غزو الاكتشاف

غزو الاكتشاف

انتقل لوبِه سانتشيث دي بالينثويلا، حاكم غران كناريا، إلى "مدينة تاغاوث، التي هي حاضرة مملكة فوتاتا"[1]، ليتلقّى فروض الطاعة والولاء، باسم الملكة الكاثوليكية، برفقة الكاتب غونثالو دي بورغوس والمترجمة المورِسكية ماريا دي ألمونيكار[2]. ولمّا نزل في قصبة أغاوث، استقبل في 15 فبراير 1499 محمدًا بن ميمون، سيّد تاغاوث، ومعه حامد، قائد أُفران، الذي تكلّم باسم أخيه غزلزيز وباسم البلدة والمواضع الثمانية والثلاثين "المسوّرة" التي كانت في الوادي. أقسموا "بشريعتهم"، إلى جانب أدائهم فرض الطاعة على الطريقة القشتالية، وتعهّدوا بأن يدفعوا لإيزابيلا الجزى (الپاريَاس) التي كانوا يؤدّونها للملوك "الأسلاف"، مفوّضين سِيدي القائد ميمون، أخا سيّد تاغاوث، وسِيدي مومِه، وهو عربي من أولاد عمر، للتصديق على الوثيقة في قشتالة، بين يدي الملكة[3]. وبعد ثلاثة أيام، سلّم سِيدي مومِه ومحمد، بمعاونة مترجميهما، قلعة يفني، متعهّدين بأن يستقبلوا، ليلًا ونهارًا، كلَّ من يحمل تفويضًا من الملكة، وأن يدفعوا الجزى المعتادة. وبات في وسع إيزابيلا أن تُشيّد حصنًا حيثما شاءت، على أن يحفر الأهالي بئرًا "على ساحل البحر" علامةً على الطاعة. وفي 20 فبراير حضر أهالي يفني، مصدّقين على التنازل عن الحدود والمنابع والموانئ والخلجان. وفي 8 مارس أقسم حمار هويل من أبو بوزوان، صهر سِيدي سليمان أبندوت، قائد ومالك مدينة تمامارت، حاضرة ست بلدات وألف موضع مسوّر تمتد على طول النهر[4]. ووعد بالينثويلا، باسم الملكة، بأن يحمي رعاياه الجدد من "كل رجال العالم"، وأن يوفّر لهم المنتجات المعتادة بسعرها. وعند مغيب الشمس مثَل بُعلي إنبوكو، سيّد وقائد تاغامارت وحصنها، يتبعه أبناؤه. وكان حفيدَ أبي المؤمن ماحلوفوت، آخر ملوك فوتاتا، فتنازل عن حقوقه لتاج قشتالة. وفي اليوم التالي، صدّق ممثلو أهل أُفران على كلمة ملوكهم، بحضور سادة تاغاوث وأغاوس. وبقي بالينثويلا "داخل مقرّه"، مكرّسًا بقيّة النهار لتلقّي فروض الطاعة من "عامة الناس"[5].

وفي 20 مارس، قدّم سادةُ تاغاوث وأغاوس وتيثيغونِه القوّاد. ولمّا سُلّمت الحصون، أدّوا فرض الطاعة كي يتلقّوها باسم الملكة الكاثوليكية. وأبرم علي بن عبيد إينِبيت، شيخ فرقة أولاد عمر، الاتفاق بإشارة معروفة: "بحضور الحاكم المذكور، شبّك يده بيده، علامةً على السيادة". وفي 23 منه، في ميناء يفني، أملى المترجم محمد ملخّص الوقائع على غونثالو دي بورغوس، الذي أثبته في محضر. واجتمع "نحو 300 فارس وكثيرٌ من المشاة من فرقة أولاد عمر"، فـ"أدخلوا" الحاكم إلى "المسجد القائم هناك.. وهو قديم جدًا"، ليعلنوا أنهم، بعد أن أرسلوا شيخًا من شيوخهم ليؤدّي فرض الطاعة للملكة، باسم الجيل الحاضر والأجيال الآتية، يصدّقون على العهد، "وأيديهم مشبّكة مع فارسَين رئيسيين من الفرقة المذكورة". وشهد على ذلك بيرو رويث، ربّان السفينة "التابعة لجلالتهما" التي أقلّت القشتاليين، وفرناندو دي كاستيّو، وأنطون دي هويو، وألونسو دي أراهال، والمترجمة ماريا دي ألمونيكار، وجميعهم من أهالي غران كناريا[6].

وعَلِم خوان دي غوثمان أن أمرًا ما يجري في جزره، فأراد أن يبحر، متذرّعًا بإحلال النظام في مليلة. وحدست إيزابيلا أنه سيمدّ رحلته إلى رأس أغير، فتعلّلت بسفرٍ وشيك كي تُبقيه في الأندلس: راغبةً في "أن أفاوضك فيما ينبغي فعله في شؤون إفريقيا.. يبدو لنا أنه يمكن حتى ذلك الحين تأجيل ذهابك". وفي 5 مارس، ومع اقتراب افتتاح موسم الملاحة، تلقّى غوثمان وقريبه بونثي دي ليون توبيخًا ملكيًا مشتركًا: "بلغنا أنه يُخرَج من مواضع أرضكم كثيرٌ من القمح إلى خارج ممالكنا، من دون إذننا وأمرنا". و"مندهشين"، إذ إنهما رجلان متعلّمان يُفترض أن يعرفا القوانين كي يحملا الناس على احترامها، أمرهما الملكان بوقف هذه التجارة[7]. وفي 5 أبريل، وعلى المنوال نفسه، ذكّر فرناندو دوقَ مدينة سيدونيا بحظر الظهور في مملكة فاس، مستخدمًا كلمة "الجهة الأخرى (Allende)" اسمَ مكان: "اعلم أنه لأسبابٍ تخدم مصلحتي كثيرًا، لا يليق أن يعبر أحد الآن إلى الجهة الأخرى (Allende)، لا بتجارة ولا ببضائع ولا على أي وجه آخر. لذا أرجو منك ألّا تسمح ولا تُفسح المجال لأن يعبر من تلك الأنحاء شخص أو أشخاص، حتى أبعث بأمري بذلك"[8].

