جمر النظام القديم

جمر النظام القديم

كان التاجان البرتغالي والقشتالي يستغلّان تبدّلات الأُسَر الحاكمة في المغرب لتوسيع ممتلكاتهما فيما وراء البحر ("الضفة الأخرى"). فاستولى بيدرو دي بيرا (Pedro de Vera) على تيلدي (Telde) وغالدار (Gáldar) في غران كناريا حين كان بنو وطّاس (Utasi) يستولون على السلطة، متزامناً ذلك مع حروب لوغو (Lugo) وعملية كولومبوس، مع بزوغ نجم "المرابطين" (Morabitos). وكان عبد الله محمد القائم، رأس هذه السُّلالة، يزعم أنه من نسل محمد. وقد بلغ حظوةً عظيمة في سوس بوصفه خبيراً بالقرآن وعارفاً بالأعشاب ومداوياً. ولمّا كان يتمنّى مستقبلاً زاهراً لأبنائه، أرسلهم إلى جامعة القاهرة. وعند عودتهم وجدوا واليَ محمد الوطّاسي وقد فقد كل اعتباره على النحو الواجب. ولمّا رأوا أن أحداً لن يفتقده، دسّ الإخوة له السمّ، فعُيّنوا بالاشتراك خلفاء له. وبموت الشريف، ولمّا لم يشعروا بأي التزام تجاه خلفه، انتفضوا واستولوا على سوس، وفتحوا درعة وفاس ومراكش. وليثبتوا أن النصارى ليسوا ممّن لا يُقهرون، أطاحوا بالمعقل البرتغالي في أرزيلا (Arcilla). وقد أثار هذا الفزع رسالةً ورسالةً تكميلية من الكاردينال ثيسنيروس (Cisneros)، مؤرّختين في 13 أغسطس و14 سبتمبر من عام 1516. وكانت موجّهةً إلى وُلاة المملكة (corregidores)، فذكّر فيهما بحظر حمل "أي أسلحة أو مدفعية أو بارود أو ذخائر أو غيرها من الأشياء المحظورة إلى بلاد المسلمين"، متّهماً الأهالي والأجانب المقيمين في الأندلس بتصدير "الكثير من الأسلحة والبارود والمعدن لصنع المدفعية والملح الصخري والكبريت، وقد أعطوها وباعوها" لـ"المسلمين، أعداء إيماننا الكاثوليكي المقدّس"، إذ كان لدى "أولئك الأشخاص" وكلاء "في بعض المواضع من بلاد المسلمين" يبيعون "فيما بينهم" العتاد الحربي، "وأنهم فوق ذلك يُنبئون هؤلاء المسلمين بالأساطيل" التي كانت تُجهَّز في قشتالة، "كي يتنبّهوا ويتحصّنوا منها، ويتدارسون معهم الطريقة التي ينبغي اتباعها في استعمال تلك الأسلحة والمدفعية". ولأنهم لُقِّنوا جيّداً على يد بعض النصارى غير المكترثين بالدعاية المعادية للمسلمين التي يبثّها الحكم، "أخذوا ويأخذون من الجرأة ما... يمكّنهم من تجهيز الأساطيل وشنّ الحرب وأسر النصارى وسبيهم برّاً وبحراً"، حتى تجرّأوا على مهاجمة "مواضع النصارى، وتحصّنوا للدفاع والهجوم"، إذ حاصروا "مدينة أرزيلا، حيث يُقال إنهم جلبوا كثيراً من المدافع الثقيلة والمدفعية، مع كل ما احتاجوه من بارود وقذائف وذخيرة"[1].

وبعد إقرار الحصار بالاتفاق مع البرتغال، حُظِر على رعايا خوانا أن يتاجروا في "أي موضع من بلاد المسلمين، أو أن يكون لهم فيها وكلاء"، مع إمهال من كان مقيماً هناك شهرين لجمع أمتعته. أما من بقي في "إفريقيا والبربرية... متاجراً ومتعاقداً معهم" أو من شحن أو أفرغ في موضع "من إفريقيا أو البربرية يخصّ المسلمين... برّاً أو بحراً... بطريق مباشر أو غير مباشر"، فسينال عقاباً رادعاً، إذ كان لتاج قشتالة الصلاحية لتطبيقه في عين المكان. وفي ما بعد، صار على البضائع والأشخاص أن يمرّوا عبر معاقل "النصارى" القائمة على الساحل ذاته، مع مراقبةٍ محكمة للخلجان القليلة الصالحة للملاحة. ولمّا نودي بالرسالة في 15 يناير 1517 في إشبيلية وقادس وجبل طارق ومالقة وقرطاجنة[2]، أثارت احتجاجاً عاماً، إذ احتجّ المتضرّرون بأن أثر هذه المراسيم لن يعدو حرمانهم من سوقٍ لصالح أهل البندقية والفرنسيين وسائر الأوروبيين الذين كانوا يتاجرون مع الكفّار دون وخز ضمير.

