Part IV · The Columbine Period · الفصل 4 من 7
إيزابيلا الثانية

إيزابيلا الثانية

ولمّا صار في حوزتهما السلاحُ السرّيّ المتمثّل في المرسوم البابويّ "إنتِركايتيرا"، شرع الملكان الكاثوليكيان في تطهير جزر الهند، مُبيحَين لرعاياهما عامّةً، ولرعايا منطقة ألفوث دي سالتِس (Alfoz de Saltes) خاصّةً، أن يُمارسوا القرصنة بحرّيةٍ ضدّ كلّ مَن كان يرتاد بلاد الغرب دون بركةٍ ملكيّة. والغنيمةُ أجرُهم، أسهموا في تغيير النظام، وهو التغيير الذي كان مآله أن يبلغ ذروته في طرد الأفراد من المياه والأراضي التي أتاحوها لكبرائهم كي يعيشوا في رَغَدٍ. وفي مهمّة الشُّرطة هذه، برز آل بينثون (Pinzones) وآل كِنتيرو (Quinteros). فقد تخصّص فرانثيسكو ومارتين بينثون، بالاشتراك مع رودريغو وفِرناندو كِنتيرو وخوان دي إشبيلية، في مطاردة جيرانهم الذين كانوا يرتادون موانئ الشريف، مُزوّدين بترخيصٍ من ملك البرتغال، إذ اصطادوا عند رأس أغِيَر (Cabo de Aguer) تاجرًا من بالوس (Palos)، كان قد شحن 1000 سلّةٍ من التين، وقد بادل منها 270 في "أسواق التجّار" حين وقع في الأسر[1]. ولم يشأ ألفونسو سالا (Alfonso Sala) أن يلفت الأنظار، فأبحر من لشبونة كي يتاجر "في أرض آزَمور... في مواضعَ معيّنةٍ من المسلمين، ممّن بينهم وبين المسيحيّين سِلمٌ، والذين يُقال إنّ القشتاليّين والبرتغاليّين على السواء" يتعاملون معهم في "بضائعَ من إنتاجهم". وبعدما جُرِّد من حمولته على أيدي مواطنيه، شكا هذا الاعتداء في بالوس، محاولًا أن يُفهِم القاضي (oidor) أنّ البقول المُصدَّرة إلى ساحل المشرق لا نفع لها في الأندلس، الناقصةِ في منتجات الغرب الأطلسيّ[2]. وسالا، شأنه شأن كثيرين غيره، لم يكن يفهم سببَ المطاردة، وهو يعلم أنّه بموجب مرسومٍ صادرٍ في 9 مايو 1493، كان يجري إعداد أسطولٍ في قادس للتوجّه ضدّ أسطول ملك البرتغال.

وبعدما استولى الأسقف فونسيكا (Fonseca) على جميع سفن الأندلس[3]، اختِيرت 4 سفنٍ كبيرة (naos) و13 قاربًا (carabelas)، حُشِدت في الخليج، الميناءِ الوحيد المُرخَّص قانونًا للتواصل مع بلاد البربر. وباتّباع منعرجات التاريخ الرسميّ، يُبحِر الأخ بارتولومي دي لاس كاساس (Bartolomé de las Casas) بعائلاتٍ من المستوطنين وببذورٍ وحيواناتٍ داجنةٍ للتربية، كي يُدخِلها إلى عالمٍ جديد، يُفترَض أنّها مجهولةٌ فيه، لأنّه محكومٌ عليه أن يكون مختلفًا عن العالم القديم. وخلافًا للمعتاد، يختلف فِرنانديث دي أوبيدو (Fernández de Oviedo) مع الراهب، إذ يُبحِر بـ1500 من رجال