لكن الحظر لم يدُم طويلًا. ولاستحالة إعمار الهند الغربية من دون سفن ورجال جاهزين، فُتحت البحار والأراضي في 12 أغسطس، فألغى الملكان الكاثوليكيان الأمر السابق كأنه صادر عن غيرهما: "بلغنا أنه أُعلن في تلك المدن والبلدات والمواضع أن لا يذهب تجّار ولا سواهم، ولا يرسلوا للتجارة ببضائعهم إلى بلاد البربر، تحت طائلة عقوبات معيّنة. ولمّا لم تعد ثمّة حاجة الآن للالتزام بما تقدّم"، صار في وسع من شاء أن يذهب إلى الجهة الأخرى (Allende)، ليقوم بـ"المفاداة" أو بما يبدو له[9]. ومن بين أوائل المسافرين يظهر من جديد خوان خيمون. وبعد أن رُقّي إلى نائب كنسي في خيريث، عاد إلى بلاد البربر في "سفينة" دييغو سالِناس، ليواصل افتداء "المسيحيين الأسرى في الجهة الأخرى (Aliende)"، الواقعين في قبضة "أعداء الإيمان". وحمل معه "حريرًا وأقمشة وموريّين أسرى" معفاة من الرسوم: "إن باعوا بعض الموريّين الذين يحملونهم من مال الصدقة" فإنهم يُعفَون، إذ إن ما يُجبى منها كان يُخصَّص للافتداء[10].

ولأنّ أهل السلطة كانوا مولعين باستخدام التهديد، حتى من دون حاجة، أعدّ الملكان الكاثوليكيان لاستقدام كولومبوس بالقوة، من دون أن يحاولا ذلك بالحسنى. وقد استُهلّت المناورة بأمر ملكي مؤرّخ في 22 أبريل 1499، موجّهٍ إلى أمين خزانة الجزر والبرّ الرئيسي "المكتشَفة والموضوعة تحت سيادتنا، في المحيط، في ناحية الهند الغربية". ومن ريع الذهب وسائر المنتجات، كان يُدفَع "أيّ راتب أو أجر" لقاء نولون السفن وأجور البحّارة، "ولسائر الأمور اللازمة لإقامة الناس" الموجودين "أو الذين يتعيّن عليهم الذهاب" إلى الهند الغربية، مع تسوية الديون السابقة إن وُجدت معلّقة[11]. وكان "أميرال الهند الغربية" قد استأجر سفينتَي الكارابيلا "سانتا كروث" التابعة لخوان بيرموديث، و"النينيا" التابعة لمارينا غونثاليث، زوجة ألونسو ياينيث باكينياس دي سانتو، التي كانت تحمل ابنها مارتين ألفونسو، وكلتاهما من پالوس، فعادتا محمّلتين بخشب البَرازيل الذي بيع لأجل "أداء أجر الناس المذكورين، الذين خدموا في الهند الغربية المذكورة". ولمّا سُلّم الريع إلى كولومبوس، بقي مدينًا للأولى بمبلغ 84,544 مرابطيًا (مارابيدي)، وللثانية بمبلغ 96,000 مرابطي نولونًا، إضافةً إلى 62,000 للربّان بيدرو فرانثيس. وحين نظر أعضاء المجلس في الشكاوى، في 19 و20 سبتمبر 1499، تحوّل ما كان تافهًا في بلدٍ من المماطلين إلى أمرٍ خطير، إذ "أُسنِد" النظرُ فيه إلى الأخ فرانثيسكو دي بوباديّا، المحقّق في الهند الغربية[12].

وفي سبتمبر نفسه الذي أُسنِد فيه الأمر إلى بوباديّا، مستقبلُ الأميرال القريب، استُدعي ألونسو فرناندث دي لوغو إلى البلاط[13]، ليُعيَّن، في 2 أكتوبر 1499، قائدًا للبحر الصغير وحاكمًا مدى الحياة على بلاد البربر، من رأس أغير إلى رأس بوخادور، براتب قدره 375,000 مرابطي، مع الغنائم والمفاداة[14]. وقد كُلّف بترسيخ الحيازة التي أخذها لوبِس سانتشيث دي بالينثويلا، فكان عليه أن يبني حصونًا على حدود رأس "بوخِدون" وتاغاوث وميناء نول، "الذي يبعد خمسة فراسخ"، قادرةً على إيواء حامية من 100 فارس و200 راجل، محتفظًا بمناصب القيادة وحيازاتها مدى حياته. وكي يُقنع "الموريّين والعرب" بما سيعود عليهم من منافع أداءِ الجزى لقشتالة، على غرار فرض الطاعة الذي بذلوه، كان عليه أن يجنّد 50 رمحًا و300 راجل، مقدّمًا الاستثمار على أن يستردّه من الغنائم والضرائب. وبعد استهلاكه، يبقى له مدى الحياة "الجزءُ من عشرين (veyntena)" أو الخُمس، من كل ما يُدرّه على التاج الإقليمُ المفتوح "بيده"، من دون إزعاج سوى تحمّل "شخصٍ أو أشخاص نأمر بهم"، بصفة مراقبين أو مشرفين على الحسابات والمبادرات[15].

