الأسطول العظيم
بفضل ارتفاع الأموال، حصل الملكان الكاثوليكيان على مرسوم بابوي من أجل "تحويل وافتداء جزر غينيا" وجزر الكناري، وهو مرسوم كان اقتناؤه إلزاميًّا في قشتالة وأراغون ونافارّا والبرتغال[1]. وفي الخريف، عاد أسطول عام 1477، فأتاح حُسنُ سير الحرب الضغطَ على المقاتلين كي يسدِّدوا ما عليهم للخزينة. ولمّا تأخّر أهل بالوس (paleños) في السداد، طُولبوا بالخُمس عن السفن الشراعية (الكارابيلات) التي انتُزعت من البرتغاليين "القادمين من غينيا"، بما فيها من عبيد وذهبٍ من المنجم (la Mina): "إذ إنّ ساحل تلك الأصقاع يعود للملك سيّدي ولي، بحسب ما جرى الإخطار به والإعلان عنه في ممالكي هذه بموجب كتبي الأخرى"، ومن لم يمتثل، فمصيره السجن، وتُباع أملاكه بالمزاد حتى يُسدَّد الدَّين[2]. ولمّا كان الرعايا قد قاتلوا على حساب جيوبهم، تحوّل السخط إلى نقد. وحرصًا على صورتهما، حماها الملكان. وكان من المعتاد أن يتردّد الأندلسيون والأجانب المقيمون، ولا سيّما الجنويون، على طنجة وسبتة وأصيلة و"أنحاء أخرى من إفريقيا"، فعيّنا فرانسيسكو غيرّا (Francisco Guerra) رقيبًا على المراسلات. فبعدما أعلن أنّه لا يجوز لأيّ مركب أن يُقلع من دون "إذنه الخاص"، تلقّى أمرًا سرّيًّا باحتجاز جميع السفن لدى رفعها الأشرعة، متذرّعًا ببلاغ مفاجئ عن التهريب. وكان يفتّشها تفتيشًا دقيقًا بحثًا عن كتب "ورسائل أخرى ممّا يكون مخالفًا لخدمتنا". فإن عثر عليها، سُجن طاقم السفينة وحُجزت السفينة، واستحوذ غيرّا على ما يُدفَع في المزاد، على سبيل الحافز[3].
في عام 1478، توصّلت قشتالة إلى أن تكون في حالة حرب مع البرتغال وفرنسا وإنكلترا وبريتانيا وجنوة والبندقية وفلورنسا واسكتلندا وألمانيا. وكان أنطونيو نولي (Antonio Noli) رهيف الحسّ، فعاد إلى طاعة البرتغال ومعه جزيرة الرأس الأخضر، ففتح أهل الكناري قلوبهم وموانئهم للبرتغاليين وسائر الأجانب في طريقهم إلى غينيا[4]. ومن دون أن يدركا أنّ المأزق يفوق طاقتهما، أراد الملكان الكاثوليكيان استعادة الأرض المفقودة بالهجوم على جبهتين ضدّ "خصمنا البرتغالي": من ناحية غران كناريا، بأسطول تحت قيادة خوان ريخون (Juan Rejón)، ومن ناحية غينيا. ولمّا كان "أشدَّ نفعًا" للـ"خدمة" الملكية أن يُخرَج "إلى البحر" أكبر عدد ممكن من السفن "للمضيّ ضدّ خصومنا"[5]، فقد كان على الأسطول أن يفوق أساطيل الأعوام السابقة.