الحرب، وهم من النبلاء (hijodalgos) ذوي هَوًى غريب، إذ اعتزموا ممارسة الزراعة بعد امتلاكهم الأرض "إمّا بالرِّضا وإمّا بالقوّة". أمّا الشاهد المباشر بِرنالديث (Bernáldez) فيُنقِص عددَ الجند إلى 1200 جنديٍّ عاديّ، مضيفًا كتيبةً من رجال الدين، بقيادة البِنديكتيّ الكتلانيّ الأخِ بويل (Fray Buil)، انضمّ إليها هنودٌ جلبهم كولومبوس ليكونوا مترجمين. وكما في جميع الأساطيل، حُمِلت أبقارٌ لم يُحدَّد جنسها، إذ كانت تُبحِر بوصفها مؤونةً، فضلًا عن الخيول التي لا غنى عنها للشروع في الغارات على ظهور الخيل حالما يرسون. وقد أحصى المؤرّخُ الدقيق 24 حصانًا و10 أفراسٍ و3 بغالٍ، وهو اختيارٌ غريب إن كانت مخصّصةً للتربية والإكثار[4]. وأعاد آل نينيو (Niño) الرحلة: بيدرو ألونسو وكريستوبال ربّانَيْن[5]، فيما قاد خوان قاربَه[6]. وسافر خوان دي لا كوسا (Juan de la Cosa) مع "المُكتشِف"، إذ لم تكن لديه القدرة على استبدال سفينته الكبيرة.

وحين كاد الأسطول يُبحِر، وصلت رسالةٌ من الملكَين، مؤرّخةٌ في برشلونة في 5 سبتمبر. أعادا فيها إلى كولومبوس الكتابَ "الذي تركتَه هنا"، معتذرَين عن الناسخ الذي تأخّر في نسخه، "لأنّه كُتِب سِرًّا، حتى لا يعلم به هؤلاء البرتغاليّون الموجودون هنا ولا سواهم"، في إشارةٍ إلى كتاب مانديفيل (Mandeville) وإلى سُفراءِ خوان الثاني (Juan II) الذين حضروا في غير أوانهم، وقد أُرسِلوا للتفاوض في "شأن" الرحلات. وراوَغ الملكان الكاثوليكيان، فامتنعا عن اتّخاذ "قرارات"، لكنّهما خشيةَ أن يستشيط البرتغاليُّ غضبًا، حثّت الملكةُ كولومبوس على الرحيل بأسرع ما يمكن: "من أجل خدمتي، عجِّل في رحيلك"، إذ "يتّضح كلَّ يومٍ أنّ الشأن أعظمُ أهمّية"[7]. وقبل أن يرحل، كان الجنويُّ سيُرسِل إلى البلاط خريطةَ الملاحة التي كان يُعِدّها، "إن كانت قد اكتملت"[8]. وأبحرت السفن بين 22 و25 سبتمبر[9]، متوجّهةً للبحث عن سيباو (Cibao)، "إقليمٍ فيه ذهبٌ كثير"، وعن أرض آتّي (Atti) التي يحكمها الكاسيك (الزعيم) كاؤنابو (Caonabo). ويرى فِرنانديث دي أوبيدو أنّه لو لم تكن السفينةُ القائدة بطيئةً، لبلغوا جزر الهند في 14 أو 15 يومًا، لكنّهم استغرقوا 20 يومًا لقطع المسافة البالغة 1100 فرسخٍ التي تفصل قادس عن إيزابيلا[10]. وكما تقتضي القاعدة من إظهار الفزع، أصاب البحّارةَ القلقُ في حينه. ولمّا اقتنعوا "أنّ الأمر مزحةٌ، وأنّهم لن يجدوا أرضًا"، هدّأهم "الأميرال"، واعدًا إيّاهم بأنّهم "في يومٍ بعينه سيرَوْن أرضًا. وفي ذلك اليوم نفسه رأوها"[11].