وإدراكًا منها أن على الذين يبذلون الطاعة أن يلمسوا بعض التحسّن، منحت الملكةُ الكاثوليكية لوغو صلاحيات لضمان الحرية والملكية لكل من يقبلها سيّدةً عليه، مع إبقاء الاسترقاق مخصّصًا للمتمرّد العنيد. وكان لا بدّ من حماية الرعايا من محترفي الغارة والسبي (الكاباليّاغادا)[16]، فوزّع الحاكمُ رجاله على المراسي، فارضًا حظرًا محكمًا لا ثغرة فيه، عانى منه أهل الكناري حين كانوا يهنّئون أنفسهم بفشل "الاتفاق" الذي وقّعه لوبِس سانتشيث دي بالينثويلا مع موريّي بلاد البربر[17]. وحيث كانت القارّة خاضعة لسلطة الشريف، مقسومةً مع تاج البرتغال في الشأن التجاري، موزّعةً على "بهيتريات" يترأسها سادةٌ منتخَبون من مسلمين ومسيحيين، فإن تدخّل الملكَين القشتاليين أفضى إلى تعايش أشكالٍ شديدة الاختلاف من الإدارة. ولولا الخُمس، لما تميّز الكناريُّ عن الأندلسيّ، الصيّاد والتاجر ومتاجر الرقيق. فالأهالي والمولّدون، الذين نُصّروا منذ القدم، كانوا يسلكون سلوك الغازي، فيزرعون قصب السكّر ويمارسون الغارة والسبي في المناطق الإسلامية من "الجزر" التي كانوا يسمّونها بلاد البربر. أما البرتغاليون فكانوا يقايضون البضائع والأسرى عبر مراكز تجارية (فاكتوريّات)، متجنّبين استخدام القوة والاصطدام بالشريف، من دون تدخّل في مسائل العقيدة ولا مطالبة بجزى، وهي الجزى التي لم يتأخّر فرضُها إلزاميًا في بلاد البربر القشتالية التي كانت ترفض السلطة المسلمة. وحين صار فرض الطاعة للملكة الكاثوليكية واجبًا، لم يتعدَّ التعميدُ حدَّ التوصية، فتميّزت ولايةُ لوغو عن الهند الغربية الكولومبية بأنها لم تُدخِل نظام "الإنكوميندا" الذي حوّل السكان الأصليين إلى أقنان، ولا الاستعمارَ الفكري المتمثّل في الدين المفروض، إذ حُوفظ على ممارسة "المفاداة"، التي حلّ محلّها السلبُ في أرض الغزاة.

يُروى أنه بينما كان كولومبوس يُعطي "صورةً" لمستوطناته، مبشّرًا بالإنجيل بين الهنود في "مناجم ذهب واسعة جدًا"، مع جواز مرورٍ ملحقٍ إلى الفردوس يُستعمَل على المدى القصير، أوصل واشون إلى الأسماع الملكية أن جانبًا كبيرًا من الخُمس الملكي كان يستقرّ في جيوب الأميرال ومعاونيه. ولحساسية الملكَين في مسألة المرابطيّات، عيّنا الكوماندور فرانثيسكو دي بوباديّا حاكمًا على إسبانيولا[18]، لا محقّقًا في الهند الغربية كما هو موثّق، مرسِلًا إياه بأمرٍ يقضي بإعادة آل كولومبوس إلى قشتالة، وهو ظرفٌ يستغلّه صنّاع "الأسطورة البيضاء" ليعزوا سببَ نكبة "المكتشِف" إلى سوء معاملته للهنود، وهي ممارسة معتادة عند القشتاليين لم يكن الملكان يجهلانها. فقد أكّد كولمينيرو، الشاهد المباشر، أنه "جُلب موقوفًا" بسبب "المظالم الكثيرة التي أنزلها بالمسيحيين" المقيمين في "جزيرته"[19]. والحق أنه جُلب لأنه، لإتمام "الاكتشاف"، كان عليه أن يُبحر من شبه الجزيرة. أما الرواية القويمة (الأرثوذكسية) فتجعل بوباديّا يسافر في سفينتَي كارابيلا، مثبتةً بدقّة مثيرة للإعجاب أنه نزل في إسبانيولا في 25 أغسطس 1500، وأن آل كولومبوس وصلوا إلى قادس في 20 نوفمبر[20]. وشاع أن المكتشِف فقد لقب الأميرالية بسبب الحسد، فلم يُدهش سقوطُه، بل أدهش ردُّ اعتباره السريع، الذي عُزي إلى قسَمٍ بألّا يطأ إسبانيولا[21]. ومن المحتمل أنه فعل ذلك بخصوص إسبانيولا "مونتِه خوان"، التي طُويت نسيانًا على النحو الواجب، أو أن خروج العائلة "المكتشِفة" كان له غرضٌ مزدوج، هو إبعادُ شهودٍ مزعجين عن ساحة معركةٍ محفوظةٍ لفرناندث دي لوغو.

وقد صار أنطونيو دي توريس غير ذي فائدة كناقلٍ للبضائع، فعُيّن مراقبًا (بيدور) في بلاد البربر الممتدة من رأس أغير إلى رأس بوخادور أو نهر الذهب، في 20 يونيو 1500[22]، وقدّمته إيزابيلا، مع لوغو، إلى "الأعوان والفقهاء والشيوخ والرجال الطيّبين الموريّين، رعايانا الذين هم من رأس أغير إلى رأس بوخادور"، بوصفهما موظّفَين مُعيَّنَين للنظر في "خيركم وخير هذه الأرض، كما أمرنا بذلك". ولتكليف توريس بالسهر على "أن يُنجَز الأمر على الوجه الأفضل"، كان عليهم أن يمنحوه "إيمانًا وتصديقًا تامَّين"، ممتنعين عن إطاعة أوامر لوغو التي لم يصادق عليها[23]. وكانت التعليمات الموجّهة إلى المحارب موجزةً، فيما جاءت تعليماتُ المراقب مفصّلةً وشبيهةً على نحوٍ غريب بتلك التي يُفترض أن كولومبوس تلقّاها بعد "اكتشافه". وبعد أن أُحيط علمًا بنسخة دقيقة من التعليمات التي أُعطيت للحاكم، كان عليه أن يحرص على أن يبدأ العملُ في "الأبراج" في الموضع "الأكثر نفعًا.. شريطة ألّا تمسّوا ما يخصّ فتوحات ملك البرتغال" أو الأمير "ابننا"، وهو أمرٌ مُنافقٌ بقدر ما هو مُلتبِس، إذ إن رأي الملكة في ما يتعلّق بحدود الفتوحات كان يختلف عن رأي مانويل الأول. وقد عُهد إليه بإدارة الأموال، فكان على توريس أن يقيّد الإيرادات والمصروفات في دفترَين منفصلَين، حريصًا على تقليص المصروفات. ونظرًا إلى أن "الموريّين في أنحاء بلاد البربر المذكورة.. الذين أعطونا الطاعة" قد قبلوا أن يدفعوا الجزى التي كانوا يؤدّونها للملوك "المسلمين الأسلاف"، "بمحض إرادتهم"، فقد كانت تُجبى بـ"لينٍ"، ريثما يُروَّضون على النحو الواجب[24] فيقبلون أساليب أكثر حزمًا.

