الإدارة البرتغالية

الإدارة البرتغالية

بعد توقيع معاهدة سينترا (Cintra)، شرع مانويل الأول (Manuel I) في استثمار رأس غيني (Guee) أو أغادير (Aguer)، بإنشاء مركز تجاري (factoría) هناك. واغتناماً لوجود إستافاو دي فاث (Estavaô de Vaaz)، وكيل التجارة في آسفي (Safi)، في لشبونة، جمع الملك المعلومات، فتلقّى مذكرة مطوّلة مؤرّخة في 27 فبراير 1510. كان لدى فاث سفينة في فلاندرز (Flandes) محمّلة بالفلفل المطحون، مقدَّرة قيمتها بمليون ريس (reis). وكان يُنوى استثمار ذلك في شراء الأقمشة لآسفي، تلبيةً لطلب سنة كاملة، وهو طلب "لن يكون قليلاً". وكان يفضّل شراءها في فلاندرز لأن لها ثمناً ثابتاً، لكنّ المسلمين والأعراب كانوا يريدونها من إنجلترا (Inglaterra) حيث الأسعار متقلّبة. وكان الزبائن أهل تدقيق، يرفضون ما لم يكن على "النقاوة" واللون الذي يروق لهم. وكان اللون المفضّل هو الأزرق الغامق، يليه الأخضر ثم الأحمر، بينما كان الأصفر يحظى بقبول معتدل. أما أقمشة "الأنسيس" (Anseses) و"الأنطونة" (antonas) الجيّدة فكانت تُباع بين 18 و20 مثقالاً ذهباً، محقّقةً للقطعة الواحدة — بما في ذلك أجور الشحن والمخاطر — ربحاً قدره 3,290 ريس، حتى لو بيعت بـ16 مثقالاً. أما في "البِسيتة" (peçeta)، فبمثقال ونصف أو مثقالين كان يُكسب 300 ريس، وكانت الأقمشة المدوَّرة أسرع تصريفاً. ولاستهلاك سنة واحدة في الرأس (Cabo)، نصح الوكيل بشراء 100 قطعة من الأنطونة و2,000 بِسيتة من الأجود، لأنّ التنافس كان قائماً مع واردات "كاليس" (Callez)[1] وغيرها من مواضع قشتالة، التي كانت تتلقّى "بضاعة كثيرة من إنجلترا"، وتبيعها تهريباً في بلاد البربر[2].

وأفادت رسالةٌ من إغناثيو مارتينِس (Ignacio Martines)، وهو تاجر مقيم في تارودانت (Taludamte)، الوكيلَ باضطرابات وقعت في فاس (Fez). فبعد أن عيّن الشريف ابنَه البكر قاضياً أكبر (justicia mayor) — إذ كان هذا المنصب لا يجتمع مع تاج سوس (Sus)، الذي كان يريده لابن أصغر عمره 16 سنة — استمال الابنُ الأكبر رجالَ الحرب معه، فترك فاس مهجورةً بلا ضبط. فاغتنم القشتاليون والفرنسيون فراغ السلطة لإقامة مراكز تجارية في رأس أغادير أو "غيني"، "مليئةً جداً بالبضائع". وبينما كان نشاط الفرنسيين معتدلاً، كان للإسبان "تجارة عظيمة"، إذ كان آل باردو (Pardos) من بورغوس (Burgos) يصدّرون كل سنة ما قيمته 600,000 كروثادو (cruzados) من السكّر. ولمّا كانت مراكزهم قريبة من المركز البرتغالي، ولا حماية له سوى 10 أو 12 مسلماً، نصح فاث مانويل الأول بالاستيلاء عليها، محقّقاً بذلك "تجارة" في بلاد البربر أعظم من تجارة الشريف[3]. ولمّا لم يستجب الملك، نما التهريب. فظهر في الرأس زورقُ حمولة (Urca) يحمل جواز مرور من الإمبراطور. وكان مُسجَّلاً على أنه محمّل بالأقمشة، لكنه أنزل قصديراً للمدافع، مقايضاً إياه بالسكّر. وكانت سفينة فرنسية (Nao) تُخرج التوابل والقرنفل وغيرها من الأصناف المحتكَرة للتاج. وتُتبِّعت آثارُهم حتى وصلوا إلى لوپو مارتينِس (Lopo Martines)، المقيم في تافيرا (Tavira)، وهو خادم دوارتي ألفارِس (Duarte Alvarez)، تاجر من لشبونة، كان يُرسل إلى فرنسا كارافيلا (carabela) كل شهر محمّلةً بالسكّر والتوابل وغيرها من أصناف بلاد البربر. وزيادةً في العار، باع سفينة أسطول برتغالية بحمولتها، بعد أن أسرها قراصنة القبطان باربوتي دالكونيا (Barbote d'Alcunha)، وهو بريتوني من لاروشيل (la Rochella). وقد قطع، احترافاً، رؤوس البحّارة، مبقياً على حفيد المعلّم رودريغو (Rodrigo). ونقله إلى فرنسا لكونه صبيّاً[4].

