السود
من دون المساس بكون كل ما هو موجود ثمرةً لخلقٍ إلهي، علينا أن نُقرّ بأنه كان من العبث، فضلًا عن المجازفة، أن يُخطَّط للتطور استنادًا إلى اختفاء النوع غير المتكيّف، باستثناء زوجٍ واحدٍ يُنتَدَب للتكيّف مع تغيّرات الغلاف الحيوي ومع حاجته الخاصة. ومن المنطقي أن نُسلّم بأن الأفراد المتحوّلين كانوا كثيرين، ويُفترض أن مختلف أشكال الحياة قد انتشرت في القارة الأولى، ولم يكن الثديي، سلف الإنسان، الذي ظهر قبل نحو 340 مليون سنة من زاحفٍ لاحمٍ، استثناءً من ذلك. وكان قد بلغ المرتبة العليا حين انقسمت الأرض، في مطالع الحقبة الحديثة (السينوزويك)، إلى قارّاتٍ تفصل بينها محيطات. ومن غير المعقول أن نجزم بأن الثديي كان غائبًا عن الجزء المُقدّر له أن يُكوّن الجزيرة الأمريكية الكبرى قبل حدوث الانقسام، كما لا يقلّ عنه في اللامعقولية أن نستنتج أنه كان لا بدّ من استيراد أحفاد إنسان الكرومانيون، المكتشَف في أستراليا، كي يظهر الإنسان في أمريكا.
إن كون كل شكلٍ من أشكال الحياة، لكي يستمرّ، مضطرًّا إلى اكتساب صفاتٍ معيّنة ونبذ أخرى، لا يعني أن كل الفِيَلة أو كل الدلافين في الوقت الحاضر منحدرة من زوجٍ واحد. ولا عجب أن يُعثَر في مونتانا على "بورغاتوريوس" (Purgatorius) من العصر الطباشيري الأعلى، سلفٍ للإنسان. لقد كان ذلك سيثبت أن التطور مضى في خطواته، في أماكن مختلفة وأزمنة متقاربة، لكن أتباع "الحقيقة المُوحاة" أعلنوه طرافةً من طرائف الطبيعة، بلا استمرارية، محتجّين بحجّة الغياب فيما يخصّ الحلقات اللاحقة. وإذا كان المبدأ اليهودي المسيحي، الذي يجعل النوع المفكّر منحدرًا من أبوين أوّلين وحيدين، قويمًا، فليس أقلّ منه قوامةً المبدأ العلمي الذي يزعم أن أولدوفاي أصل البشر جميعًا. لقد نسي الآباء القديسون أن قابيل في الكتاب المقدس بحث عن زوجةٍ شرقيّ عدن. ونسي العلماء أن غياب الدليل المادي قد يكشف جهل الذات، لكنه لا يثبت أبدًا عدم وجود الموضوع.
وبعد استبعاد إمكانية أن تكون الطفرات، التي انتهت إلى الكائن العاقل لإدخال الإنسان، قد تتابعت في الجزيرة الأمريكية، جرى الاحتكام إلى العصر الجليدي الأخير. فبعد أن تجمّد بحر بيرنغ، هجر الإنسان العاقل الرحّالة، الذي يعود عمره إلى نحو 40,000 سنة، جنوبًا مضيافًا لم يكن ينقصه الطعام، ليغامر في الجليد، تتبعه أنواعٌ حيوانية شتّى، جميعها معرّضةٌ للموت بردًا وجوعًا، من أجل متعة اكتشاف أمريكا. وبعد أن تلقّنت أجيالٌ من الطلاب هذا الدرس، جاء اكتشاف مقبرةٍ من الأصداف، عمرها 70,000 سنة، وثقافةٍ من فؤوس القطع (choppers)، ليُرجِع المغامرة الشاقة إلى الوراء، جاعلًا بطلها الإنسان المنتصب العادي (erectus)، مهاجرًا في العصر الجليدي الفورمي نفسه، لكن قبل نحو 120,000 سنة[1].
لو أن لفظة "إفريقيا" احتفظت بالمعنى الذي أعطته إياها الجغرافيا القديمة ومكيافيلّي، لكانت نظرية عالِم الأنثروبولوجيا غلوغر (Gloger) قد حظيت بالتقدير بدلًا من السخرية. فقد لاحظ أنه في جنوب الهند، وشمال أستراليا، وجزر المحيط الهادئ، والمنطقة المدارية الأمريكية، تُرصَد نسبةٌ مهمّة من السكان السود، فاستنتج أن الإنسان المقيم في المناطق الحارّة المنخفضة الرطبة، حين فقد الحماية الشعرية في لحظةٍ من التطور كان فيها متلقّيًا لرسائل الوسط، وقى نفسه من الشمس بإنتاج نسبةٍ من الميلانين أكسبت جلده سوادًا. وبعد أن ثبتت صفاته، فقد القدرة على تغيير اللون، فحافظ عليه عبر الأجيال، فبقي الأسود أسود في أرض البيض، والأبيض أبيض في أرض السود. وعند نشر الأطروحة، انقضّت الأرثوذكسيات الدينية والسياسية والعلمية على عنق الباحث، محتجّةً بأن القارة الأمريكية، وإن كان فيها شريطٌ مداري واسع، فإن الغزاة لم يسجّلوا وجود سودٍ فيها، ومن ثمّ بات جليًّا أنهم آتون من الاستيراد.
كان في مصر عبيدٌ سود، لكن كان فيها فراعنة سود أيضًا، وهذا ليس مدعاةً للدهشة، إذ كان هناك سكانٌ أصليّون في جنوب البلاد. وفي روما، كان يعجّ الإثيوبيون، أحرارًا كيوغرطة، أو خاضعين للعبودية، وهو وضعٌ شاركهم فيه بِيضٌ آتون من الولايات المفتوحة. وقد وعد المسيحيون بتحريرهم، لكنهم لما بلغوا السلطة، حاكوا أسلافهم، كما تفعل عادةً كل المعارضات الظافرة. وكان ذلك مما ينصح به علم الكسب، أي علم الاقتصاد.
