Part II · The Fortunate Isles · الفصل 4 من 9
غارة بيدرو دي فيرا

غارة بيدرو دي فيرا

بعد أن مُني الملكان الكاثوليكيان بهزيمة مدوّية في غينيا، وجدا نفسيهما مضطرَّين إلى القبول باقتسام مملكة فاس الذي قضى به الأحبار البابويون. ولمّا وُقِّعت المعاهدة في سبتمبر من عام 1479، أُلحقت بتاجهما "جزرُ" لنثاروتي، وبالما، وفويرتيفنتورا، وغوميرا، وفييرّو، وغراثيوسا، وغران كناريا، وتينيريفي، "وسائرُ جزر الكناري المجاورة، ما كُسب منها وما لم يُكسَب بعد"[1]. وعندما أُعيد إطلاق فتح غران كناريا عام 1480، سعيا إلى تدبير الأموال عن طريق تسويق المرسوم البابوي الذي كانا قد حصلا عليه قبل سنوات. وبعد أن حُذف اسما غينيا والبرتغال، انحصر المرسوم في تنصير الكناريين، فثار المتزمّتون ثورةً عارمة: إذ أعلن "بعضُ الأشخاص" من رجال الكنيسة أنّ المراسيم البابوية "ملغاةٌ ومعطَّلة"، وحظروا "تحصيل المرابيدي"، لأنّ ذلك إنّما كان يُفعل "بغية مدّ الأيدي إلى تلك الصدقة وإنفاقها وتحويلها إلى استعمالات ومصاريف أخرى"[2].

وحين صارت هذه "التواطؤات"، الملازمة لتاريخ البلاد، علانيةً، سكّن فِرناندو الخواطر بأن عيّن خازناً عاماً للغفران المقدَّس بيدرو دي سِتيين، وهو "رجلٌ ذو ثروةٍ ومأمونٌ وذو ضمير"، إذ إنّه لعدم حاجته إلى مال الغير سيمتنع عن الاستيلاء عليه. أمّا القاصد الرسولي (Nuncio) فقد أقنعه أن يعلم أنّ الجزر خاضعةٌ لسيطرة الإسلام. وردّاً على التهديد الديني–الأيديولوجي، أعلن أنّ مرسوم شراء الغفران واجبٌ إلزامي، "إلى أن تُؤخَذ تلك الجزر المذكورة وتُنصَّر وتُردَّ إلى إيماننا المقدَّس المذكور"، على أن يُعمَّد "بقوة السلاح" آخرُ كناريٍّ فيها[3]. وبعد أن شُرع في توزيع صكوك الغفران، ولم تكن حالُ السكان تسمح بالاستثمار في قطعٍ من الجنّة، كثُر المتخلّفون عن الدفع الذين انتهى بهم المطاف خلف القضبان، مُدانين بإخلالهم بواجب الدفع الذي يُبرِّر، في عيني ملكٍ، وجودَ الرعيّة.

ولأنّ الفتح لم يكن قد "اكتمل" لإصرار الكناريين على "تمرّدهم"، بحث الملكان الكاثوليكيان عن قائدٍ محنّك، فوقع اختيارهما على بيدرو دي فيرا، وهو فارسٌ من فرسان مجلس خيريث الأربعة والعشرين، ومنضبط. كان من أتباع إنريكي الرابع وخوانا، وفي خدمة بلتران دي لا كويبا ورودريغو بونثي، ثم انتقل مع الأخير إلى المعسكر الآخر دون أن يطرف له جفن. ويفترض المؤرّخون أنّ فيرا اختيرَ لكونه كان منفياً في جزر الكناري بعد أن قتل باسورتو، حاكم قلعة مدينة سيدونيا. والحقيقة أنّه في 4 فبراير من عام 1480، وهو اليوم الذي صدر فيه التعيين، كان في داره في خيريث. و"إذ إنّ فتح" "جزيرتَي غران كناريا وتينيريفي يعودُ إلينا"، وحتى يتمكّن من إنجازه دون أن يصطدم بمعارضة، تراكمت في يده مناصبُ حاكمِ قلعة بيّا ريال دي لاس بالماس، والحاكم، والقائد الأكبر، والقاضي الملكي (corregidor) لغران كناريا. وكان على بيدرو دي لا ألغابا[4] أو أيّاً كان من يتولّاها أن يسلّمه الحصن، وعلى القضاة أن يسلّموه عصيّهم (رموز سلطتهم)، على أن تُجرى "التحقيقات". فمتى انكشف المذنبون في "الفضائح والضجيج والخلافات" التي تبلورت في "انقسامات" أوقعت العداوة بين الجند والفرسان والأتباع (escuderos)، انتهى المفسدون في السجن عبر محاكمات موجزة صارمة. وبعد أن تُنفَّذ عقوبتا النفي والإعدام، وينتظم أمر المجلس البلدي والميليشيا، يشرع في مهمّة "إخضاع" أهل الجزيرة "لإيماننا الكاثوليكي المقدَّس"، "حتى يكسبها ويستولي عليها"[5]، ويواصل في "تينيريفي وبالما" اللتين كانتا أيضاً "في قبضة الكفّار"[6].