وفي هذه الأثناء، كان أهل ماسة (Meça) يعانون من سيكيراس (Sequeiras). فبعد أن خُتمت "الرِّيَش... خطّياً"، أي بعد أن تأكّدت صداقة "سكّان" مملكة ماسة (Messa) مع "ملك القارّتين وأقاليم الهند"[5]، جُدّدت بيعة الولاء التي أُعطيت سنة 1497، فأصبحت الأرض "تحت حماية الله وتحت حمايتكم". وبعد طرد فرنانديس دي لوغو (Fernández de Lugo) واستقبال الوكيل طاعةً للملك، كانوا يرجون إدارة حسنة وعدلاً أفضل، لكنه، متحصّناً في برجه، تفرّغ للاتّجار بالرقيق على حساب رعاياه. فأرسل المتظلّمون سفارةً إلى لشبونة يتقدّمها الشيخ باعزّي (Ba'Azzi). فعرض أمام مانويل الأول أنّ عليه، بحكم مهابته الملكية، أن يكبح جماح مرؤوسه، لأنهم إذ وضعوا أنفسهم طوعاً في أيدي النصارى، صار رعاياه مضحكةً للمسلمين، حين رأوهم قد رُدّوا إلى العبودية، بلا ما "نفخر به". فأجاب الملك برسالة حازمة موجَّهة إلى سيكيراس. وحين عاد الشيخ إلى ماسة نقل مضمونها إلى الوكيل. فردّ هذا بأن أرسل عصابةً من العرب لسرقة عبد أسود من الحقل، فأدخله البرج. وبمساعدة البرتغالي جواو رودريغيس (Joâo Rodríguez)، الذي كان يعيش بين الأهالي، كتبوا إلى سيكيراس "بخطّ نصراني". فلم يكن الجواب إلا أشدّ فظاظة. فبعد أن أقسم بالله ألا يعطيهم الزنجي ولو دفعوا ثمنه، شحنه إلى ماديرا (Madeira) كي لا يقدروا على استرداده.