ولمّا كانت حماسة القشتاليين للحرب محدودة، جرى تسهيل منح التراخيص من أجل "المقايضة" (rescatar) في منجم الذهب و"المانِغيتا" (الفلفل الغيني) وأنهار غينيا، مقابل تقديم الكفالات المفروضة سلفًا، وقد آل بعضها إلى رجال البلاط، مثل دوق ألبا. فلمّا أُذن له بتجهيز سفينة شراعية زنتها 45 طنًّا للذهاب للمقايضة على "الذهب والعبيد والمانِغيتا" في "كلّ أنحاء غينيا وأيّها كان، سواء في منجم الذهب" أو في سائر "الموانئ ومواضع المقايضة في غينيا كلّها"[6]، عرض الإذن للبيع في إشبيلية عن طريق دييغو دي أتايدا (Diego de Atayda)، فاشتراه الجنوي فرانسيسكو بوناغيسا (Francisco Bonaguisa)[7] بمئة ألف مرابطيّ (maravedís)، تُدفَع بعد ثمانية أيّام من رسوّه عائدًا في مرفأ إشبيلية عند برج الذهب (Torre del Oro)[8]. ووفاءً للمبدأ القائل إنّ الرعيّة تولَد لخدمة الملك، لا الملك لخدمة الرعيّة، فإنّ أصحاب التيجان يميلون إلى التخصّص في تنظيم الاحتفالات والحروب، على أن يدفع الرعايا كلفتها. وقد أثبتت ذلك إيزابيلا حين تولّت الإمداد بيدها. فقد أُغلقت في وجه العامّة أفران إشبيلية في "برج خيريس" (torre de Xerez)، "الكائنة" في دور الملك، لتُخصَّص لخدمة "الأساطيل". وأُذن للقائد (alcaide) بمصادرة ما يراه من الحبوب لتحويله إلى بقسماط، فكان يحجز المخازن الجافّة المشمسة لتخزينه، مستأجرًا "أكثر ما تستطيعون من الناس، من دون أن ترفعوا يدكم عن ذلك العمل"[9]. ولجأت الملكة إلى الدهماوية، فأفصحت لأهل إشبيلية أنّها تأمل ألّا يخذلها من يتميّزون إلى هذا الحدّ في خدمتها.
في السادس من فبراير 1478، عُيّن مسيّو إيهون بوسكان (Mosén Ihon Boscán)، الذي كان في عام 1476 يقود "قوادس" (galeas) المضيق، قائدًا أعلى لـ"الأسطول... المتّجه إلى غينيا ومنجم الذهب، وللوقوف في وجه الأسطول الذي قد يجهّزه خصمنا البرتغالي لتلك الغينيا"[10]. وكان يخضع لإمرته أربع سفن شراعية، محجوزة من أفرادٍ، جهّزها التاج لمنفعته[11]، بكلّ ما يتّصل بالملاحة والحرب، مع الحرص على أن يأسر في الطريق وفي مواضع المقايضة ما يصادفه من سفن مشتبَه في اقترابها من غينيا من دون التراخيص الواجبة، سواء كانت "من ممالكنا أو من خارجها"[12]. ولمّا كان بوسكان الأعلى في الأمور العسكرية، والقاضي في الأمور المدنية والجنائية، فقد كان يحمل عصا العدالة. وكان على القوّاد والضبّاط أن يؤدّوا له يمين الولاء بالطاعة في "كلّ ما تأمرونهم به... وألّا يفارقوكم ولا يتركوكم في أيّ وقت، بكلّ ما في وسعهم من إخلاص"[13]. وحيث يُفترَض أن ينضمّ "بعض الفرسان" ورؤساء السفن للسفر "مع سفن وكارابيلات أسطولي المذكور، ليعين بعضهم بعضًا، وليذهبوا ويعودوا سالمين"، ولمّا كان من المرجّح أن يرغبوا، عند مقربة غينيا، في "التفرّق نحو بعض النواحي" إضرارًا بالمصالح الملكية، فإنّه "منذ أن يكونوا في سنلوكار دي بارّاميدا (Sanlúcar de Barrameda)"، كان على القوّاد وسائر أهل السفن أن يقسموا "بألّا يفارقوا صحبة الكارابيلات الأخرى في الأسطول"، قابلين عقوبة الموت وحجز الأملاك إن حاولوا ذلك[14]. ومع أنّ له صلاحية عزل رئيس السفينة أو قائدها الذي يفعل "ما لا ينبغي" من مهامّه وتعيين بديل عنه، ولو كان مالكًا للمركب[15]، فإنّه لم تكن له صلاحية عزل الكتّاب (escribanos) المرافقين لكلّ كارابيلا، القائمين على "حساب وتدوين كلّ ما يُقايَض عليه في تلك الكارابيلات"، ولا عزل من يروي وقائع الرحلة. وفي حال الوفاة أو المرض، كان يعيّن بديلًا[16].