وحيث كان لا بدّ من نواةٍ من المستوطنين القشتاليين، إضافةً إلى الموجودين في الجزيرة، افترضت الملكة "أنّ بعض الفرسان والأتباع والبحّارة وأشخاصاً آخرين" ممّن "يذهبون" أو "سيذهبون" إلى غران كناريا سيرغبون في "العيش والإقامة في الجزيرة المذكورة واتّخاذ مستقرٍّ لهم فيها" مع زوجاتهم وأبنائهم. ورغبةً في أن يكون لديهم "شوقٌ أكبر"، ستُوزَّع عليهم القِطَع السكنية و"الأملاك الموروثة"، بأن يُعطى كلٌّ منهم "ما ترى أنّه، بحسب استحقاقاته ومكانته، يحتاج إليه". وبعد توزيع الأرض، يُشكَّل مجلسٌ بلديٌّ جديد، فتُصادَر العصيُّ (المناصب) المُشتراة ويُعزَل القضاة، باستثناء المعيَّنين من التاج[7]. أمّا المناصب فقد تكون "سنويةً" أو مدى الحياة أو وراثية، إذ يعيّن فيرا المحلَّفين والمرشّحين لـ"الحكم" (regimiento) حتى يستطيع الشعب أن ينتخب دون أن يخرج عن الطوق. ولجهالة هويّة القادرين على القراءة والكتابة، حمل معه شهادةَ تعيينِ كاتب العدل العام وكاتب الديوان (escribano de cámara) بيضاء، "في جزر الكناري وتينيريفي وفي بحارها وموانيها"[8].

ولإمداد الرجال المُبحرين والناس الموجودين في الجزيرة[9]، كان عليه أن يُخرج من الأندلس 450 قفيزاً (cahíz) من القمح، و220 من الشعير[10]، وكلَّ ما يتبقّى من البقسماط في المملكة[11]، وأن يجنّد في نطاق إشبيلية 100 من رُماة القِسيّ الجبليين "المنتقين بعناية" الذين يعينون على دحر الكناريين "بأسرعَ ما يكون". وبعد أن حُدِّد أجرهم، يُدفع لهم عند انتهاء الحرب من الغنيمة[12]. وقد كُرِّم خوان دي لوغو بوصفه خادماً "رئيسياً" للتاج، لأنّه استمرّ في تمويل "السفن ورجال الخيّالة والمشاة"، فكان على فيرا أن يعوّضه بـ"ملكٍ موروثٍ من الجودة والامتياز" بحيث يُنشِد كرمَ المالك. ولكونه مالاً لا يجوز حجزه، "بوصفه أرضاً كُسبت من الأعداء"، فإنّه يحتفظ بهذه الصفة حتى لو بيع إلى طرفٍ ثالث[13]. وبعد أن أُقصي بيدرو دي لا ألغابا عن السلطة، أزاحه خوان دي لوغو عن تجارة الأرشيلة (orchilla)، فأثار هذا التحوّل قلق غير قليلٍ من الناس. فطلب فِرناندو دي رويدا ومارتين غونثاليث دي فيتاس، وهما من سكّان "بلدة غوميرا"، ضماناً ملكياً يحميهما من الحاكم الجديد لغران كناريا، فمُنحاه في 20 فبراير 1480[14].