فتوجّه أهل الرأس إلى الملك من جديد، مبلّغين إياه بالحادثة. ولمّا لم يأتِ جواب، ازداد سيكيراس جرأة. فبينما كان اليهودي بن زَميرون (Ben Zamirun)، وهو رجل محترَم في البلاد، ذاهباً إلى أرض بني تامر (Beni Tamer) "لقضاء أعماله"، برفقة مسلمٍ ما، أمر باختطافه، فبقي المسلم صريعاً في المكان لأنه حاول الدفاع عن نفسه. وبعد أن حبس اليهوديَّ في الحصن، طلب الوكيل فديةً عنه. وكان أهل ماسة يظنّون أنفسهم في دولة قانون، فشكّلوا وفداً من 10 فرسان. وسار في مقدّمتهم الشيخ باعزّي حاملاً الرايةَ الملكية و"الظهير" (dahír) أو رسالة مانويل الأول، فتوجّهوا إلى البرج. وبعد أن استُقبلوا في الداخل، وبعد أن استمع سيكيراس إلى تلاوة الرسالة الملكية، أمر بإحضار بن زميرون. ثم أعلن بطلان بيعة الولاء التي أعطاها في حينها لمانويل الأول، فأجبرهم على تجديدها قبل بدء المفاوضات. وساق المندوبون حججاً قانونية تجعل المختطَف مستحقّاً للحرية، فأجاب الوكيل بأنّ الأرض والبرج له، إذ كسبهما "بساعده وبماله"، وأنّ "هذا اليهودي لن يخرج ولن تنالوا منا شيئاً... ولو جاء الملك بنفسه معكم"، لأنه لا يملك "سلطةً ولا وسيلة فعل"[6].

فغرز المسلمون "الظهير" "في جانب من البيت"، وخيّموا في الجوار، والراية ترفرف، منتظرين أن يعيد الوكيل النظر. وبعد ثلاثة أيام، "إذ رأينا القضية خاسرة، عدنا دون أن نحصّل شيئاً". وافتُدي بن زميرون "بثلاثين مثقالاً ومجلّدين كبيرين من كتب اليهود"، وشاع "بين التجّار الجنويين المقيمين في البلاد وبين المسلمين... أنّ الملك لا سلطان له ولا سلطة على البيت، وأنّ هذا البيت يخصّ من كانوا متمرّدين". وأضاف الرعايا، وقد استبدّ بهم الغيظ حقّاً: "لقد ازداد بغضنا وعارُنا في مسألة اليهود هذه"، مبرزين وفاءهم، إذ لمّا لم يكن ثمّة نصراني يهتمّ "بنا ويتكلّم معنا... لم نفارقك". ولمّا كان معلوماً أنّ أثبت الولاءات يتلاشى إذا اصطدم بالخيانة، أضافوا: "هذه إجراءات جائرة من قِبَل قومك. فما عساها تكون حالنا مع غيرهم؟". وإن لم يوضع حدّ لسيكيراس، فإنّ "أخانا باعزّي" سيعيد إلى الملك الراية والرسالة ومفاتيح البيت "الذي تملكونه في بلادنا"، لأنهم لا يريدون سيّداً عاجزاً عن الوفاء بوعوده، ممثَّلاً بوكيلٍ يهدّد "بالقبض على باعزّي أو على حمّو بن بركة (Hammu ben Barka) أو على بعض الأطفال"[7].

وحمل سانتشو دي بارغاس (Sancho de Vargas)، وهو قشتالي مقيم في جزر الكناري، رسالةً ثانية إلى لشبونة، لا تقلّ مرارة: "بكتابكم وتحت رايتكم التي اخترناها، كنا نحسب أنفسنا في مأمن من كل عدوان". لكنّ الذين كانوا فيما مضى يتنقّلون في الأرض "أحراراً من كل خوف"، صاروا منذ أن أضحوا رعايا للبرتغال يعيشون مضطهَدين، حتى من "القبائل الحليفة"، لا يجرؤون على "خوض البحر"، لما كابدوه من تجارب أليمة: "بعضٌ منّا... قادمين من آسفي" في قارب دييغو دي موتا (Diego de Mouta)، سلبهم القشتاليون. فلجأوا إلى عبد الرحمن (Abd al Rahamân)، وهو زعيم مسلم كان في المدينة. فاستردّ الغنيمة، محتفظاً بجزء منها مقابل خدمته، ومعطياً جزءاً آخر لصاحب القارب سداداً لأجرة الشحن والأضرار، والثالث للتجّار. ولمّا كانوا أغنياء أهلَ حرفة، أعادوا تكوين الحمولة أملاً في التعويض. لكنهم، وهم عائدون إلى ماسة في سفينتين لموتا نفسه، هاجمهم قشتاليون آخرون: "لقد صرنا موضع سخرية في بلاد المسلمين. يقولون: هؤلاء القوم زعموا أنهم تحت حماية النصراني... فصاروا إلى ما ترون: لم يعد لهم لا مالهم ولا دينهم"[8].