وفي رواية بِرنالديث، حملهم طقسٌ لا يُضاهى إلى غران كناريا في أربعة أو خمسة أيّام. رَسَوا لإصلاح سفينةٍ "كانت تُدخِل ماءً كثيرًا"، ثمّ استأنفوا الرحلة في اليوم التالي. وفي أربع أو خمس مراحلَ بحرية، ألقَوا مراسيَهم في غوميرا (Gomera). تزوّدوا بالماء، ثمّ دخلوا في هدوءٍ بحريٍّ جعلهم على بُعد 20 يومًا من هييرّو (Hierro). وكان الذين خاضوا الرحلة يتذكّرون أنّهم من قادس بلغوا مباشرةً جزيرةً في "أنحاء المحيط"، فاستولوا عليها. ويُطابِقها الأكثرون بماريغالانتِه (Marigalante)، وبعضهم بلا ديسيادا (Deseada) أو غوادلوبِه (Guadalupe)، التي علّق كولومبوس في مرساها لأخيه بارتولومي بأنّه كان فيها في الرحلة الأولى[12]. وتوجّهوا بعدها إلى سان خوان، المُسمّاة "بوريكِن" (Boriquen)، وهو اكتشافٌ نُسِب إلى هذه الرحلة سهوًا، إذ نُسِي أنّ مارتين ألونسو هو من نصَب علاماتِ حدودها. ومرورًا ببارِيا (Paria)، شأنَ الجميع تقريبًا، لدى خروجهم من جزيرة كاريو (Cario)، شاهدوا ستّ جُزُرٍ أخرى "في جهاتٍ متفرّقة". وبساحلٍ عالٍ جبليٍّ إلى يمينهم، أبحروا 20 فرسخًا دون أن يرَوا ميناءً. واقتربت من الأرض سفينةٌ متأخّرة، فوجدتها صالحةً للرسوّ ومأهولة. حملت الخبرَ إلى كولومبوس، فوجدته على البَرّ رافعًا رايتَه، إذ كان يستولي على ما كان ليكون. ولأنّ الإبحار ليلًا بين الجُزيرات والضِّحال متهوّرٌ، باتوا في الجزيرة، ثمّ واصلوا عند الفجر. وبعد قطع 7 أو 8 فراسخ، اكتشفوا الجبلَ الأخضر (Montaña Verde). من قمّته يتدفّق شلّالٌ كان "على بُعد ثلاثة فراسخَ يبدو كتلةَ ماءٍ ضخمةً كثَوْر"[13]. كان نهرُ لِيثِس (Lethes) يُشكّله، ساقطًا من جبل تارتِسّو (Monte Tartesio) إلى البحر. تأمّله هيميلكون (Himilcón)، مُجدِّدًا مؤونتَه من الماء في شلّالٍ مماثل، كما فعل أوليس (Ulises) عند هوميروس. ولخبرتهم بالمسيحيّين، كان السكّان يتلاشَون حالما يشتمّون رائحةَ الأشرعة. وفي قريةٍ ما، هُجِرت على عجل، وجدوا غنيمةً من القطن المغزول وغير المغزول، وببّغاءَيْن "ضخمَيْن جدًّا". وبينما ينبشون الأرضَ بحثًا عن الذهب، عثر الغُزاة على عظامٍ بشرية. وجهلوا عادةَ المكان في دفن الموتى في البيوت، أو تعمّدوا السكوت عنها، فلوّحوا بها دليلًا على أنّ الأهالي يمارسون أكلَ لحوم البشر[14].

