طريق السلام الوعر
مَلَكَ إنريكي دي غوثمان (Enrique de Guzmán) جزر رأس أغوير (Cabo de Aguer)، وهي جزر أرادها التاج خالصةً من أيدي الأفراد، فأدرك أنه سيواجه مشكلات في موانئه. ولمّا كان أول واجباته تموين رعايا أليّندي (Allende)، التمس الحماية في الملكية الجماعية، فاشترى جزءًا من اثني عشر جزءًا من ولاية بالوس (Palos)، من فرناندو دي إستونيغا (Fernando de Estúñiga). وبعد قبول الثمن الباهظ البالغ 2,200,000 مرابطي، وُقِّع العقد في 25 يناير 1479، واحتُفل بتسلّم الحيازة في كنيسة القديس جرجس (San Jorge). وبين أعضاء المجلس البلدي، في آخر القائمة، يظهر اسم مارتين ألونسو بينثون (Martín Alonso Pinzón)[1]. وكما في السنوات السابقة، أرادت إيزابيلا أن تُخرج "أسطولًا في البحر، ضد ملك ومملكة البرتغال". ولافتقارها إلى المراكب والمال، أُلزم مجلس إشبيلية بتوفير مليوني مرابطي، تُحمَّل على إيراد الأملاك العامة. وبعد تسليم مليون ونصف، مع وعد بدفع الباقي في وقت قريب، تكفّل الدكتور ألكوثير (Alcoçer)، الذي كانت الأساطيل في عهدته، بالمؤن والعتاد بصفته الشخصية، فأغرق نفسه في الديون لتجهيز السفن[2]. وفي غضون ذلك في بلباو (Bilbao)، أعدّ أندريس دي ليون (Andrés de León) "بعض السفن الصغيرة"، للذهاب "في أسطول ضد خصم البرتغال والشعب البرتغالي وشنّ الحرب عليهم". ولم يجد متطوّعين، فطلب امتياز "العفو عن جرائم القتل" (omecillo). وبعد منحه "لكي يتيسّر له الحصول على رجال، للسفن المذكورة"، أظهر الملكان تفاؤلهما، إذ اشترطا عام خدمة في القتال، وهو قتال لن يدوم إلا أقلّ من ذلك بكثير[3]. ولمّا لم تحضر مراكب إلى "الأسطول الذي أمرنا بإنشائه" "ضد ملك ومملكة فرنسا"، أصدر الملكان مرسومًا بالمصادرة، غافلين عن أن أهل الباسك (los vascos) لا يقبلون الفرائض بالخضوع الأندلسي[4].
توقفت الحرب عند نقطة جامدة، فعاد قدماء البحر إلى أشغالهم، وبحث شارل دي باليرا (Charles de Valera) عن شركاء، لتجهيز أسطول "يعمل في تجارة الموروس فيما وراء البحر". وبعد أن ظفر، من بين آخرين، بألكوثير نفسه، استولى على سفينة شراعية (saetía) تحمل 78 من الموروس من الجنسين، وعسلًا وبضائع شتى[5]. ولمّا أُغلق ساحل غينيا فعليًّا في وجه القشتاليين، انصرف المجهّزون الذين نجوا من الكارثة إلى النهب. ونشط أهل ولبة (onubenses) وأهل الباسك، فشكّل خوان مارتين دي مونخا (Juan Martín de Monja)، من بالوس، أسطولًا بمركب من موغير (Moguer)، فأمسك بسفينة فيليبي باركِس (Felipe Barques)، الإنكليزي من "برومُوا" (Promua)، "الراسية على مراسيها"، في ميناء موروس (Muros) الجليقي. وكانت محمّلة بالنبيذ، فأصبح مشبوهًا لحمله الملح. ولمّا كان السلام موقّعًا مع إنكلترا، حُكم على الشركاء بالشنق[6]، ونجوا من الموت لأن الملكين لم يُعلنا الهزيمة، رغبةً في إخفائها. وفي مارس 1479، جهّز يوهون بيلوكي (Iohon Beloque) وشركاؤه، تجّار من سان خوان دي لوث (San Juan de Luz)، سفنًا "في أمان السلام والصداقة الطيبة، القائمة والمقسمة بين ملك فرنسا المذكور والملك سيدي وأنا... والمثبتة بالقسم". فهاجمهم مركبان شراعيان ومركب طويل، برجال من بالوس وولبة وموغير. وحين قُبلت الشكوى في أغسطس، أفلت القراصنة سالمين، للسبب المذكور آنفًا[7].