كان محترفو تجارة الرقيق من البرتغاليين والقشتاليين هم أول نشاطٍ يزاوله المقيمون في جزر الكناري وماديرا والرأس الأخضر (Cabo Verde). وقد بلغ عدد المستورَدين حدًّا جعل "السود والسوداوات، واللُّور واللورات الأحرار... أو المُعتَقين (forros)"، يتّخذون سنة 1475 حيّ سانتا كروز الإشبيلي حيًّا لهم، مثبتين أصلهم المشترك بمشاركتهم في العادات والأعراف وفي "العريف" (mayoral) المنتخَب الذي كان يقضي بينهم ويزوّجهم، منظّمًا مراسمهم وفق "شريعة وأنظمة" الجماعة، ويمدّ سلطته إلى نُوى الأجناس نفسها المبثوثة في أنحاء الأندلس. ولأنه كان من غير المقبول عند الكاثوليكيين أن ينتخب أتباعٌ ملوّنون رأسًا لهم بحرّية، عيّنوا في المنصب الأسود خوان دي بلد الوليد (Juan de Valladolid)، حاجب حجرتهم، "ذي النسب النبيل بين السود والسوداوات المذكورين"، استنادًا إلى تقليدٍ[2] ما كانوا ليتشاركوه لولا أن لهم الوطن نفسه. ومن المفيد أن نعلم أن لون الهندي الأمريكي كان لون "اللُّورو" (loro).
ولما تحوّل المستعمِر إلى غازٍ، احتاج إلى الأيدي العاملة التي تفلح له الحقول وتعمل في المناجم. وفي الأزمنة الأولى، حُظِر إدخال العبيد إلى الهند (الأمريكتين) أيًّا كان لونهم، تعويضًا بتوزيع السكان الأصليين "المُوكَلين" (encomendados)، وكان استثناءً، أغفله غير قليلٍ من المؤرّخين، الأربعة آلاف أسود من غينيا الذين جلبهم بدرارياس (Pedrarias) إلى الجزر سنة 1504 مع قصب السكر والمعصرة. ويُقبَل عمومًا أن الآباء الهيرونيميين الثلاثة، الذين كانوا حكّامًا في الهند، استوردوا سنة 1517 عشرة آلاف من الغينيّين للمناجم، عبر دار التجارة (Casa de la Contratación). ويروي غومارا (Gómara) أنه لما نفد صيّادو اللؤلؤ في كومانا، استُبدل بهم غوّاصون أُسِروا في جزر لوكاياس. وكان يمكن اقتفاء أثر سفن هذه التجارة بالجثث التي كانت تخلّفها. وقد اكتشف فرنانديث دي قرطبة (Fernández de Córdoba) يوكاتان لأنه، بعد أن نفد "الصنف" في الجزر، ذهب ليشحن من مكانٍ آخر.
وبما أن العبيد لا لزوم لهم حيث لا يوجد أبيض يستغلّهم، فإنه من المتناقض أن يمثّل السكان السود، سنة 1650، في جزر الأنتيل الصغرى، ما بين 90% و95%[3]. أما الجزر الكبرى المستوردة، ففي كوبا وحدها يظهر الهنود، ممثَّلين بنسبةٍ متواضعة قدرها 6.5%، وكان السود يبلغون 30%، وفي سان خوان 25%، وفي هسبانيولا (La Española) 85%[4]. وفي القرن السادس عشر، كانت نسبة ثلاثة سودٍ لكل أبيضٍ تقلق الغزاة المستقرّين في سانتو دومينغو. وكان السود ذوي طبعٍ متمرّد، فثار في عيد ميلاد سنة 1522 عشرون أسود "من لغة الجولوف"، في معصرةٍ ليدييغو كولومبوس (Diego Colón)، وانضمّ إليهم العبيد الهنود. وامتدّت الثورة إلى الجزيرة كلها، ولم تُخمَد إلا بصعوبة، فشنق الإسبان من تمكّنوا من أسرهم من المتمرّدين على سبيل العبرة، متأسّفين لأن أكثرهم قد فرّوا إلى الجبال وانضمّوا إلى العبيد الآبقين (cimarrones). وافتقر المستوطنون إلى الأيدي العاملة، فشرعوا سنة 1523 في استيراد "الغينيّين، والمانيكونغو، والجالوف، والآبِه، والبربر"، الآتين، بحسب بنزوني (Benzoni)، من "غينيا التي فتحها ملك البرتغال". وفي السنة نفسها، سُجِّل تصديرٌ كبيرٌ للعبيد الفنزويليين، وجهته إسبانيا وسانتو دومينغو. وفي سنة 1545، قُدِّر في الجزيرة وجود سبعة آلاف ذكرٍ بالغٍ "ثائرٍ"، متأسّفًا القشتاليون على التغيّر الذي طرأ على السُّمر. ففي بداية الفتح، كان السود "الذين يعرفون كل شيءٍ عن القبائل" يعاونون على مباغتة الآبقين وهم غافلون، لكنهم بعد قليلٍ رفضوا التعاون[5].
وقد حظر الإمبراطور، وقد سئم الثورات، إدخال السود "اللادينو" (ladinos) إلى الهند سنة 1526، ويُقصَد بهم الذين أقاموا سنةً في شبه الجزيرة (الإيبيرية)، "لأنهم كانوا يُفسدون البُصَّال (boçales)، مُشيرين عليهم بالقلق وعصيان أسيادهم". وبعد قليلٍ حُظِر استيراد العبيد، لكن قلّة السواعد اضطرّت إلى السماح به سنة 1532، مع استثناء البربر "ومن السود أنفسهم، الذين يُسمَّون الجيلوف (gelofes)"، نسبةً إلى جزيرة جيلوف، لكونهم "متكبّرين ومثيري فتن". وفي سنة 1550، أغلق شارل الخامس أبواب الهند في وجه سود المشرق الأمريكي، "لأنه فُهِم أن بعضهم من ساحل المور أو أنهم كانوا يخالطونهم، وأنه في أرضٍ جديدةٍ يُغرَس فيها الإيمان الكاثوليكي المقدّس، لا يليق أن يمرّ قومٌ من هذا الصنف، وإن كانوا من سلالة سود غينيا". ولقلّة البحّارة، اضطُرّ فيليب الثاني أن يسمح، سنة 1572، بأن تحمل السفن "التجارية" اثنين أو ثلاثةً من سود غينيا "وأبناءهم"، بشرط ألّا يبقوا في الهند[6].