ولأنّه كان "قريبًا من إسبانيا"، أي قريبًا من القناة، أراد كولومبوسُ بِرنالديث أن يمتدّ إلى إيزابيلا كي يستعيد الناجين من غرق الرحلة السابقة. حاذَوا ساحلَ جزيرةٍ طولُها 25 فرسخًا، متأمّلين جبالًا وسهولًا وغاباتٍ كثيفة، دون أن يظفروا بـ"لسان" (مترجم)، إذ كان الساحلُ يخلو من البشر لدى مرورهم. وبعدما جمعوا أغطيةً من القطن "منسوجةً بإتقانٍ لا يُقصِّر عن أغطية قشتالة"، بلغوا أرضًا "شاسعة"، فقفزوا إلى جزيرةٍ "آهلةٍ جدًّا". شكّل الربابنةُ فِرقًا بحثًا عن "لسان". وأُسِر فتًى في الرابعة عشرة، لكنّه تبيّن عديمَ الفائدة، إذ كان أسيرًا يجهل الأرض. وطفلٌ متروك، بعدما فرّ الرجلُ الذي كان يقوده بيده مذعورًا، لم ينفع هو الآخر. وأدّت الخدمةَ 20 امرأة، كُنّ أسيراتٍ أيضًا. وسَرَّهُنّ تغييرُ اليد التي يقعن تحتها، فأخبرن بما يعلمن. وكان كولومبوس يتأهّب لأن يترك في "الجزيرة" دوريةً مؤلّفةً من ربّانٍ و6 رجال، "ربابنةٍ وبحّارةٍ يعرفون الذهابَ والإيابَ إلى إسبانيا بالنجم"، وهو علمٌ يستحيل اكتسابه دون خبرةٍ تتجاوز خبرةَ رحلةٍ واحدة، حين ظهروا رواةً أنّهم تسلّقوا الأشجار "ليلًا لينظروا نجمَ الشمال، لكنّهم لم يستطيعوا رؤيته قطّ"، لأنّ الكثافةَ كانت تحجب السماء. ولولا أنّهم خرجوا إلى البحر، لضاعوا نهائيًّا. وبعد قضاء ثمانية أيّامٍ في ميناءِ آكِلي لحوم البشر، المُفترَض أنّهم مُقِرّون بذلك، أبحروا بين الشُّعَب (cayos)، "التي كانت أكثرَ من 40 جزيرةً وأرضًا عاليةً جدًّا، أغلبُها جرداء". سمّاها كولومبوس "العذارى الأحد عشر ألفًا" (Once Mil Vírgenes)، مُميِّزًا غوادلوبِه وبوريكِن والإسبانيولا (la Española). وفي جزيرةٍ كبيرةٍ ما رأوا بيوتَ صيّادين، متناثرةً وخاليةً. وعلى غرار سكّان جزر الكناري، لم تكن لديهم زوارق[15].

ومن الجزيرة الأخيرة إلى "جهة إسبانيا"، أبحروا عند الفجر، حاملين على متنهم جثّةَ رجلٍ من الباسك (vizcaíno)، قتله سهمٌ من سهام الكاريب. ويؤكّد دييغو ألبارادو (Diego Alvarado) أنّ الهنود قتلوا رجلًا في جزيرةٍ قفز إليها بيدرو هيرنانديث كورونيل (Pedro Hernández Coronel)[16]، الذي خرج جريحًا[17]. وبعدما دُفِن الميّتُ في أرضٍ مجهولة، طابقتها الأسيراتُ بإقليم بوهيو (Bohío) من جزيرة الإسبانيولا. وفي وقتٍ لاحق اقتربت زوارقُ يقودها أهالٍ واثقون. وكانوا يحملون حُلِيًّا من الذهب، فصعدوا إلى القوارب بنيّة مبادلتها بالقمصان والقلانس[18]. ومواصلةً للسرد، يشير بِرنالديث إلى العثور على جثّتَيْن قرب نهرٍ في أرضٍ "مغمورةٍ بالماء"، إحداهما ذاتُ "لحيةٍ كثّة". ولا يبدو أنّ كولومبوس تعرّف عليهما، لكنّ المؤرّخ يُعرّفهما بأنّهما الناجيان من غرق سفينة ماريغالانتِه[19]. وعلى بُعد اثني عشر فرسخًا أبعد، بلغوا المرسى حيث ضاعت السفينةُ الكبيرة. وحيث لم يجد الذين أبحروا في الرحلتين الأولى والثانية بعضَ الناجين من