وفي الشهر نفسه، خوان سولانا (Juan Solana) وغييرمو بابين (Guillermo Papín)، من سكان لندن، إذ ظنّا أنهما "سالمان وآمنان تحت حمايتنا، بموجب المعاهدات القائمة بين ممالكنا هذه وملك ومملكة إنكلترا، المثبتة بالقسم والمعلَنة والمأمور بحفظها"، دخلا برايا (Praya)، ميناء ترثيرا (Tercera)، "الذي يقال إنه يُسمى يهون (Jhon)"، بمركب حمولته 45 طنًّا. وبعد تحميل 6 مويّو من الحبوب، كانا ينتظران دخول الغلال، حتى تكتمل الستون، التي كانا يعتزمان بيعها على ضفة البحر، حيث يجدان الميزة الأكبر، لكنّ ثلاثة مراكب من بالوس وولبة أفسدت خططهما، أحدها بقيادة بيدرو كينتيرو (Pedro Quintero)، فألحقت بهما خسارة قدرها 150,000 مرابطي[8]. وقد سمحت وفاة خوان الثاني ملك أراغون (Juan II de Aragón)، في يناير 1479، بالتستّر على إسقاط تاج البرتغال، الذي كان مفقودًا فعليًّا، بضمّ التيجان الأراغونية، فأتاحت للملكين الكاثوليكيين رأب صدع حساباتهما، قبل توقيع سلام ألكاثوباس (Alcaçobas)، في 4 سبتمبر.
ولأول مرة، قبِل تاج قشتالة تقسيم مملكة فاس، الذي أقرّه الباباوات. فبقيت للملكين الكاثوليكيين فتوحُ غرناطة، مع "مملكة" ما وراء البحار الملحقة، التي كانت تضم غران كناريا وتِنِريفي (Tenerife) وبالما (Palma) وفويرتيفنتورا (Fuerteventura) ولانثاروتي (Lanzarote) وغوميرا (Gomera) وهييرو (Hierro) وغراثيوسا (Graciosa)، "وسائر جزر الكناري الأخرى، المفتوحة والتي لم تُفتح بعد"، مع القسم باسمهما وباسم خلفائهما، ألّا يتعرّضا "علنًا ولا سرًّا"، لِـ"الحيازة أو ما يشبه الحيازة"[9]، التي كان يملكها ملك البرتغال، لِـ"جميع التجارات والأراضي ومواضع المقايضة في غينيا، مع مناجم الذهب فيها"، و"جزيرة ماديرا (la Madera) وبويرتو سانتو (Puerto Santo) وديسييرتو (Desyerto) وجميع جزر الأزور (Açores) وجزر لاس فلوريس (las Flores)، قرب جزر الرأس الأخضر (Cabo Verde)... وجميع الجزر المكتشفة الآن وأيّ جزر تُوجَد أو تُفتح، من جزر الكناري نزولًا، تجاه غينيا... المكتشفة والتي لم تُكتشف بعد"، معترفَين "لملك البرتغال وأميرها المذكورَين ولمملكتهما"، بالحق في كل ما "يُفتح أو يُصادَف من تلك الناحية، فيما وراء ما هو موجود أو مُحتَل أو مُكتشَف". وقد كانت إيزابيلا تودّ حذف اسم موضع، كان حاسمًا في 1430، لكنه صار عتيقًا بعد سقوط بني مرين، لكنّ البرتغال فرضته: فملوك قشتالة ورعاياهم، "لن يتدخّلوا ولن يشرعوا ولن يريدوا التطلّع ولن يتطلّعوا، بأي وجه من الوجوه، في فتح مملكة فاس"، إذ يمكن أن يواصله ملك البرتغال وأميرها[10]. وكلا التاجَين يمنع رعاياه أو المقيمين الأجانب من الدخول في حظيرة الغير، دون إذن مالك "الخُمس"، لكن يُسمح لهم بالإبحار في مياه الفتحين، في طريقهم إلى موانئهم أو "مراسي التجّار"[11]، الخاصة بالشريف.