ومات عبد الرحمن ودييغو دي موتا دون أن يأتي جواب. وصار أهل ماسة يزدادون ضيقاً يوماً بعد يوم، فتوجّهوا مرة أخرى إلى مانويل الأول. وذكّروه بأنهم أعطوه بيعة الولاء "بالله وبالعدل"، قابلين "رايته النبيلة" سرّاً وجهراً، لأنه عرض عليهم الحماية كي يستطيعوا التجارة "في أي بلد شاؤوا"[9]. لكنهم لم يعودوا يستطيعون الخروج من حدود أرضهم، حيث يتحمّلون مظالم جواو لوبيس (Joâo Lopes) وافتراءاته: "يقولون إنّ هذه الأمور هي زبد كلبٍ يهدّدنا ويتحكّم فينا ويروي عنّا أموراً هو أقدر الناس على فعلها". ولمّا ارتابوا في وجود تواطؤ بين الملك ووكيله، أطلقوا إنذاراً نهائياً: إن كان مانويل الأول يرغب في الإبقاء عليهم رعايا، فعليه أن يفي. أما "إن رفضهم، فالحمد لله! لنفترق دون سوء"، فيبقى الملك حرّاً في بيع بيت أغادير (Agadir) أو منحه لمن يراه أنسب، فهو "خيركم وملككم... وسنبحث عمّا نحتاجه لدى من له قوة وسلطان، يهودياً كان أو غيره". لكنهم، إذ كانوا دبلوماسيين، لطّفوا القول عقب ذلك مباشرة: إنّ ما قيل "قد أوحاه إلينا الغضب، ولأنّ قلوبنا مأكولة بالهمّ، بسبب ما أصابنا نحن الذين كنّا فخورين بأن نكون في خدمتكم". وذكّروا بأنّ على الملك أن "يلتزم بوعوده التزاماً دقيقاً"، إذ إن لم يفِ بها، بحث الرعايا عن سيّد أفضل. وأضافوا تذييلاً: "لا تثقوا باليهودي الذي أذلّنا واغتصب سلطتكم". وكانت الرسالة مؤرّخة في 6 يوليو 1510، وحملها باعزّي بترخيص وجواز مرور يسّرهما نونيو دي فريتاس (Nuño de Freitas)، الوكيل في آسفي، مبحراً "في سفينة خادمٍ آخر من خدّامكم"[10].

ولمّا كان في جوار أغادير دخلاء ذوو قدرة، أدرك مانويل الأول أنّه لا بدّ من إخراج سيكيراس على وجه السرعة. فلجأ، وهو المتحضّر، إلى المساومة، فاشترى البرج والأرض بـ5,000 كروثادو، تُدفَع على قسطين: الأول 3,000 كروثادو سكّراً عند توقيع العقد، والثاني 2,000 فلفلاً بعد انقضاء السنة. وخُصّص المبلغ لردّ مهر بياتريث (Beatriz)، زوجة سيكيراس، لأنه كان قد استثمره في سانتا كروث (Santa Cruz)، وتلقّى الزوج، على سبيل الحيازة، ريعاً قدره 100,000 ريس سنوياً، يُقبَض ابتداءً من أول يناير ولمدى حياتين، وله حرية توريثه للابن أو الابنة التي يعيّنها في وصيّته. وقُدِّرت قيمة بارود البرج ومدفعيّته بـ347,000 ريس دفعها الملك، وتحمّل التاج الضرائب الناشئة عن العملية. وفي 12 نوفمبر 1512، نقل الوكيل — قائدُ ومالكُ سانتا كروث في رأس غيني — مع زوجته إلى مانويل الأول أعلى الحصن وأسفله وملحقاته وتجاراته، باستثناء "القيصريّات" (alcaiçerías) في سانتا كروث. فقد احتفظ بها البائع بوصفها مالاً قابلاً للانتقال بالخطّ المباشر الذكوري وحقّ البكورية، مع منع توسيعها[11].

