوق مدينة سيدونيا بأنه "سيّدنا الطبيعيّ... من يوم تاريخ هذا الكتاب"، باسم الحاضرين "وباسم جميع قبائلنا..."، مانحين إياه "كامل سلطتنا الحرّة التامّة الكافية، كما هي لنا ونملكها وقد أعطانا الله إياها"، ليَكُونَ له أن "يأمرنا ويحمينا... بوصفنا رعايا أتباعًا، وله أن يأمرنا ويدعونا". وسيستقبلون "خدمه" في "مرفئهم هذا"، آذنين له بـ"بناء برجٍ وحصنٍ على النحو الذي يرضاه سيادته"، معيّنًا قائدًا أو قوّادًا يُعطونهم "رهائن... بقدر ما يرضى الشخص الذي إليه ذلك المنصب، لبناء ذلك البرج"، على أن يُعاد "من كان قد أخذهم منّا" عند إتمام الأعمال[28]، واعدين بحراسة التحصين لغثمان وخلفائه. وبعد أن أدّوا الطاعة "إلى الأبد"، أقرّوا بتقلّباتٍ حديثة: إن "كانت قد أُعطيت في وقتٍ ما" كلمتُهم "لقائدٍ ما أو لفارسٍ آخرَ ليس من قِبَل ذلك السيّد الدوق سيّدنا، فنحن من الآن وإلى الأبد نتبرّأ منها ونُبطلها". ولانعدام كاتبٍ، أضفى القشتاليون الحاضرون الشرعية على ما قيل بتوقيعهم[29].

وفي الثامن والعشرين، كان الجنويّ في آيتوديل (Aytudel) بمملكة كاتالياط (Cataleat). واستقبله كاثيونت أوتوغوغورين (Caçeyunt Otugugurin) سيّد البلدة[30]، الحاكم الأكبر (alformar mayor) للعاصمة و"ولاياتها" في "مملكة مراكش"، التي كان يتبعها "جزيرة وحدود ورأس موغادور" (Mogodor)، مع تالغيلت (Talgilt) وتيريدي (Tiredi) وتيتينيست (Tetenezt) وكاتريثيبي (Catrecivi)، وأربع قبائل من الأعراب وأربع أخرى لها "خيامها ومساجدها". وبعد أن ذُكرت جميع ألقاب غثمان، بما فيها لقب ماركيز قزازة الأحدث، لقّبوه "سيّد جبل طارق"، وهو تشريفٌ أعظم شأنًا بين المسلمين من المركيزيّة المنمّقة التي منحها الملكان الكاثوليكيان. وتنازل أوتوغوغورين لغثمان عن سيادة آيتوديل "بجميع ولاياتها" وتوابعها، باسمه الخاصّ وباسم أعقابه، "كما هي لي وأملكها وأحوزها وأسودها". فيكون لغثمان "كشيءٍ يخصّه هو، اشتراه بماله ونالَه بقيمته العادلة وبما يوافقه". ولمّا اعترضت ممتلكاتُ مانويل الأول (Manuel I) وإيزابيلا الكاثوليكية في الطريق، كرّر المُتنازِل شرطًا لا مفرّ منه: "أُلغي أيّ حيازةٍ أو حيازاتٍ أعطيتُها أو منحتُها أنا أو أسلافي أو غيري عنّي أو عنهم". ومثَل أهل الأرض، فتلقّى الجنويّ باسم "سيادته الكونت" يمينًا بحفظ ما قيل "بمحمّد وبقرآني ومصحفي (Alquabra)". وخُتم الفعل حسب العادة: إذ وُضع على رمحٍ "لواءٌ أحمرُ يحمل شارات وأعلام سيادته"، جابوا الأرض بهتاف "نِيِبْلا، نِيِبْلا" (Niebla) "على مرأى" السيّد المحلّي و"كثيرٍ من مسلمي تلك الولاية". وكتب المُفادي (alfaqueque) حاثيوت (Haçeyut) الوثيقة "بخطّي"، بحضور الكاتب ألبارو دي بيبيرو (Alvaro de Vivero)، وشهد ألونسو دي أورتيغا (Alonso de Ortega) من أهل إشبيلية، وغونثالو أوليباريس، كبير حرّاس جبل طارق[31].