أمّا الشأن الإداري فقد أُوكل إلى بيرِنغير غراندير (Berenguer Grander) وفرانسيسكو بوناغيسا الخبير بالمقايضات، الذي عُيّن مسؤولًا عن كلّ ما يُجرى منها لحساب التاج. فما إن يكونا في البحر حتى يشرعا في تفتيش دقيق، ينبشان صناديق التجّار الخاصّة، وأصحاب السفن، و"البحّارة وغيرهم من الناس"، من دون استثناء صندوق القائد الأعلى. ويُصادَر كلّ ما لم يكن مسجَّلًا في التراخيص، ويُدوّنان في الدفاتر البضائع وأصحابها قبل الوصول إلى "منجم الذهب وموضع المقايضة في غينيا"، حيث يفعل كتّاب الكارابيلات الشيء نفسه، تحت مراقبة القائد الأعلى أو مندوبيه، مع "الذهب والمانِغيتا وسائر ما يُقايَض عليه". و"قبل أن يعودوا إلى هنا"، كان على غراندير وبوناغيسا أن يجبيا الخُمس وهما مبحران، تفاديًا لضياع أيّ مرابطيّ في فوضى الرسوّ[17].
ولمّا لم يظهر متطوّع في مارس لـ"الأسطول الذي أمرت وسآمر بتجهيزه"، أصدرت الملكة أمانًا. فالذين "يذهبون بأمري إلى ذلك المنجم"، وعليهم أن "يقوموا بتلك الرحلة التي أمرتُهم بها إلى ذلك المنجم وعبر ممالكي هذه"، سواء أكانوا من أهل بالوس أو "من مواضع أخرى في ممالكي وأملاكي"، ممّن "يعرفون البحار والموانئ والخلجان في قشتالة ويجوبونها ويبحرون فيها"، متاجرين بالأقمشة والحُلي والحديد والفولاذ والعتاد الحديدي والأصواف والزيت وغيرها من الأصناف التي تُقايَض في "إفريقيا"، صار في وسعهم أن يجوبوا بحار قشتالة، بأنفسهم أو عبر خدمهم ووكلائهم و"تابعيهم" (paniaguados)، من دون خوف من أن يعترضهم القائد الأعلى للبحرية (الأميرال الأكبر) أو نوّابه أو من "يجوبون في الأسطول"، وفي أمان تامّ من أنّه، ولو بحكم قضائي، لا يجوز حجز سفينتهم أو بضائعهم[18]، على أن يخسر الاثنتين معًا من يُحمّل أشياء محظورة أو يقبل في طاقمه بحّارة فرنسيين أو برتغاليين أو "أعداءً آخرين لممالكي". ولم يُعفَ المشاركون في الأسطول من إيداع الكفالات وتقديم كُفلاء من رعايا الأراضي الملكية، "معتدلين ومقتدرين وموسِرين"، ضمانًا "بألّا يُلحقوا أذى ولا ضررًا بأصدقاء" التاج وحلفائه، في البحر أو في البرّ. فإن ألحقوا ذلك ولم يكفِ المبلغ المودَع، قبلوا أن تُحجَز أملاكهم وتُباع بالمزاد بقدرٍ كافٍ للتعويض. و"سواء في الذهاب إلى ذلك المنجم أو في المكوث أو في العودة"، أو في أيّ موضع من "ممالكي وأملاكي المذكورة التي يجوبونها"، كان عليهم أن يأسروا من يقترب من مواضع المقايضة من دون الترخيص الواجب[19].