واجتمع أعضاء المجلس البلدي والتجّار في قادس، فرضخوا لضرورة تبرئة الملك الموقِّع، عازين الزلّة إلى خديعةٍ من ملك البرتغال المهتمّ بأن "يذهبوا للتجارة في البلدات والمواضع التي بحوزته"، حيث كان القشتاليون "يُعامَلون معاملةً سيئة جداً"، فيما يجني البرتغاليون الأرباح، إذ إنهم "لم يكفّوا عن التجارة في كل أنحاء البربرية" المذكورة. وذكروا أن أهل قادس "مُعدَمون جداً" لأن المدينة "محاطة بالبحر، ومن يعيشون فيها إنما يقتاتون بالدرجة الأولى من التجارة التي لهم في البربرية"، فإن عُلّقت "لخلت المدينة من أهلها"، وبقيت الأرض بلا دفاع، فضلاً عن تراجع مداخيل التاج، وكل ذلك بسبب افتراء، إذ لم يكن هناك من الأهالي "ممّن يتاجرون في البربرية" من يحمل إلى المسلمين "حديداً ولا أسلحة ولا غيرها من الأشياء المحظورة، ولا أعطى عوناً لصنع تلك الأسلحة". وأدرك الفتى كارلوس أن العملية قد تكلّفه غالياً، فعلّق الأمر في 19 مايو 1517، "لأن ذلك يوافق مصلحتنا، بسبب كثرة الذهب وغيره من الأشياء التي تُجلب من هناك"[3].

وفي يومٍ من أيام العام نفسه، حين كان لوبي دي سوسا (Lope de Sosa) حاكماً لغران كناريا وقائداً لسانتا كروث (Santa Cruz)، احتلّ "مسلمو البربرية" مرفأ البحر الصغير (Mar Pequeña). فأحرقوا البرج وأطاحوا به، واستولوا على "المدافع" والأسلحة والذخيرة. وبعد خمسة عشر يوماً، استعاد الأنقاض فرنان داريَس سآبيدرا (Fernán Darias Saavedra)، سيّد لنثاروتي (Lanzarote) وفوِرتيبنتورا (Fuerteventura)، وصهر الحاكم. وبعد استقالة الحمو من القيادة في أول أغسطس 1517، بقي فرنان قائداً بالوكالة. وفي أول يناير 1518، عُيّن بيدرو دي قشتالة (Pedro de Castilla) حاكماً لجزر الكناري، لكن ليس قائداً لسانتا كروث، لأن "كون حكّام الجزيرة المذكورة يتولّون تلك القيادة لم يجعلها، ولم يكن ليجعلها، على القدر المطلوب من حسن الحفظ، كما يمكن أن تكون بيد شخصٍ يتولّاها خصيصاً ويُعنى بها، لكون ذلك البرج بعيداً ومنقطعاً جداً عن الموضع الذي يقيم فيه الحاكم المذكور"[4].

