حصون الشريف
في عام 1475، ذكرت الكاثوليكية مدينتَي سلا، القديمة والجديدة، "والنهر بينهما"، ضمن "مراسي التجار". وعلى بُعد خمسة فراسخ برًّا من المعمورة، كان النهر، وهو حدّ فاس مع مراكش، يمرّ بين القصبة ومدينة سلا. وفي عام 1603 مات حامد "الذهبي" (El Dorado)، ملك مراكش وفاس والسوس، بمعونة العميل الإسباني دييغو مارين (Diego Marín)، ابن أخ دييغو مارين المتوفى، على قول بعضهم. واقتُسمت التيجان بين أبناء العاهل، فأراد الثلاثة في آخر العام أن يملكوا سلطان أبيهم. فبعد أن أُقصي بوفارِس (Bufares)، الذي كان له السوس، شنّ مولاي الشيخ أو محمد، ملك فاس، الحرب على أخيه الأصغر مولاي زيدان (Muley Cidam)، ملك مراكش. وفي عام 1607 قطع مصطفى، باشا زيدان، نهر سلا من "جانبه"، مستقرًّا في "الجانب الجديد"، بينما دخل عبد الله، ابن محمد، مدينة مِسّينا (Messena)، أول مراكش. ولمّا كان كلاهما بعيدًا عن العرائش، أشار المتزلّفون على فيليب الثالث بأن يفتح الثغر[1]. وفي العام التالي، وفي ظروف مختلفة، نصحوه بأن يحرق حقول تامَسنا (Temesena) ليلفت الأنظار ويُبعد عن الثغر قوات محمد[2]. وفي عام 1610، كانت "مَحَلّة مولاي زيدان.. قد بدأت تدخل مملكة فاس". غير أن مقاومة غير متوقّعة أرغمته على الانكفاء إلى سلا، حيث بدأ ينزل "الأندلسيون" أو الموريسكيون المطرودون. وخشيةَ المشكلات، لِما يحملونه من عادات جديدة، تنازل لهم عن القصبة بميناها وحدودها، في نظام حكم ذاتي[3]. ولمّا كان الموضع مؤاتيًا لممارسة القرصنة، صاروا خبراء فيها، وبرز منهم القبطان سُفرِه (Sufre)، وهو من أهل سيغوربه (Segorbe). فبسفينةٍ صغيرة (saetía) حصل عليها في تونس، استولى على مركب محمّل بالملح والسكر. وسلّحه في سلا، وأخذ يقرصن بطاقمٍ من 45 مغربيًّا و2 من المرتدّين و4 من الأسرى المسيحيين[4].
في عام 1619، كان فيليب الثالث في لشبونة. ولمّا كان مولعًا بجمع الثغور، تأمّل باهتمام عرضًا نقله إليه بابلو دي سانتا ماريا (Pablo de Santa María)، مترجم "اللسان العبري"، باسم شريفٍ يُدعى سِيدِيزا (Cidiyza Xarife)، كان يتولّى ترجمة اللسان العربي، وهو أحد الشيوخ الثلاثة عشر "الكبار" في سلا، وحارس المفاتيح الثلاثة، اثنان من حديد وواحد من "خشب"، التي تُغلق أبواب القصبة. فبحجّة أنهم قد سئموا الحروب الأهلية بين الإخوة، أبلغ الرغبة في تسليم الثغر إلى ملك الإسبانيات. وترويجًا للسلعة، قدّم مدينة سلا على أنها آهلة وغنية بالينابيع، لكن بميناء شاطئي، لا يمكن أن يدخل "عبر رملته إلا المراكب الصغيرة"، على الرغم من أنه من الثابت أنها كانت تجمع في المعتاد سبعة أو ثمانية مراكب من فئة 200 طن، مخصّصة للقرصنة. و"فوق البحر وفوق النهر"، كانت القصبة تهيمن على المدينة، متمتّعة بميناءٍ واسعٍ مريح، مشتملةً على 600 دار، مزوَّدة ببئرٍ ذي ماءٍ لا يُضاهى. وفي انحطاطها، رغم استقدام الموريسكيين، كان 211 دارًا يشغلها "أناس متزوّجون ذوو يسار" و75 دارًا تشغلها أراملُ فقيرات. وثلاثة أسوار متتالية، في كلٍّ منها 40 قطعة مدفعية برونزية "من الطراز القديم"، تحمي العمران، ويحيط بها سورٌ رابع لربضٍ فيه 100 دارٍ وحقلٍ يسع 3,000 بقرة. وعلى بُعد ربع فرسخ كان ثمّة نبعٌ مُهمَل لعدم الحاجة إليه[5].