وعلى عادتهم، يناقض المؤرّخون التاريخَ الوثائقي. فيخبرنا بولغار (Pulgar) أنّ كناريا الكبرى كان "يصعُب كسبها" لولا العداوةُ بين أميري المملكتين. فلمّا تحالف "أحدهما" مع القشتاليين، ساعدهم على إخضاع "الجزيرة كلّها" "طلباً للانتقام من الآخر". وكافأه بيدرو دي فيرا بأن أرسله إلى قشتالة مع زوجته وحاشيته. وقد استقبله الملكان الكاثوليكيان في مدريد، و"أمرا بأن يُزوَّد بكلّ ما يلزم"، وأبهراه قبل أن يعيداه إلى وطنه ليواصل الخدمة[15]. ويأخذ برنالديث (Bernáldez) بهذه الرواية، مسمّياً الملكين المتنافسين. فتِلدي (Telde) القويّة واجهت القشتاليين. ولمّا أدّت غالدا (Galda) فروض الولاء للتاج، أرسله فيرا إلى شبه الجزيرة، "حيث أكرمه الملك والملكة كثيراً وكسواه وعقد معهما صداقته". وبعد أن أقسم الولاء للملكين عاد ليُتمّ الفتح[16].

أمّا جوهر الحقيقة الذي تكتنزه هذه الأسطورة فقد كان اسمه ميشيل دي مونشيكا (Michel de Monxica)، كناريٌّ "أسمرُ" اللون، أي أسود. لم يكن له من مكانةٍ سوى صفة المواطن، فعرَض خدماته على "بعض الأشخاص من أولئك النصارى المذكورين" الذين ضمّوه إلى حمولةٍ من العبيد، فاشتراه رجلٌ من خيريث. وقد بلغ الخبرُ إستيبان بيريث كابيتوس (Esteban Pérez Cabitos)، الذي كان بعد إتمامه التحقيق في لنثاروتي يشغل منصب القاضي الأعلى في غران كناريا، فأخبر الملكين بالتسليم الطوعي لـ"كناريٍّ، من كفّار الجزيرة". وبمصيره أيضاً. وكانت الإشارة ذات قيمةٍ دعائية، فاغتنمها الملكان الكاثوليكيان. وكان فيرا يومئذٍ في خيريث، فكلّفاه بالقضية برسالةٍ مؤرّخة في 14 أبريل 1480: فإنْ "وجدتَ أنّ الكناريّ المذكور جاء إلى النصارى الموجودين في الجزيرة المذكورة، فلمّا جاء قبضوا عليه وباعوه"، فعليه أن يأمر بضبطه، ملزِماً البائع بردّ ما قبضه[17].

ولمّا أُرسل هذا "المتوحّش" المزعوم إلى البلاط، تبيّن أنّه قارئٌ كاتبٌ وملمٌّ بعدّة لغات وأمين، وهي فضيلةٌ نادرة في قشتالة. فخاطبه الملكان بـ"خادمنا"، وكدّسا في شخصه المسؤوليات عبر سلسلةٍ من المراسيم (albalás) المؤرّخة في 30 أبريل. فسيكون "جابياً" أو محصّلاً للأخماس "وسائر الرسوم والحقوق العائدة إلينا في الجزيرة المذكورة"؛ ومديراً للغنيمة ولكلّ ما يُجمَع من أموال يتعيّن على القشتاليين تسليمها إليه، بمن فيهم بيدرو دي فيرا، إذ تُصبح أوامرُ الصرف والإيصالات التي لا تحمل توقيعه بلا قيمة[18]. وبوصفه مستلِماً وحافظاً لـ"الخبز أو المرابيدي، سواءٌ ما نأمر الآن بإرساله ونقله أو ما سنأمر به من الآن فصاعداً لإمداد أولئك الناس ودفع أجورهم"، تكون الدفاتر في عهدته، مع توزيع مؤن الطعام والحرب والأجور[19]. وقد اكتُشف "شيءٌ من الفوضى" في التوزيعات التي أُجريت في غران كناريا، إذ أُقصي الذين "كدحوا وسيكدحون في أخذها" لمصلحة من لم يشاركوا، فإنّه "ثقةً" بأمانة الكناريّ، سيضبط عند انتهاء الحرب الأملاكَ الموروثة الممنوحة على غير وجه حقّ، ليعطيها لمن استحقّها، على أن يبقى تدخّل بيدرو دي فيرا مجرّدَ حضور[20].

