مقتل فرنان
ما إن فقد بيدرو دي بيرا (Pedro de Vera) السلطة حتى كشفت الشكاوى حقيقة حُكمه. فقد كان من عادته أن يسمح لأعوانه بالاستيلاء على ما ليس لهم؛ وكان يقضي بين الناس مدفوعًا بمشاعر الودّ أو الكراهية، من غير التفاتٍ إلى طبيعة الجُرم وملابساته؛ وكان يؤوي المجرمين المُدانين في بيته، مُيسِّرًا لهم الفرار، ممتنعًا عن سداد ديونهم. صورةٌ نموذجية للزعيم المحلي الأندلسي (الكاسيكي)، تنعكس في شكاوى فردية بأعيانها: فأنطون بييخو (Antón Viejo)، أحد أهالي لا غوميرا (La Gomera)، حصل على قطعة أرضٍ وإقطاعٍ لأنه خدم في حملة الفتح من أوّلها إلى آخرها. وكان قد شيّد مسكنًا وزرع الأرض حين صادرها الحاكم منه ليمنح أمواله لأحد خدمه[1]؛ أمّا فِرناندو دي غالدار دي غوارناتيمي (Fernando de Galdar de Guarnateme)[2]، وهو من السكان الأصليين الذين تَقشتلوا، المشتغل بزراعة قصب السكر، الذي جعلته الرواية الرسمية أميرًا، فقد انتظر سقوط بيرا ليطالب بردّ قرضٍ من السكر كان تحصيله متعذّرًا ما دام بيرا في الحكم[3].
مع التمييز الواضح بين مقاطعتَي ماديرا (Madeira) وغران كناريا، كانت العلاقات بينهما وثيقة. فبينما كانت الأولى مورِّدة، سرق اثنان من الأهالي سفينةً محمّلة بالمؤن، قادمةً من المقاطعة البرتغالية، كانت راسيةً في ميناء الكناري. ولمّا استعادتها كرافيلات الأسطول على بُعد خمسة فراسخ في عرض البحر، أمر بيرا بشنق أحد اللصّين ونفَى الآخر. وكان تاجرٌ من ماديرا، يحمل معه 7 من الزنوج للبيع، قد لعب القمار بالمال. ولمّا كان ذلك محظورًا في الجزر، حُكم عليه حين ضُبط بمئة جلدة، فمات تحت العقوبة. ولمّا كانت الحادثة مُزعجة، باع بيرا اثنين من الزنوج وفاءً لذمّة صاحبهم المتوفَّى، وسلّم الخمسة الباقين إلى أحد جيران الفقيد ليردّهم إلى أخيه. وكانت أوجه التقارب بين جزر الكناري وأمريكا الكولومبية تتجاوز النظام الضريبي وضرورة الحصول على رخصةٍ للإبحار إلى أي وجهةٍ كانت. فقد وقعت هناك انتفاضةٌ شارك فيها قشتاليون، في جبال يّاغالتير (Llagalter)، بتواطؤ من أهالي بيّا ريال دي لاس بالماس (Villa Real de las Palmas). وأُعدم ألبارو دي أوبييدو (Alvaro de Oviedo) لأنه قرع الجرس داعيًا إلى النفير، وألونسو دي سانتو دومينغو (Alonso de Santo Domingo) الذي رفع الراية[4]. وعلى غرار الفاتحين، راح أهل الكناري يخرجون إلى "الاكتشاف"، فانتهت حملة بيرا إلى تينيريفي (Tenerife) بشكوى ضدّ الحاكم رفعها القبطان لوبي دي سالازار (Lope de Salazar) متذمّرًا لأنه استأثر بعشرة أو اثني عشر أسيرًا. فبرّر ذلك ردًّا على الشكوى بأنهم بيعوا لتغطية النفقات[5].
بينما كانت سفينة صيد الحيتان "سانتا ماريا دي غراسيا" (Santa María de Gracia)، التي استأجرها أهالي لِيبي (Lepe)، راسيةً في ميناء غران كناريا على وشك الإقلاع، حضر أنطونيو أويّيرو (Antonio Ollero)، "معلّم صناعة السكر"، ومعه خادم. وبعد أن دفعا أجرة السفر، استقبلهما على متن السفينة الرُّبّان البشكنجي مارتين دي أريستيدي (Martín de Arístidi). وكان أويّيرو رجلًا نافعًا، ولا شكّ أنه عومل معاملةً سيئة، وإلّا لما فرّ؛ فلمّا علم بيرا أنه يتسلّل هاربًا اشتدّ غضبه، مُلقيًا اللوم على الرُّبّان لقبوله راكبًا دون أن يطالبه بجواز مرور، "إمّا لسذاجةٍ وإمّا لطمع"، فأرسل سفينةً من الأسطول في إثر سفينة صيد الحيتان. ولمّا دخلت هذه فوِرتيبنتورا (Fuerteventura) لأخذ الماء وإتمام الشحن، أسرها رودريغو دي بيرا (Rodrigo de Vera)[6]. وبعد أن صُودر العسل والشمع والسكر، ولمّا أقرّ أريستيدي بأنه لم يكن يعلم أن أويّيرو مسافرٌ رغمًا عن إرادة الحاكم، أُطلق سراح السفينة وطاقمها. ولدى العودة إلى لِيبي، رفع مجهّز السفينة فرانثيسكو بينثون (Francisco Pinzón)[7] شكوى، فرفضها القضاة لأن الشهود كانوا "بعيدين جدًّا"، فلا يمكن إقامة البيّنات[8].