وكان لوغو خبيرًا بالتعامل مع السكان الأصليين، فكان على توريس أن يستشيره في "الصورة التي ينبغي اتّباعها لاستمالة الموريّين إلى الرضا بإقرار تلك الضرائب". ولم يكن ثمّة من يدفع طيّبَ الخاطر، فكان عقاب المماطل هيّنًا، مع الحرص على حكمهم "بوصفهم رعايانا.. لأنهم بحُسن المعاملة يُصانون أفضل ويؤدّون بأطيب خاطرٍ ما يخدم مصلحتنا". وبإسناد العهود والاتفاقات إليه، كان عليه أن "يراعي كثيرًا" أن تكون نافعةً للملكة، حريصًا على ألّا يعِد بالمستحيل، بل يفي بالكلمة المعطاة "من دون أي إخلال"، لأنه، إذ ليس من عادتهم الخداع، فإن أولئك "المتوحّشين" يفقدون كل احترامٍ للكاذب. وحيث عُلم أن العرب لا يميلون إلى عقيدةٍ وعاداتٍ وقوانين غريبة، كان على الرهبان أن يستخدموا الإقناع للتنصير، ممتنعين عن التعميد بالقوة. أما الحاكم فلا يشنّ حربًا بأي حال من دون استشارة الملكَين، منتظرًا ردّهما قبل أن يبدأها[25]. وتعويضًا عن اعتدال الجزى، كان يُعتنى بالمفاداة: "فور الوصول إلى أنحاء إفريقيا المذكورة"، كان على توريس أن يبحث عن مواضع مناسبة لإقامة وكيلٍ تجاري، متحرّيًا عن البضائع التي يفضّلها الزبائن. وبعد أن جُمعت إدارة غران كناريا والبحر الصغير وبلاد البربر، كان عليه أن ينظر هل يجدر ترك حصن سانتا كروث في يد حاكم غران كناريا، أو تسليمه إلى طرفٍ ثالث، أو تسليمه إلى فرناندث دي لوغو[26]، الذي كان في 8 أكتوبر 1500 في سان بارتولومي، ميناء البحر الصغير، منتظرًا العتاد ليبدأ حملته. وكان الكاتب خوان دي أرينِس في متناوله، فجعله يستخرج نسخةً موثّقة من تعيينه، وشهد على ذلك غابرييل دي باريلا، أحد حاشية الملكَين، وخوان هوردونيس، وفرناند بيلاسكيث، خادم أنطونيو دي بينيالوسا[27]، الذي كان لا يزال مكلّفًا بجمع أصداف المُرَيقس (الأرجوانية).

وفي أثناء الصيف، تضاعفت مشكلات خوان دي غوثمان. فلمّا كان سيّد جزر رأس أغير، التي كانت مملكة فوتاتا في إقليمها، فإن الملكَين الكاثوليكيَّين، اللذَين كانا يدبّران ضمّها إلى التاج، قد وجدا فيه كعبَ آخيل، في حياته الخاصة. فقد كان أرملًا ومتورّطًا في علاقةٍ مع ابنة عمّه ليونور دي غوثمان، من دون نيّةٍ في تقنين العلاقة، فارتكب حماقة أن تركها حاملًا. ولمّا وُلد الطفل سرًّا في ليبِه، ما كان ليحدث شيء، حتى لو ذاع الأمر، لولا أن إيزابيلا كانت تطمع في ما يملكه الرعية[28]. وتوجّس أن مكروهًا يوشك أن يحلّ به، بوصفه من رعايا ملك البرتغال عبر إقطاعه الأمريكي، فالتمس الحماية، فزوّج ابنته ليونور من خايمِس، دوق براغانثا، القريب جدًا من العرش، إلى حدّ أن مانويل الأول بارك الزواج. وفي الوقت نفسه سافر أحد فقهاء القانون في بيته إلى روما، على أجنحة البريد وبكيسٍ ممتلئ، ليأتي بمرسومٍ بابوي يسمح لغوثمان بتقديس زنا المحارم في وجه الكنيسة، فيُشرعِن الابن. وبعد أن احتُفل بالزواج في خلوة غرفةٍ من حصن نييبلا[29]، لبّى نداء الملكة، آمنًا مطمئنًا من دون ريبة.