وبعد أن صُرف هذا القاسي، فقد التاج اهتمامه بأرغين (Arguím)، مركّزاً على الرأس. ووصل الوكلاء الجدد في 10 ديسمبر 1513، فوجدوا الميناء "سيّئ الرسوّ في هذا الوقت". واستقبلهم القبطان جام فيريرا (Jam Ferreira). كان في الحصن منذ مايو، مع 10 من حَمَلة البنادق (espingarderos) وأفراد مدنيين، لم يرَ راتباً منذ سبعة أشهر. وبعد سداد الدين، بقي في الصندوق 180,000 ريس وصندوقان من الفضة. ولمّا كانت المنطقة لا تنتجها، فإنّ مقايضتها بالذهب كانت تدرّ ربحاً قدره 14%. ولمّا عُلّق "الاتّجار" بسبب أساليب سيكيراس، بقي في المخازن شيء من الفضة و"البُردات" (bordates) في حالة متوسطة. أما حال المبنى فكان يُرثى له. ففي عزّ موسم الأمطار، كان الماء يدخل جميع القاعات. وللحفاظ على براميل الدقيق والبارود، وُضعت في زوايا محميّة من الكنيسة التي "تمطر فيها كما في الشارع". ولانعدام القرميد لسدّ التسريبات، طلبوه عاجلاً من البرتغال، ناصحين بإرساله في زوارق الصيّادين الذين يتردّدون على رأس أغادير، توفيراً للوقت والمال. أما عمل تغطية "الحُفرة" (cava) وتلبيسها من جهة السور الذي يلطمه البحر، فقد بلغ أربعة أشبار، ولم يمكن رفعه إلى الستة ونصف المقرَّرة، لانعدام السقالات، إذ لم يجرؤ العمّال على استعمال ما كان متوفّراً منها. ونفد الخشب المنجور، ولا أدوات ولا عمّال لتجهيزه، فطلبوه من المتروبول (metrópoli)، مطالبين بحرفيّين يُحسنون طهو الجير. ومع وفرة الحجارة "الجيدة جداً"، لم يكن لديهم جير، لأنّ الأهالي لم يستعملوه فلم يعرفوا صنعه. ولمّا كان الحصن أصغر من أن يحفظ البضائع التي تتطلّبها التجارة المرتقبة، لزم إعادة بناء بيت متهدّم ملاصق للسور مخزناً مساعداً، فضلاً عن بناء مساكن، لأنّ الحرفيّين كانوا بلا مأوى[12].

واستعرض الوكيل الأفراد: فالنصراني "الجديد" المكلَّف بالمعاملات (rescates) كان عاجزاً، والبوّاب رجلاً سريع الغضب، يعامل المسلمين بترفّع، فيصرف الزبائن. ولمّا كان المنصب يتطلّب شخصاً "صبوراً" حليماً، لزم استبداله، إلى جانب العاجزين المعروفين الذين كانوا يكملون الطاقم، وكان لا بدّ من رفع الرواتب، إذ ما دامت تُدفَع بائسة، لن يُوجَد رجل كفء. واشترى فيريرا قارباً لتزويد البيت بالسمك، لكن عوز الصيّاد بقي قائماً. ولم يشأ الأهالي أن يخدموا، لأنهم كانوا يصطادون "على أبواب" بيوتهم، فلزم جلبه من البرتغال. والخيول لا غنى عنها لنقل الحطب، فوجب اقتناء نصف دزّينة[13]. وبعد أن أحصى النواقص، وصف رودريغيس سانتا كروث بأنها مركز تجاري واعد. فما إن شاع خبر وصوله حتى أقبل "زعماء" قبيلة كاسيمة (Cacima). وكانوا أصدقاء لفيريرا وللبيت، فعرضوا جلب "المؤن" وشقّ الطرق، مقابل راتب وإعانة منتظمة، لإعالة الخيول واستئجار حَمَلة البنادق، تحسّباً لأن يستاء الشريف من علاقتهم بالنصارى. وطلبوا فوق ذلك هديةً من الثياب لخمسة أو ستة من المسلمين "الأعيان". ووعدوا بنشر خبر تغيير الوكيل في جميع القبائل، وأجروا بعض المشتريات، من باب المجاملة أكثر منه من باب الرغبة، وتركوا مؤونةً من الحطب، وطلبوا أن يُودعوا في المركز بعض أبنائهم رهائنَ، برهاناً على حسن النيّة، وهو ما رفضه رودريغيس، تجنّباً لإعالتهم، مخاطراً بإغضاب سادة كانوا يعدّون إيواء أحد أبنائهم في الحصن ترقّياً اجتماعياً[14].