وبعد أن انتقلت الجزر إلى الضفة الأخرى من البحر، في 5 سبتمبر 1519، وبينما كان في برشلونة، عيّن كارلوس قادةً و"حرّاساً" لـ"برج البحر الصغير"، وهما المُجازان في القانون من المجلس لويس ثاباتا (Luis Çapata) وفرانسيسكو دي بارغاس (Francisco de Vargas)، خازن التاج، براتب قدره 100,000 مرابطي (maravedís) لقاء القيادة، يتقاضيانه على الشيوع. وكان عليهما منع إدخال الأسلحة والأشياء المحظورة، وتنظيم مفاداة الأسرى، فضلاً عن جباية الأخماس والجزى (parias). ولمّا لم يكن هذان الحاشيان راغبين في دفن نفسيهما في أطرافٍ نائية، أُذن لهما بتعيين نائب يتسلّم البرج من فرنان داريَس بأسلحته وعتاده، ويحاسبه على النفقات التي أنفقها في استعادة سانتا كروث وترميمها. فعُيّن لذلك حاكم تينيريفي (Tenerife)، "الحالي أو من سيكون"[5]. وبعد وفاة الأب، كان يشغل المنصب بيدرو فرنانديث دي لوغو (Pedro Fernández de Lugo)، ثاني قائد فتح جزر الكناري (Adelantado)، ومقرّه سان كريستوبال، عاصمة الجزيرة، وهو الذي بدأ في ذلك العام، بحسب الرواية الرسمية، فتح مملكة غرناطة الجديدة، وهو ما يثبت أن الحضور في كل مكان، في بلد محاكم التفتيش، في متناول أي أحد.

ولمّا علم أهل قادس بأخذ سانتا كروث، خشوا على تجارتهم. فاجتمع المجلس على وجه الاستعجال، وأرسلوا إلى بلد الوليد (Valladolid) العضو تشيرينو (Cherino) ليطلب رسالةً تكميلية تحوّل نهائياً الإذن المؤقّت بالتجارة مع البربرية. واطّلع أهل قادس على خفايا الفكر الملكي، فاستخدموا وسيلة ضغط، وهي الأمان الممنوح للقشتاليين والبرتغاليين عام 1480 للتردّد على "محطّات التجّار"، وهو الأمان الذي طلبوه لأن رعايا ملك البرتغال، خلافاً "لنصّ وصيغة" ما اتُّفق عليه عند نهاية حرب غينيا، "قد أخلّوا ويخلّون بأهل مدينة قادس المذكورة وبغيرهم من تجّار ممالكنا" الذين كانوا يتاجرون في البربرية، إذ يحتجزون سفنهم وبضائعهم وأشخاصهم. ولم يرغب الإمبراطور في إحياء الأشباح، فطمأن المطالبين في 9 فبراير 1518، مانحاً تمديداً للإذن[6].

ولمّا احتدمت النفوس، فوّض أهل قادس في 29 نوفمبر خايمي روبريا (Jayme Rubria)، رئيس مدرسة كنيسة ليون وقانونيّها المقيم في البلاط، وبيدرو فونتي (Pedro Fonte)، التاجر الكتالوني المقيم في برشلونة[7]، ليعارضا باسم المدينة أمام المجلس إلغاء المراسيم التي كانت تجيز لهم التردّد على مرافئ المسلمين[8]، محتجّين بأنه منذ بدء الزمان "أفادت هذه المدينة ومدينة إشبيلية وسائر مدن الأندلس هذه فائدةً عظيمة من تلك التجارة، ونمت مداخيل الجمارك (almojarifazgos) والمكوس (alcavala) الخاصة بجلالتكم نمواً كبيراً". فبتصديرهم الأقمشة، "من النوع الذي لا يمكن استهلاكه في هذه الممالك"، كانوا يجلبون كل عام 200,000 دوقة من الذهب، و10,000 قنطار من الشمع، و100,000 جلد "بقري"، دون أن يُذكَر أن التجارة قد انقطعت يوماً. وإن أُخرج الحظر من غياهب النسيان، وهو الحظر الذي كان يقضّ مضجع أهل "الجزيرة... حيث لا زراعة قمحٍ لنا ولا تربية مواشٍ"، لتركوا الأرض والديار عرضةً لمن يشاء أن يستولي عليها[9].