ولمّا كثر السود في الأرض الثابتة (Tierra Firme)، تتابعت بين سنتي 1527 و1554 قوانين تقييدية. فالعادة التي كانت تقضي بأن العبد المتزوّج من شخصٍ حرٍّ ينال حرّيته، صار محظورًا عتقه، وإن عقد زواجًا بإذن سيّده. والأسود، كالمورسكي في شبه الجزيرة، لم يكن يحقّ له حمل السلاح، ولا التزيّن بالذهب أو الفضّة أو اللؤلؤ أو معطف الحرير، وكان عليه التزامٌ إضافيٌّ بأن يقيم في بيت "سيّدٍ" أبيض، ولا يخرج ليلًا، ولا يتّخذ خادمًا هنديًّا، وهي قيودٌ لم تكن تُعفيه من دفع الضرائب في الأعباء التي "يدفعها في إسبانيا عامّة الناس (los hombres llanos)"[7]. ولم تكن هذه الأحكام تسري على السود المقيمين في "الحصون" (palenques). ففي سنة 1548، أُسِّس حصن بايامو في كوبا. وكان حصن بيكورا في بنما يضمّ ثلاثمائة نسمة. وعلى بُعد فرسخٍ ونصف من نومبري دي ديوس كان حصن سانتياغو دِل برينثيبي، وكان الأسود فيليبيّو (Felipillo) عمدة حصنٍ في خليج سان ميغيل. ولمّا كان سكان فنزويلا سودًا في جملتهم، ولم يشأهم التاج، حُلّت المشكلة في 2 نيسان/أبريل 1676 بمرسومٍ يقضي بألّا يكون هناك عمدةٌ إلا في كاراكاس.
وحيث كانت ترقية السُّمر نوعية، جُدِّدت في القرن الثامن عشر الأحكام التمييزية. فبعد أن نُسِي المرسوم، أُعيد سنة 1758 حظر حمل السلاح؛ وفي سنة 1768 حُظِر الزواج المختلط، بأبيض أو بيضاء؛ وفي سنة 1771 حُظِر الالتحاق بالجامعات وبمهنٍ معيّنة، كمهنة الصائغ، وهو حكمٌ يتزامن مع أول طلبٍ للأيدي العاملة تقدّم به حاكمٌ لفنزويلا. وكان السكان الملوّنون قد بقوا بنسبة 8.11%، لأغراض الترحيل، مقابل 75.68% من الهنود، فطلب رخصةً لمبادلة 4,000 بغلٍ في السنة بـ1647 عبدًا[8].
ولمّا كان الهنود والسود من أبناء الأرض، اتّحدوا في الثورات على القشتاليين. ففي بنما، ساند السود الزعيم أوراكا (Urraca)، الذي أبقى بدرارياس في حرجٍ تسع سنوات، إلى أن هزمه بدرو دي أورسوا (Pedro de Ursúa) سنة 1535؛ وفي سنة 1581 ثار أنطونيو ماندينغا، زعيم الآبقين الكوبيين، وسُجِّلت انتفاضةٌ كبيرة في سهول فنزويلا (Los Llanos)، أعقبتها مطاردةٌ للسحرة. وكان غير قليلٍ من القشتاليين متواطئين، فاتُّهموا، مع الأهالي، بالتحالف مع السكان الأصليين وإنكليز الغويانا. وقد تتابعت الثورات، على تفاوتٍ في ضراوتها، وكانت أحيانًا مؤيَّدةً أو مقودةً من الكريول (criollos)، حتى الاستقلال. وكان السود والهنود يعرفون فضائل الأعشاب، ومحاربة السموم واستعمالها، متشاركين في عاداتٍ كعادة التدخين: "يُنبِتون العشبة ويتناولونها دخانًا"، إذ إنها "تُذهب عنهم التعب"[9]. وكانوا يتعاطونها في هسبانيولا و"في هذه الجزيرة" من نيكاراغوا، "شأنهم شأن العبيد الذين جلبهم إليها الإسبان من إثيوبيا"[10]. وكان صنّاع القبّعات في طليطلة يبيعون التبغ في ساحل بربرية، من سلا إلى آسفي، وكان سود غينيا الأفريقية مدخّنين كذلك. وكون الأوروبيين، أصحاب المحطّات التجارية في القرن السابع عشر، كثيرًا ما كانوا يدفعون لهم بالتبغ، أثبت أن هذه العادة مستورَدة، وأنهم كانوا يرفضون المحلّي منه، مطالبين به من البرازيل[11].
وكان السود، الذين يُعَدّون حكماء، يتمتّعون بحظوةٍ عظيمة عند الهنود. وقد علم الغزاة بذلك، فكانوا يحرصون على اصطحابهم بوصفهم أهل ثقة، ليُصغى إليهم. فقد اصطحب بيثارّو (Pizarro) أسود في زيارته الأولى لكوسكو، واصطحبه بانفيلو دي نارباييث ليُسمَح له بالاستيطان في سان بينيتو. وفي سنة 1541، حضر خوان بادييو (Juan Vadillo) إلى تشاكلاس بثلاثين أسود، ليُقنع الأهالي بالتخلّي عن عادة تقديم الطاعة، متّخذين لهم أسيادًا بطريقة "البِهِتْرِيَّة" (behetría)، وهو ما كان يكرهه الكاثوليكيون، فضلًا عن السعي إلى العثور على منجمٍ جيّد، لكونهم عارفين بالأرض. أما إستِبانيكو (Estebanico)، الأسود الأعرابي، المولود في آزمّور في "إفريقيا"، فرافق كابيثا دي باكا ودورانتيس[12]. وقد استقبله الأبالاتشيون بإجلال. واستغلّ نائب ملك إسبانيا الجديدة "ما كان لدى الأسود من معرفةٍ" بالأرض، فأرسله "ليكتشف" برفقة راهبٍ سنة 1539. فذهبا إلى مملكة ماراتي أو سيبولا، "أرضٍ بالغة الثراء". وكان فيها سبع مدنٍ "كثيرة السكان وذات مبانٍ ضخمة" من اللَّبِن، بطابقين أو ثلاثة، لها أبوابٌ ونوافذ. وكان السكان قومًا "عقلاء"، يرتدون "ثيابًا" طويلةً ذات ياقةٍ من نسيج الوبر (chamelote)، يتحزّمون كما يفعل المور. وكانوا يملكون الفيروز، والجمال، والفِيَلة، وأبقارًا "من صنفنا ومنها الجبلية التي يصطادونها في الجبال"، وأغنامًا كأغنام بيرو، وحيواناتٍ غريبةً ذات قرنٍ واحد، لم تكن من وحيدات القرن (unicornios). وكان نائب الملك يُعدّ حملةً من اثني عشر راهبًا للفتح بالوعظ، لكن نزاعًا مع مركيز الوادي (Marqués del Valle) أطاح بالمشروع[13].