ورغبةً في إرغام الناس على المشاركة في الأسطول، ذكّر الملكان بأنّهما، إذ "أعلنّا أنّ فتح إفريقيا وغينيا من حقّنا، وأنّنا قد استولينا عليها"، فلا يجوز لأحد أن يخرج بسفينة "منفردة" "لخوض الحرب ولا للمقايضة ولا لنقل البضائع"[20]. غير أنّ الوعود والتهديدات ذهبت هباءً، فلجأ التاج إلى حجز صارم، أنكرته الحوليّات، لكنّه ثابت في المصادر الوثائقية. وسئم التاجر البورغوسي فرانسيسكو دي أفيلا (Francisco de Ávila) احتماله، فتخلّى عن أمواله وعقاراته ليتجنّس بريتانيًّا. وبينما كان في دوقية بريتانيا، مركز الوكلاء والتجّار القشتاليين، روى أنّنا "قد أمرنا بأخذ سفن معيّنة" للذهاب إلى المنجم. ولمّا عُلم أنّ نفقة المغامرة ستكون على حساب "الأفارية" (avería)[21]، موزَّعةً على القيمة المقدَّرة للبضائع العابرة موانئ قشتالة، باع الوكلاء ما لديهم من بضائع مخزَّنة متّجهة إلى المملكة، إذ كانت الخسارة أقلّ ممّا لو "أُخذت سدادًا لتلك السفن التي قالوا إنّها أُخذت". وتضرّر تجّار بورغوس من انكماش المعروض، فوشوا بالثرثار، المذنب لأنّه أذاع خارج الحدود أسرار المخدع الوطني. ولمّا لم يكن أفيلا في المتناول، اقتصرت العقوبة على مصادرة ما تركه وراءه[22].
وسمّت الكاثوليكية نفسها "غيسابيل" (Guisabel)، بدلال غير متوقَّع، وأزالت المنافسة. فأيّ فردٍ يحاول المقايضة قبل أن يكتمل تحميل كارابيلات التاج الأربع، أو يسبقها فيدخل بسفينته "نهر العبيد... قبل سفني"، يخسر السفينة والحمولة[23]. وقد ظهرت "الأصداف" (conchas) التي كان أصحاب الذهب يقدّرونها، للمرّة الأولى في الوثائق. ولمّا عَلمت الملكة أنّ التجّار يحملون "الكثير منها"، تذرّعت بأنّها "ليست جيّدة، وأخرى من أصناف رديئة شتّى، بحيث إنّها لو عُرضت قبل الأصداف التي أمرت وآمر بحملها... فإنّ هذه لن يمكن بيعها ولا تصريفها، ويضيع رأس المال والنفقات"، فحتّى "تُصرَّف وتُباع أوّلًا الأصداف الذاهبة باسمي في ذلك الأسطول"، لا يجوز لأيّ فرد أن يعرضها، تحت طائلة خسارتها لصالح الخزينة الملكية[24].
في الثالث عشر من مايو، مُنح ترخيص لبياتريس دي بوباديّا (Beatriz de Bobadilla)، زوجة أندريس دي كابريرا (Andrés de Cabrera)، بتجهيز كارابيلا وجهتها مواضع المقايضة في غينيا[25]. وكان الأسطول والقوّة البحرية "على أهبة" الإقلاع، حين وصل مرسوم ملكي (albalá) موجَّه إلى قضاة جزر الكناري وإلى الزوجين هيرّيرا - بيرازا (Herrera - Peraza). أَعلَمت الملكة فيه أنّها، إذ أمرت بإرسال "كارابيلات معيّنة... إلى غينيا ومنجم الذهب، وكذلك ضدّ البرتغاليين"، ورغبةً في "حمل الكثير من الأصداف إلى ذلك المنجم للمقايضة بها هناك"، فإنّ مجلس الجزر يزوّد بوناغيسا وغراندير بالعمّال والدوابّ لجمعها، من دون تقاضي أجور العمّال ولا ثمن الرخويّات. ومن كان من الأهالي يملك أصدافًا، وجب عليه بيعها لموظّفي الملك "بسعر ملائم"، يُحدَّد بمعزل عن العرض والطلب، إذ لم يكن أيّ فرد مأذونًا له بالشراء ما دام في كارابيلات الملك متّسع[26].