وتحسّباً لأن يكون الملك قد نسي، أنعشوا ذاكرته: "إن جلالتكم قد صادقتم على الامتيازات والأعراف والتقاليد الحسنة لهذه الممالك، وأقسمتم على ذلك"[10]. وازدادوا جرأةً كشأن كل من يعلم أنه خاسر، فعارضوا أن يعود شحن بضائع ما وراء البحر وتفريغها ليتركّز في رصيف لاس مويلاس (las Muelas) بإشبيلية. ولمّا صار صعود نهر الوادي الكبير أكثر إشكالاً بازدياد حمولة السفن، فإن الإمبراطور، الأكثر فطنةً من جدّيه، بدلاً من أن يُطوّع الواقع للقانون، طوّع القانون للممكن. فكان على موظّفي دار التجارة (Contratación) أن ينزلوا إلى موضع البورّيغو (el Borrego) القريب من مصبّ النهر لتسجيل السفن التي تبحر "منفردة"، فيما تُفتّش السفن "القادمة في أسطول" في بونانثا (Bonanza) على يد "القاضي المناوب دوره". وكان على كل السفن أن تحمل سجلّاً يُدوَّن فيه "المرفأ أو الجزيرة أو الأرض" التي ترسو بها[11]. وبهذه الخطوة الأولى نحو تحرير التجارة، فُتحت في السنوات التالية مرافئ أخرى لتجارة الهند، مزوّدة بالملحق الحتمي التابع لدار التجارة[12].

وبعدما آلت سانتا كروث دي كابو دي غيي أو أغير (Santa Cruz del Cabo de Guee o Aguer) إلى الانحطاط، أراد جوان الثالث (Juan III) إحياءها بأن يوجّه عبر مرفئها التجارة مع المغرب والبربرية. وحدس كارلوس الخامس أن أهل قادس ليسوا على غير حقّ، فأمر بتحرٍّ في المدن التي كانت على صلة ببلاد المسلمين. وقد انتهى في 10 مايو 1532، وأجوبته معبِّرة. فأعلن خوان دي سلمنكا (Juan de Salamanca)، المقيم في قرطاجنة، أنه من الغباء منع الإسبان من الرسوّ في مرفأ مسلم: "سيكون ذلك انتزاعاً للتجارة من رعايا جلالته ومنحاً لها للغرباء"، مع "بعض الضرر" لجمارك التاج وخراب الأفراد. أما الإشبيليون المستشارون، فرأوا أنه "من المستحيل إزالة التعاقد كلياً"، مضيفين أن حظر بيع "الأشياء المحظورة" للكفّار، كالأسلحة والقمح، لن يكون نافعاً إلا إذا احترمته جميع الأمم، إذ إن البرتغال "تمدّهم أكثر مما نمدّهم من هنا"، وهو ما كرّره مجلس قادس بألفاظ مختلفة: "لو تراخينا في التجارة هنا، لحمل إليهم الفرنسيون وغيرهم من الأجانب البضائع"[13].

وإما من الغباء وإما من السخرية، نصح المُجاز كامبيّو (Campillo) الإمبراطور بأن يكتب إلى "الأمراء" النصارى "منبّهاً إياهم" بأنهم إن رسوا في مرفأ لم يأذن به ملك الإسبان، "عُدّت في حكم المفقود" بضائعهم المشحونة "في نطاق فتح قشتالة" والموجّهة إلى أي موضع من أوروبا. وبذلك يفرض العاهل الطاعة على نطاق عالمي، إذ يضع الأساطيل في كل البحار لإيقاف وتفتيش المشتبه في تجارتهم مع المسلمين. وذهب خوان لوبيث دي ريكالدي (Juan López de Recalde) في الاتجاه نفسه، ناصحاً بتعيين موضع أو موضعين في الأندلس، قد يكونان مالقة وقادس، ليشحن ملوك وأمراء العالم المسيحي بضائعهم ومسافريهم القادمين من العالم الإسلامي أو المتّجهين إليه ويفرّغوها، وهو العالم الذي يتعيّن الدخول إليه عبر وهران (Orán) أو هُنَيْن (One) أو غيرهما من المرافئ التي يقيم فيها وكيل لكارلوس الخامس[14]. وأراد شخص يُدعى بولانكو (Polanco) إحياء الحظر على وطء بلاد المسلمين، وهو الحظر الذي أثقل كاهل القشتاليين في زمنٍ ما، كي لا "يعبر أشخاص مشتبه بهم، حديثو التنصّر، لأنهم يعودون هناك يهوداً". أما مفاداة الأسرى فتُفاوَض في موضعٍ نصراني، أمام أشخاص "ذوي همّة وذمّة"، مع إعلان بطلان الشركات التي يديرها أفراد من عقائد مختلفة وحلّها. ويُحظَر على الإسبان الرسوّ في مرفأ ملك البرتغال، إذ لا ينبغي أن يؤدّوا رسوماً لعاهل أجنبي. ولأن سلمنكا كان معتزّاً باسبانيّته، عارض أن يدخل رعايا تاج قشتالة مرفأً للمسلمين، لما في ذلك من إذلال بأن "يُفتّشهم" الكفّار. ولمّا كان هؤلاء كثيراً ما ينزلون في مراسي إسبانيا ويتجوّلون بحرّية في البلدات الساحلية، دعا إلى تعيين مرفأ وحيد لاستقبالهم، تفادياً للعدوى الفكرية الخطيرة. ولمّا لم يكن هناك في رأيه وسيلة أخرى لقطع تجارة الأسلحة، أراد المُجاز بلكارثيل (Valcarcel) إغلاق المعاقل في وجه المسلمين، فيما أشار كامبيّو إلى أن منح الأمان لأهل الضفة الأخرى للتعاقد في موضع نصراني أمرٌ "بالغ الضرر"، لأنهم "سيتواصلون مع هذه الممالك ويعلمون ما يجري فيها"[15].