أقلع الأسطول من ميناء ألبنتوس (Alventos) الصغير في خيريث، في يوليو 1480[21]. وما إن وصل فيرا إلى بيّا ريال حتى استأنف الحرب بجنود خوان ريخون (Juan Rejón)[22]. وفتح "قرى كثيرة" من غران كناريا، مقاسياً "مشقّاتٍ" عظيمة، لأنّ الإمدادات كانت تصل متأخّرةً أو لا تصل قطّ[23]. ولمّا اكتمل الفتح في أواخر العام، خسر خوان دي لوغو، إضافةً إلى عدم قبضه أجره، تجارةَ الأرشيلة، إذ مُنح احتكارُها لغونثالو دي كارديناس، أمير الرهبان الأكبر في ليون، في الجزيرة وفي الجزر "التي لم تُفتَح بعد". ولكونها سلعةً عسيرة التداول، اضطُرّ كارديناس إلى اللجوء إلى خوان دي لوغو المُحتقَر، الذي اشترط للتعاون أن يُعترَف له، في مرسومٍ ملكيٍّ موجّهٍ إلى بيدرو دي فيرا، بأنّه الوحيد الذي يستطيع "شراء وإخراج" الأرشيلة من الجزر، دون عبءٍ ضريبيٍّ سوى الخُمس[24].

خدم ألونسو فرنانديث دي لوغو في الفتح، إذ شارك في توزيع أراضي غران كناريا[25]، لكنّ دوره كان بعيداً عن أن يكون ذا شأن. فهو لا يظهر في الوثائق ولا في نصّ بولغار، غير أنّ أحداثاً لاحقةً حدت ببرنالديث إلى أن يُسنِد إليه دوراً بطولياً. وحلقةً مركزية في المعركة، معركةَ بينتيغاي (Ventegay)، يُروى أنّ النصارى هاجموا تِلدي بمساعدة غالدا. فلمّا كمن الكناريون في صخورهم، أوقع رُماة المقاليع 200 قتيلٍ في صفوف النصارى، وانتهى اليوم بانسحابٍ مُخزٍ[26]. وضاق الأمر بفيرا ولوغو، فتفاوضا على هدنة. وبعد أن أُبرمت عند غروب الشمس، كان الكناريون نياماً في مرتفعاتهم، واثقين بكلمة القشتاليين، حين هُوجموا غدراً وتحت جنح الليل. ولمّا قُتل تِدلي (Tedle) على يد غالدا، أدّى الناجون فروض الولاء. وعُمِّدوا على يد الأسقف خوان فرياس (Juan Frías)[27]، بعضُهم للمرة الثالثة، ويُذكَر بوصفه قتيلاً ميشيلُ دي موشيا (Michel de Muxia)، من قومٍ بشكنس (vizcaíno)[28]، "الذي كان قائداً تحت إمرة بيدرو دي فيرا"[29]، وهو بلا شكّ الكناريّ ميشيل دي مونشيكا، الذي كان يُراد تفكيك ذكراه. أمّا المعركة، إن كانت قد وقعت، فقد جرت بالضرورة في مكانٍ أو زمنٍ مختلف، إذ إنّه في عام 1483 كان فتح غران كناريا قد انتهى. ولحاجتها إلى مزيدٍ من الناس فوق من هم "هناك"، لكي "يكتمل كسب" الكناريين "لإيماننا المقدَّس"، عرضت إيزابيلا في 12 ديسمبر العفوَ عن الذنب والعقاب على "أصحاب الدماء" (omicianos) من البلدات الأربع ومقاطعة تراسميرا، مقابل الخدمة على نفقتهم مدّة ستة أشهر، تُحسب من اليوم الذي يمثلون فيه أمام مونشيكا وفيرا، في فتح غران كناريا "التي هي في قبضة الكفّار". وما دام العفو جزاءً كافياً، فلن يشاركوا في الغنيمة ولا في توزيع الأملاك[30]. وقبل انتهاء الشهر، قدّم فِرناندو دي كابريرا (Fernando de Cabrera)[31]، المستلِم العام "السابق" في "جزر" غران كناريا، حساباته إلى ميشيل دي مونشيكا، "مستلِمي الذي هو الآن مستلِم غران كناريا المذكورة"، لأنّ الجزيرة كانت قد فُتحت[32].