وبمعزل عن الاختراع الكولومبي، إذ إنّ كولومبوس توفّي في مايو 1492، يتحدّث بولغار (Pulgar) عن أسطول من 35 شراعًا، ذهب "للمقايضة" في "منجم الذهب". وهو يُخفي الحجز، فيروي أنّ "كثيرًا من التجّار وغيرهم من الناس" جاؤوا بمحض إرادتهم، مستعدّين لـ"احتمال طول درب البحر"، كي لا تفوتهم فرصة الإثراء[27]. وكانوا يعرفون تفضيلات الأهالي، فحمّلوا "ثيابًا بالية"، وأهاوين (هَراس نُحاسية)، وأساور نحاسية، و"أصدافًا من تلك التي كانت تُجمَع في الكناري"[28]. وإمّا سهوًا أو التباسًا، يُخرِج بولغار الأسطول من إشبيلية[29]، ويعيّن قائدًا أعلى بيدرو كوبيدس (Pedro Covides)، ربّما لأنّ الأساطيل كانت تحت إمرة خوان دي كوبيدس (Juan de Covides)[30]. ولا يؤرّخ الحادثة، لكن حين يقول إنّ الأسطول أبحر مع أوّل قوّة بحرية ذهبت لفتح غران كناريا، يمكننا وضعها في عام 1478، وإن كان يخطئ أيضًا في القائد الأعلى، فيضع بيدرو دي بيرا (Pedro de Vera)، فاتح عام 1480، مكان خوان ريخون.
لا يشير بيرنالديس (Bernáldez) إلى الحادثة، لكن يذكرها فرنانديس دي أوبييدو (Fernández de Oviedo). ولمّا كانت الذكرى راسخة في الذاكرة الشعبية، أراد محوها بزرع الالتباس. فهو يُعلن أنّ أسطول الـ35 شراعًا، الذي ذهب في عهد الملكين الكاثوليكيين "لاكتشاف جزر أخرى، أكبر بكثير من الكناري، فيها مناجم ذهب يُستخرَج منها الكثير وهو جيّد جدًّا"، أمرٌ متخيَّل، ويفترض أنّ الشعب اعتقد أنّ القائد الأعلى هو بيدرو كولومبوس (Pedro Colón)، الذي لا يذكره أحد. وليدفعه إلى الخروج من الخطأ، يقلّص الكارابيلات إلى ثلاث، ويُخرجها من بالوس، ويضع على رأسها كريستوفر كولومبوس. وهذا لا يمنعه من الإقرار بأنّ ذلك الأسطول استغرق 60 يومًا ليبلغ "أراضي شديدة البُعد عن إسبانيا، يؤكّد كلّ من يذهب إليها من هنا أنّ فيها أضدادًا (antípodas)، تحت نصف كرتنا الأرضية"[31]، متّفقًا مع بولغار الذي يقول إنّ الـ35 شراعًا استغرقت شهرين لتبلغ المنجم. وكانت المقايضة موفَّقة، فكانوا عائدين "بكمّية هائلة من الذهب"، حين وقعوا في كمين للبرتغاليين، فلم تُفلت سفينة واحدة. وكونه يضع النكبة في العام "قبل الماضي"[32] دليل على أنّه عَلم بها في عام 1480، حين أُطلق سراح أسرى حرب غينيا.