أما المعتدلون فقبلوا توجيه التجارة على النحو التالي: البضائع المتّجهة إلى مواضع المسلمين "المتاخمة لملك البرتغال" أو للبربرية تُشحَن في أملاك التاج بجبل طارق أو قادس، وتمرّ عبر سبتة أو تطوان، وتدخل عبر سانتا كروث دي كابو دي غيي؛ أما المتّجهة إلى مملكة تلمسان (Tremecén) وغيرها من المواضع "الواقعة من هذا الجانب من المضيق" و"المتاخمة لهذه الأنحاء"، فتمرّ عبر قرطاجنة أو مالقة، وتُفرَّغ في وهران أو هُنَيْن، بشرط طرد أهل البندقية، لأنه ما داموا موجودين فلن تكون للقشتاليين "تجارة"، لعجزهم عن تحمّل المنافسة. وأضاف أهل مالقة بجاية (Bujía) بوصفها مرفأ دخول إلى بلاد المسلمين، مطالبين بأن يُقام في وهران سوق تجاري لاستقبال الكفّار: "فيُتّقى بذلك أن يعبر كثير من النصارى السيّئين، المتحوّلين عن اليهودية، إلى هناك فيعودوا يهوداً وآخرون مسلمين..."، وهو ما كان يحدث كثيراً جداً، معلنين أنه لا يمكن إرغام الإسبان "بأي حال" على المرور عبر "سانتا كروث، مرفأ البرتغال"[16].

وسبباً لهذا الالتباس اتّهامٌ جديد ضدّ الأندلسيين بإدخال "أشياء من الذخيرة إلى بلاد المسلمين"، فقد وصف والي شريش (Jerez) ملك البرتغال بالكذّاب، مثبتاً زيف الادّعاء بحجّة متينة. ففي تروكوكو (Torocuco) وتافيتانا (Tafetana)، "حيث يُقال إنه يُحمل ما ذُكر أعلاه"، كان يفيض حجر الكبريت والملح الصخري والنحاس والحديد والفولاذ: "منها ما يكفي كما في بيثكايا (Vizcaya)". ولأنها كانت أرخص من الجزيرة الإيبيرية، فإن من يُدخلها إنما يحكم على نفسه بالخسارة. ولمّا كان جليّاً أن جوان الثالث يسعى إلى توجيه التجارة عبر سانتا كروث دي كابو دي غيي، لتحصيل رسوم الإرساء والضرائب ونفقات الإقامة، فيُنعش بذلك بلدةً في انحطاط، أعلن الوالي أنه من غير المعقول أن يُلحق الإمبراطور الضرر برعاياه محاباةً لزميل. وكان جليّاً أنه لو صدق الوعد بمساواة الرسوم المفروضة على القشتاليين بتلك التي يدفعها البرتغاليون، لذهب "كل من يتاجرون في البربرية" إلى سانتا كروث، لكنهم لم يفعلوا ذلك لأن التجربة علّمتهم أن كلمة الملك "تدوم ما دامت مشيئته". ولمّا كان يُتوقّع أنه متى ترسّخت عادة التردّد على كابو دي غيي، عاد الموظّفون البرتغاليون إلى سيرتهم الأولى، "إذ ليس، كما هو الحال، من يُنصفهم بالعدل، لكونها بعيدة جداً عن هذه الممالك"، لخرجوا مسلوبين بلا علاج.