ولمّا كانت العبودية مقصورةً على السود الذين يرفضون الطاعة لتاج قشتالة، وكان المشرق الأمريكي برتغاليًّا، فإن المحجر القشتالي كان محصورًا في سواحل الكاريبي والأرض الثابتة، شاملًا "أندلسًا جديدة" كان التاج يطمح إلى توسيعها حتى الأمازون. وإن أمكن، حتى نهر مارانيون. ولأنّ الطلب كان يفوق العرض، بلغ سعر رأس الأسود في هسبانيولا، سنة 1543، دون تمييزٍ بين الجنسين، ما بين ثلاثمائة وأربعمائة بيزو. وفي "جزر اللؤلؤ"، دعا بدرو دي إيريرا (Pedro de Herrera)، حاكم لا مارغريتا، بنزوني إلى غارةٍ في ناحية باريا. فذهبا بمركبين شراعيّين، فظفرا بمائتين وخمسين قطعة، أكثرها "نساءٌ ذوات أطفال". ولم يكن إيريرا راضيًا، فانتقل إلى ماكارابانا، وهي قريةٌ من أربعين كوخًا، بُنيت لإيواء تجار الرقيق. وبتوغّله في الداخل، جاب سبعمائة ميلٍ عبر الصحارى والغابات الكثيفة. ثم خرج إلى كومانا، جارًّا بحبلٍ أربعة آلاف نفس. وكان فرنانديث دي أوبييدو (Fernández de Oviedo) حاكمًا في كاستيّا دِل أورو، فأرسل مركبًا شراعيًّا (كارابيلا) إلى قرطاجنة وجزيرة كوديغو، لأسر "العبيد والسود". فحصل على زمرةٍ جيّدة لمناجمه[14].
وخوفًا من أن تكفّ الكنيسة، وقد ضيّقت عليها الهرطقة، عن غضّ الطرف، محتجّةً بمرسوم سنة 1493 لتحريم تجارة الرقيق أو سحب الامتياز، وهو ما كان يزداد إزعاجًا للقوى الأوروبية، حاول فرنانديث دي أوبييدو أن يحوّل السود الأمريكيين، الذين كانوا يعجّون في أنحاء الهند، إلى سودٍ زائفين، بغية تمييزهم عن المُعَدّين للبيع. فوجد الحلّ في الوشم: "معظم هؤلاء القوم يحملون وجوهًا سوداء" وأجسامًا "ذات نقشٍ ثابتٍ لا يزول عنهم أبدًا ولا يمكن إزالته، لأنه... يُصنَع بإسالة الدم، بشقّ الجلد بأحجار صوّانٍ أو أشواكٍ معيّنة، ثم الوخز ووضع مسحوقٍ معيّنٍ أو فحمٍ مطحونٍ هناك، بحيث يدوم ما دامت حياتهم، وإلى أن يتعفّن النقش مع الجسد"[15]. وكان العبيد ضروريّين إلى حدٍّ جعل هوكينز (Hawkins)، سنة 1563، مع كون دخول الأجانب إلى موانئ الهند محظورًا، يُستقبَل في هسبانيولا لأنه كان يحمل ثلاثمائة أسود.
وفي سنة 1580، أُعجِب بدرو غامبوا دي سارمينتو بالعشرين ألف رأسٍ من السود المحشودين في مستودع سانتياغو الرأس الأخضر (Santiago de Cabo Verde). وبعد أن اكتسب فيليب الثاني الأرخبيل وغينيا مع تاج البرتغال، كان اليسوعي الأب ساندوفال يتباهى بأنه عمّد ثلاثين ألف أسود في مستودع قرطاجنة، آتين من ساو تومي والرأس الأخضر والمينا، بين سنتي 1580 و1587[16]. أما خوان كاستيّانوس، المنصرف إلى الصيد، فكان يتأسّف لأن سُمر الأرض الثابتة كانوا يهاجرون إلى الأراضي التي يسيطر عليها الشريف بحثًا عن الأمان. وباصطياده المتخلّفين، نزل عبر "دروبٍ وعرة" حتى ما "يُسمَّى اليوم نهر الذهب (Río de Oro)"، في "تخوم غوانا"، مهاجمًا الحصون. وكان البِيض "الشرسون" يطوّقون الأكواخ من دون أن "يُحَسّ بهم". وكانوا يسدّون منافذ الهروب، فيباغتون السكان "المنشغلين" في أعمالهم، ويقتلون الأقلّين ليأسروا الأكثرين. ومقيّدين من الأعناق، مؤلّفين حبلًا، كانوا يسلّمونهم ويقبضون ثمنهم في المستودع الملكي. أما بالتاسار باييرينو، مؤلّف كتاب الطُّرُقات، فقد بدأ في تجارة الرقيق سنة 1587. وأمضى خمسة أشهر يشحن في أنهار غينيا. وبعد أن أودع القطع في قرطاجنة، اشترى بثمنها فرقاطتين، مغيّرًا المسرح: "سرتُ عبر نهر ماغدالينا والكاوكا"، بحثًا عن السود، متوغّلًا سيرًا على قدميه في الداخل، عبر مومبوكس وتولو[17].