ولسهولة الفتح، لكفَت أربعُ هياكلَ من "البحّارة" المُتقنين، من أرمادا البحر المحيط، تحمل الراية الهولندية. وتخفّى الجندُ تحت السطح، ويسافرون في هيئة تجّار، حاملين "شيئًا من التبغ" والطواقي والعَرَق (aguardiente) والأقمشة أو بضائع الكتّان للفداء، بانتظار أن يُقام عُرسٌ مُعلَن، إذ إنه بشغله أهل الحيّ يتيح النزول. فينزل القشتاليون إلى البرّ مزوَّدين بنسخٍ من المفاتيح، ويحتلّون القصبة بينما يلهو المدافعون المحتملون[6]. ولمّا أقرّ الهابسبورغي الخطة، تلقّى فادريكه دي توليدو (Fadrique de Toledo)، القبطان العام للبحر المحيط، أمرًا بإعداد المراكب. فأجاب بأن عليه انتظار عودة سفن الفضّة، لأنها ليست بحوزته[7]. ولمّا طُلب منه ذلك للمرّة الثانية، أبدى رأيه: إنْ نجح الفتح، لم يورث الإسبان سوى كلفة حامية أخرى في "إفريقيا"، "بلا حاجةٍ ولا نفع"، إذ إن سلا "ليست ميناءً بل شاطئٌ مفتوح". ومن ناحية أخرى، سيُعرّض المعمورة والعرائش للخطر، إذ سيكفّ زيدان عن الرضا بهما، ويستعيدهما بلا خلاص، لأن الحامية لا مؤونة لها ولا معنويات ولا عُدّة حرب[8]. وهكذا، توجّه شيوخ سلا إلى فيليب الثالث طالبين أن يفتح المعمورة للتجارة، واعدين بتيسير فداء الأسرى المسيحيين، وبتنشيط السوق بعبيدٍ من عندهم[9]. ولمّا ثبت بهذا السبيل أنهم لم يكونوا ضالعين في خطة سِيدِيزا، أمكن تعليق العملية، بما أثبت زيادةً على ذلك أنه أرخصُ ثمنًا أن يُحمى الذهب وطرقه، بأن تُجعل أرمادا البحر المحيط، بعد أن أخلت سواحل الهند من القراصنة، تواصل إلى الشرق (Levante) منظِّفةً سواحل بلاد البربر[10].
فرانسيسكو روكه (Francisco Roque)، عميل دوق مدينة سيدونيا في مراكش، الذي سيصير عميلًا لفيليب الرابع، احتفظ بعلاقات طيّبة مع مولاي زيدان إلى حدٍّ أنه، وقد صدر أمرٌ بتعليق التعامل مع المعمورة، سمح للعميل بأن يظلّ مستأجرًا لميناء سلا، بصفةٍ شخصية[11]. فمركزُ القراصنة، وسوقُ الغنائم التي "تُؤخذ من هذه الممالك ومن الهند"، كانت تفد إليه سفنُ الأمم كافّة، لرائحة بضائع "بالغة النفاسة"، كاللؤلؤ والزمرّد والذهب المغزول والتوابل والوسمة (pastel) والقرمز المعبّأ في براميل بأسعارٍ مُغرية، قياسًا بما كان يُتعامل به في الهند وإشبيلية ولشبونة. ولمّا كان آل هابسبورغ لا يرغبون في المقارنات، لم يكن القشتاليون الذين يرسون في سلا[12] وسائر ثغور الشريف يستطيعون أن يشتروا سوى سمك القدّ (bacalao) والقنّب "وغيرها مما هو من التقدير ذاته"[13]. وكان الحظر يُخرَق، بعنادٍ وغدر، فيدخل التهريب عبر السواحل الأندلسية، لا سيما سواحل طريفة والبربط، وأما تهريب عملة البِلّون (vellón) عبر ثغور الشريف فهو موثّقٌ توثيقًا واسعًا[14]، ولم يُعدم من يُلفت أنظار الملوك الإسبان المتعاقبين إلى عبثية حظرٍ يضرّ برعاياه، ويحرمهم سوقًا مُربحة، لمنفعة الأجانب، بحيث يفوتهم كسبُ ما كان سيتيح فداء[15] الأسرى، لا سيما في سلا، حيث كان يُقدَّر أن فيها ألفين[16]، لأنه "لا يكاد يمرّ مركب إلا وُقتيد إلى هناك"[17]. ولمّا استُؤنف التعامل والفداء مع زيدان، أُنقذ إخطاران موجّهان إلى دار التجارة (Casa de Contratación) في عام 1625، من إسبانيا الجديدة والأرض الثابتة (Tierra Firme)، ينبّهان إلى وجود أسطولٍ إنكليزي. وأُرسلا إلى إسبانيا، مصحوبين برسالةٍ من حاملهما، النبيل البرتغالي القبطان بيدرو نونيث تينوكو (Pedro Nuñez Tinoco)، فارس المسيح (caballero de Cristo). وقد خدم في فلاندرز، ثم واصل القتال في حروب المارانيون (Marañón). ولمّا هزم الهولنديون ثماني سرايا مشاة في رأس القدّيس أوغسطين (Cabo de San Agustín)، انسحب من استطاعوا الفرار إلى الأندلس الجديدة (Nueva Andalucía). وحنينًا إلى الوطن ورغبةً في العودة، عرض نونيث نفسه على الحاكم بصفة ساعي بريد. غير أنه أُسر عند خروجه من الميناء، فأُودع سلا، حيث كان يقبع بلا أمل، لعوزه إلى المال الذي يفتدي به نفسه[18].