وبعد أن اتُّفق على تقاسم السلطة في مليلة، بموجب عقدٍ مؤرّخ في 14 يونيو 1500، وقّعه مع الملكة، انتقلا إلى معالجة "شؤون إفريقيا"[30]. وجرى الحديث عن "جريمة زنا المحارم" التي ارتكبها غوثمان مع الدوقة ليونور دي ثونيغا، "زوجتك، قبل أن تحصل على الإذن بالزواج منها". ولظهور "الاقتران المُدان"، قرّر المستشارون الملكيون: "قد وقعتَ في عقوبة فقدان نصف أموالك". وقد اكتمل سلبُ جزر رأس أغير باستيلاء 1499، فأكمل الحصيلةَ ضمُّ جبل طارق إلى التاج، "بناءً على طلب موظّفي مجلسنا"[31]. وكان ميناءً رمزيًا لرعايا بلاد البربر، فصدر المرسوم بذلك في 22 ديسمبر 1501. واحتلّ غارثيلاسو دي لا بيغا، قائد خيريث، البلدة والحصن في يناير 1502، لا من دون أن يصطدم بمقاومة[32]. وفي التواريخ نفسها، كان يُستكمَل تنصير مملكة غرناطة. فما دامت الرسوم التي كان يؤدّيها الكافر تفوق ما كان يقدّمه المُتنصِّر، لم يتدخّل الملكان الكاثوليكيان في تديّن المُدجَّن أو المسلم، من رعايا قشتالة. لكن، حين تلقّيا المرسوم البابوي من ألكسندر السادس، مانحًا إياهما ثلاثة أتساع العُشور المستحقّة للكنيسة على المسيحيين الجدد، نسيا الاتفاقيات الموقّعة مع أهل غرناطة، ليوحّدا الرعايا عبر طريق التعميد[33]. وقاوم أهل سييرا برميخا، فأعطوا فرناندو ذريعةً لاقتحام لا رودا بالسيف والنار. ولمّا حُكم على الناجين بالرقّ الدائم، طلب أهل بيّالوينغا، إذ اتّعظوا بغيرهم، من فرناندو سفنًا وأمانًا، "ومضوا إلى الجهة الأخرى مع الشيطان"، وهي مناسبة استغلّها خوان دي غوثمان ليتزلّف، مقترحًا فظاعةً يمكن تبيّن مقدارها من الردّ الملكي المؤرّخ في 2 مايو 1501: "نقدّر الرغبة الحسنة.. لكن لمّا كانت كلمتنا وأماننا الملكي يجب أن يُصانا للكفّار كما للمسيحيين"، فإن ما كان يعرض فعله بموريّي بيّالوينغا "بعد إنزالهم في الجهة الأخرى (Allende).. لا يُفعَل بأي حال، لا ذلك ولا سواه ممّا قد يبدو أنه إخلالٌ بأماننا"[34]. وقد استُخدمت مرةً أخرى "الجهة الأخرى (Allende)" اسمَ مكان، فيتبيّن أن المهاجرين وصلوا إلى أرضٍ كان الملك الكاثوليكي يمارس فيها، أو يظنّ أنه يمارس، سلطةً سيادية. ولم تكن له تلك السلطة في شمال إفريقيا، إلا في مليلة، بينما كانت له في الهند الغربية، وهي القارّة التي كان يعدّها ملكًا خاصًا له بمجملها، فمن السهل تبيّن مصير هؤلاء الغرناطيين.

وحينها كسب فرناندث دي لوغو معركة ساكا، التي قُتل فيها بيدرو دي مانينيدرا[35]. وانفتح نهر الذهب أمام إيزابيلا، فشيّد حصنًا في رأس بوخادور[36]، متأهّبًا لنقل القتال إلى رأس أغير. ولم تكن ثمّة سفن بسبب الحظر، فرفعه الملكان الكاثوليكيان بموجب مرسومٍ مؤرّخ في 23 مايو 1501. ومعترفَين بأنهما أخطآ حين منعا الذهاب إلى "التجارة في بعض أنحاء بلاد البربر"، انتقلا إلى النقيض: "كل من يشاء" في وسعه أن يصطاد ويفادي حيث "جرت العادة قبل صدور خطابنا المذكور"، من دون حاجة إلى إذن. وبعد أن أُعلن المرسوم[37]، كان الملّاحون في طريقهم يوم 12 يونيو حين غيّر خطابٌ ملكي جديد خططهم: فمن كان في البحر الصغير، ومياه غران كناريا وتنريفه ولا بالما، عليه أن يلبّي نداء ألونسو فرناندث دي لوغو، "قائد أرض البحر الصغير"، أو نداء أنطونيو دي توريس، مراقب بلاد البربر، لمنحهما كل "معونةٍ ومساعدة" حتى يُتمّا عملَ الأبراج التي كان يتعيّن بناؤها في رأس أغير. وبقيت في عهدة توريس أعمالُ المفاداة في البحر الصغير وبلاد البربر[38] وجمعُ "أصداف" الكناري، التي كان يُحصيها خوان دي أرينِس، كاتب "شؤون" بلاد البربر[39].

ولمّا فقد ملك البرتغال مناجم نهر الذهب، حان الوقت لأن تكتشفها قشتالة. وكانت لجنة الاستقبال مؤلَّفةً من الباسك والأندلسيين على نحوٍ غير ملائم، فجرى في 30 يونيو تنظيفُ مسرح الفصل الكولومبي الأخير، مذكّرين الشعب بأنه في تورديسيّاس حُظر على رعايا إيزابيلا أن يصطادوا "ولا أن يفعلوا أي أمور أخرى، في البحر الممتد من رأس بوخِدور نزولًا حتى نهر الذهب، ولا من هناك نزولًا"، وهو ما لم يكن مانعًا من مواصلتهم الصيدَ والمفاداة في مراسٍ أخرى "كانت قد قصدتها حتى ذلك الحين بعضُ سفن رعايانا"[40]. وكان لعمل برجَي تاغاوث ونول صدًى في مرسومٍ مؤرّخ في 12 يوليو، موجّهٍ إلى حاكم خيريث: "نأمر بإرسال بعض السفن، محمّلةً ببعض الأمور التي تخدم مصلحتنا، إلى جزرنا والبرّ الرئيسي في المحيط، وإلى جزر الكناري، وإلى بلاد البربر"، مع مدد من المؤن والأسلحة. وبتكليفه بالتزويد، كان عليه أن يشتريها بـ"أسعار عادلة"، مستوليًا على ما يبدو له من السفن لأجل "الرحلات المذكورة"، بالسعر وللمدة اللذين يراهما مناسبين[41].