الغرق، الذين يُصرّون على السكوت عن وجودهم، يؤدّي بِرنالديث واجبَ التضليل، مُركِّزًا انتباهَ القارئ على حامية حِصن نافيداد (Fuerte Navidad). وباختلاقه رسولًا من الكاسيك غواكاناري (Guacanari)، حاملًا قناعَيْن من الذهب لكولومبوس وللمرحوم مارتين ألونسو، حين سُئِل عن القشتاليّين الأربعين المتروكين على البَرّ، يُجعَل يُجيب بأنّهم ماتوا ضحايا الأمراض والمشاجرات والرحلة إلى أرض الكاسيك كاؤنابوا (Caonaboa) بحثًا عن المناجم. واستنتج القشتاليّون أنّهم أُبِيدوا لوقوعهم في الخطيئة الصغيرة المتمثّلة في استعمال القوّة كي يعرفوا نساءَ المكان، بالمعنى التوراتيّ[20]. وضُخِّم هذا الحدثُ على النحو الواجب، فأسهم في تبرير مستقبل أهالي جزر الهند، المحكومِ عليهم بأن يعيشوا في حرّيةٍ مؤقّتة، بين نظام الميتا (mita) والخُمس (quinta) والإنكوميندا (encomienda).

وفضلًا عن السكوت عن هَجْر الطاقم الفائض في الرحلة الأولى، فإنّ الملّاحين الذين أدلَوا بشهاداتهم أمام القُضاة (oidores)، في إطار الشهادات الأولى في الدعاوى الكولومبيّة، إذ زعموا نبأ إبادتهم، يسكتون عن تأسيس إيزابيلا القديمة (Isabela la Vieja)، مكتفين بالتصريح بأنّهم أقاموا في قريةٍ دون مزيد من الإجراءات[21]. وعلِم كولومبوس أنّ الذهب بقي وراءه، فعاد إلى "الساحل الذي جاء منه إلى هناك قادمًا من قشتالة، لأنّ نبأ الذهب كان صوب تلك الجهة". وأكّد بحضور رجاله أنّ "في جهة الجنوب ملاحةً نحو بلادٍ غنيّةٍ جدًّا، ولهذا يعتقد أنّ الذين ذهبوا فيما بعد استرشدوا بها"[22]. وانطلاقًا من الإسبانيولا الأنتيليّة، يُفترَض أنّهم توجّهوا إلى إسبانيولا مارتين ألونسو. وسواءٌ لتجنّب مياه الباوِيكاس (Babuecas) أم للذهاب إلى مكانٍ آخر، وربّما إلى منجم البرتغال (la Mina)، استغرقت الرحلة ثلاثة أشهر، وهو زمنٌ مفرط، حتى مع كون البحر مضادًّا، إذ "كان قطعُه لثلاثين فرسخًا أشقَّ عليه من الذهاب إلى هناك من قشتالة". وألقَوا مراسيَهم في ميناءٍ كبيرٍ جيّد، بنهرٍ "رئيسيّ" وآخرَ "معقول، ماؤه فريدٌ جدًّا". ولوفرة الصيد، احتفلوا، بعدما شبِعوا من اللحم، لعدم صيدهم سمكًا طوال الرحلة. ولم يشأ كولومبوس أن يستوطن في نهر مارتين ألونسو، كي لا يُحيي ذكراه، أو لأنّه كان بعيدًا، فأنشأ إيزابيلا الثانية "على بُعد ثلاثة فراسخَ إلى الأسفل"، في "حظيرةٍ" تحميها صخرةٌ "مقطوعة"، مُحاطةٍ بـ"غابةٍ من الكثافة بحيث لا يكاد أرنبٌ يمشي فيها، ومن الاخضرار بحيث لا يمكن لأيّ نارٍ أن تحرقها". وعمّد الموضعَ باسم مونتِه خوان (Monte Juan)[23]. وبعدما استقرّ القشتاليّون، جاء الأهالي طوعًا للمقايضة، عارضين الذهبَ والذُّرة، وهي أساسيّةٌ للمسيحيّين، لأنّ الاحتياطات المُقدَّرة لانتظار الحصاد كانت شحيحة. وجُنِّد أوّلُ المُعمَّدين من أرض القارّة (Tierra Firme) من بين أولئك التجّار، فيما اجتهد النبلاء في فلاحة بساتينهم[24].