في عام 1637، كان القائد العام للبحر والسواحل في "هذه الثغور" باسم "جلالته الإمبراطورية" في مراكش يتّخذ سلا مقرًّا رسميًّا له، يمارس فيه مهام قائد-حاكم للمدينة والربض والشالة (xela) في سلا[19]. وتُطابَق القصبة مع سلا الحالية، الواقعة على ضفّة أبي رقراق (Bou Regreb)، الذي يفصلها عن الرباط، المزعوم أنها مدينة سلا، والتي يُنسب أصلها إلى الشالة (Chella)، المؤسَّسة في القرن الثالث قبل الميلاد. فهي ميناء الفينيقيين والقرطاجيين، ضربت العملة في القرن الأول، وبُني فيها الرباط في القرن العاشر، فأعطاها اسمًا جديدًا. وإقطاعُ أبي يوسف (Abeyuçuf)، ابن آخر ولاة غَرب بلاد البربر قبل أن يصير أول بني مرين، لا يبدو أن هذه الرباط كانت سلا بني يفرن أو الإفراني، المؤسَّسة في القرن الحادي عشر والمرجَّح أنها "مرسى تجّار". وكانت تحت سيطرة قبيلة برغواطة، فصارت قاعدةً للمرابطين نحو عام 1058. وفتحها الأمير أبو يحيى بن عبد الحق عام 1249، ونهبها القشتاليون عام 1260، مغتنمين آخر تشنّجات الحرب الأهلية التي أنهت إمبراطورية أمراء المؤمنين (Miramamolines). وكان بناء الأسوار نتيجةً لهذه الزيارة.
كان فيليب الثاني يملك حين ذكر كونت سانتا غاديا (Conde de Santa Gadea) المعمورة ورأس أغادير (Cabo de Aguer) بوصفهما أفضل ثغور الشريف، لكونهما "خارج المضيق"[20]، على بُعد 306 فراسخ أو 17 درجة. ففي الرحلة الأولى، كان المرسى في رأس أغادير هو الوسط. وفي الثانية، تُذكر مملكة مراكش وجزيرة موغادور (Mogodor) في المرسى الثاني والأخير. وإذا انطلقنا من رأس ألِّندِه (Punta de Allende)، فإن الـ17 درجة لا تحملنا كثيرًا إلى ما وراء رأس أورانخه (Cabo de Oranje). وخلاصةُ القول، إننا قد انطلقنا، بزيادةٍ أو نقصانٍ يسير، من حيث كان آخر خليج في البرازيل، أول غينيا، لنصل إلى رأس أورانج (Cabo de Orange) أو خليج أويابوك (Bahía de Oyapock)، حدّ مملكة مراكش مع مملكة فاس. وقد خالفه ألونسو دي غوثمان (Alonso de Guzmán): "شواطئ آسفي ورأس أغادير ليست آمنة لأسطول، بل هي ساحلٌ خطِرٌ جدًّا"[21]. وقد ذُكر ميناء موغادور بجوار رأس آخِر أو أغادير (Ajer o Aguer)، في ظهيرٍ (albalá) من عام 1463، بوصفه حدّ "الفتح" الذي كان تاج قشتالة يدّعيه لنفسه، و"مرسى تجّار" في عام 1475 ومسرح حرب لوغو (Lugo)، وكان له عاصمةٌ اسمها تاغاوز (Tagaoz)، بحصنها أغاوز (Agaoz) ودار أغادير. وفي حدوده كان ميناء نُل (Nul)، على بُعد خمسة فراسخ، بقلعة وميناء يفني (Yfini). ومقرّ جمرك سانتا كروث دي كابو دي غِيه (Santa Cruz del Cabo de Guée)، يُقال إن مانويل الأول أدخل في أغادير قصب السكر وصناعة السكر، وكرّر ذلك بعد سنوات في موغادور، دون أن يدرك أنهم يتحدّثون عن الموضع نفسه، ولا أنه هو الموضع الذي استحوذ عليه في الوقت نفسه خوان دي غوثمان (Juan de Guzmán)، أي "جزيرة وحدود ورأس موغودور"، في مملكة مراكش، مع ترخيصٍ ببناء حصنٍ في غوغارتي (Gugarti)[22]. وقد بُني البرج، إذ إن فِرناندو الكاثوليكي شجب بناءه، بوصفه اعتداءً على جلالته، في المحادثات التي سبقت معاهدة سينترا (Tratado de Cintra)، الموقَّعة عام 1509. وقد استحوذ وكلاء خوان دي غوثمان مرّتين على جزر رأس أغادير. ففي آب 1496، رسوا في موانئ ثيبيديكه (Zebedique) وتوروكوكو (Turucuco)، بالقرب من رأس أغادير، وغاليباربا (Galebarba)؛ والمرّة الثانية، في أيار 1506، فعلوا ذلك في غوغارتي وأيتوديل (Aytudel)، من ناحية مملكة مراكش، حيث كانت جزيرة موغودور. وفي الحالتين، أبحر الوكلاء تسعة أيام بالضبط، بين المرسى الأول والأخير. وهذا الانتظام يدلّ على معرفةٍ بالطريق، ويشير الزمنُ إلى الفراسخ المقطوعة. فلو أنهم بلغوا السرعة المتوسّطة للمركب المنفرد، وهي 50 فرسخًا في اليوم البحري، لقطعوا 450 فرسخًا أو 25 درجة، لكن لمّا كانت ملاحة ساحلية (cabotaje)، لم يتجاوزوا 34 فرسخًا في اليوم، جاريين واحدة.
وبعد أن استعاد محمدٌ موغودور، أو ماغادور، أو موغولو (Mogolo)، أقام حامد الذهبي متراسًا مسلَّحًا بالمدافع، أبعد القشتاليين عن الساحل، لكن لا عن النهر، إذ إن القذائف لم تكن تبلغ القناة. ولمّا لم تكن الجزيرةُ والثغر ذوَي أهمية لدى فيليب الثاني، لما أثارا اهتمام خَلَفه، لولا أن عرضهما قائدُ سانتا كروث، عن طريق الفرنسي روبيرتو بونيفاثيو (Roberto Bonifacio)، قنصل الأمّتين الفلمنكية والألمانية في قادس. وجريًا على العادة، سُوِّقت الفكرة بنسبة نيّةٍ إلى الهولنديين لإقامة "حصن" "قرب شاطئ آسفي"، في ميناء طبيعي آمن وواسع، قادرٍ على إيواء عددٍ لا محدود من السفن، ويبدو أنه كان بارا (Pará)، يستطيعون من خلاله نهب الأساطيل والتهريب في الهند، بكل راحة. ولمّا كان القشتاليون يُقدّمون العقيدة، وضع فيليب الثالث موغودور وسانتا كروث في ساحل بلاد البربر. أما الأوروبيون، فلأنهم كانوا يُعلّقون أهمية أكبر على لون الرجال، وضعوهما في إفريقيا، كالقرصان الهولندي غودوفروا بوت (Godofroy Boot). ففي مذكرةٍ مطوَّلة، موجَّهة إلى ملك إنكلترا، نسب اكتشاف "الجزيرة" إلى مواطنيه. ولمّا لم تستطع هولندا الاستحواذ عليها بسبب معاهدة السلام مع إسبانيا، حرّض العاهل الإنكليزي على فتحها، لكونها موقعًا يتيح له أن يُنغّص حياة ملك الإسبانيات، الذي، إنْ ملك أعداؤه المرسى، فإنه، لكي يحفظ هنده "الشرقية منها والغربية.. سيتعيّن عليه أن ينفق قدر ما يجلبه ويمرّره كل عام أو أكثر"، بحيث "يمكنهم في وقتٍ قصير أن يُخرجوه منها". وقد اختلس الوثيقةَ من الأمانة الملكية الكونت النشيط دي غوندومار (Conde de Gondomar)، سفير إسبانيا في لندن، فأرسلها إلى فيليب الثالث، فأمر بإحالتها إلى دوق مدينة سيدونيا، في عام 1619، مصحوبةً بـ"رسمٍ" لماغادور، ضاع للأسف[23].