ولمّا انسحبوا للطعام، نصح فيريرا الوكلاء بأن يمنحوا الآباء آمالاً، إذ كانوا قوماً سريعي التأثّر، يمتنعون عند أدنى ريبة عن جلب المؤن. وعند غروب الشمس ظهر شخص يُدعى ميمان (Meyman)، وهو أبٌ لصبيّين أخذهما سيكيراس ضماناً لقرضٍ قدره 50 أوقية. فنصح الوكيل مانويل الأول بافتدائهما ولو من غير عائد، إذ إنّ للأب نفوذاً في المنطقة، فسيُثمِر امتنانُه. ولمّا كان عرض الذهب مهمّاً، فرغت صناديق الفضة في أيام، إذ حُوّلت إلى المعاملات الفضةُ المخصّصة للرواتب. وبعد أن شُحن الناتج في كارافيلا وجهتُها البرتغال، طلب رودريغيس 150,000 ريس عاجلاً[15]، وأقمشة وفضة، ليتمكّن من مواصلة التجارة، إذ إنّ المسلمين، وقد اعتادوا الحضور جماعاتٍ متفرّقة، يستوجب المخزنُ أن يكون مجهّزاً كي لا يخرج الزبائن خائبين، فيقصدوا تاجرَين من قادس مستقرّين في تامراقت (Tamaraque) وتارودانت منذ 1510، كانا يجدّدان مؤونتهما في كاليس، مقايضَين وسطياً 2,000 مثقال ذهب سنوياً، مع "كمية" من الشمع والجلود[16]. ومع الرسالة الإرشادية أُرسلت عيّنة من النحاس. فبلا اكتراث بالشريف الذي منع التصدير، عرض الأهالي توريده بـ5 مثاقيل للقنطار، من 100 رطل قشتالي[17].

وصلت رسالة مؤرّخة في لشبونة في 14 أبريل 1514 إلى سانتا كروث في 9 مايو، مبيّنةً أنّها، في الطقس الحسن، على مسافة 25 يوماً من البرتغال. وأجاب عليها ألفونسو رودريغيس (Alfonso Rodrígues) في الرابع من يونيو، مقرّاً باستلام 2,000 قطعة من "البُردات" و100 "قُوارتيّة" (quoartylhas)، وهي في وقتها المناسب إذ كان الصنف قد نفد. ومنذ وصوله، لم يترك الوكيل يوماً واحداً دون أن يتناول الطعام، في الثانية بعد الظهر، مع زوّار "مسلمين" ويهود. وبعد مقايضة البضائع التي سلّمها جوان فيريرا (Juan Ferreira)، وُضع في الكارافيلا "التي تأتي أحياناً من المِنة (la Mina)" 2,600 مثقال ذهب من "كل صنف"، و640 أرّوبة (arrobas) من الشمع وشيء من الجلود، وأسف الوكيل لأنّ "الثياب" وصلت "ممزّقة": "ومع ذلك أظنّ أنها لن تدوم شيئاً، على هذا النحو من الاستهلاك"، لكن كان من المناسب تقديمها "جيّدة"، إذ ما دام التهريب مستمرّاً، فإنّ احتكار مانويل الأول كان محض خيال. فحتى الكارافيلا التي جلبت الأقمشة صادفت سفينتين أو ثلاث محمّلة بـ"الثياب" متوجّهة إلى تاراكوكو (Taracuquo). ولم يكن في الموقع مدفع ثقيل ولا مقذوفات معدنية — لأنّ مدافع "الإكليل" (coronahas) التي تركها سيكيراس كانت محمّلة في سفن الملك — فبقيت الكارافيلا سانتا كروث بالغة سوء التسليح، بحيث لولا إلحاح فيريرا لَما خرجت للبحث عن التجّار. فصادفوا سفينة فرانسيسكو دي مينيو (Francisco de Minho)، جار كاليس، وهي تفرّغ حمولتها في تاراكوكو، لكنهم لم يستطيعوا الإمساك به. وبعد أن عرض هذا الإخفاق، طلب رودريغيس كارافيلا أسطولية لإغلاق الميناء المسلم والقضاء على المنافسة[18].