وحيث لم يكن من المستحسن أن يربط الشعبُ حربَ بلاد البربر بالاكتشاف الكولومبي، فإن الوثائق التي تخصّ فرناندث دي لوغو لا تظهر فيها أسماء الأماكن الشائعة بين "المكتشِفين"، ولا العكس. لكن كون أسماء متعدّدة قد استُخدمت للإشارة إلى المكان نفسه لم يُربِك من كانوا يعرفون الطريق بحكم التقليد الخالص. أما المخدوعون فكانوا هم الأغبياءَ ومن أخضعوا الفضولَ العلمي لإملاءات السلطة. وكي لا يكشفوا آثارًا وثائقية، أصدر الملكان الكاثوليكيان أمرًا مماثلًا لما أُملي في زمن بيدرو دي بيرا، من دون ذكر السابقة. وأعلنا أنه من المستجدّ أن كثيرًا من "الموريّين المذكورين" من بلاد البربر يذهبون إلى الكناري، متذرّعَين بـ"خير تلك الجزر وسِلمها وسكينتها"، فلن يسمح حاكم غران كناريا لأي موريّ "من إفريقيا، من ناحية بلاد البربر" بالنزول، على أن يُحكَم على من يحاول ذلك بالرقّ الدائم[42]، لأنه من غير الملائم أن يُعلَم، في نطاق الاكتشاف الكولومبي، ما كان يجري في أرض الشريف. أو ما كان يجري في بلاد البربر من أفعال كولومبوس.

وفي 22 يوليو 1501، كان خادم فرناندث دي لوغو في مالقة، يتسلّم من يدَي رودريغو نارباييث، الذي أُعيد توظيفه ناظرًا للمدفعية، 6 قطعٍ من الساكابوتشِس (sacabuches) مع 600 كرة، وقالبًا حجريًا لستة مدافع صغيرة (ريباذوكينِس)، وحاملَتَي ذخيرة من صفيح ميلانو، لأجل "الدفاع عن الحصون التي تُبنى بأمر جلالتَيهما في أنحاء رأس الماء، الذي هو في إفريقيا"[43]. وذهب لوغو "ليبني الأبراج" في بلاد البربر، فاصطدم عند نزوله في رأس أغير بوكيلٍ لملك البرتغال، ربّما اسمه كابرال. وقد "أثار هذا كلَّ الموريّة" على القشتالي، الذي اضطُرّ إلى العودة إلى غران كناريا لتحسين عدّته. ثم عاد إلى الرأس بـ"عتادٍ" وافر، ليكسب حربه[44]، مع بقاء ذكرى بيدرو بينيتيث، عضو مجلس بلدية تنريفه، وفرانثيسكو دي لوغو، اللذَين قُتلا على أيدي "الموريّين"[45]. وقد تكفّل أهالي ميسا بسرد الوقعة، في رسالةٍ إلى ملك البرتغال. فلمّا نزل في دار "أغادير الأربعاء"، "أظهر فرناندث دي لوغو نفسه في هذا المكان"، عارضًا "ثرواتٍ عظيمة" لقاء تأدية الطاعة لإيزابيلا. لكن الذين وعدوا مانويل الأول بألّا يستقبلوا القشتاليين حفظوا كلمتهم. ولمّا احتدم القتال، "مات أولئك الذين بلغ أجلُهم منتهاه". وسقط 25 من الأعيان، "من شيوخنا خيرةُ من بيننا"، وتكبّد "عامةُ الناس" خسائر لا تُحصى. وترك لوغو دار أغادير، لكنه أخذ السفن ممتلئةً بالأسرى، الذين "لا يزالون كذلك حتى يومنا هذا"[46]. أما زوجته، بياتريث دي بوباديّا، فرأت أنه انسحب لأن الملكَين "أمراه بالتوقّف في أفضل الأوقات"، لا لأنه هُزم، وذلك بسبب وشاياتِ الحاسدين، الذين جعلوه يدفع ثمن "كسب تينك الجزيرتين، بصفقاتٍ خاسرة أبرمناها". وقد أُفلس لأنه لم يستطع التمتّع بالفتح، "فإن ماله اليوم تنعم به الخزينة، وهو بقي من دون شيء"[47].

ولمّا تذمّر التجّار "الذين يتاجرون في رأس أغير وفي ميسا"، ولوغو في مهبّ النكبة، نُشر في 20 سبتمبر 1501 مرسومٌ يتّهمه بأنه أغلق بلاد البربر من تلقاء نفسه، حاجزًا الدوابّ والسفن، جارحًا وقاتلًا، كي "لا يتاجروا ببضائعهم ولا يفادوا أي رقيق". وبعد أن فُتحت الأرض، وضع الملكان الكاثوليكيان تحت الأمان الملكي كلَّ من ينزل "في رأس أغير وفي ميسا"[48]. وفقدت "الأصداف" قيمتها، لكون المقايضة في طريق الاندثار، ليحلّ محلّها السلب، فاضطُرّ توريس إلى البحث عن شريكٍ يجمعها، فوجد ماتيو بينيا، عضو مجلس بلدية تنريفه. وفي 29 أكتوبر قَبِل الصفقة، مقتسمًا المحصول مع التاج[49]، لكن لمدةٍ قصيرة، إذ رغم استمرار ملك البرتغال في شرائها لأغراض المفاداة، فقدت في قشتالة قيمتها، ما استدعى تغييرَ عمل توريس.