كانت الجزيرة، بساحلها على البحر، نحو 50 ميلًا طولًا في مثلها عرضًا، ما يمثّل نحو 2,500 ميلًا مربّعًا. وهي "الأكبر والأخصب" بين جزر الأنهار في الكوكب، تسقيها "جداولُ كثيرة بديعة.. وكل ما يُزرع ينبت وينمو"، مع وفرةٍ في المروج والغابات. ومناخُها معتدلٌ صحّي، وفي النهر يمكن "أن يُصنع أجملُ ميناءٍ في العالم"[24]. وهو، بسعته اللامحدودة، وبمدخلٍ واحد، تكفي لتحصينه ثلاثة أبراج تُبنى في مثلها من الأشهر بكلفةٍ زهيدة. وكما في مواضع أخرى من الساحل، كان ثمّة حجرٌ وفير للأحجار المنحوتة والجير. وأهله، وهم "ليسوا بحربيّين بحال"، كانوا يعيشون "بلا نظامٍ وكالبربر، لعدم التردّد عليهم". ولو عُوملوا بلياقة، في الأزمنة الأولى على الأقل، لأبدوا تعاونًا[25]. ولم تفتن الفكرةُ الملك الإنكليزي، لكنها فتنت الهابسبورغي. وبأمرٍ بتوسيع المعلومات، استقى غوثمانُ إياها من بحّارة قادس، المحترفين في بلاد البربر. فأطلقوا اسم سانتا كروث على ماغادور بوت، واضعين إياها "على بُعد 30 فرسخًا إلى الأمام، في اتجاه رأس بلانكو (Cavo Blanco)"، عن موغودوره الخاص. ولمّا كان الساحل هائجًا ومنَعهم المغاربة منه، لم يكونوا يزورون سوى خليجٍ خارجي ذي مياهٍ صافية، طوله نصف فرسخ، متوقّفين عند الثلاث قامات (brazas)، كي لا يقعوا تحت تأثير المدفعية المنصوبة في المتراس. وكانت الأرض "منحدرة" بعض الشيء، وعلى السفح تُرى جدرانٌ "قليلة الشأن"، وفي الأعلى "بنايةٌ كبيرة على هيئة حصن"، حيث كانت المدافع[26]. ولم يكونوا يعرفون الداخل، لكنهم كانوا يعلمون أن الأرض "منبسطةٌ عمومًا ومليئة جدًّا بالمواشي"، مشيرين إلى وجود سكّانٍ على بُعد نحو فرسخين من البحر. وجيرانهم عربٌ، "وإن كان عددهم كبيرًا"، إلا أن التعامل كان محدودًا[27]، وكانت الجزيرة يرتادها قوارب تجّار الطواقي الطليطليين (boneteros)[28]. ونُسيت الأسماء الإسلامية القديمة، وبقي اسم سانتا كروث في جزيرة مراجو (Marajo). وفي القرن السادس عشر، كان يمرّ عبر مينائها وميناء أزمّور القريب الصبرُ (aloes) والنعام[29].