ولمّا عجز بولغار (Pulgar) عن إخفاء الاتفاق، أخذ يعلن أنه أثر النصر على خوانا، فيمدّ في الزمن حادثة وقعت في 1477، إذ يعرض خسارة منجم الذهب، بوصفها تنازلًا كريمًا من الملكين الكاثوليكيين، مفترضًا أنهما أمرا، بمبادرة منهما، "بألّا يذهب إليه أحد من ممالك وممتلكات الملك والملكة"[12]. ويشير برنالديث (Bernáldez) إلى المسألة، بعبارات مماثلة: فلمّا تنازل ألفونسو الخامس (Alfonso V) عن عرش قشتالة، شكره الملكان الكاثوليكيان، فتنازلا له عن المنجم. وبعد إعلان السلام في البرتغال، في 8 سبتمبر 1479، أقلع المُعلّم مارتين ألفونسو (Martín Alfonso) من أوبورتو (Oporto)، بمركب "لاتيني" (شراعي مثلثي)، نحو دوقية بريتانيا (Bretaña)، حاملًا شمعًا وعسلًا وزيتًا وصبغة الأورشيلا (orchilla)، لأهالٍ مختلفين. وكان يبحر "في أمان المعاهدات المذكورة"، حين اصطدم ببيدرو أورتيث دي بوليبار (Pedro Ortiz de Bolívar)، الذي فقد مركبه في الحرب، فكان يحمل رسالة "علامة وثأر"[13] ضد البرتغاليين، إذ كان عليه أن يأسر ما يلزم منهم، ليقايضهم بأفراد طاقمه[14]. وقد أبطلها السلام، فأنقذ الجهلُ بوليبار.
وأخفى الملكان الهزيمة، فاكتفيا بتعليق إصدار التراخيص، للذهاب إلى المنجم ومواضع المقايضة في غينيا، مما أتاح لمراكب، أُذِن لها في اللحظة الأخيرة، أن تُقلع نحو الفتح البرتغالي، في الأيام السابقة للتوقيع على المعاهدة واللاحقة له. و"إذ شرعوا في العمل والمقايضة"، أُسروا في المنجم نفسه، بمراكب ألفونسو الخامس، فسِيقوا "إلى مملكة البرتغال"، دون اعتبار للأمانات ولا التراخيص[15]. وبعد أن عُلم في لشبونة أن غينيا قد غيّرت مالكها، أبلغوا المجهّزين بالجديد. ولمّا تضرّر ألونسو تامايو (Alonso Tamayo) البرغشي، بحكم مشاركته في أسطول صغير، مجهّز مع نائب الأدميرال ومع ألونسو دي مدينة (Alonso de Medina) البلدولي، مؤلَّف من "لا بولاندرا" (la Bolandra) و"لا توكا" (la Toca)[16] و"لا بوينابيستا" (la Buenavista)، التي أُخذت من البرتغاليين في 1476، والتي جهّزها مدينة، ملتجئًا إلى ضامنين، من بين "المقيمين في الأندلس"[17]، فرغبةً في إنقاذ ثروته، اقترح على النقابة أن يدفعوا بالاشتراك أجرَ رسولٍ، يعرض الوضع أمام الملكين. وبعد تعيين لويس دي قرطبة (Luis de Córdoba)، تاجر من إشبيلية، طلب من الملكين، باسم "جميع أصحاب المراكب المذكورة أو أكثرهم"، أن يُخرجا من الورطة الذين ذهبوا إلى "منجم الذهب ومواضع المقايضة في غينيا"، بعد أن أودعوا كفالات، مقابل ترخيص وأمان ملكي، صُدرا حين كانت الحرب مفقودة فعليًّا. ولعِظَم الفضيحة، سلّم الملكان الكاثوليكيان رسالة إلى قرطبة، موجّهة إلى ملك البرتغال، يتوسّلان فيها حرية المأسورين[18].