ولمّا كان من عادة الملوك إخفاء إخفاقاتهم، لم تكن نكبة الأسطول استثناءً. فقد خضع بولغار للتوجيه الملكي، فأطال أمد الحرب الأهلية مع أنصار خوانا، مستغلًّا الذهب لتبرير عودة الأسرى. فبعدما استُخدم في إعادة تسليح الجيش البرتغالي، عبرت قوّات ألفونسو الخامس (Alfonso V) الحدود. وهزمها معلّم فرسان سانتياغو (maestre de Santiago)، فظفر بما يكفي من الأسرى لمبادلتهم بالـ"محبوسين في السفن"[33]. وكان من بينهم فرانسيسكو بوناغيسا. وقد قاضاه دوق ألبا بشأن المئة ألف مرابطيّ التي اشترى بها ترخيص الذهاب إلى غينيا، فما إن عاد حتى كان عليه المثول أمام كاتب عدل في إشبيلية، مصرّحًا أنّه بضياع الكارابيلا، وهو عائد من المنجم مع البقيّة، لم يعد ملزَمًا بدفع مرابطيّ واحد[34]. ولم يحظَ الجميع بالحظّ ذاته. فحين ظهرت في عام 1485 حسابات معيّنة للأسطول، طالبت الخزينة الرُّبّان غونثالو غوميس (Gonzalo Gómez)، الذي أبحر في سفينة "العود" (El Laúd) بإمرة القائد ألفون كينتيرو (Alfón Quintero)، باثني عشر ألف مرابطيّ من خُمس الغنيمة التي أحرزوها في الذهاب. فبعد الأسر في البرتغال، تبعه سجنٌ في قشتالة، بسبب ديون لخزينة الملك[35].
بحسب كلّ الدلائل، وقعت الكارثة في نحو يوليو 1478[36]
[41]
. ولا بدّ أنّ الملكين الكاثوليكيين لم يكونا يعلمان ذلك حين منحا الأميرال ألونسو إنريكيس (Alonso Enríquez) ترخيصًا بتجهيز كارابيلتين، مع إعفاء الحمولة من الأخماس وسائر الحقوق. فقد صار في وسعه أن "يجلبهما من الأسطول ومن التجارة أو بأيّ طريقة أخرى تشاؤون"، مع التردّد على مواضع المقايضة في غينيا، "شرط ألّا يكون ذلك في منجم الذهب"[37]. وفي السادس والعشرين من أغسطس، حين أُعلمت "غيسابل" بالحادثة، خطت خطوة نحو السلام، فأمرت قضاتها بقبول شكوى البريتاني خوان دي ميلي (Juan de Mele)، خوري "سان بابلو دي لاون" (San Pablo de Laón). كان يُبحر في سبتمبر 1477 في ظلّ الأمان العامّ الممنوح للملّاحين "الذين لا يجوبون إلّا بالبضائع"، فضلًا عن ثقته بـ"سِلم وصداقة" الملكين الكاثوليكيين مع دوق بريتانيا، حين سُرق على يد أحد أهالي بورتوغاليتي (Portugalete)، قبالة صخرة "ثيندرا" (Çendra)[38]. وفي الشهر التالي، لطّف الملكان علاقاتهما بالجنويين. فقد حصل بيدرو كالونياس (Pedro Calonias)، المقيم في إشبيلية، الذي كانت مشروعاته تصل الأندلس بوطنه، مقاطعة فلاندرز، و"أنحاء أخرى... من المسيحيين والمسلمين على السواء"، على إذنٍ لقيادة السفينة سانتا ماريا ديل أغيلا (Santa María del Águila) إلى آسفي (Çafy)، محمّلةً بالبضائع، و"يجلب من تلك المدينة... المأهولة بالمسلمين، في المقابل أشياء أخرى"[39]. وبُعيد ذلك، طلب تجّار مرسيليا، الذين كانوا بحكم تقليد عائلي يتاجرون في خلجان قشتالة وأراضيها، أمانًا. فمُنحوه، مع وعدٍ بأنّه سيُحترَم، ولو أعلن روي رينول (Ruy Reynol)، سيّد مقاطعة بروفانس، نفسه "معينًا أو نصيرًا" لملك فرنسا في "الحرب التي" كان يخوضها "مع ممالكنا هذه"، على أن يكون في وسعهم التجارة، "غير مبالين بأن نأمر بشنّ الحرب ونشنّها ضدّ ممالك فرنسا وبروفانس المذكورة وضدّ أيّ أمّة أخرى"[40]. وفي الرابع والعشرين من نوفمبر، أُذن للبرتغاليَّين فرناندو دي ليموس (Fernando de Lemos) وفاسكو دا غاما (Vasco de Gama) بأن "تأتوا بحرّية وأمان... من مملكة البرتغال تلك إلى ممالكي هذه... على درب مستقيم إلى أيّ ميناء بحري، أقرب إلى مدينة طنجة"، مع خمسة عشر راكبًا، على أن يعودوا بالطريق ذاتها. ومن المحتمل أنّهم أدّوا الولاء لإيزابيلا، إذ كانت لا تزال تعتقد نفسها ملكةً على البرتغال.