وأما موغودور القادسيين فكانت جزيرة ماراكا (Maracá)، على بُعد فرسخٍ ونصف من الساحل القارّي. وبمحيطٍ من أربعة فراسخ ومرسًى بربع فرسخ، "من أرضٍ نظيفة"، كان داخلها، وهو وعرٌ قليلًا، مغطًّى بالغابة، مع وفرةٍ في الصيد. ولمّا كانت ملجأً للقراصنة وتجّار الطواقي والصيّادين، كان المحترفون من الفروع الثلاثة يتآخون، وهم يقومون بـ"التجريف" وقلفطة (carena) مراكبهم، مع ندرةِ العرب المغاربة الذين كانوا يأتون "للفداء"[30]. وفي عام 1610، وهو عام سلامٍ في أوروبا، شكّلت إنكلترا وفرنسا وهولندا والبلاد الهانزية عصبةً ضد القراصنة، القراصنة القدامى، الذين لم يُحسنوا التكيّف مع السلم. وبدأوا حربهم بالتفاوض، فانتقلت سفارةٌ يتقدّمها الإنكليزي روجر ميلتون (Roger Milton) إلى المعمورة، فحقّقت أن يقبل نصفُ من اتُّصل بهم ترك المهنة، مقابل العفو. وفي العودة مرّت بسنلوقار (Sanlúcar)، اعتقادًا بأن دوق مدينة سيدونيا وسيطٌ مناسب لجعل فيليب الثالث يشارك. ولمّا لم يكن كذلك، أحال زوّاره إلى بيدرو دي توليدو (Pedro de Toledo)، القبطان العام آنذاك. ولعلّه امتعض من أن حراسة الموانئ قد آلت إلى هولندا، مع تخويلها بالدخول حرًّا حيث يُشتبه بوجود قراصنة، فأجاب الهابسبورغي بأن أمر بأسر مركبٍ إنكليزي كان عائدًا من آسفي[31]. وجهِل هذه التفصيلة "الفارس" الفرنسي فرانسيسكو لورمه (Francisco Lorme)، القرصان المقيم في موغودور القادسيين، فحضر بلاط فيليب الثالث في عام 1616، باسمه الخاص وبتمثيلٍ عن "فينكيت وغِستيينكه وخوان إنبوسغيس" (Finquet, Guestienque y Joan Enbusgues)، زملائه الإنكليز، بنيّة التفاوض على عفوٍ جماعي. وبعد أن راكموا 12 عامًا من مزاولة المهنة، كقراصنة محترفين، ادّخروا مليون دوقة، ثمرةَ غنائم "ذات شأن"، أُخذت من أساطيل الهندَين والبرازيل، كانوا يحملونها للبيع في ماغادور الأخرى وآسفي وسلا وسائر ثغور بلاد البربر. وكانوا كلّما انتهى موسم القرصنة قصدوا مصيد سمك القدّ في نيوفاوندلاند (Terranova)، ليُدوّروا مداخيلهم. وبوصفهم مُلّاك 15 مركبًا "ضخمًا"، من فئة 300 إلى 400 طن، كانوا يوزّعونها في ثلاثة أساطيل، أحدها مزوَّد بمركب مطاردة (patache) بأربعين، عرضوا أن يمنحوا أسطولهم للملك، مع وعدٍ بالاعتزال، مقابل عفوٍ يتيح لهم التمتّع بثروتهم في العالم المتحضّر. وقُبل العرض، فعاد لورمه مزوَّدًا بالرسائل والبراءات، سالكًا طريق سبتة، لأنه ترك حصانه في الثغر ذهابًا وله وسيلةُ نقلٍ إلى المعمورة، وهي مرسًى لن يعوزه فيه ما يعينه على العودة إلى دياره[32].
وحدس محترفو التزلّف أن الملك يرغب في ماغادور بوت، فأعلنوا أن ضمّ سانتا كروث إلى ممتلكات التاج سيجلب "منفعةً كبيرة" لتجارة الهند وجزر الكناري[33]، وأن كل شيء، ولا سيما المعمورة، في خطرٍ جسيم من أن تسقط "الجزيرة" في أيدي الأعداء. ولمّا اطّلع فادريكه دي توليدو ودوق مدينة سيدونيا على الأمر، وصفا عرضَ القائد بأنه هديّةٌ مسمومة. فثغرا العرائش والمعمورة، وهما "أقربُ وليسا نائيَين كسانتا كروث وموغودور"، كان نقصُ الحامية والعتاد الحربي والمؤونة فيهما مستشريًا، ما يُثير هروبًا متواصلًا إلى أرض المغاربة. ولمّا كانت الملاحة سهلة، كان يسيرًا استنتاج مصير ثغرٍ لا يُمكن الوصول إليه دون التأكّد من "هبّةِ طقسٍ حسن، وهو أمرٌ يحدث نادرًا، والأكثر أنه يلزم مضاعفة الارتفاع". ولأن هذه المواقع كانت مصدرًا للمشكلات والنفقات، نصحا بالتخلّي عن النزوات، وتوجيه المال العام إلى زيادة "عدد مراكب أساطيل البحر المحيط"، فضلًا عن الحصول عليها "جيّدة الشراع"، لا ثقيلة وبطيئة كالمتوافرة، التي كانت تتيح للقرصان الأخرق أن ينسلّ. وفي الوقت الراهن، يمكن تنظيف طرق الهند، وتأمين سلامة الغليونات والأساطيل، بأن تقوم مراكب الأرمادا "في المعتاد بجولةٍ على ساحل بلاد البربر"[34].