وفي سنة 1587، إذ كان ألونسو بيريث دي غوثمان (Alonso Pérez de Guzmán) يطارد دريك (Drake) إثر دخوله قادس، لامس السواحل الهندية، فتحقّق من تقدّم المذبحة الديموغرافية. وعند عودته، وجّه مذكّرةً إلى فيليب الثاني. وعزا الكارثة إلى "الميتا" (mita) وسائر أشكال العمل القسري التي لا يطيقها الهندي، فنبّه إلى أنه إن لم يوضَع حدٌّ لذلك، فسيصير الهابسبورغي ملكًا على "أرضٍ مقفرة"، مع ما يترتّب على ذلك من انهيارٍ اقتصادي، إذ إن السكان الأصليين وحدهم يعرفون فلاحة الأرض. ونصح بالتخفيف من ذلك بتوزيع ثلاثة آلاف أسود في السنة على "عمّال المناجم" في إسبانيا الجديدة، وبيرو، والمملكة الجديدة. ولأنّ أردأ الأسود كان بأربعمائة بيزو ذهبًا، ولأن الخُمس سيزيد بزيادة إنتاج المعادن النفيسة، فإن مداخيل خزانة الدولة ستزداد بحكم ضريبة "الألكابالا" (alcabala)، دون أن يُنفق التاج مرابطيًّا (maravedí) واحدًا، إذ إن "جلالته يملك هنودًا وزوارق في النهر" لنقل "هؤلاء السود" من "غينيا" إلى "المملكة"[18]، في إشارةٍ لا لبس فيها إلى نهر ماغدالينا، الصالح للملاحة من أرض السود حتى سانتا مارتا، بجوار قرطاجنة الهند. ولو كان الأمر يتعلّق باستيرادٍ عبر الأطلسي، لألغت كلفة النقل هذه المشورة.
ولمّا كان رأس الدولة بطيئًا، أزهرت فكرة إدخال السود إلى الهند سنة 1590. فباغتنام رحلةٍ إلى إشبيلية، تفاوض إيبارّا، سكرتير الملك، سرًّا على "عقد أطقم السود (asiento de los armazones de negros)"[19]. وبعد إبرامه سنة 1591، وُقِّع سنة 1594 لمدة عشرين سنة مع بدرو غوميث رينيل (Pedro Gómez Reynel). فحاز حقّ احتكار إدخال العبيد والشحن من مستودعات ساو تومي، والرأس الأخضر، والمينا، وسائر موانئ غينيا، مع بقاء محجر أنغولا حرًّا، إذ لم يكن مشمولًا بالامتيازات البابوية، مع احترام تسعمائة رخصةٍ احتفظ بها أعضاء المجلس ليوزّعوها بحرّية. وبعد إيداع مائةٍ وخمسين ألف دوقيّة كضمانة، كان على رينيل أن يدفع مائة ألف سنويًّا، وثلاثين رخصةً وعشرين ريالًا من رسوم الجمرك الصغرى، عن كل رأس أسود يُنزَل في إشبيلية، على أن تصير أربعين دوقيّة وثلاثين ريالًا إن دخل عبر ميناءٍ في الهند. ولأنه كان ملزَمًا بتقديم ثلاثة آلاف وخمسمائة أسود في السنة، مع تقدير خسارةٍ بنسبة 17.65% في العبور، كان عليه أن يشحن أربعة آلاف ومائتين وأربعين. وبعد توزيع ألفين على الموانئ التي يعيّنها المجلس، كان يجوز له بيع الباقين ومن يتجاوز الحصّة حيثما شاء، بالسعر الذي يتّفق عليه مع المشتري. وإن لم يقدّم العدد المتعاقَد عليه من القطع، دفع الرخصة والجمرك الصغرى وغرامةً قدرها عشر دوقيّاتٍ عن كل رأسٍ ناقص. وبدأ سريان الاتفاق في الأول من أيار/مايو 1595[20]. ومات رينيل سنة 1600، فخلفه رودريغيث كوتينيو، الذي انسحب سنة 1609. وطُرح العقد في المزاد، فلم يظهر مزايدٌ لكون التجارة متواضعة، فبقيت تجارة الرقيق للمبادرة الخاصة، إلى أن تولّاها رودريغيث دي إلباس سنة 1615. وأثبتت التجربة أن الخسائر في أثناء الرحلة تصل إلى 30%، فأُلزِم بشحن خمسة آلاف أسود. وبعد توزيع ثلاثة آلافٍ بين قرطاجنة وبورتوبيلو وفيراكروث، كان يبيع الخمسمائة الباقية وما يستطيع جمعه فوق العدد المتعاقَد عليه حيثما شاء[21]. ولمّا انتظمت التجارة، تتابعت العقود حتى سنة 1640، وهي السنة التي استقلّت فيها البرتغال، مستعيدةً البرازيل وغينيا التي بدأ يُطلَق عليها اسم غويانا، بعد أن تقاسمها الهولنديون والإنكليز والفرنسيون.
ولم يستطع المستوطنون الاستغناء عن الأيدي العاملة المجّانية، فتفاوض آل هابسبورغ مع أصحاب عقودٍ من ذوي الثروات. فوعد نيكولاس بورثيو (Nicolás Porcio) بتقديم عشرة آلاف طنٍّ من السود، بمعدّل ثلاثة رؤوسٍ عن كل طنٍّ من حمولة السفينة، في خمس سنوات. وكان على عاتقه "إعاشة القطع ومداواتها وتربيتها" ما دامت على متن السفينة، فشحن في ساو تومي، متوجّهًا إلى قرطاجنة. وكان الهولنديون يصطادون الزبائن، إذ كان مستودعهم في كوراساو مكتظًّا ويعاني مشكلات التموين، فرشوا حاكم قرطاجنة، الذي حجز السود، مرغمًا بورثيو على الشراء بسعر التجزئة لإكمال الطلبية. وعند انتهاء العقد، كان قد قدّم خمسة آلاف طن، منتهيًا إلى المحاكم. وإلى إخلاله بالعقد، أُضيف أنه أدخل إلى إسبانيا كاكاو بنسبةٍ تفوق ما كان يخصّه، قياسًا إلى السود المستوردين[22].