ورافق ذلك كتابان مكتوبان بالعربية ومترجمان ترجمةً غير دقيقةٍ جدًّا. ويتضمّنان تصريحاتٍ مبدئيّةً ذات أهميّةٍ واضحة. فحسين (Xoseín) بن تِخيخي (Texixi) ألقى السلام على سيّد الأرض، ليقول له "ثانيًا إن الولايات لك، والوطن لك، والحجارة لك، والنبات والأشجار لك، والماء لك، والأرض أو الإقليم لك. ونعطيك ولاياتنا إلى الأبد". وفي كتابٍ آخر، أشار الموقّعون إلى "المسلمين المقيمين في ممالك الأندلس"، ليذكّروهم بأنهم يجب أن "ينتظروا كلّ ما وعدكم الله به"، محتملين "المصائب أو النوائب"، إذ "إنّا لله وإنّا إليه راجعون". وبعد أن تبادلوا السلام، خاطبوا غثمانَ بوصفه دوق مدينة سيدونيا، "الذي يُخزيه الله في دينه"، ليكرّروا "بيمينٍ أن ولاياتنا للدوق... إذ نعلم أنه يمكن أن يأتي في أيّ وقت"[32].

وحرّم الله أن يستقبلوا نصارى، "إن هم خرجوا من قرانا"، أمّا "من يأتي من ذريّات أو أُسَر" خدم غثمان، "أو كلّ من كان من نسله"، فيمكنهم أن يستقرّوا في الجماعة على هواهم: "أن يقلبوا ويبنوا ويسكنوا ويشتروا بمالهم" ما يبدو لهم أفضل، من غير أن يُحدث "المسلمون" شيئًا في "مدننا... ولا حتى في استعمال الوضوءات المقدّسة"، بغير إذن السيّد. وستكون مرافئهم مفتوحةً لـ"المسافرين الذين هم في خدمة الدوق... الذين نُطعمهم ويُطعموننا تبادلًا". وأقاموا التزامًا في اتّجاهين، ثم أشاروا إلى حربٍ وشيكة: "سنعود إلى الأندلس، كبارًا وصغارًا وكلَّ من يقدر، سواءٌ ماشيًا أو راكبًا"، ممتنعين عن مجيء "من بقي لأغراضٍ خاصةٍ من هذه الدنيا". و"الحانث منّا أو منهم، فليجعل الله يُدمّر بيته أو يُخرَّب، على يد مسلمٍ أو نصرانيّ". وفي الختام، أشاروا إلى الأديان الثلاثة: "السلام على الدوق وعلى نسله وعلى كلّ من حلف، سواءٌ كان نصرانيًّا أو يهوديًّا"[33].

ويخلط التاريخ الرسميّ الوقائع، فيضع فتحَ موغادور على يد مانويل الأول ملك البرتغال في عام 1506، مضيفًا أنه شيّد حصنًا وأدخل قصب السكّر، كما في أغادير، من غير أن ينتبه إلى أن دار أغادير (Casa de Agadir) كانت في رأس أغير، أي في جزيرة موغادور (Magador) أو موغودور أو موغولو (Mogolo).

وعصيانًا لابنته، مضى فِرناندو الخامس بحثًا عن البلاط. ولم يقع اللقاء العاطفيّ مع الملكة الذي تنقله الأسطورة، لكنه وقع بلا شكٍّ مع رجال سيسنيروس ومع الكردينال نفسه. وبعد أن ترك مصالحه محميّةً على النحو الواجب، انتقل فِرناندو إلى مملكة أراغون، ثم إلى نابولي، حيث تلقّى نبأ وفاة فيليب هابسبورغ (Felipe de Habsburgo)، ضحيّةَ "الطاعون الدُّبَليّ" (landre) أو الوباء، التي وقعت في بورغوس في 15 سبتمبر 1506. فعاد فِرناندو مسرعًا كأنه على ظهر جواد، محايِدًا ابنته، ليحكم باسمها. وكانت ردّة فعل قادة خوانا عنيفةً في غاليسيا والأندلس. وطمسًا للاغتصاب الذي ارتكبه الكاثوليكي، مرّت الاضطرابات في الشمال بوصفها نزاعًا بين كبراءَ ورئيس أساقفة سانتياغو، وفي الجنوب بوصفها عصيانًا من غثمان. ولمّا كان العام عام قحطٍ، اسْتُورد القمح من نيغروبونتي (Negroponte)، فاجتاح إشبيلية "طاعونٌ عظيم" انتقائيٌّ على نحوٍ لافت. إذ انحصر في العاصمة، فأودى بخيرة طبقة المتحوّلين (conversos)[34].