وبعد أيام، جاء مسلم من تاراكوكو بخبر سفينة وافدة "مثقلة جداً بالثياب". فترقّبتها سانتا كروث متنكّرةً في هيئة قارب صيد. فاقترب التاجر واثقاً. فأمره البرتغاليون بإنزال الأشرعة، فأطاع حين رأى القارب وعليه رجال مستعدّون للاقتحام و"مقذوف نار... لرميهم به". وأُسِر الدخلاء، فتبيّن أنهم جنويون عازمون على الاستقرار بين المسلمين. وكانوا قد اشتروا الكارافيلا من مواطنٍ لهم للذهاب والإياب إلى كاليس بحثاً عن الصنف. وصودرت الحمولة فنُقلت إلى مخازن الحصن، وأصرّ الوكيل على أنّ وجود قراصنة مقيمين بهذا القرب من سانتا كروث يبخس قيمة المركز التجاري، إذ يستحيل التنافس مع من يبيع بلا ضرائب. وذكّر رودريغيس مانويل الأول للمرّة التي لا تُحصى بأنّه، لقلّة الأنهار والمداخل الصالحة للملاحة، تكفي كارافيلا أسطولية جيّدة واحدة للسيطرة على الساحل كلّه. ومع امتلاكها وتزويد سانتا كروث بانتظام، يصير ميناءً نافعاً ذا بلدة مقبولة[19].

وعوداً إلى الواقع، أسف لأنّه لم يصل مال ولا فضة للرواتب والأشغال والمقايضات، وأنه مدينٌ للقبطان فيريرا، الذي أقرض ليتمكّنوا من مواصلة الأعمال، لأنّ الأهالي كانوا لا يبيعون بالدَّين لا مادةً ولا عملاً، مع تهديد نقص الحطب، بعد أن حذّروا أنهم إن لم تُدفَع لهم المتأخّرات، سيكفّون عن خدمته. والمشكلة عويصة، إذ أشار الوكيل إلى أنّه لو لم يرسل إلى لشبونة عائد المعاملات، لكانت لديه أموال، وكذلك سوء الحظّ في أنّ ثلاث جوارٍ مقيمات في المركز لم يكن لهنّ أقارب مستعدّون لافتدائهنّ. فطلب الإذن ببيعهنّ، توفيراً لثلاثة أفواه أكثر منه لأجل الثمن. وحضور الصيّاد مُلحّ لغلاء السمك، وكذلك حضور العمّال والمواد، إذ كان السور وجسر العوارض متوقّفَين، دون أن يُوضَع حجرٌ واحد في مساكن الأفراد. أما سكّان البلدة التي نشأت حول الحصن، فكان أكثرهم أشخاصاً "قليلي اللزوم جداً"[20]، ممّن يُستحسن إعادتهم إلى وطنهم بأسرع ما يمكن.