ولمّا كان من العبث تخريب من سيُوردون له الأخماس، رضِي ألفونسو الخامس، شارطًا أن يمرّوا بلشبونة، لدفع الخُمس في دار المنجم (Casa da Mina)، مع استثناء "لا بوينابيستا"، لأنها كانت مسروقة من برتغالي[19]. ولاستحالة تطبيق ما اتُّفق عليه، دون الاعتراف بالهزيمة، أمرت إيزابيلا في 16 ديسمبر 1479 بإطلاق أسرى الحرب، في مدة 30 يومًا[20]، فأعلنت السلام في الثامن عشر، متسترةً على النكسة، تحت مظاهر اتفاق: "حين عُقدت وأُبرمت المعاهدات المذكورة، اتُّفق وأُقرّ أن يبقى منجم الذهب المذكور ومواضع المقايضة في غينيا مع ملوك البرتغال وأميرها المذكورين... ولأنه لم يُعرف حينها رحيلكم، إلى المنجم المذكور، لم يُبرم ولا اتُّفق على شيء، لأمانكم، ولا لمن ينبغي أن تؤدّوا إليه الخُمس، مما تجلبونه من المنجم المذكور". وبعد أن اعترفا بالإغفال، المضرّ بمن "ذهبتم إلى غينيا والمقايضة ومنجم الذهب"، أقرّ الملكان أنهما علِما بالأمر، "بعد عقد وإبرام المعاهدات المذكورة"، عن طريق لويس دي قرطبة. وسارعا إلى الحصول على أمان من ألفونسو الخامس، لكي "تستطيعوا القدوم بحرية بسفنكم ومقايضاتكم وبضائعكم"[21]، ثم ذهبا إلى أبعد من ذلك، فحصلا على أن يعيّن الملك البرتغالي وكلاء، في "موانئ ممالكنا"، لكي يستطيع القشتاليون دفع الخُمس، دون التفاف عبر لشبونة، وهو لطفٌ قُوبل بالشكر مع تحذير من أن محاولة إخفاء البضائع، ستُعاقب بشدّة[22].
وفي 14 مارس 1480، فوّض ألفونسو الخامس دييغو دي ميلو (Diego de Melo)، والي إشبيلية، وغونثالو سآبيدرا (Gonzalo Saavedra)، ابن القائد المتوفّى، بوصفهما "جابيَي" الخُمس. وكان لهما عملاء موزّعون في الموانئ الأندلسية، مكلّفون بتسجيل المراكب، التي انطلقت نحو غينيا، "قبل إعلان المعاهدات"، حين اندلع السخط بين التجّار، لمّا علموا أنه لن تُخصم لهم الكفالات، المودَعة لدى الدكتور ألكوثير[23]، للتمكّن من الذهاب إلى "المقايضة في منجم الذهب وجزر غينيا". ولا مفرّ من متملّقي السلطة، وكان منهم، في تلك المناسبة، دييغو دياث دي مدريد (Diego Díaz de Madrid)، من سكان إشبيلية، وألفونسو دي أبيلا (Alfonso de Avila)، من بلد الوليد (Valladolid)، مجهّزا "لا غاليوتا" (la Galeota) و"لا سان تِلمو" (la San Telmo). وطلبًا للحظوة، قبِلا الأمر الملكي كتابةً، بشرط أن يُبقى على وعد الأدميرال، بأن يُعفيهما من رُبع الخُمس، مما يجلبانه من "الجزر المذكورة ومنجم الذهب"[24]. وأُشيد بالمثال وأُعلن، لكنه لم يشِعْ بين النقابة، التي أصرّت على المطالبة بخصم ودائعها.
ودخل مركب خوان مارتين دي لا مونخا (Juan Martín de la Monja)، في أواخر مارس. وكان قد أقلع قبل ستة أشهر، فاستطاع أن يُثبت أنه ترك مواضع المقايضة في غينيا، قبل المعاهدات. وإذا انتهت الرحلة في المحاكم، فذلك يعود إلى شكوى فرانثيسكو دي ألفارو (Francisco de Alfaro) وخوان دي لوينثا (Juan de Luença)، كاتبَي الأرزاق في المركب، المعيّنَين من الدكتور ألكوثير. ولمّا كان من امتياز الكتّاب حملُ بضائع، "خالصة من كل التكاليف والأضرار، بحيث لا يسهمون في أيٍّ منها"، مع كون ما يجرونه من مقايضة في منجم الذهب معفًى، فقد كانوا "في البحر، على بُعد خمسمائة فرسخ جيّدة عن ممالكنا هذه"، حين سجّل دي لا مونخا صناديقهم، دون اعتبار للرسائل والبراءات، التي تُثبت الإعفاء من "التكاليف والنفقات". وزيادةً في الطين بلّة، في "طواف المنجم"، صادر منهم شحنة "قماش"، اشتُريت في الأندلس بعشرة آلاف مرابطي، وكانت تساوي "ستين ألفًا... في ذلك الحين، في المقايضة"[25].