وفرّ خوان دي غثمان من "الطاعون الدُّبَليّ" ومن المدينة، تفاديًا لأن يبلغه، ويروي برنالديث (Bernáldez) أنه إذ حسِبه قد انقضى، عاد بجيشٍ وضجيجٍ من الطبول. فأُصيب فورًا لأنه لم يُحسن تقدير أوقاته[35]، ويُميته المؤرّخ في 10 يوليو 1507، مشيرًا إلى أنه تناول القربان ومسحة المرضى، وهو ما لم يكن خبرًا في أرض النصارى. والحقّ أنه أوصى في 12 من ذلك الشهر، ولعلّ سبب الخطأ حبسٌ منزليٌّ سابق. وقد صدّر وصيّته من غير أن يُغفل لقبَ "سيّد جبل طارق"، مفتتحًا النصّ بكلماتٍ فريدة: "متحوّلًا إلى الله سيّدنا، منحنيًا حتى الأرض راكعًا، أعترف بالإيمان الكاثوليكيّ المقدّس... لاعنًا كما ألعن كلَّ هرطقةٍ وصنفٍ منها، ممّا قام أو سيقوم ضدّ إيماننا المقدّس". ولعلّ محقّق تفتيشٍ (inquisidor) كان يعاونه، فأعلن "كذلك أنني كنت مذنبًا كثيرًا، في صباي كما في جميع أيّام حياتي التي أقدر فيها على الذنب". وطلب الأسرار المقدّسة كتائبٍ صالح، إذ كان ابن الكنيسة تُدار له تلقائيًّا. ولعلّه كان يرتدي ثوب "السنبنيتو" (sambenito) من الصوف الخشن، وقد أُدرج بين متعلّقاته الشخصية. وأراد قدّاساتٍ لأنه من الموضة، لكنه ألحّ على أن "يُتلى" المزمور (Salterio) إلى آخر الزمان ومن غير انقطاع. وسمّى ديره في سانتيبونثي (Santiponce) وعدّة أديرةٍ أخرى بوصفها متلقّياتٍ محتملةً لهبةٍ مهمّةٍ يُوصي بها في المقابل، ثم غامر بأنه إن لم يجد رهبانيّةً مستعدّةً لتكريس نفسها لعبادةٍ مشكوكٍ فيها، أُنشئت رهبانيّةٌ لذلك الغرض، بديرٍ ملحقٍ بها، وُقِف عليها بسخاء[36]، وهي وصيّةٌ أخيرةٌ لم تُنفَّذ لإفلاس الفقيد غير المتوقَّع.

ولم ينسَ أن يذكر الأموال التي كان يدين له بها "الأديلانتادو" (Adelantado) ألونسو دي لوغو (Alonso de Lugo)، وبالتبعيّة زوجته بياتريث دي بوباديّا (Beatriz de Bobadilla)، لقاء النجدات التي أرسلها إلى جزر الكناري. فسيقبضها ورثته، مع دَين الأسقف خوان دي فونسيكا (Juan de Fonseca) وغوتييريث تِيّو (Gutierrez Tello). ثم اعترف بخطيئته: "لقد جعلتُ يُتَّجَر في بلاد البربر مع المسلمين، بسبب الحفاظ على الحيازة التي كانت لبلدتي سنلوكار من تلك التجارة. ولأنه لعلّه كان في طريقة التجارة نوعٌ من إشكال الضمير"، فسيدرس علماؤه المسألة مع الأب المعلّم فرانثيسكو (P. Maestro Francisco)، "معرّفي (confesor)"، من غير أن يمنع ذلك الابنَ من مواصلة العمل بطرقٍ مشروعةٍ أكثر أو أقلّ: "من حيث إنني كنت قد أجريتُ تعاقدًا مع المارِشال هرنان داريّاس سابيدرا (Hernán Darias Saavedra) بشأن وثائقَ معيّنةٍ أعطاها، على نحو ما حدّثت به الأب فرانثيسكو معرّفي، آمر بأن ما يقوله أبي المعلّم فرانثيسكو المذكور ويتّفق عليه ويُبرمه، يُنفَّذ ويُبرَم ويدفعه دون إنريكي (D. Enrique) ابني المذكور، لتبقى له حرّةً دعوى تلك الوثائق. وتكون له"[37].