لكن التخلّي ليس من شأن الملوك. أصرّ فيليب الثالث على أن يُرسَل مركبا مطاردةٍ أو مركبان طويلان مسقوفان، على نفقة دار التجارة، لاستطلاع سانتا كروث وماغادور، برُبّان ومهندسين قادرين على سبر الرمليات، ورسم المخطّطات، وتحرير أوصافٍ دقيقة للموانئ. فأوضح غوثمان أن واحدًا يكفي، إذ إن الاسمين يدلّان على الجزيرة نفسها. وقد نسي المسألة، حين أعاد إليها الآنيّة إخطارٌ من حاكم مازاغان (Mazagán): إن الهولنديين بنَوا متراسًا في ماغادور، بارتفاع طابقين (estadios)، ووضع مولاي عبد الملك ستّ قطعٍ وحاميةً. ولم يتنازل عن السيطرة على الحصن لهولندا، كما كان يبتغي حلفاؤه، لكنه منحهم حرّية استخدام الميناء[35]. ولمّا عادت أربعُ وحداتٍ من أرمادا البحر المحيط، كانت قد طافت "جولةً" على ساحل بلاد البربر، أمر الملك فادريكه دي توليدو أن يختار أفضل الربابنة الأربعة، ليُبحر به فورًا صوب الجزيرة. وأُحيلت المهمّة إلى مانويل دي غوثمان (Manuel de Guzmán)، لسببٍ غير مفسَّر، فحاول أن يوفّر النفقات على العامّة، موضحًا للهابسبورغي أنه لمّا لم يكن ثمّة "ماء" في الرملية للمراكب عالية الحافّة، ولا إمكانَ لتعميق القناة، لكون قاعها رمليًّا، فإن الحصن، مهما بلغ من الهيبة، المقام عند مصبّ نهر آير (Aer)، لا يمثّل خطرًا على الثغور ولا على سواحل الهند ولا على الأساطيل. وتصامَم فيليب الثالث، فأمر بتجهيز ثلاث سفن حربية (galeras) لتذهب فتُدمّر البناء. وخشيةَ آثار غضب الشريف، هدّأ غوثمان الروحَ الملكية، بأن أرسل مركبًا طويلًا "مُجهّزًا جيّدًا"، مع القبطان بيدرو سواريث دي ديثا (Pedro Suárez de Deça)، أحد منتسبي حامية قادس. فأقلع في 26 تموز 1623[36]، داخلًا النهر في المحاولة الثانية، رغم أنه كان يحمل ربّانَين خبيرَين بثغر مازاغان. ووصل "أقربَ من غيره بكثير إلى فم ذلك المدخل"، لكن دون أن يدخل خليج نهر آير، لمنع المغاربة إياه بـ"بنادقهم"، فمكثوا ست ساعات في الرملية، يسبرون في المدّ والجزر، فوجدوا "من الماء قدر ما يقرّره الربابنة"، دون أن يروا في الذهاب والمكوث والعودة أثرًا لهولنديين، ولا علامةً لتحصينٍ في الوجهة[37]، فتُخلّي عن مغامرة موغادور.
يضع التاريخُ إعادةَ بناء حصن الجزيرة على يد الشريف، لا بناءه، في عام 1628، إذ إن تأسيس موغادور الشرقية مؤرَّخٌ بشهود عِيان على الحدث. ففي القرن الثامن عشر المتقدّم، أراد سيدي محمد عبد الله، إمبراطور مراكش، أن يمنح مراكش ميناءً. فاختار لإقامته نتوءًا صخريًّا من الساحل، يحوّله البحر في المدّ الحيّ إلى شبه جزيرة، لا إلى جزيرة. وبدأت الأشغال عام 1760، وضمِن ازدهار سكّانها، بأن ركّز فيها تجارة القرمز والسكر وريش النعام وسائر المنتجات الغريبة، القادمة من بلاد بربرٍ بعيدة كان لا يزال يسيطر عليها. وأُلزمت الشركات الأوروبية المتخصّصة في تسويق تلك المنتجات بأن تُقيم وكالةً في موغادور، فأضفت عليها سنواتٍ من الازدهار، قبل أن تُسمّى الصويرة (Essauira). وأفقُها من الكثبان المتطايرة، الذي لا يبدو أنه سجّل تغيّراتٍ مناخية جديرة بالذكر في الألفيّات الخمس الأخيرة، يُفترض أنه كان مغطًّى بقصب السكر والغابات، متوافرًا فيه الماءُ والخشب الكافيان لإعالة الزراعة والمعاصر، في عهدٍ قريبٍ كالقرن السابع عشر. أما اليوم فإن وادي القصب (Oued Ksob) يجري على بُعد 14 كيلومترًا من العمران، من ناحية رأس سِم (Cabo Sim)، الذي خدمت كثبانُه بوصفها صحراء مثالية لغير قليلٍ من المخرجين السينمائيين. ونقشٌ محفورٌ على باب القصبة (khasba) يبيّن كيف يُكتب التاريخ: يُذكّر بأن المدينة في القرن الثامن تاجرت مع هولندا لا وجود لها.