وفي الرابع من أبريل، إذ لم يكن قد دخل مركب، من تلك التي قايضت بعد عقد السلام، رفع فرناندو الخُمس: "قد رُفع إليّ أنه من منجم الذهب والمقايضة في غينيا، قد قدِمت ويُنتظر أن تقدم إلى ميناء سنلوكار دي برّاميدا (Sanlúcar de Barrameda) وبالوس وموغير وإلى بويرتو دي سانتا ماريا (Puerto de Santa María)، وولبة وموانئ بحرية أخرى في إقليم الأندلس"، المراكبُ الداخلة في "اتفاق ووفاق معيّن"، بموجبه يكون لملك البرتغال "ثلث كل شيء". وبعد أن رفع النسبة المعتادة، وهي 20%، إلى 33%، دون سبب ولا مبرّر، عيّن الكاثوليكي متسلّمًا للأموال، "خادمي" ألونسو سيدانو (Alonso Sedano). و"سيحضر" مع دييغو دي ميلو، "حيثما جاءت أو تجيء المراكب المذكورة أو أيٌّ منها"، مُجريًا التحرّي "عن كل الذهب" الذي تجلبه، لعزل النسبة المحدّدة[26]. وردّ التجّار، برفضهم التفريغ. وأمر الملكان بمصادرة الشحنة. وبعد إيداعها لدى "أشخاص صالحين، مستورين وموثوقين"، يُؤخذ نصيب الملك، بحضور كاتب، ويُسلَّم الباقي إلى المالك. وفي حال رسا مركب، قادم من غينيا، قبل وصول سيدانو، يُلزَم، مثل "جميع الآخرين، الذين لهم الأشياء المذكورة". وظنًّا منه أن دوق مدينة سيدونيا (Duque de Medina Sidonia) ومركيز قادس (Marqués de Cádiz)، "من رعاياي ومن مجلسي"، سيساعدان العصاة، ذكّرهما فرناندو بواجب التعاون، وإن أبقاهما بعيدَين عن العملية، بقدر ما أبقى الأدميرال ونوّابه، الذين مُنعوا من "مصادرة المراكب المذكورة، ولا أيّ شيء مما جاء فيها، بحجّة الخُمس أو بأي سبب آخر"، خشية أن يطالب بنصيبه[27].
وفي غضون ذلك، كانت التجارة تعود إلى طبيعتها في لشبونة. فرودريغو ألفونسو (Rodrigo Alfonso)، فارس ملك البرتغال، الذي عامله الملكان الكاثوليكيان بوصفه عضوًا "من مجلسنا"، ربما لأنه كان كذلك، طلب أمانًا للإبحار "دون عائق... في هذه البحار والموانئ والخُلجان المذكورة وفي كل واحد منها، إلى مملكة غرناطة المذكورة وإلى نواحي إفريقيا فيما وراء البحر". وبعد منحه، مع المنع المعتاد، من حمل عتاد الحرب والحبوب إلى الموروس، مثَل للمرة الثانية في البلاط، بصفة مستشار وسفير لألفونسو الخامس. ورغبةً في وضع حدّ لِـ"الفضائح والاستيلاءات والانتقامات"، أثر "المعاهدات القديمة"، التي كانت تُخوّل القشتاليين، أسْر "من يتاجرون مع الموروس، سواء من غرناطة أو من بلاد البربر"، مما أفسح لهم أن يمارسوا القرصنة دون تمييز، إذ "بدعوى أنهم ذاهبون إلى تجارة الموروس، كانوا يستولون على مراكب لم تكن ذاهبة إلى التجارة المذكورة"، نجح في استصدار مرسوم بابوي يُنادى به، يُسمح بموجبه لِـ"سكان" قشتالة وأراغون والبرتغال، بِـ"أن يتاجروا بأمان مع الموروس المذكورين، بكل تلك البضائع، التي يأذن بها أبونا الأقدس"، مع ارتياد "مراسي التجّار" وغيرها من مرافئ الكفّار، "سواء في غرناطة أو في بلاد البربر"[28].