وفي 22 نوفمبر 1501، سلّم لوبِس سانتشيث دي بالينثويلا حصنَ سانتا كروث، "في البحر الصغير، الذي هو في إفريقيا"، إلى المراقب، الذي عُيّن قائدًا (ألكايدِه) في 21 فبراير 1502[50]، وظهر في 6 أبريل موثّقًا بوصفه حاكمَ غران كناريا[51]. وانتقل غونثالو دي بورغوس، الكاتب في هذه الجزيرة، إلى تاغاوث، ربّما مرافقًا لوغو، فحلّ محلّه خوان دي أرينِس[52]. أما بياتريث دي بوباديّا فتبعت البلاط، مُطارَدةً بدعاواها القضائية، بينما كان زوجها الحاكم يواصل الحرب. وفي الهند الغربية، كان رودريغو دي باستيداس وألونسو دي أوخيدا يقومان باكتشافٍ صغير، مُغفَلٍ في العادة. فمن خوانا ذهبا إلى مملكة ميسا. وجعلا الساحل عن يسارهما، فقفزا من مرسًى إلى مرسًى، "مُفادِين" بمثل هذه الجرأة، حتى إن السكان لمّا هبّوا، أرغمهما موظّفو التاج على الردّ، من باب الحيطة الأوّلية[53]. ويصف فرناندث دي أوبييدو الرحلة، متضمّنًا كلَّ ما كان يُعدّ "مكتشَفًا": فمن نهر مارانيون، "في مقاطعة باريا"، اتّجها غربًا، مارَّين بالكناريا، ومقاطعة ثينتا، والبرّ الرئيسي، مباشرَين العودة على بُعد ثمانية فراسخ قبل بلوغ سانتا مارتا[54]. وما إن حطّ باستيداس على البرّ حتى عاد إلى الإبحار[55]، بإذنٍ من خوان دي فونسيكا، على متن مركبَين شراعيَّين، موّلهما المجهّز نيكولاس بيريث[56]. وأبحر بوصفه شريكًا ورُبّانًا خوان دي لا كوسا، فاتحًا دورة "الاكتشافات" من ناحية نهر الذهب[57]. ودون تحديد الميناء الأندلسي الذي انطلقا منه، رسَوا من دون توقّف في سانتو دومينغو[58]. ومرورًا بجامايكا، جابا مقاطعة كيكيباكوا، مباشرَين في رأس لا بيلا اكتشافًا امتدّ 30 فرسخًا. واستوليا على خليج أورابا ومناجم أكلا، "حيث لم يكن أحدٌ قد وصل"[59]، متجاوزَين الدرجة 9,5 من داريين، حدّ "فتحهما". ولمّا بلغا الدرجة 13,5، دخلا في ما كان يخصّ الأميرال، إذ رُئيت سفنهما، "خلف خليج أورابا نفسه، نحو الشمال الغربي"، على يد بيدرو ليديسما، الذي كان في ريتريتِه مع الأميرال[60]. وما إن رُصد حضور كولومبوس حتى عادا بأقصى سرعة. ورغم أنها كانت مكتشَفة، نسبا إلى نفسيهما اكتشافَ كويبا، لكونهما رسَوا في "ما يُسمّى الآن ميناء الأقداس (بويرتو دي ميساس)"[61].

أما بارتولومي رولدان، الرُّبّان "الذي اعتاد الملاحة في هذه الأنحاء"، فقد أقرّ بأنهما اكتشفا خليج أورابا، لأنه لم يسمع "بأن أحدًا آخر اكتشفه"[62]. وقيل إنهما عادا[63]، خشية أن يسلبهما كولومبوس الاكتشاف[64]. وفي سانتو دومينغو التقيا بيثنته يانيث: "رأى الذهب الذي جلباه" ومخطّط الأرض. ولأنّ بينثون كان قد سافر بإذنٍ لاكتشافٍ محدّد الموضع، وإن لم يكن مؤرّخًا، فإنه يُستشهَد به لإسقاط اكتشاف المشرق على سنة 1499. لكن لا يمكن الخلط بين الرحلتين. فالرحلة الرسمية لسنة 1497 كان في وسعها أن تحمل البَرازيل. أما الرحلة التالية، وهي خاصّة، فقد موّلها بينثون نفسه، مع مجهّزين آخرين، من بينهم بيليث دي مندوثا، مع إثبات حظر تحميل خشب البَرازيل، وواجب تسليم الخُمس للتاج، وهو ما كان يُغفَل حين يكون التاج هو المجهِّز، لكونه مالكَ الكلّ. ودخل باستيداس ولا كوسا قادس في سبتمبر 1502، بعد غيابٍ دام 23 شهرًا. وجلبا 140 مرقًا (ماركو) من الذهب، مؤدّيَين الحساب أمام فرانثيسكو بينيلو والدكتور ماتيينثو، اللذَين سيكونان أوّل موظّفَي دار التجارة (كاسا دي لا كونتراتاثيون)، إضافةً إلى تأدية الحساب للشريك المموِّل[65]. وقد التبست الذاكرة، فقيل إن الغنيمة قُسّمت في ألكالا دي إيناريس، حيث كان البلاط، فتلقّى الملّاحون "ما يخصّهم"، بحضور الملكَين وخوان دي فونسيكا. ولمّا قُوبلت الأرض التي جلباها "مرسومةً"، ثبت أنه، مع وجود "خرائط ملاحية كثيرة لذلك الساحل، لم تكن المقاطعة المذكورة مثبتةً في أيٍّ منها". وبعد أن سُجّلت باسم "المكتشِفَين"[66]، اعترض ألونسو دي أوخيدا، مؤكّدًا أنه أبحر فيها منذ زمن.

ولمّا عاد فرناندث دي لوغو إلى بيته في سان كريستوبال، في 12 يناير 1503، مخاطبين إياه بلقب حاكم تنريفه وسان ميغيل دي لا بالما، لكن مُغفِلين حكمَ بلاد البربر وقيادةَ البحر الصغير، من دون أن يغفلا "ما خدمتَنا به وتخدمنا في بلاد البربر"، منحه الملكان لقب "الأدِلانتادو (الوالي المتقدّم)" لجزر الكناري، لأنه فتح الجزيرتين على نفقته، "معرِّضًا شخصك وأشخاص أقاربك لخطرٍ ومهلكةٍ كبيرين، حتى إنك، بالمعارك، وأنت تُريق دمك، هزمتَ الكفّار الذين كانوا فيهما وأسرتَهم وسُقتَهم إلى خدمتنا"[67].