ورأى ما جرى مع بالوس (Palos)، فخشِيَ أن يُترَك بلا مرفأٍ يُموّن به رعاياه فيما وراء البحار، وكان قد اتّفق على تأسيس مكانٍ قرب موغير (Moguer)، بمرسًى مفتوح، بالمناصفة مع رهبان لا رابيدا (la Rábida). وسيُنفّذ إنريكي المشروع مع الجماعة الرهبانية[38]، لأنه أضمن وسيلةٍ لإبقاء طريق جزر رأس أغير مفتوحًا. ولمّا كان الكنز المتراكم في حصن نِيِبْلا (Niebla) حُرَّ التصرّف، أوكل حراسته إلى خوان دي باراونا (Juan de Baraona) وغونثالو فرنانديث (Gonzalo Fernández) "موظّف دفاتري". فيحلفان "على حفظ سرّ ما يجدانه هناك"، ويقسمانه شطرين متساويين: للبكر المولود من إيزابيلا دي بيلاسكو (Isabel de Velasco)، ولأرملته ليونور دي غثمان (Leonor de Guzmán)، التي تركها بثلاثة أبناءَ في الحضانة. وقد مات الدوق في 14 يوليو[39]. ولم يقل أحدٌ إن الموت لم يكن طبيعيًّا، لكنّ تغيير التواريخ الذي أدخله برنالديث يشير إلى أنهم أعانوه على الخلاص من الألم، إذ ليس معتادًا أن ينتظر محتضَرٌ لا يطمح إلى القداسة أنفاسَه الأخيرة في نزعه "والركبتان في الأرض"، أي راكعًا.

ولمّا وقعت الوفاة، كان الـ32 "عبد افتداءٍ" (esclavos de resgate)، الذين "أخذهم" بيدرو سواريث دي توليدو (Pedro Suárez de Toledo) في "رأس أغير" و"أعادهم... ليُفتَدوا"، يُبحرون في قاربٍ لغثمان، في حماية 30 رامي قوسٍ (ballesteros)[40]. ولمّا كان فرناندو كابايّيرو (Fernando Caballero) قد شقّ طريقه في البحر مع رودريغو باستيداس (Rodrigo Bastidas)، حاملًا "جميع الأشياء التي حُمّلت للهند"، ومنها الأحذية و"الخِفاف" (xervillas) وسروج "الشِّينِتا" (xineta)، جرى البحث عنهما ليُقدّما الحساب. ويظهر خاكومي دينارتي (Jacome Dinarte)، من أهل سنلوكار، في تصفية التركة، لأنه كان عليه أن يُقدّم حساب الزيت والقمح والكتّان وغيرها من البضائع المخصّصة لافتداءات الكناري، فضلًا عن تقديم تقريرٍ عن الأراضي والمعامل (ingenios) والضرائب من السكّر التي كان يملكها الفقيد في غران كناريا وتِنِريفي. وسيتولّى منفّذو الوصيّة "الكتّان والأقمشة وغيرها من البضائع" التي في حوزة بيدرو دي أنياسكو من دار التعاقد، متسلّمين شحنةً من منسوجات فلاندرز أرسلها الوكيلان دييغو دي لاس كاساس (Diego de las Casas) وغونثالو غارثيا (Gonzalo García) بقصد المقايضة. أمّا المحلَّف بيدرو دي تاريفا (Pedro de Taryfa)، فسيُقدّم تقريرًا عن محصول "الألمايش (almayx)... ممّا جُلب من الهند"، المزروع في بيخير (Vejer)، وعمّا كان لديه في المخازن، وكذلك عن القرمز ومسحوق القرمز (grana) الذي جُنِيَ في تشيكلانا (Chiclana)[41]، التي أدخل آل غثمان في ساحلها وساحل كونيل (Conil) صبّار التين الشوكيّ مع الحشرة القرمزيّة (cochinilla) الملازمة له.