ولمّا كانت جزر الكناري الصغرى في أيدي الأفراد، وفتح غران كناريا متعثّرًا، انحصر خُمس الملكين الكاثوليكيين في "الغنائم والمآخذ، التي تُجنى عبر بحار وموانئ وخُلجان ممالكي هذه". وكان الأدميرال في عوز، فأراد فرناندو أن يشجّع القرصنة، مذكّرًا رعاياه بأنهم، سواء ذهبوا "في أسطول، أو ببضائعهم"، عليهم أن يشنّوا "الحرب على أعدائنا لديننا الكاثوليكي المقدّس" وعلى جميع الأمم، "التي لا سلام لنا ولا حلف معها"، مسلّمين إلى إنريكيث (Enríquez) خُمس الغنائم "كاملًا"[29]. ومع دخول الصيف، كانت المراكب و"السفن الصغيرة" (fustas)[30]، التي "كانت قد ذهبت إلى منجم الذهب" في العام السابق، لا تزال في لشبونة. واضطرب خوان دي غرناطة (Juan de Granada)، فاستغلّ الحظوة التي اكتسبها، ليدعو إلى أسطول شعبي، "ضد البرتغاليين". وكانوا سيذهبون "لملاقاة" "المراكب التي، من مملكة البرتغال... ذهبت إلى المنجم المذكور والمقايضة في غينيا"، لاستعادة ما فُقد، مع الأرباح. وقد أثارت أشرعةٌ من سنلوكار وبويرتو دي سانتا ماريا وبالوس وموغير وقرى أخرى، بأطقم مستعدّة لأخذ الحق بأيديها، قلقَ الملكين، لأنه بهذه "الذرائع والألوان التي يريدون إضفاءها، لتجهيز المراكب المذكورة"، كان بوسع حفنة من الرعايا أن تُشعل الحرب من جديد. ولم تكن المملكة في حال يحتمل المزاح، فبحثا عن رأس قدير، يُجهض المحاولة، ويطوف الموانئ، لتخويف المتآمرين، فوجداها في أنطون رودريغيث ليّو (Antón Rodríguez Lillo)، المقيم في إشبيلية[31].
وبعد تفريق المراكب، أُعلن مرسوم قديم. وكما في زمن مضى، على كل من يخرج إلى البحر، أن يودع كفالات ويؤدي يمين الولاء، بين أيدي قضاة إشبيلية أو خيريث (Jerez)، وهما مدينتان تابعتان للتاج، مقسمًا ألّا يهاجم البرتغاليين، أو حلفاء قشتالة أو رعاياها. وعلى المسؤول عن المركب، أن يقبل أنه إن لم يغطِّ الضرر، الذي أُحدث طوعًا أو كرهًا، تُباع أمواله في المزاد. وإن لم تكفِ، يُكمل مجلسُ البلدة، حيث سُجِّل المركب، من إيراد الأملاك العامة أو من جيوب الأهالي، بحسب ثروة كل واحد، إن كان الصندوق فارغًا. وقد قضى هذا المرسوم، المؤرَّخ في 20 يونيو 1480، على الأساطيل الخاصة[32].
ولمّا لم يرغب التجّار، الذين لم يعتقلهم البرتغاليون، في خسارة الكفالات، ولا ثلث الشحنة، أعلنوا أنهم أنهوا مقايضاتهم، قبل توقيع السلام. وكانت الذرائع في البحر تفيض، لتبرير التأخير، فأظهر غونثالو دي سآبيدرا عجزه عن حسم المسألة. وبعد استبداله بخاكومي رَان (Jacome Ran)، أصدر الملك مرسومًا بأن يدفع كلُّ من دخلوا في الربيع الخُمسَ لوكلاء ألفونسو الخامس. أما الذين كانوا قبل قليل يبيحون لأنفسهم عزل الملوك وتنصيبهم، فرفضوا التخلّي عن فلس واحد، ما لم تُردّ إليهم "مبالغ معيّنة من المرابطي"، أودعوها ضمانًا، بأننا "سنحصل على الخُمس المذكور". وكان الحقّ في جانبهم، فتحصّن فرناندو بالسلطة: سيدفعونه كاملًا لملك البرتغال، "بغضّ النظر عن أي تراخيص حملتها المراكب، وأي شيء دُفع من أجلها"[33]، مع تنفيذ الحجز على أموال المتمرّد، بلا رحمة ولا محاكمة. ولمّا لم يجرؤ رَان على الذهاب إلى هذا الحدّ، وُبِّخ توبيخًا شديدًا: "لم تفعلوا ذلك ولم تضعوه موضع التنفيذ". وقد اتُّفق في "الاتفاق الثاني من المعاهدات المذكورة"، على أن "أمير البرتغال المذكور ووكيله باسمه، يُوفّى كاملًا الخُمس المذكور"، فمن لم يقبل خسارة الكفالات، يصير مذنبًا بالخيانة العظمى[34].