ولم تكن سفنُ كولومبوس هي الوحيدة التي عبرت البحر في خدمة التاج. فقد ذهب مورالِس (Morales) "خلف" الأسطول في السفن التي استطلعت "الاكتشاف" والجُزُر، "لمعرفة حدودها وقياسها"[25]. وأبحر خوان بِرموديث (Juan Bermúdez)، ربّانُ القبطان أغوادو (Aguado)، حين كانت الجُزُر "مُثبتةً" في خرائط الملاحة. واكتشفوا "القوارب الثمانية عشر"، أغلبَ تلك "السلسلة"[26]. و"في إثر" كولومبوس، أُرسِل أسطولٌ من أربعة قوارب، محمّلٌ بالمؤن والمستوطنين، بقيادة أنطونيو دي توريس (Antonio de Torres)، أخِ الأمير الدون خوان (D. Juan) بالرضاعة، وأحدِ حاشية الملكَين[27]. وكان بين بحّارته خيل بيريث (Gil Pérez) وغونثالو مارتين (Gonzalo Martín)، من أهل ويلبا (Huelva)، وكانا من طاقم كولومبوس في الرحلة الأولى[28].

ولأنّ ازدراء الوقت رذيلةٌ إسبانيّة، فإنّنا نجهل كم يومًا مكث "المُكتشِف" في إيزابيلا الأولى. ونجهل أين وجد توريسُ الأسطول. ففي عمل بارتولومي دي لاس كاساس، يظهر توريس حاملًا تقريرًا من الأميرال إلى الملكَين، مؤرّخًا في 3 فبراير 1494. وبعدما تحوّل نباتيّو مرسوم البابا ألكسندر إلى آكِلي لحوم بشر، فضلًا عن كونهم مُدمِنين للِّواط، نافرين من الاغتسال، مُذنِبين بأنّهم أنهَوا حياةَ القشتاليّين المُفترَض هَجْرُهم في الرحلة السابقة، يُشار إلى هديّةٍ من العبيد قبلتها الملكة. وغادر توريس مونتِه خوان قرابةَ 12 مارس، وهو التاريخ الذي يُخرِج فيه بِرنالديث أسطولًا من الإسبانيولا يحمل "500 نفسٍ من الهنود والهنديّات"، تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والخامسة والثلاثين، ممّن "استُفيد منهم استفادةً سيّئةً جدًّا". وهلك أكثرُهم في الرحلة، أمّا الذين دخلوا قادس، الميناءَ المقبولَ سياسيًّا، إذ إنّ "جميع السفن القادمة من جزر الهند كانت تأتي إلى قادس"[29] [30]، فماتوا بعد بيعهم بقليل. وحمل توريسُ شكوى ضدّ بِرنال دي بيسا (Bernal de Pisa)، حاجبِ البلاط، الذي أراد كولومبوس التخلّص منه، وذهبًا من عيارٍ متدنٍّ جدًّا، حتى إنّ ثورةً قامت بين المستثمرين.