ولمّا كانت "التجارة مع المسلمين" في ذروة نموّها، اسْتُخدِم مكلَّف بالمؤن والمخازن، واستُؤجر مخزن ثانٍ وبيوت القيصريّة (alcaicería) من أجل "إكرام" التجّار المسلمين واليهود الذين كانوا يتناولون الغداء والعشاء مع الوكلاء، إذ إنّ الحفاظ على وفائهم — بتخفيف خيبتهم من عدم إيجاد ما يبحثون عنه — كان يستوجب دعوتهم لا محالة. ولمّا كانت الجلود ذات أهمية، رائجة التصريف في أوروبا، تمكّن من افتداء بعضها، لكنّ من جلبوها أرادوا استردادها. ولمّا كانت الأجور التي يمنحها مانويل الأول شحيحة، كانت البضاعة أثمن من أن تُترَك لمن لم يكن "معهم على مودّة". فاحتفظ بها رودريغيس، مطالباً بأن يفتدوها بدورهم. ونصح الملك بالسخاء إن أراد أن يجلبوها[21]. ومع أنّ بيع الحبوب للنصارى محظور على المسلمين، قبل الشريف توريدها إلى مواقع ملك البرتغال، مقابل 50 أوقية سنوياً، على سبيل الإعانة أو الإتاوة (parias). لكنّ مانويل الأول لم يدفعها، فشاع بين المسلمين أنّ البرتغاليين "يَعدون من جهة وينكرون من جهة أخرى"، وهي سياسة خسيسة في رأي رودريغيس، إذ إنّ "المسلمين يريدون أن يُصدَقوا القول دائماً"، وهم "قوم يُحصون الأكاذيب". ولمّا كان الموقع معتمداً على ما يُجلب إلى السوق يومياً، فإنّهم إن انفضّوا، اضطرّت الحامية والمقيمون في المعقل إلى الاختيار بين الرحيل أو الموت جوعاً، وهو خوف مضاعف مع انتظار "منصور الشريف" (almançor do Xarife)، الذي فوّضه محمد (Mahamete) لحلّ المشكلة. ولقلّة احتياطات سانتا كروث، حضر مانويل خورخي (Manoel Jorge)، الوكيل في ماسة، باحثاً عن قمح ليعطيه للمسلمين مقابل الهدوء، ولم يبقَ من الحبوب في آسفي إلا ما يكفي خمسة عشر يوماً، وهو معقل أساسي لـ"إبقاء هذا الطريق مفتوحاً". والحفاظ على البقية[22].


  1. بحسب فرنانديس دي أوبييدو (Fernández de Oviedo)، كانت كاليث (Caliz) أو كاليس جزيرةً أو أرضاً. تقع بين پورتو سانتو (Porto Santo)، التي كانت تنتهي عند مصبّ رأس فيردي (Cabo Verde) لنهر هويابري (Huyapari) أو أورينوكو (Orinoco) في ترينيداد (Trinidad)، وإقليم كومانا (Cumana)، حيث كانت تقع "قادس جديدة" (Nueva Cádiz).
  2. R.A. doc. XCIII.
  3. R.A. doc. C.
  4. Ibídem.
  5. في موضع آخر: "من القارّتين، وكذلك من الأقاليم والمناطق التي وضعها الله تحت سلطانه".
  6. R.A. doc. XCVIII.
  7. R.A. doc. XCVIII. رسالة إلى مانويل الأول. 6 يوليو 1510.
  8. R.A. doc. XCVIII.
  9. Ibídem.
  10. Ibídem.
  11. R.A. doc. CVII.
  12. R.A. doc. CVIII/CIX.
  13. R.A. doc. CVIII/CIX.
  14. R.A. doc. CVIII.
  15. Ibídem.
  16. R.A. doc. CVIII/CIX.
  17. R.A. doc. CIX.
  18. Ibídem.
  19. R.A. doc. CIX.
  20. Ibídem.
  21. Ibídem.
  22. R.A. doc. CIX.