وفي يونيو بدأت تدخل مراكب "إشبيلية ولِبِه (Lepe)"، التي ذهبت إلى "تجارة منجم الذهب، في العام المنصرم تسعة وسبعين". ولم تصادف البرتغاليين، فبحّارة "سان لويس" (San Luis) التسعة وقبطانهم يهون دي قرطبة (Ihon de Córdoba)، ظنًّا منهم أنهم يُنهون عبورًا اعتياديًّا، لمّا وجدوا أنفسهم معتقلين "لدى عودتهم إلى هنا"، أجابوا في وداعة على استجواب ميلو ورَان، فأعلنوا ما يجلبونه، وأسماء أصحاب الذهب ومختلف المجهّزين والتجّار، ذوي الصلة بِـ"المقايضات". ونتيجةً لذلك، أُلزم "الفاعل" (fasedor) خوان دي أورتشينولا (Juan de Urchinola)، من سكان إشبيلية. وكثيرون غيره[35]. وبعد جرد البضائع، التي "قدِمت من منجم الذهب المذكور والمقايضة في غينيا"، في الأسابيع التالية، وبعد تسجيل كل من كانت له صلة بالمغرب (Poniente)، أُغلق حساب "كل الذهب وأشياء أخرى"، فتبيّن أن قيمة ما جُمع، كانت بعيدة عن بلوغ التوقّعات. ونتيجةً لذلك، انتهى كل من عبروا البحر إلى السجن، متّهمين بالإخفاء. وبعد استجوابهم بحضور ممثّل ألفونسو الخامس، خضعوا لمحاكمة صورية، انتهت بحجز عام، وهو الخطوة الأولى نحو خراب نقابة البحر العتيقة.
إن ذا السلطان، الذي دوامه مضمون، لانعدام البديل، ينزع إلى إخضاع الرعية لمصلحته والقوانين لمشيئته، بدلًا من أن يُطوّع مشيئته للقوانين، وهذه للعدل. ومن البيّن أن جعل المرء يدفع مرتين ثمن الشيء نفسه غشٌّ، سواء فعله الملك أو راعي خنازيره، وقد برّر الملكان الكاثوليكيان أنفسهما، بالالتجاء إلى اللاهوت: فإن كان الدكتور ألكوثير قد باع التراخيص والأمانات، للذهاب إلى المنجم وغينيا، فذلك لأنه كان مفوّضًا من الملكين، "في الوقت الذي كنّا فيه في حرب مع ملك البرتغال المذكور". وبعد توقيع السلام، زالت العلّة، المنتِجة للمعلول. وتغيّرت الواقعة "من حال إلى حال". وتبخّرت تفويضات ألكوثير، فدخلت في العدم، مع الكفالات، ولهذا السبب لم يكن بوسع التجّار المطالبة بردّها إليهم. وللسبب نفسه، من لا يدفع الخُمس كاملًا لملك البرتغال، يبقى "مسجونًا ومحروسًا جيدًا، ولا تُطلقوه ولا تكفلوه، حتى يُوفّى الأمير المذكور كل ما ذُكر آنفًا". ومُنع القضاة من قبول استئنافات "أو تظلّمات"، تتعلق بالموضوع، لكن خشيةً من العصيان المدني، بِيع الأمل: فمتى دُفع لملك البرتغال، فإن من أودعوا كفالات لدى "الدكتور ألكوثير المذكور"، إذا ثبت أنه تسلّمها "باسمنا"، يمكنهم أن يطلبوا "أن تُردّ إليهم المرابطي المذكورة، التي دفعوها هكذا"، إذ "سنأمر بالنظر في ذلك والإنصاف، حسبما يتبيّن من العدل أنه من حقّهم"[36]، على حساب إيرادات إشبيلية، متى وُجد فائض. هذا كان القانون بالنسبة للقشتاليين، حين طالب الجنوي خيرونيمو خنتيل (Jerónimo Gentil)، المقيم إقامةً غير دائمة في إشبيلية، بِـ"مبلغ معيّن من المرابطي"، أودعه في يد ألكوثير، لتجهيز مركب، وجهته غينيا. وحرصًا على صورتهما الخارجية، وقع الملكان في إجحاف مقارَن سافر: فسيُخصم له، إذ "بدا لنا أنه ليس من العدل أن يعود فيدفع، كاملًا، الخُمس المذكور، ما دام قد دفعه لنا مرة"[37].