وبعد سنوات، ذكّر الكناريّ خوان مانويل الملكين الكاثوليكيين بأنّ أهل غران كناريا لم "يُهزَموا" قطّ، إذ أدّوا الولاء طوعاً في مقابل وعدٍ بأن تُصان أشخاصهم وأملاكهم، ولهذا فإنّهم "ليسوا عبيداً ولا يمكن أن يكونوا كذلك"[33]. وتؤكّد هذا الزعم خوانا الكناريّة (Juana Canaria). فبعد أن خضعت الجزيرة "لخدمتنا"، بقيت حرّةً "مع سائر الكناريين الذين أمرنا بأن يكونوا أحراراً"، لأنّها قبلت أن تُعمَّد دون مقاومة. وفيما كان يُستعَدّ "للذهاب إلى جزيرة تينيريفي"، دعا فيرا الرجالَ إلى اتّباعه، واعداً إيّاهم بأنّهم سيخرجون رابحين. لكنّهم لمّا شعروا بأنّ مصيرهم سينتهي في سوق العبيد رفضوا العرض. فأراد الحاكم أسرهم، غير أنّهم "غابوا" هاربين إلى الجبال. ولمّا فرّ زوج خوانا، اتُّهمت بأنّها كانت تستقبله ليلاً وتمدّه بالعون. فحُكم عليها بالأسر، واشتراها في الأندلس رجلٌ من خيريث ليجعلها خادمةً منزلية[34].

ومن غير أن يدري على الأرجح، أيّد برنالديث تصريح خوانا. فقُبيل إبحاره نحو تينيريفي، لم يشأ فيرا أن يترك خلف ظهره 600 رجلٍ "مقاتل"، فلجأ إلى سلاح السياسيّ الإسباني، ألا وهو الخداع. فبأن أكّد لكلّ من يتبعه أنّهم "سيكسبون ما يكسون به أنفسهم"، تمكّن من إركابهم على أقدامهم. وبعد أن حبسهم "تحت سطح السفينة" لئلّا يهتدوا بالشمس أو النجوم، حملهم إلى قادس وميناء سانتا ماريا. وبعد أن عُرضوا للبيع، عادت السفن بحثاً عن النساء والأبناء. فصعدوا إلى ظهرها دون اعتراض، إذ قيل لهم إنّهم يُحملون إلى حيث أزواجهنّ. وفاق العرضُ الطلبَ، فتُرك من لم يُبَع منهم أحراراً في العراء، توفيراً لنفقة إطعامهم، وسُمح لهم بأن يأووا خارج أسوار إشبيلية، بجوار باب ميلهوخار (Milhojar). فمات أكثرهم لعدم تأقلمهم، وتشتّت آخرون في أنحاء المملكة، وعاد أقلّهم إلى غران كناريا ليُشكّلوا نواةً سكّانيةً متقشتلة[35].

وكان المؤرّخ محكوماً بالتفسير الغريب للأخلاق السائد بين الإسبان، فاحتفى بالخيانة وأعلنها فضيلة، لأنّها ارتُكبت لدواعي الدولة، من أجل "تهدئة" الجزيرة[36].