  1. R.A. doc. XXXI. XXVIII. كانت في مملكة فاس. وكانت أسماء الأماكن: جزر رأس أغير، وميسا، وأزمّور، وغينيا، ومراكش، وسوس، وتلمسان، تدلّ على أجزائها. وكانت أحيانًا تتداخل.
  2. ربّما كانت غسّالةً في سانتا كروث بالبحر الصغير، سنة 1496.
  3. R.A. doc. XXXI.
  4. كانت هذه بلدات: تارياغاروتِه، وتاغادي، وثوكو، وأمِساورو، ويسارابيري، وإيغوغواث. والمواضع: يتيسغي، ويستِه، وتوسغيستيستِه، وتادادوستِه، وتماساطا، وأموكودي، وأنغاردا، وبالسِتاؤُنغِه، "وهي أربعة مواضع"، ويثي، ويغونِه، وتاغانوتِه، ويغيمير، وأغوغاسبِر، وتاغينثا، وثيلار، وأملانشِركِه، ويتابوسكات، وأغونينتاغيتِه، وأداي، وميدينا، وكاينثيرتِه، وتايبي.
  5. R.A. doc. XXXI.
  6. Ibídem.
  7. ADMS. 2395.
  8. ADMS. 2395.
  9. R.A. doc. XXXII.
  10. R.A. doc. XXXIV.
  11. Archivo de Indias. Papeles de Colón.
  12. استأجر كولومبوس السفينتين "لتزويد الناس الذين كانوا في خدمتنا في الجزر المذكورة". وحملت "سانتا كروث"، إضافةً إلى المؤن، "بعض الناس في الكارابيلا المذكورة". وحمّلت السفينتان خشب البَرازيل عند العودة. وباعه خوان أنطونيو، مسلّمًا الريع إلى الأميرال، الذي لم يسدّد "نولون الرحلة المذكورة"، فلم يستطع المجهّزون أن يدفعوا "ما يستحقّه البحّارة الذين رافقوه... أشخاصٌ فقراء" ومعوزون. ويظهر فرانثيسكو دي بوباديّا بوصفه محقّقًا في الهند الغربية (SRGS. IX.1499.30/IX.1499.31)، لا حاكمًا.
  13. SRGS IX.1499.71.
  14. R.A. docs. XXXV/XLVI.
  15. R.A. doc. XXXV.
  16. R.A. doc. XXXV/ XXXVI.
  17. R.A. docs. LXX/ LXXIV.
  18. SRGS. IX.1499.30/IX.1499.31. يُجعَل كوماندورًا في رهبانية كالاترابا، مع الإشارة إلى أن التحقيق طلبه كولومبوس نفسه. "Historia de las Américas". VV.AA. Coordinador: Luis Navarro V Centenario 1991.
  19. Bernáldez cap. CXXXI.
  20. "Historia de las Américas". VV.AA. Coordinador: Luis Navarro V. Centenario 1991.
  21. Bernáldez cap. CXXXI.
  22. R.A. docs. XXXIX a XLII.
  23. R.A. docs. XXXIX/XL/L.
  24. R.A. docs. XLII/XLIII.
  25. R.A. doc. XLIII.
  26. R.A. doc. XLII/XLIII.
  27. R.A. doc. XXXV.
  28. ADMS. 937.
  29. ADMS. 930.
  30. ADMS. 933/935.
  31. ADMS. 931.
  32. Ibídem.
  33. Bernáldez cap. CLIXVI.
  34. ADMS. 2395.
  35. R.A. doc. LXVIII.
  36. R.A. doc. XLVI.
  37. Ibídem.
  38. R.A. doc. XLVII.
  39. R.A. doc. XLVII/XLVIII.
  40. R.A. doc. XLIX.
  41. R.A. doc. L.
  42. R.A. doc. LI.
  43. R.A. doc. LII.
  44. R.A. Apéndice.
  45. R.A. doc. LXXVI. يمنح ألونسو دي لوغو لدييغو دي سواثو، ابن أخته وشقيق كليهما، أراضي بساتين وكروم في السوسالِيخو، تعويضًا عن الخسارة.
  46. R.A. doc. XCVIII y apéndice.
  47. R.A. Apéndice.
  48. R.A. doc. LIII.
  49. R.A. doc. LIV/LV.
  50. R.A. doc. LVI/LVII.
  51. R.A. doc. XLIII.
  52. Ibídem.
  53. يضع بعضهم الرحلة في سنة 1501، مُغفِلين حضور باستيداس ("Historia de las Américas". VV. AA. Coordinador: Luis Navarro. V Centenario. 1991).
  54. F.O. T. I.
  55. P.C. T. IV.
  56. Ibídem.
  57. P.C. T. IV. في سنة 1494 مُنح لا كوسا إخراج 200 كاهيث من قمح الأندلس، لنقله إلى بيثكايا وغيبوثكوا، لأنه فقد سفينته "في الرحلة التي اكتُشفت فيها أراضي وجزر ناحية الهند الغربية".
  58. P.C. T. IV.
  59. Ibídem.
  60. Ibídem.
  61. P.C. T. IV. كان باستيداس من ترّيانا. وقد انطلق رسميًا من إشبيلية في فبراير 1501، باستثمار 20 مجهّزًا في المشروع. وبافتراض أنه منذ 20 يونيو 1500 حُظر أخذ الرقيق في الهند الغربية، وإن لم يُحظَر إدخاله، فإن الغارة والسبي مستبعدان. ومن بين أفراد الطاقم يظهر باسكو نونييث دي بالبوا. ورسَوا في الكناري، والرأس الأخضر، وجزيرةٍ خضراء، تُطابَق مع غرناطة أو بربادوس، مكتشفين مصبَّي نهر ماغدالينا وقرطاجنة، حتى رأوا ريتريتِه. ومرّوا بخليج أورابا، حيث سيؤسّس بالبوا أنتيغوا، بعد 8 سنوات ("Historia de las Américas". VV.AA. Coordinador: Luis Navarro V Centenario 1991).
  62. P.C T. IV.
  63. Ibídem.
  64. Ibídem.
  65. Ibídem.
  66. Ibídem.
  67. R.A. doc. LIX.