ينعكس انقلاب الوضع في الترخيص الممنوح لخوان سانتشيس (Juan Sánchez) من ليبي (lepero). فقد كان مالكًا لمركب صيد ذي صارية عالية، اشتراه من بريتانيّ، فأراد أن يصير تاجرًا. فأُذن له بأن "يتاجر ويبيع" في أيّ ميناء، "سواء في الشرق أو في الغرب"، شرط ألّا يذهب "إلى مملكة البرتغال ولا إلى منجم الذهب وموضع مقايضة المانِغيتا"[42]. ولمّا رُقّي أنطون رودريغيس ليّو (Antón Rodríguez Lillo) إلى قاضٍ (oidor) ثمّ إلى مستشار (chanciller)، في التاسع عشر من نوفمبر 1478، حلّ محلّه ألفون غونثاليس دي غوادالاخارا (Alfón González de Guadalajara) بوصفه جابيًا للخُمس. وكان يتولّاه في الأبرشيات الكنسية لإشبيلية وقادس وجزر الكناري، مقاضيًا لتحصيل الديون المتراكمة عن "ما يجلبونه واعتادوا أن يجلبوه من الأصقاع التي يعود إلينا منها الأخماس المذكورة"، وكذلك عن "جنوح السفن والغنائم التي كانت تُحرَز في البحر" من البرتغاليين و"من مسلمي ما وراء البحر وما دونه"[43]. واستُثنيت غينيا من التعيين، فأُذن له على حدة بإصدار تراخيص "للذهاب والإرسال إلى... أنحاء غينيا ومنجم الذهب، وإلى مواضع مقايضة المانِغيتا"، مقابل إيداع الخُمس "العائد إلينا... عن السفن الذاهبة إليها والبضائع التي تُجلَب من تلك الأصقاع"، ممّا يُستورَد "من العبيد وأنياب الفِيَلة، لا غير"[44]، وهي إشارة كانت لتُغرقنا في الحيرة، لولا شهادة برنالدو دي إيبارّا (Bernaldo de Ibarra)، من أهل سانتياغو، وربّما من لاون (Laón) أو كاراكاس، الذي يشهد بوجود هذه الحيوانات الضخمة في ناحية إقامته[45].
- SRGS. IX.1477.354.
- SRGS. IX.1477.518.
- SRGS. XI.1477.262.
- SRGS. IX.1478.140.
- SRGS. XI.1478.226.
- SRGS. I.1478.12. في ترخيص على بياض، لكارابيلتين، يُؤذَن بالمقايضة في "جزر غينيا والجزر المجاورة الأخرى". SRGS II.1477.357.
- في يونيو 1477، عُيّن بوناغيسا، مموّل ألونسو دي لوغو (Alonso de Lugo) في فتحَي لا بالما وتينيريفي، قاضيًا لتصدير القمح، مع فرناندو ريبادينييرا (Fernando Ribadeneyra) وخوان كاتانو (Juan Catano) (SRGS. 6.1477.256).