وتحسّباً لأن يكون قد نسي، ذكّر الكاثوليكيُّ فيرا بواجب مواصلة الحرب بفتح تينيريفي وبالما[37]. وفي مرسومٍ موجّهٍ إلى مستشار (provisor) بيّافرانكا، عرضت الملكة خطط عام 1481: فإنّ "مجالس البهيتريات (behetrías) في ممالكي" ستقدّم "جميع مجدّفي السفن والبحّارة الملزَمين بخدمتي، كلّما جهّزتُ أسطولاً أو أمرتُ بتجهيزه". وبعد إرسال ثُلثهم لنقل المحصول الأوّل من "أصحاب الدماء"، يبقى الباقون في الاحتياط، مُعدّين للأسطول "الضخم" المزمع تجهيزه في أبريل[38]. وكانت اضطرابات غاليثيا ضدّ أسقف سانتياغو قد انتهت لتوّها، فكثُر الفرسان المُتّهمون بسبب الحرب. ففي 17 يناير 1481، دعتهم إيزابيلا إلى الخدمة "بأشخاصهم" وعلى نفقتهم، "مع رجالهم" وطوال المدّة التي يتّفقون عليها مع القاضي الأكبر (Justicia Mayor)، على ألّا تقلّ عن ستة أشهر: "اعلموا أنّه بعد أن أمرتُ بفتح جزيرة غران كناريا، وبفضل نعمة سيّدنا كُسبت وتنصّر كفّارها إلى إيماننا الكاثوليكي المقدَّس"، شرع بيدرو دي فيرا و"رجالي وقادتي الموجودون في تلك السواحل" في فتح "تينيريفي وبالما"، اللتين هما كذلك "في قبضة الكفّار". وحيث كان من المستحيل "إخضاع... الجزر المذكورة من دون أن يذهب ويصل مزيدٌ من الناس"، حتى يُصار إلى "تنصير" أهلها أو "طردهم" من الأرض، ناشدت "أصحاب الدماء"[39]، لأنّ رعاياها كانوا يعزفون عن الخدمة العسكرية، والجنديُّ المحترف غالي الثمن. فمتى أُتمّت المدّة المقرَّرة، وبشهادةٍ من بيدرو دي فيرا وميشيل دي مونشيكا، تعفيهم من الذنب ومن الالتحاق بالحرب مدى حياتهم[40].

جهّز ثمانيةٌ من المجرمين الغاليثيين من ذوي الحسب زورقاً شراعياً، عازمين على كسب العفو عن الدم. وبينما كانوا يمخرون "عُباب البحر" على مرأى من لنثاروتي، وهي أوّل جزيرة على طريق غران كناريا، باغتتهم العاصفة. فاضطُرّوا إلى التخلّص من السلاح والمؤن، وعادوا ليجدّدوا مخزونهم. ثم كادوا يبلغون وجهتهم مرّةً أخرى، فأعادهم الطقس إلى سانلوكار "دل ماريسكو". ولمّا باءت المحاولة الثالثة بالفشل لانتهاء المعركة، نالوا العفو في 30 مايو 1486، نظراً لحُسن نيّتهم[41]. أمّا صاحب الدم غونثالو كاريّو، من سكّان بونتيبيدرا، ولافتقاره إلى النفوذ، فقد استُدعي للقتال ضدّ "أعداء إيماننا المقدَّس" في حصار مالقة. وأبدى الفتور المعتاد، فقدّم شهادةً من مونشيكا وفيرا تُعلن أنّه أدّى ما عليه، بعد أن ترك خلفه غران كناريا مفتوحة[42]. وأمّا فِرّاند كويثيرو، من سكّان سانتياغو دي كاستيّو، فقد أُعفي من الذهاب إلى حرب غرناطة، لأنّه خدم 8 أشهر مع بيدرو دي فيرا قبل 11 عاماً، "أساساً في جزيرتَي تينيريفي وبالما"، بعد أن ترك غران كناريا مُخضَعة[43]. وقد اشتعلت الحرب في بالما عام 1481، فليس من الغريب أن ينزعج ألفونسو الخامس، فيأمر مهندسه المعماري دييغو بيريس (Diego Pireis) ببناء حصنٍ للدفاع عن نطاقه وعن المِنة (la Mina)، من جهة رأس بوخادور. فنزل في منتصف يناير 1482، وبنى على مرتفعٍ فوق أحجارٍ منحوتةٍ قديمة. ونُقش على أحدها تاريخٌ من القرن الرابع عشر غير محدَّد، لتعذّر قراءة الرقمين الأخيرين، فمن المرجّح أنّ حصن سان خورخي بُني على أنقاض الأكّارة (Akkara) النورماندية.