أما ثاموسيدا (Thamusida) الفينيقيين والقرطاجيين، فتقع بجوار الصويرة. ومن المعلوم أن يوبا الثاني ملك موريتانيا، معاصر أغسطس، اشتغل بتمليح السمك وصناعة الأرجوان، فتُعدّ عظامُ الحيتان المتحجّرة أثرًا للصناعة الأولى، وتُعدّ بقايا الأبنية الرومانية المكتشَفة في الجُزيرات أثرَ حمّاماتٍ أو ورشٍ رومانية مخصّصة للثانية. وتظهر موغادور عند البكري، المكتوب في القرن الحادي عشر، تحت اسم موغدول (Mogdul)، وقد انتهى بهم المطاف أسرى في الجزيرة، وهم بحّارةُ سفينةٍ من برشلونة انكسرت قبالة سواحل بلاد البربر عام 1371[38]. وفتح ألفونسو الخامس ماغادور، بعد حصارٍ دام 10 سنوات على ما يُقال، ثم استعادها محمد الشايع (Sayi) عام 1541. وهي ميناءٌ لأوروبا، سيطرت عليها الدنمارك بموجب اتفاقية عام 1751. ولمّا كانت دار أغادير في رأس أغادير، فإن الجمرك البرتغالي سانتا كروث دي كابو دي غِيه يقع في المدينة، مُبرَّرًا ببقايا برجٍ من عهدٍ وطرازٍ لا يُمكن تحديدهما. وهي مدينةٌ حديثة، وعند بعضهم أنها رصاديف (Rsaddiv) زمنٍ آخر.
- ADMS. 2407. Año 1607.
- ADMS. 953. Año 1608.
- ADMS. 2397. Año 1581.
- ADMS. 2415. Año 1631.
- ADMS. 2411. Año 1619. 2416. Año 1634.
- Ibídem.
- ADMS. 2411. Año 1619.
- ADMS. 2421.
- ADMS. 2411. Año 1619.
- ADMS. 2411. Año 1621.
- ADMS. 2421.
- ADMS. 2412. Año 1625.
- Ibídem.
- ADMS. 2406. Año 1605.
- ADMS. 2412. Año 1625.
- Ibídem.
- ADMS. 2412. كان "المثقال" الذهبي لا يزال متداولًا في مراكش. وكان بالتاسار بولو (Baltasar Polo)، وهو تاجر كتالوني من أصلٍ يهودي، يرسل إلى دوق مدينة سيدونيا، من هذه المملكة ومن فاس، التمرَ والأقمشة الفاخرة، لا سيما الدامسك، والحُليّ والذهب، وبرز من ذلك واجهةُ مذبحٍ مطرَّزة بصورة القديس يوحنا. وبصفته مورّدًا للجمال والنعام والجمال، أرسل "حبالًا" من جلدٍ خاصة وبياطرة. وخدم الجملُ في سنلوقار حيوانَ حملٍ وجرّ. وكان فيليب الثاني يستقدمها لحديقة حيواناته في أرانخويث (Aranjuez) (ADMS. 2421.2397).
- ADMS. 2417. Año 1637.
- Ibídem.
- ADMS. 2421.
- ADMS. 2404. Año 1600.
- Simancas. Depósito Medina Sidonia.
- ADMS. 2411. Año 1619.
- الأرجح أنه ميناء Çensias das Almaçones، الذي يظهر في أقصى بارا (Pará)، في خريطة خوان أوليبا (Juan Oliva). (مسّينا 1596).
- ADMS. 2411. Año 1619.
- Ibídem.
- Ibídem.
- ADMS. 2406. Año 1605.
- ADMS. 2413. Año 1627.
- ADMS. 2410. Año 1616.
- ADMS. 2408. Año 1610.
- ADMS. 2410. Año 1616.
- ADMS. 2411.
- ADMS. 2411. Año 1619.
- ADMS. 2421.2411.
- ADMS. 2421.
- ADMS.2421. كان عمق الرملية أقلّ من ثلاث قامات. أما نهر لاغارتوس (Río Lagartos)، بثلاث قامات في القناة، فكان يقبل مراكب من فئة 100 طن.
- "Esclavos y sirvientes en las sociedades mediterráneas durante la Edad Media". Jacques Heers. Ed. Alfons el Magnanim. Valencia 1989, pág. 39.