كانت إيزابيلا الثانية على نهرٍ، هو على الأرجح الأورينوكو (Orinoco) أو أحدُ روافده. وانهمك "المُكتشِف" في عمله، فـ"تلكّأ" في "أرض القارّة الجنوبيّة". وفي أربعة أو خمسة أشهر، استطلع أكثرَ من 50 نبعًا ونهرًا وجدولًا حاملةً للذهب[31]، ثمّ شرع في رحلةٍ إلى داخل سيباو (Cibáo) حالما صرف سفنَ توريس. وبرجالٍ مشاةٍ وفرسان، توغّل 18 فرسخًا في أرضٍ حَجَريّةٍ من حصًى أزرق، بلا شجرة، بعشبٍ كثيفٍ يغطّي الفرسانَ حتى الركبة. وبين التلال والجبال "العالية جدًّا"، جرت جداولُ غنيّةٌ بقُطَع الذهب[32]. وبنى كولومبوس حصنًا سمّاه سانتو توميه (Santo Tomé)، مُقتبِسًا اسمَه دون شكّ من اسم المكان. وترك 30 رجلًا، وبيدرو ماخِريتِه (Pedro Magerite) قائدًا (alcaide)، مكلَّفًا بمبادلة الأجراس الصغيرة والحُلِيّ الزهيدة بالذهب. أمّا فِرمين ثيدو (Fermín Zedo)، الخبيرُ في المعادن الثمينة، فقد فقد هيبته، إذ ثبت أنّه "يعرف القليل جدًّا"، فلمّا جهل قُطَعَ الذهب، "سخِر" من الكنز[33].


  1. SRGS. XI.1493.
  2. SRGS. XI. 1493.62.
  3. Bernáldez cap. CXIX/CXXI. ADMS 2395.
  4. P.C. T. VIII.
  5. P.C. T. III.
  6. Ibídem.
  7. P.C. T. I.
  8. P.C. T. IV. Bernáldez. Cap. CXXVII.
  9. Bernáldez. Fernández de Oviedo. Lib. I. Cap. VIII.
  10. Bernáldez cap. CXIX. F.O. T.I. Cap. VIII. Fr. Bartolomé de las Casas, "Escritos colombinos".
  11. P.C. T. III.
  12. Ibídem.
  13. وقد ذكر إسترابون (Estrabón) وبلينيوس (Plinio) نهرَ لِيثِس (Lehtes)، وكي يتمكّن مارِيانا (Mariana) من مطابقته بنهر الوادي الكبير (Guadalquivir)، افترض أنّ القدماء خلطوا بين القنوات الاصطناعية والمجاري الطبيعية. أمّا النهر التالي الذي رآه هيميلكون فكان نهرَ تارتِسّو (Tartesio). وفي كتلة غياناس الجبلية (Macizo de las Guayanas)، يهبط الماءُ المحتجَز نتيجةَ الأمطار الغزيرة من جبالٍ مقطوعةٍ كالجُرف، مُشكِّلًا شلّالاتٍ يبلغ ارتفاعُها 1000 بل حتى 3,000 متر، يُسمّيها الهنود تيبوي (Tepuy)، أي التلّ أو بيت الآلهة. ولا يزال إقليمُ الأورينوكو غنيًّا بالقطن والذُّرة. "Del Orinoco al R. de la Plata". C y P Geogescu Pipera. 1987.
  14. Bernáldez cap. CXIX.
  15. Ibídem.
  16. P.C. T. III.
  17. Ibídem.
  18. كان لكلا المنتَجَين طلبٌ في غينيا. فالقمصان الحمراء كان صيّادو القرن السادس عشر يحملونها ليُهدوها للمسلمين. أمّا القلانس فكانت تُصنَع في طليطلة (Toledo)، وتُباع من آسفي (Çafi) إلى سلا (Sale).
  19. Bernáldez cap. CXIX.
  20. Bernáldez cap. CXX.
  21. P.C. T. III.
  22. Ibídem.
  23. P.C. T. VIII. T. III.
  24. Bernáldez cap. CXX.
  25. P.C. T. III.
  26. Ibídem.
  27. Bernáldez caps. CXIX/CXXI. ADMS. 2395.
  28. P.C. T. VIII.
  29. Bernáldez caps. CXIX/CXXI.
  30. Bernáldez cap. CXIX.
  31. Bernáldez cap. CXX.
  32. Bernáldez cap.CXXI.
  33. F. O. Cap. XII. Bernáldez cap. CXXII.