وفي سنتي 1655 و1656، تموّن الإنكليز من مستودعهم في جامايكا. ولمّا كانت القطع باهظة الثمن، تنازل التاج عن الاحتكار لتجّار إشبيلية، الذين لم يبدوا حماسةً ولا نشاطًا. وقد بنى دومينغو غريّا وأمبروسيو لوميلين سفينةً كبيرة (غاليون) في أمريكا نالت رضا فيليب الرابع. فاستحقّا عقدًا لبناء إحدى وأربعين سفينةً في بيثكايا، لتُستخدَم في خطّ الهند والأساطيل. ووُقّع العقد سنة 1662، جامعًا بين بناء السفن وتجارة الرقيق. والتزم الإيطاليّان بإدخال أربعةٍ وعشرين ألف "قطعة هندية، وهي تُسمّى كذلك على افتراض أن يكون طولها سبعة أرباع (quartas)"، بمعدّل ثلاثة آلافٍ وخمسمائةٍ في السنة، موزّعين ألفًا على كل نيابة ملك. أما الفائض البالغ خمسمائة فقد أُعفي من الرسوم، لكونه مخصّصًا لأحواض بناء السفن، وامتدّ الإعفاء إلى مائة رأسٍ عن كل ألفٍ يتجاوز العقد، ولم يكن يُحسَب العميان والعور وسائر المعيبين. ومقابل احتكار شحن السود وتفريغهم، كان أصحاب العقد يدفعون للملك ثلاثمائة ألف بيزو في السنة، ومائة عن كل "قطعة" مباعة، مع خصم واحدٍ وخمسين بيزو فضّةً عن كل طنٍّ من السفن المبنيّة، مع حقّ استئجار سفينةٍ في السنة التي لا يكون فيها أسطولٌ ولا غاليونات، محمّلةً بالذهب والفضّة والثمار "من عقدهم". وكانت تدخل عبر قادس أو سانلوكار، دافعةً الرسوم المستحقّة[23].
وظنّ فيليب الرابع أن الاحتكار قد آل إلى زوال، ففرض على أصحاب العقد أطقمًا من الإسبان، مصرّحًا بأجنبيّين أو ثلاثةٍ عن كل سفينة، بوصفهم مترجمين، بشرط ألّا يكونوا برتغاليين أو مهندسين أو عسكريين. وصُرِّح لهم بتعيين قضاةٍ حافظين ووكلاء في إسبانيا والهند، فجاز لهم تعيين جنويّين أو إيطاليين أو فلمنكيين، ومما يوضّح الأمر عددُ السفن وحمولتُها التي كان عليهم امتلاكها للنقل: خمس سفنٍ بحمولةٍ إجماليةٍ قدرها خمسمائة طن. ولأنهم كانوا ملزَمين بشحن خمسة آلاف أسود لتغطية الخسائر، ولأنّ السعة كانت ثلاثة رؤوسٍ عن كل طنٍّ من السفينة، فإنهم كانوا يشحنون ألفًا وخمسمائة قطعة، وهو ما يمثّل ثلاث رحلاتٍ في السنة، ذهابًا وإيابًا إلى المستودعات، وهي رحلاتٌ يستحيل القيام بها لو كان المحجر في الجانب الآخر من المحيط[24].
وحتى النصف الثاني من القرن السابع عشر، كان سود الكونغو وأنغولا استيرادًا نادرًا. ولبُعد الساحل وتعقُّد العبور، بدأ التجار يترددون عليه حين أعطت غينيا الأمريكية علامات النفاد. وفي أواخر القرن، ازدهرت المحطّات التجارية من السنغال إلى النيجر. وفي سنة 1696، أُسِّست في إسبانيا "شركة غينيا الملكية" لتمويل الهند بسود غويانا أو البرازيل أو أنغولا. ولمّا تبيّن عجز الموظّفين عن "الذهاب إلى عمليات الاستنقاذ (rescates)"، أحالوا العقد إلى برتغاليين. ولمّا اعتلى العرشَ أولُ ملوك البوربون، منحه سنة 1701 لفرنسيين، التزموا بتقديم عشرة آلاف طنٍّ من القطع الهندية كل خمس سنوات، أو ستة آلاف أسود في السنة. وبدل أن يغطّوا الحصّة، طلبوا سنة 1706 الإذن بالشحن من المينا والرأس الأخضر، وهما مستودعان تسيطر عليهما إنكلترا وهولندا. وفي سنة 1713، وبعد أن قدّموا ثلاثة آلافٍ وأربعمائةٍ وخمسًا وسبعين قطعة، تخلّوا عن العقد. ولم يكن أمامه بدٌّ آخر، فسمح فيليب الخامس بأن تُنزِل سفينتان أو ثلاثٌ هولنديةٌ السود في الهند، بشرط أن يكون ثلثا الطاقم كاثوليكيين، وأن تدخل الموانئ رافعةً علم إسبانيا أو فرنسا "مرفوعًا"[25]، للتستّر على عجزها. ثم أعقب ذلك عقدٌ مع "شركة بحر الجنوب" الإنكليزية، التي عرضت مائةً وأربعةً وأربعين ألف أسود، موزّعين على ثلاثين سنة. وبعد تفريغ سبعة عشر ألفًا وثمانمائةٍ وخمسٍ وأربعين قطعة سنة 1727، بقي العقد ساريًا حتى سنة 1750، إذ لم يكن ثمة من يطلبه. وباغتنام معاهدة "بوين ريتيرو"، تخلّى عنه الإنكليز، نائلين تعويضًا قدره مائة ألف جنيه.
وفي سنة 1760، وقّع القادسي ميغيل أورياتِه (Miguel Uriarte)، جاهلًا سبب انحطاط التجارة، بوصفه تاجر رقيقٍ للتاج. وأُلزِم بإنزال خمسة عشر ألف قطعة في عشر سنوات، فأسّس بعد مضيّ خمسٍ منها "شركة قادس للسود". فأفلست سنة 1772، وحلّت محلّها في السنة التالية شركةٌ قصيرة العمر، سيّئة الخاتمة. وفي سنة 1778، شكر كارلوس الثالث ملك البرتغال على الرخصة بالتموّن من فتوحه، وعلى التنازل عن الإقليمين الأفريقيين أنّوبون وفرناندو بو، الغنيّين بالأيدي العاملة. وقد حرّر العاهل التجارة، لكن المتطوّعين قلّوا. وظهرت السفينة البخارية في فرنسا سنة 1783، فالتزم تاجران من ليفربول، سنة 1786، بإدخال ستة آلاف أسود عبر هافانا وكاراكاس. وبعد إعادة تقرير حرّية التجارة سنة 1789، تولّى ثلاثة أمريكيين تموين الهند سنة 1793 بسود إفريقيا.