وفي جرد صغائر الفقيد، تظهر قطعُ ذهب "كيميائيّ" (de alquimia) مع "قُطيعاتٍ" من ذهبٍ حقيقيّ، و"زجاجٌ أخضر لتقليد الزمرّد"، وأحجارٌ كانت "عيّناتٍ لأحجارٍ أخرى كان يُزمَع جلبها من كاليكوت (Calicud)"، وحبّاتُ زجاجٍ زرقاءُ وبيضاءُ وصفراءُ مخصّصةٌ للمقايضة، وثلاثةُ عناقيدَ من ريش النعام، ربّما زينةٌ لآخر ثلاثة سادةٍ لجزر أغير، مثلها مثل بضع قلانسَ و"سلاسلَ صغيرةٍ" من ريش الببّغاء واردةٍ من الهند. وكان يرافق مفتاحَ الحديد "الذي يُقال إنه كان لباب تُرتُمة (Turtuma)" أربعةٌ من "الخشب"، مثل تلك التي كان يستعملها الأزتيك بحسب الأب سهاغون (P. Sahagún)، أو مسلمو قصبة سلا (Sale) في القرن السابع عشر[42]. ومن المحتمل أنها، مثل عيدان الكلخ (cañahejas) الخمسة "التي هي عصيّ"، كانت ترمز إلى ولايات الرأس الخمس. ومن غينيا جاء وعاءٌ (pinchel) فيه أربع سحالٍ وناب فيلٍ. ومن بلاد البربر جاءت "كتب العبرانيّة" التي جُلبت من آسفي[43]، مرفأ سوس.

ولا نعلم شيئًا عن مضمون كنز نِيِبْلا. ولمّا ساءت العلاقة بين الأطراف، لم يكن التقسيم قد تمّ في أغسطس من العام التالي، حين وصل الكاثوليكي إلى إشبيلية[44]. واستُدعي إنريكي دي غثمان، الدوق الجديد، إلى القصر. وبحسب بارّانتيس (Barrantes)، أراد فِرناندو أن يفسخ زواجه من ماريّا خيرون (María Girón)، ليزوّجه من آنا دي أراغون (Ana de Aragón)، حفيدته من نسبٍ غير شرعيّ. فغضِب بيدرو خيرون، أخو ماريّا وزوج مِنثيّا دي غثمان (Mencía de Guzmán) أخت الدوق، وأراد تفادي إهانة الطلاق. فتسلّل إلى القصر، وأنقذ صهرَه، وتعادَيا هاربَين حتى حدود البرتغال، حيث يضيع أثره، على الأقلّ في أرشيف بيت مدينة سيدونيا. وثمّة أثرٌ خفيفٌ من سُلالة خيلٍ يقود الفتى إلى فنزويلا. فخيول آل غثمان مشهورةٌ، ويُقال إنها تنحدر من فحلٍ أصلُه من مراكش، جلبه فارسٌ أندلسيٌّ في القرن السادس عشر[45]. وأوّل جوادٍ مسمًّى، من تلك التي كانت تؤلّف إسطبل خوان دي غثمان عند وفاته، دُعِيَ "مراكش" (Marruecos). فليس بغريبٍ أن يكون الابن المنفيّ قد تبع من البرتغال إلى سيادة أسلافه، حاملًا مركوبه.