- SRGS. VI.1480.245.
- SRGS. II.1478.90.
- SRGS. VI.1476.446. في الحيّ الأعلى من سنلوكار، كان يوجد نُزُل لبوسكان في القرن السادس عشر.
- SRGS. II.1478.58.
- SRGS. II.1478.34.
- SRGS. II.1478.58.
- SRGS. IV.1478.64.
- SRGS. II.1478.58.
- SRGS. IV.1478.64.
- SRGS. II.1478.58/II.1478.34.
- SRGS. III.1478.47.
- المرجع نفسه.
- SRGS. III.1478.378 1º.2ª/VIII.1478.113.
- الحصّة النسبية التي كان على التاجر أن يسهم بها في تجهيز السفينة، لدفع العتاد والحوادث والتأمين وسائر نفقات العبور. وكانت تُوزَّع على القيمة المقدَّرة للبضائع والمقايضات التي يحملها كلّ تاجر. وقد وضعها الملكان الكاثوليكيان تحت سيطرة التاج، فأثقلا كاهل التجّار بكلفة الأساطيل والإخطارات وحراسة البحر والسواحل. ثمّ أُضيفت إليها كلفة دار التجارة (Casa de la Contratación)، بما فيها رواتب الموظّفين. وقد أفلست "الأفارية" تجارة إشبيلية في أقلّ من قرن.
- SRGS. XI.1478.20.
- P. C. T. VIII. Pág. 440. في "مرآة الملّاحين" (Espejo de Navegantes)، وهو دليل بحري (rotario) أنجزه ألونسو دي تشابيس (Alonso de Chaves) نحو عام 1537، يظهر نهر العبيد. ويصبّ في ساحل باريا (Paria)، عند خطّ عرض ¼2 درجة جنوبًا، في خليج كوما (Cuma) البرازيلي، بجوار نهر مارانيون (Marañón). ويذكره فرنانديس دي أوبييدو في الموضع ذاته. وقد سعت إيزابيلا إلى ضمّ مقاطعة مارانيون إلى فتحها. ولم تنجح.
- SRGS. IV.1478.64.
- SRGS. V.1478.26.
- SRGS. V.1478.61.
- Pulgar cap. LXXVI. Fernández de Oviedo T. III. Cap. XXX.
- Pulgar cap. LXXVI.
- Pulgar. cap. LXXVI. SRGS II.1478.34/ V.1478.100/ VIII.1478.121.
- SRGS. IX.1477.551.
- Pulgar cap. LXXVI. Fernández de Oviedo T. III Cap. XXX.
- Pulgar cap. LXXVI. LXXXVIII. T.III. Cap. XXX.
- Pulgar cap. LXXXVIII.
- SRGS. VI.1480.245.
- SRGS. IV.1485.153/IV.1485.7.
- في هذا العام، وضع الملكان الكاثوليكيان حكم عام 1465 موضع التنفيذ. فحُبس اليهود والمسلمون فعليًّا في أحياء منعزلة (غيتوات)، وأُلزموا بحمل شارات، وأُبعدوا عن مِهنٍ معيّنة. وقد صُودق على هذا الإجراء في مجلس عام 1480.
- SRGS. VII.1478.58.
- SRGS. VIII.1478.43.
- SRGS. IX.1478.162.
- SRGS. IX.1478.132.
- SRGS XI.1478.107.
- SRGS. XI.1478.131. ولمّا كان وضع البلاد هشًّا، أُضيف إلى حظر تصدير الأشياء المحظورة تذكيرٌ صريح بشأن تصدير الذهب والفضّة والنقد "المسكوك"، لأنّ هروب رؤوس الأموال كان مستمرًّا، ولا سيّما عبر مواقع إفريقيا، متّجهًا إلى أرض المسلمين.
- SRGS. XI.1478.94.
- SRGS. XI.1478.80.
- P. C. T.III.