يُقال إنه بين سنتي 1790 و1820 دخل عبر هافانا نحو 369,000 أسود. ومع أنّ العبور عبر الأطلسي صار ميسورًا بفضل الملاحة البخارية، اصطدمت تجارة الرقيق بحركة إلغاء العبودية. فبعد إلغاء العبودية في إنكلترا سنة 1833، طارد البريطانيون سفن السود، وانضمّ إليهم الفرنسيون سنة 1848، واستمرّت التجارة، لا من غير صعوبة، حتى أُلغيت العبودية في إسبانيا سنة 1872. ومع كون الأرقام غير دقيقة، فيمكننا أن نقدّر أنه، في نيابات الملك والكاريبي، منذ بدايات الفتح سنة 1492، أُدخِل نحو مليونَي أسود. وما دام يُقدَّر بستة ملايين ما استوردته الولايات المتحدة، إلى أن ألغت العبودية سنة 1865، فليس من العبث أن نفترض أن مستوطنات البيض في أمريكا تلقّت، في أربعة قرون، نحو عشرة ملايين عبد، بمن فيهم المائة ألف رأسٍ من السود المفترَض استيرادهم إلى البرازيل في النصف الثاني من القرن السادس عشر.
ولمّا امتدّت مزارع قصب السكر على طول ساحل المشرق الأمريكي، نقصت الأيدي العاملة، فلجأ زرّاع البرازيل إلى "البانديرانتيس" (bandeirantes)، الباحثين عن الذهب في الداخل. وتحوّلوا إلى صيّادي عبيد، ابتداءً من سنة 1591، فاتّخذوا لهم مصيدةً بامتداد مائتي فرسخ. ونفدت، فتوغّلوا ابتداءً من سنة 1628 حتى خمسمائة فرسخ. وسبقًا للزمن، ألغى بيدرو الأول العبودية سنة 1674، حارمًا مستوطنيه من المحجر الأصلي. ولم يكن أمامهم بدٌّ، فلجأوا إلى التهريب وإلى الهولنديين، الذين كانوا يسيطرون على مستودعات الرأس الأخضر وساو تومي والمينا. ولخطورة التجارة، اضطُرّوا إلى استئجار أيدٍ عاملةٍ بأجر، فلم يعد سكّرهم قادرًا على منافسة السكّر المصنوع بسواعد مجّانية. ولمّا كان الاعتبار الاقتصادي مقدَّمًا على كل القيم، أُعيدت تجارة الرقيق سنة 1701، إذ صُرِّح باستيراد مائتي أسود في السنة عبر ريو دي جانيرو. وحينئذٍ لُوحِظ أن سود غينيا يتأقلمون أفضل من سود أنغولا، مع كتمان الجوار. وفي سنة 1726، وُزِّع ستمائة أسود مستورد على كل عامل مناجم ماسٍ في سيرّا دو فريو، مقدّرةً المصادر أنه بين سنتي 1756 و1778 دخل إلى البرازيل نحو 25,500 عبد. ولمّا نمت التجارة مع إفريقيا في منتصف القرن الثامن عشر، تقدّم اليسوعيّون المقيمون عند مصبّ الأمازون بالاحتجاج الواجب. فبعد أن كانوا قد وعدوا الموعوظين (catecúmenos) بالأمان، صاروا يهجرون الإيمان ليكمنوا في الداخل، لأن تجّار الرقيق كانوا يُغيرون على الإرسالية، متموّنين من المتحوّلين إلى المسيحية[26].
وفي سنة 1612، أسّس الفرنسيون سان لويس عند مصبّ نهر مارانيون، مكرّسين كنيستها لسيّدتنا في القفر (Nuestra Señora do Desserto)، لوجود القفر في جوارها. وبعد أن استقرّ الهولنديون في ريسيفي وأوليندا سنة 1641، يُقال إن موريس ناساو (Mauricio de Nasseau)، إذ أراد استبدال السود بالأيدي العاملة الأصلية، فتح أنغولا في السنة التالية، بوصفها محجرًا، غير مبالٍ بأن أنهار غينيا، وسيرّا ليونا، وساو تومي، والمينا، كانت منذ سنة 1600 تحت سيطرة هولندا. وعند توقيع معاهدة أوترخت سنة 1713، ضمّت البرازيل إقليم مارانيون وجزءًا من باريا، إذ نُقلت حدودها إلى نهر أويابوك. وفي سنة 1755، أُعتِق سود الساحل البرتغالي. وكان في باهيا منهم عددٌ كبيرٌ في مطلع القرن العشرين، حتى عُرِفت بـ"روما السود". وهم يمثّلون اليوم 50% من سكان سان لويس، ويشكّلون الأغلبية في ماناوس وبيلين.
ولو كان الاستيراد من إفريقيا سببَ السواد الأمريكي، لكانت نسبة السكان السود أعلى حيث كان أقدم وأكثر ثباتًا، أي في نيابات الملك الثلاث. ففي سنة 1700، كان في المكسيك 1.3% من السود. وفي أواخر القرن السابع عشر، إذا جُمِعت سكان الإكوادور وبيرو وتشيلي، كان هناك 9.87%، وكان السود في المملكة الجديدة قليلين إلى حدٍّ جعل الحاكم غاسبار نونيث يطلب سنة 1581 ألفين منهم لترينيداد دي لوس موثوس وبالما. وفي سنة 1650 كانوا يمثّلون 8%، ثم بقوا سنة 1789 عند 5.4%، وبقي السكان من لون اللورو أو الهنود عند 16.5%. وبوصفها منطقةً تعدينية، أحصت عمّالها المسخّرين (mitayos): فكان الباقي منهم ثمانية آلافٍ وستمائةٍ وواحدًا وعشرين. وفي السنة نفسها، كان 39.50% من سكان جنوب الولايات المتحدة سُمرًا. وفي سنة 1814، ارتفع هذا الرقم في فلوريدا إلى 55.3%[27].