إن مسيرة البلباوي خوان أوتشوا (Juan Ochoa)، مثالٌ على العواقب، التي خلّفها تدخّل الدولة، في انحطاط نقابة البحر. ففي 1476، إذ كان شابًّا ووارثًا، استثمر 454,000 مرابطي، في شراء وتجهيز سفينة كبيرة، لِـ"يعمل" في الحرب، في خدمة التاج. وأسرها كولومبوس (Colón)، "قبطان ملك فرنسا"، فخسِر 420 قطعة ذهبية (doblas)، فضلًا عن فداء الطاقم ونفسه. فاشترى مركبًا ثانيًا، بـ354,000 مرابطي. فأمر الملكان بمصادرته، وهو في بويرتو دي سانتا ماريا في 1477، حين زارا البلدة. ولمّا أُجبر على تجهيزه على نفقته، أمضى ستة أشهر في البحر، دون أن يظفر بغنيمة، خاسرًا 454,000 مرابطي. وكان يتهيّأ للتعويض، بنقل بضائع الغير، حين أمر الملكان الكاثوليكيان، وكانا حينها في إشبيلية، بمصادرة كل المراكب، لأسطول 1478. وذهب إلى نهر العبيد (Río de los Esclavos)، "رغمًا عنه... يُقال إنه ضاع في المنجم المذكور... مع الأسطول"، بخسارة قدرها 300,000 مرابطي. ولم يعُد يستطيع أن يطمح إلى مركب خاص به، فاستأجر مركب خوان دي رويسغا (Juan de Ruesga). وبعد استثمار 254,000 وعلى وشك الإقلاع، صُودر في 1483، وهو ذاهب قبطانًا في الأسطول ضد التركي. ولمّا رفض الرجال ركوب المركب دون قبض الأجرة، خرج أوتشوا ضامنًا للتاج. ولمّا لم تدفع الخزانة الملكية، صادروا ما تبقّى له. ولمّا دُعي في 1488 الأسطولُ الذي كان سيُبقي دوقة بريتانيا على العرش، وهي محاصَرة من فرنسا، انخرط مع دومينغو دي غيّي (Domingo de Gilley). وجُرح في يده فصار أشلّ. و"فقيرًا معدمًا وضائعًا"، طلب العون من مسبّبي مصيبته[38].
- ADMS. 734. Simancas P.R. 35.5/35.6.
- SRGS. XI.1480.183.
- SRGS. VII.1479.29.
- SRGS. XI.1479.110.
- SRGS. III.1480.103/IV.1480.64.
- SRGS. IX.1478.73.
- SRGS. VIII.1479.47.
- SRGS. III.1480.431.
- العبارة موجودة في مراسيم (albalas) عام 1463، التي منح بموجبها إنريكي الرابع البحر الصغير (Mar Pequeña)، مع رأسَي أغوير (Aguer) وبوخادور (Bojador)، إلى هيريرا (Herrera) وسآبيدرا (Saavedra).
- SRGS. III.1480.302.
- Ibídem.
- Pulgar cap. XCI.
- كانت رسائل "العلامة والثأر" (marca y represalia)، تسمح لمن سُرق، بأن يُعوّض عن الضرر الذي لحقه، في البرّ والبحر. ولمّا كان أبناء بلدة الجاني أو مواطنوه مسؤولين بالتبعية، كان بوسع الضحية أن يهاجمهم، ويستولي على ما يحملونه، حتى يستعيد ما فُقد.
- SRGS. XI.1479.93/I.1480.113/II.1480.245/IV.1480.91.
- SRGS. IX.1480.12.
- SRGS. II.1480.49.
- SRGS. IX.1480.12.
- SRGS. III.1480.390.
- Ibídem.
- SRGS. XII.1479.63.
- SRGS. XII.1479.54.
- Ibídem.
- SRGS. II.1480.49/ III.1480.302.
- SRGS. II.1480.61.
- SRGS. III.1480.93. [25].
- SRGS. IV.1480.172.
- Ibídem.
- SRGS. VI.1480.217.
- SRGS. V.1480.221.
- عام. كان يدلّ على أي نوع من المراكب، يدخل عرض البحر، كما تدلّ كلمة "مركب" (barco) في زماننا.
- في 1503، وعمره 70 عامًا، كان يقيم في حيّ القديس مرقس (San Marcos)، بإشبيلية ADMS. 924.
- SRGS. VI.1480.229.
- SRGS. IX.1480.156.
- SRGS. VI.1480.284.
- SRGS. VI.1480.224.
- SRGS. VI.1480.284.
- SRGS. VI.1480.249.
- SRGS. XI.1483.107.