وبوصفه حاكماً للجزر الثلاث الكبرى[44]، أطال بيدرو دي فيرا فتح تينيريفي وبالما، ليُطيل تسويق العبيد المكتسبين في "حربٍ عادلة". وقد تغاضى الملكان الكاثوليكيان عن هذه المخالفة، لكنّ الضحايا حدسوها. فلمّا اكتشفوا أنّ القشتاليين يستفزّونهم لتبرير القمع، عزموا على أن يسبقوهم بالمبادرة. ففي يومٍ ما، طلب "سكّان جزيرتَي تينيريفي وبالما والمقيمون فيهما" اعتناق "إيماننا الكاثوليكي المقدَّس والبقاء تحت طاعتي بوصفهم رعايا وأبناء أرضٍ.. مقرّين بالخطأ الجسيم الذي كانوا فيه". واستحال تجاهل التماسٍ بهذا الصدق والعلانية، صادرٍ عن "جزرٍ من فتحنا"، فعُيِّن في 27 يوليو 1488 الأخُ أنطون كروثادو (Fray Antón Cruzado)، أستاذ اللاهوت في رهبانية القدّيس فرنسيس، راعياً لأرواحهم، فحضر بموكبٍ من رجال الدين. وكونُ كلٍّ من بيدرو دي فيرا وآل بيرازا، الأمّ والابن، تلقّى أمراً باحترام رجال الدين والسماح لهم بتعميد من يشاؤون، إنّما يدلّ على وحدة الإقليم[45].

وتدخّل بيدرو دي فيرا في جزر السيادة (islas de señorío)، فأصدر أوامر بالتجنيد في لنثاروتي وفويرتيفنتورا وغوميرا وفييرّو. فاحتجّت إينيس (Inés) باسمها وباسم زوجها، فوُجِّه إلى الحاكم "إنذارٌ"[46]، لكنّ المسألة لم تتفاقم، إذ كان الذي يقلق الملكين هو نزوعُ رعايا آل بيرازا، الذي تجلّى في مطلع عام 1484، إلى الانتقال إلى "جزيرة غران كناريا". ومع أنّ القشتاليين كانوا أحراراً في نقل مساكنهم أنّى وحيثما شاؤوا، طبّق الملكان "السلطان المطلق"، وهو صيغةٌ جديدة من "المبادرة الذاتية" (propio motu)، ليحظرا على سكّان الجزر الصغرى أن "تذهبوا للعيش والإقامة... في جزيرة غران كناريا المذكورة"، تحت التهديد بمصادرة الأموال، مع منع بيدرو دي فيرا من استقبالهم، لأنّه ما دامت الجزر "قريبةً من المسلمين، أعداء إيماننا الكاثوليكي المقدَّس"، فإنّها إن نقص سكّانها النصارى ستُفتَح[47]. ومن المرجّح أنّ الفارّين توجّهوا إلى أراضي التاج (realengo) استشماماً لروائح الغنائم الرخيصة التي أعقبت الفتح. فلمّا رفض الجنود أن يُدفَع لهم بالعبيد، خشيةَ أن يصادرهم الأسقف، دفع لهم فيرا بالأملاك العقارية. ورغبةً منهم في العودة إلى الوطن، باعوا بما أُعطوا. وحُبس رعايا آل بيرازا في جزرهم، فاختفى المشترون، فتوجّه الجند إلى التاج بحثاً عن حلّ. وكان الجواب، المؤرَّخ في 1485، نموذجاً في الوقاحة: إن "لم تجدوا من يشتريها"، تُقسَّم البيوت والأراضي، لكي يتمكّن كلٌّ من التمتّع بما له[48]. وهكذا نعلم أنّ الكناريين كانت لهم بيوتٌ من مواد بناء. وأنّهم صودرت أملاكهم.

حين بدأ بيدرو دي فيرا فتحه، لم يكن للقشتاليين سوى مستوطنةٍ واحدة هي بيّا ريال دي لاس بالماس التي أسّسها ريخون. أمّا فرانثيسكو فرنانديث دي أريبالو، الذي عُيِّن كاتباً مدى الحياة في 15 يوليو 1485، فقد مارس عمله "حيثما كنتَ حاضراً بشخصك"، إذ كانت له كتابةُ العدل "أينما عشتَ وأقمتَ". وحين "نأمرُ بتقسيم أرض الجزيرة المذكورة"، تُخصَّص له المقاطعة "التي تستقرّ فيها للعيش وتتّخذها موطناً"[49]. وفي عام 1490، نقل كاتبُ العدل الأكبر لويس سيبولبيدا ولايةً قضائيةً كانت تشمل بيّا ريال دي لاس بالماس، وولاية غالدار، ومدينة تِلدير[50] المأهولة منذ القدم بالنصارى؛ وكان الساكن بينيتو دي أريبالو، المتوفّى عام 1491 "في أسطولٍ جهّزه لجزيرة تينيريفي، منذ نحو ثلاث سنوات، بزيادةٍ أو نقصان يسير"، مالكاً في تِلدير لثروةٍ جمعها في "جزيرة غران كناريا"[51].