وكان جوان الثالث يستردّ بيدٍ ما يتنازل عنه باليد الأخرى، فرفع سعر الأمان الذي يجب على المسلم أو اليهودي الراغب في دخول الموضع أن يشتريه، حتى امتنعوا عن القدوم. ولمّا غاب الطلب، اضطرّ التجّار إلى إخراج البضائع كي يتمكّنوا من بيعها، مستخرجين إذن خروجٍ باهظ الثمن كذلك[17]. وبإضافة الرسوم إلى سعر البيع، لم يستطع المارّون عبر سانتا كروث منافسةَ سوق تافيتانا وتروكوكو، إذ كان اليهود والمسلمون مُعفَين، فيما يدفع النصارى الرسوم ذاتها التي كان ملك البرتغال يجبيها من رعاياه. وقد أدّت الضرائب الجائرة و"سوء المعاملة والرشى والابتزازات التي كان يمارسها قوّاد وجمّاسو بلدة سانتا كروث المذكورة" إلى ألّا تكون "آهلةً بالسكّان كما كانت". وختاماً لخطابه، رفض الوالي مطلب جوان الثالث بأن يسمح الإمبراطور للبرتغاليين بتفتيش سفن الإسبان في عرض البحر. فموظّفو البرتغال، شأنهم شأن موظّفي سائر الأمم، عليهم أن يقتصروا على "تفتيش" من يدخل مياههم ومرافئهم، دون مضايقة من يبحر في البحار الحرّة أو الأجنبية[18]. وبالسخط ذاته، لكن بإيجاز، نصح والي قادس الإمبراطور بأن يمتنع عن الإضرار برعاياه، بأن يضع "حرساً" جيّداً من الموظّفين في مرافئه، يفتّشون السفن ويصرّفونها في وقتها، إذ إن نقص العاملين[19] كان يجعل المحظوظين يتصرّفون على هواهم، فيما يعاني الملّاحون العاديّون تأخيرات لا نهاية لها، من جرّاء الفوضى الملكية.


  1. R.A. doc. CXII.
  2. Ibídem.
  3. Ibídem.
  4. R.A. doc. LXXI/CXIV/CXVII/CXXXIII/CXXII.
  5. R.A. doc. CXXII.
  6. R.A. doc. CXVI/CXIII.
  7. كان حضور أعضاء المجلس الإسبان والأجانب في مجلس قادس البلدي متناسباً. وكان يشغل مقاعد فيه: بولو باتيستا دي نيغرون (Polo Batista de Negrón)، وكريستوبال مارّوفو (Cristóbal Marrufo)، ورافائيل فونتي (Rafael Fonte)، وخيرونيمو خنتيل (Xerónimo Gentil)، ودييغو أورتيث دي كوباس (Diego Ortíz de Cubas)، وفرناندو دي كوباس (Fernando de Cubas)، ودييغو سانتشيث دي سانابريا (Diego Sánchez de Sanabria)، ودييغو سانتشيث دي أرغوميدو (Diego Sánchez de Argumedo).
  8. R.A. doc. CXXI.
  9. R.A. doc. CXX.
  10. Ibídem.
  11. "Norte de la Contratación de las Indias Occidentales". José de Veitia. Ed. de 1671. هذا على الأرجح أصل يوميات السفن أو دفاتر السجلّ الملاحي.
  12. ADMS. 2395. تُذكر مرافئ إشبيلية، وشريش دي لا فرونتيرا (Xerez de la Frontera)، وقادس، وبويرتو دي سانتا ماريا، وسان لوكار دي بارّاميدا (San Lúcar de Barrameda) (لم تبدأ كتابتها متّصلةً إلا في أواخر القرن السادس عشر)، وروتا، وتشيبيونا، وأيّامونتي، ولا ريدونديلا، وبلدات مقاطعة نيبلا (Niebla) وغيرها، مما يثبت أن احتكار الوادي الكبير قد كُسر، وإن ظلّت دار التجارة تراقب حركة التجارة.
  13. R.A. doc. CXLV.
  14. R.A. doc. CXLIV.
  15. R.A. doc. CXLIV.
  16. Ibídem.
  17. R.A. doc. CXLIV.
  18. R.A. doc. CXLV.
  19. R.A. doc. CXLIV.