وفي بدايات الفتح، لا تعوز الإشارات إلى وجود أجناسٍ غير هندية. فالأسود خوان البرتغالي (Juan Portugués)، الذي تعاقد معه كولومبوس في الغوميرا في أثناء الرحلة الأولى، ميّز "الموانئ والمواطن حيث يوجد هنود"، وذكر شهودٌ آخرون "أقاليم هنود"[28]. وأوضح بالتاسار كالبو، الخيّاط الذي أبحر في الرحلة الرابعة، قائلًا: "كانوا ذاهبين لاكتشاف أقاليم هنود"، راسين عند "مايا... أول أرض هنودٍ تقع في الأرض الثابتة"[29]. وكان مجذّفو الزوارق، الذين يقتربون من المراكب الشراعية للمقايضة، "حُمر الألوان وبِيضًا، أكثر منهم سودًا"[30]. أما بارتولومي دي لاس كاساس، ناسخ نصوص كولومبوس، فيجعل كولومبوس يقول إنه، إذ كان في باريا، حُدِّث عن قرى سود. وفي سنة 1513، رأى نونيث دي بلبوا، إذ كان يعبر البرزخ لاكتشاف محيطٍ هادئٍ لم يكن قد سُمّي بعد، لكنه كان معروفًا تمام المعرفة، عبدين أسودين في حاشية زعيم. فقيل له إنهما آتيان من مكانٍ يبعد مسيرة يومين، لا يُنتِج إلا قومًا ملوّنين. ويخطئ التاريخ نصف الصواب، فينسب هذا الوجود إلى قراصنةٍ إثيوبيين: جرفتهم العاصفة فأُلقوا على الساحل، فاستقرّوا فيه لأنهم لم يعرفوا كيف يعودون[31]. ولم يفاجأ باثكيث، إذ كان ينزل نهر الأمازون مع أغيرّي، بأن يُستقبَل في قريةٍ بخمرٍ محلّية: فبين "الإسبان والسود وهنود البلاد، شربوها في أيامٍ قليلة". وفي الفن السابق لكولومبوس، نجد تماثيل ذات ملامح زنجية، بادية للعيان في كوستاريكا. وكان السكان نحاسيّي اللون في مرتفعات البرزخ، لكن سودًا على الساحل، فولّد هذا التمييز أسطورةً تكشف كيف أنه في القرن السادس عشر لم يكن أحدٌ يتصوّر استيراد سودٍ من إفريقيا: فشحنةٌ من العبيد آتيةٌ من البرازيل ثارت، فاستولت على السفينة واستقرّت على الساحل، إذ وجدته خاليًا لطيفًا.
- "الفن السابق لكولومبوس" (El arte precolombino) خوسيه ألثينا. Ed. Akal 1990.
- SRGS. XI.1475.725 "العبيد والخدم..." (Esclavos y Sirvientes...) لجاك هيرس (Jacques Heers)، ed. Alfons el Magnanim. يُذكَر وثيقةٌ مؤرّخةٌ سنة 1465، يظهر فيها خوان دي بلد الوليد بوصفه "قاضي العبيد". ولا إشارة فيها إلى سودٍ أو لُور، مُعتَقين أو أحرار.
- ينبغي أخذ هذه الأرقام على أنها مجرّد أرقامٍ إرشادية.
- "تاريخ الأمريكتين" (Historia de las Américas). vv.aa. المنسّق لويس نافارّو غارثيا 500 centenario 1991 T. II.
- "تاريخ العالم الجديد" (Historia del Nuevo Mundo). غيرولا بنزوني. الميلاني. نُشِر سنة 1565. Ed. V Centenario.
- "دليل تجارة الهند الغربية" (Norte de la Contratación de las Indias Occidentales). خوسيه دي بيتيا. Ed. de 1671. "السياسة الهندية" (Política Indiana). سولورثانو بيريرا. 1703.
- "دليل تجارة الهند الغربية" (Norte de la Contratación de las Indias Occidentales). خوسيه دي بيتيا. Ed. de 1671.
- "تاريخ الأمريكتين" (Historia de las Américas). VV.AA. المنسّق لويس نافارّو غارثيا 500 centenario 1991 T. II.
- FO 1º parte.
- "تاريخ العالم الجديد" (Historia del Nuevo Mundo) غيرولا بنزوني. Ed. V Centenario.
- "رحلات في غينيا وفي جزر الكاريبي بأمريكا" (Voyages en Guinée et dans les îles Caräibes en Amérique) بول إردمان إيسِرت. Ed. Karthala 1989.
- F. O. T IV. Lib. XIV cap. VII. كان مع كابيثا دي باكا "إستِبانيكو، أسود اللون، أعرابي، مولود في آزمّور في إفريقيا".
- F.O. T. IV pág. 350. يذكر سان بورندون مملكة المدن السبع، ناسبًا تأسيسها إلى سبعةٍ من الأساقفة القوط الغربيين الذين فرّوا من إسبانيا حين دخلها الإسلام. وقد منح ألفونسو الخامس فرانثيسكو تيّيس الجزر التي "يكتشفها" غربيّ الأطلسي، باستثناء تلك المشمولة في غينيا وفتح قشتالة. ولمّا أعلنت الكاثوليكية الحرب على البرتغال سنة 1475، أُذِن لتيّيس بفتح مملكة المدن السبع والاحتفاظ بها بوصفها إقطاعًا موروثًا.
- F.O. T. III pág. 266. يضع تشابيس جزيرة كوديغو عند مدخل خليج قرطاجنة.
- F. O. T. III pág. 13. T. IV pág. 318 Lib. XIV, cap. VII.
- "التاريخ العام للإرساليات" (Historia General de las Misiones). البارون دي هنريون. برشلونة 1863.
- "نور الملّاحين" (Luz de Navegantes). بالتاسار باييرينو دي بيّالوبوس.
- ADMS. 2400.
- ADMS. 2402.
- "دليل تجارة الهند الغربية" (Norte de la Contratación de las Indias Occidentales). خوسيه دي بيتيا، ed. de 1671.
- "دليل تجارة الهند الغربية" (Norte de la Contratación de las Indias Occidentales). خوسيه دي بيتيا. Ed. de 1671.
- ADMS. 5990.
- "دليل تجارة الهند الغربية" (Norte de la Contratación de las Indias Occidentales). خوسيه دي بيتيا. Ed. de 1671.
- Ibídem.
- ADMS. 4039.
- "التاريخ العام للإرساليات" (Historia General de las Misiones). البارون دي هنريون. برشلونة 1863.
- ADMS. 4418. "تاريخ الأمريكتين" (Historia de las Américas). VV.AA. المنسّق لويس نافارّو غارثيا 500 centenario 1991 T. II.
- P.C. T. IV.
- P.C. T. III.
- كان دييغو غوميث في أرغين وتيدر في النصف الأول من القرن الخامس عشر. أسر من "أولئك الرجال الحُمر، نحو 650". "العبيد والخدم في العصر الوسيط" (Esclavos y sirviente en la Edad Media) جاك هيرس.
- بحسب غومارا، فإن غينيا، التي كانت تُسمّى قبلًا إثيوبيا، هي نظير الملوكاس (Molucas) على الجانب المقابل من الأرض.