وأيًّا كان الأمر، فإن الأحداث التي تلت رحيل الصهرين تشير إلى فرار سجينٍ أكثر منها إلى انشقاق ضيف. ويُقرّ بارّانتيس نفسه بأن فِرناندو صادر حصون دوق مدينة سيدونيا. وسلّمها قادتُها طائعين، على حين قاوم حصنُ نِيِبْلا، فدخلته القوّات الملكية عنوةً. وجمع الجنود غنائم من الذهب والحُليّ في الدُّور ومن الأهالي، واستولى الملك على الحصن والكنز. وعاد إنريكي دي غثمان إلى الظهور في مورون (Morón)، ليموت في الثامنة عشرة من عمره، ضيفًا على أسرة زوجته، بمصادفةٍ طريفةٍ في عام 1513، أي في العام التالي لشراء مانويل الأول حصنَ سانتا كروث برأس غويه (Guee) من الفارس سيكيراس (Sequeiras)، ربّما بوصفه منفيًّا سياسيًّا أُعيد إلى وطنه رغمًا عنه. ولمّا لم يترك آخر دوقٍ لمدينة سيدونيا، من سُلالة سادة أغير، ذريّةً، ورث البيتَ الابنُ الأكبر لليونور دي غثمان. ولمّا كان كابايّيرو وباستيداس قد تلاشيا، منحت الدوقة الأرملة توكيلًا لتتبّعهما في الهند، ذاكرةً، من بين بلداتٍ أخرى، بلدتَي سان ميغيل (San Miguel) وسان كريستوبال (San Cristóbal). وفي زمن هذا الدوق وأخيه، كان كثيرٌ من خدم بيت غثمان ممّن هاجروا إلى الهند. وآثر معظمهم فنزويلا، إذ خرج في عام 1528 الزوجان كوارِسما (Quaresma)، المذكوران في "مراثي" (Elegías) خوان دي كاستيّانوس (Juan de Castellanos) بوصفهما من قدماء أهل كورو (Coro).