  1. SRGS. III.1480.302.
  2. SRGS. XII.1479.33/34.
  3. Ibídem
  4. Pedro de la Algaba y Juan Rejón, vivían en 1480.
  5. SRGS. II.1480.11.
  6. SRGS. V.1486.194.
  7. SRGS. II.1480.174.
  8. SRGS. II.1480 1 y 2.
  9. SRGS. II.1480.154.
  10. SRGS. II.1480.155.
  11. SRGS. II.1480.154.
  12. SRGS. II.1480.2.
  13. SRGS. IV.1480.18.
  14. SRGS. II.1480.58.
  15. Pulgar cap. XVIII.
  16. Bernáldez cap. LXVI.
  17. SRGS. IV.1480.136.
  18. SRGS. IV.1480.139.
  19. SRGS. IV.1480.205.
  20. SRGS. IV.1480.183.
  21. Bernáldez cap. XXXV. SRGS. II.1478.88 Meandro del Guadalquivir, en término de Trebujena. Juan de Guzmán, primer duque de Medina Sidonia, lo cedió a la ciudad de Jerez, separando la aldea de la jurisdicción de Sanlúcar, por no tener problemas en Bonanza.
  22. SRGS II.1492.207.
  23. Pulgar cap. XVIII.
  24. SRGS. IV.1480. 135.
  25. Pulgar cap. LXXVI. 330.
  26. Bernáldez cap. LXVI.
  27. Bernáldez cap. LXVI.
  28. F.O. T. III pág. 34. Refiriéndose a las Canarias, el autor dice: "Pedro de Vera, noble caballero de Jerez de la Frontera e Miguel de Moxica, conquistaron la Gran Canaria en nombre de los Católicos Reyes... y las otras islas, excepto la Palma y Tenerife". La salvedad tiene por fin justificar la guerra de Lugo.
  29. Bernáldez cap. LXVI.
  30. SRGS. XII.1480.50.
  31. El apellido Cabrera es constante: Andrés de Cabrera, casado con Beatriz de Bobadilla, colaboró con Isabel la Católica en 1473. Alcaide de Segovia, le franqueó la entrada en la ciudad, haciéndola proclamar heredera de Enrique IV. Y a la muerte del rey, para proclamarla reina de Castilla. Alonso de Cabrera aparece como alcaide de Diego de Herrera, en la torre de Galdar; Diego de Cabrera, factor de Inés de Peraza, pasó al servicio de la corona en 1496. Alcalde mayor de Gran Canaria, salió mal parado de juicio de residencia, en 1499; en 1505 Ginés de Cabrera, hijo de Juan Fernández, puso el barco de servicio, en la torre de la Mar Pequeña. Diego Martín de Cabrera, experto en las costas de Indias, fue a poblar con Nicuesa, en 1510.
  32. SRGS. XII.1480.86.
  33. SRGS. IX.1499.494.
  34. SRGS. II.1491.96.
  35. SRGS. 31.5.1486.194 Bernáldez, caps. LXIV. LXVI.
  36. F.O. T. III.
  37. SRGS. II.1480.11.
  38. SRGS. XII.1480.85.
  39. SRGS. V.1486.194.
  40. SRGS. XII.1480.50.
  41. SRGS. V.1486.194.
  42. SRGS. IV.1487.129.
  43. SRGS. XI.1493.47.
  44. SRGS. XI.1483.219.
  45. SRGS. VII.1488.220.
  46. SRGS. XII.1483.227.
  47. SRGS. 5.1.1484.6.
  48. SRGS. II.1485.14.
  49. SRGS. VII.1485.2.
  50. SRGS. XII.1490.20.
  51. SRGS. XI.1494.293. Sus hermanos eran Pedro González, mercader y María.