  1. R.A. doc. LX/LXII.
  2. R.A. doc. LXIII/ LXVI/LXII.
  3. R.A. doc. LXI. "Norte de la Contratación de la Indias Occidentales". José de Veitia. Ed. 1671.
  4. في عام 1582 كانت من الندرة بحيث إنه لتشكيل أسطول ماركيز سانتا كروث، المرسَل إلى جزر الأزور، صودرت سفن "أوركا" (urcas) تجاريّة أجنبية. ولم يبنِ فيليب الثاني سفنًا حتى أمر في عام 1589 ببناء 12 غليونًا في بيسكايا (Vizcaya). وسيكون فيليب الثالث بانيًا، مع نقصٍ مزمنٍ في وسائل النقل.
  5. R.A. doc. LXI.
  6. أنطونيو دي توريس، مراقب بلاد البربر (veedor) منذ 20 يونيو 1500، وقائد سانتا كروث البحر الصغير بدءًا من 21 فبراير 1502، وحاكم غران كناريا، أقلع من هذه الجزيرة في خريف 1502. وكان يحمل حسابات ألونسو فرنانديث دي لوغو عن النزول في رأس أغير، فضلًا عن الدعوى المقامة ضدّ الكاتب غونثالو دي بورغوس. وضاعت السفينة عند دخولها قادس قبل 18 مارس 1503، ولا يُستبعَد أن يكون فرانثيسكو دي بوباديّا (Francisco de Bobadilla) من بين ركّابها. ولمّا كانت سيرة توريس وأسفاره وغران كناريا نفسها محرِجةً للتاريخ الرسميّ، يُغفل المؤرّخون الرجوع إلى وثائق محفوظةٍ على النحو الواجب، على الأقلّ حتى وقتٍ ليس ببعيد، ويخترعون أسطولًا من 32 شراعًا، وهو مستحيلٌ في تلك الحقبة، بحمولة 2,500 راكب، من بينهم بارتولومي دي لاس كاساس (Bartolomé de las Casas)، الذي رُكِّب بوصفه مستوطنًا طامحًا. وبدقّة مزوِّر، يُخرجونه من قادس في 13 فبراير 1502، مُوصِلينه إلى هيسپانيولا (La Española) في 5 أبريل. وفي طريق العودة يُركّبون فرانثيسكو دي بوباديّا مع 200,000 بيزو من الذهب، مستعينين بالعاصفة لإغراق أنطونيو دي توريس وبوباديّا، ناجِينَ سبع سفنٍ أو ثمانيًا يُقال إن الرُّبّان فرانثيسكو رولدان (Francisco Roldán) قادها إلى ملجأ بورتوبيلو (Portobelo)، في ساحلٍ كان كولومبوس يكتشفه ("Historia de las Américas" مؤلَّف جماعيّ. منسّق: Luis Navarro. V Centenario 1991).
  7. R.A. doc. LXI.
  8. R.A. doc. LXII.
  9. R.A. doc. LXIV/ LXV.
  10. R.A. doc. LXIII.
  11. R.A. doc. LXIX.
  12. R.A. doc. LXIII/ LXVI/LXII.
  13. Bernáldez cap. CCIX. ADMS. 2431/2432.
  14. Simancas. Depósito de Medina Sidonia. ADMS. 4.6.1492. 11.1.1504.
  15. ADMS. 925.
  16. يظهر ذكرٌ لبيدرو دي أنياسكو (Pedro de Añasco) في تأريخ باثكيث (Vázquez)، "El Dorado".
  17. ADMS 2432/931.
  18. Bernáldez cap. CLVI. SRGS X.1504.12. في وقتٍ متأخّرٍ من القرن السادس عشر، استعاد المسلمون قزازة. وعاد الدوق السادس لمدينة سيدونيا فأخذها، متخلّيًا عن حيازات مليلة لأنها لم تكن تغطّي النفقة.
  19. ADMS. 931.
  20. Ibídem.
  21. R.A. doc. LXX/ LXXIV.
  22. Ibídem.
  23. Ibídem.
  24. R.A. doc. LXXIII/ LXXV. كان ثمّة نهر ميثة (Mesa) في نيكاراغوا وآخر في فنزويلا. ومن الممكن أن يكون نهر الذهب (Río de Oro) الذي يشير إليه الكاثوليكي في هذه الحالة هو الأورينوكو (Orinoco).
  25. R.A. doc. LXXIII.
  26. ADMS. 2395.
  27. متزوّجٌ من مِنثيّا دي غثمان. وكان إنريكي دي غثمان متزوّجًا من ماريّا خيرون، أخت كونت أوريينيا (Ureña).
  28. عند وفاته في عام 1507، كان لديه 4 عبيدٍ سودٍ وأَمَةٌ سوداء، و17 كناريًّا، أحدهم يُدعى علي غوميث (Alí Gómez) وأَمَةٌ كناريّة. ولا يُذكَر لون ماريّا دي أيّينديه (María de Allende) وأبنائها (ADMS 931).
  29. Simancas. Depósito Medina Sidonia.
  30. Ibídem.
  31. Simancas. Depósito Medina Sidonia. في تذييلٍ بالعربية، وقّع: حسير (Xosair) بن تِخيخي، ومنصور (Mansur) بن فتوغ (Fetug)، ولخاسي شامد (Lexase Xamad) السفلوس، وسايس عبد الأومن (Sais Abd el Umen)، وسيمون (Simón) بن عمر، والزيخاني سعيد (el Zexani Said) بن عيسى، وسعيد بن محمد النفلوس، وسعيد بن حنين، وضايض حمد (Daid Hamad) الحاكم، وحسين (Xosein) بن برغوس (Bergus)، وأمون (Amón) بن محمد السلطان، وحسين (Xoseín) بن منصور السلطاني.
  32. Simancas. Depósito Medina Sidonia
  33. Simancas. Depósito Medina Sidonia
  34. Bernáldez cap. CCIX
  35. ADMS. 931.
  36. Ibídem.
  37. ADMS. 931.
  38. Ibídem.
  39. Ibídem.
  40. ADMS. 931/2432.
  41. ADMS. 931.
  42. ADMS. 2410.
  43. بين الأشياء "المَغربيّة" (morisco)، يظهر كيسٌ كبيرٌ فيه أربعة أكياسٍ من الأصباغ لإعطاء اللون؛ وأكياسٌ فيها "دُمى" (momos) أو تماثيلُ صغيرةٌ وكبيرةٌ من الذهب والفضة والنحاس والرصاص، فضلًا عن أعنّة خيلٍ وثياب. ومن الهند: حزمتان من الأجراس؛ وسلسلةٌ صغيرة، وببّغاءٌ من عظم؛ وكرةٌ كبيرة، وزوجان من "التنانير" القطنية؛ وأحزمة قطنية؛ ومقاليعُ (tiradores) لا بدّ أنها حبال رمي؛ وقرعةٌ من قشّ؛ وسرير، وأرجوحةٌ شبكية، وثلاث جوزات. ومن غينيا: طبلتان؛ وثلاثة رماحٍ (azagayas)، وأقواسٌ وسهام؛ وأغطيةٌ، وأكياسٌ صغيرة، وأخمرة، وقطع كتّانٍ من ليف النخل، بيضاء و"سوداء" (ADMS. 931).
  44. ADMS. 931.
  45. ADMS. 4259.