أراد خوان فرياس (Juan Frías)، أسقف الكناري ورُوبيكو، أن يجبي عُشر الجزر. فأخرجت إينيس دي بيراثا (Inés de Peraza)، باسمها ونيابةً عن دييغو دي هيريرا (Diego de Herrera)، "اللذين لهما جزر لانثاروتي وفوِرتيبنتورا وغوميرا وفييرو"، لا "جزر الكناري" مجتمعةً كما ذكّرت الأسقف قُبيل ذلك بيسير، وثائقَ بأيديها تُثبت أنها ملكٌ للسادة، شأنها شأن كلّ أرضٍ آلت من قبلُ إلى فرسان الهيكل (Temple). وفي معرض ذلك اشتكيا من ماعز الأسقف البالغ عددها 40,000 رأس، التي كانت ترعى في فوِرتيبنتورا منذ 20 عامًا دون أن يُدفع عنها قطّ مرابدي واحد، لا عُشرًا ولا رسم مرعى. فأنصف الملكان السادةَ، فردّت الكنيسة بأن تلك الماعز إنما هي في الجزيرة منذ أن احتلّها المسيحيون[9]. ولمّا مات دييغو دي هيريرا أواخر عام 1484، تبعه خوان فرياس في ربيع عام 1485[10]. فاغتنمت إينيس دي بيراثا الفرصة لتسوية المشكلة، فاشترت الماعز من منفّذي الوصية. لكنّ مجلس الكابيتولو الكنسي أبطل الصفقة، مُعلنًا أن الماشية ملكٌ للكنيسة، لأن القطيع كان يُطعم رجال الكهنوت (القانونيين) منذ زمنٍ سحيق. وبينما ظلّ فرياس منتفعًا بها، خسرت آل بيراثا ما أنفقته في الدعوى، وثمن الشراء، والماشية.
اغتنمت إينيس مُقامها في إشبيلية، في 15 فبراير من عام 1488، فأنشأت رسميًّا نظام البكورية (المايورازغو) الذي كان قد تأسّس في حياة زوجها. وبعد أن عدّدت الجزر الكبرى والصغرى، مع "سائر جزر الكناري الأخرى" التي لها فيها "حقٌّ ومطالبة"، أعادت التأكيد على اتهاماتها لابنها البكر: فإنه "كشيطانٍ بعينه" وقع "في أمرٍ سيئ... راغبًا في قتلنا وباحثًا عن قوّةٍ لذلك"، حتى "أمرنا بالقبض عليه". فهذا "الرجل الخارج عن كل حقٍّ واستحقاق"، انتهى الزوجان في حينه إلى أن "علينا في ذلك حرجًا عظيمًا في الضمير" لو وضعا في يده أموالًا دنيوية، إذ إنه سيستعملها "في الشرّ". وبعد أن أُقرّت الوراثة لفِرنان[11]، عادت إينيس إلى الجزيرة، وانشغلت مع ابنها بالبحث عن مواردَ تُعوّض تجارة الرقيق. ففي عام 1482 كان محصول أصداف المُريقس (المُرِكس) في فوِرتيبنتورا مؤجَّرًا[12]. وكانت الجزر الصغرى منتجةً للحبوب، لعلوّ أرضها، فتبيعها لغران كناريا، وبخاصةٍ للسفن التي تأخذ الماء، وكانت الأشنة (الأورشيّة) هي الثروة الرئيسة. ولضمان تسويقها، وقّعت إينيس وفِرنان عقدًا (أسينتو) مع فرانثيسكو دي ريبيرا (Francisco de Rivera)، المعروف بلقبٍ آخر ريبيرول (Riberol)، وهو جنويٌّ مستقرٌّ في إشبيلية. فاشترى 5,600 قنطار من الأشنة، "جيّدةً نظيفةً جافّة"، بعشر ذوبلات القفيز، بمعدّل 800 قنطار سنويًّا، مع بقاء آل بيراثا مُرخَّصًا لهم ببيع الفائض في العامين الأوّلين، إن لم يستوعبه ريبيرا، بشرط الحفاظ على السعر[13].
ولمّا كانت الكنيسة قد تضرّرت من إيقاف تجارة الرقيق كما تضرّر فِرنان، إذ كان العُشر ذا أهمية، تحالف السيّد ورجال الكهنوت طلبًا لحلّ المشكلة. وكان مفتاح الأمر تديُّن أهل الجزر، فخلص عميد كنيسة القدّيس يوحنّا (الديّان) إلى أن أصحاب المصلحة عليهم أن يُثبتوا أنهم "ليسوا مسيحيين ولم يكونوا"، إذ إنهم وإن "كان لهم اسمٌ (مسيحي)، فما كانوا يأتون بأي عملٍ مما يُتعارف عليه"، مستعملين "أسماءً وثنية، يأتون عُراةً، ويتّخذون ثماني نساءٍ أو عشرًا، لا يقبلون بينهم مسيحيين، بل يأخذونهم ويحملونهم على كثيرٍ من الخرافات الأخرى". وفي الوقت الذي كان فيه أهل لا بالما (البالميون) والغوانش (guanches) يطلبون التنصير، أعلنت الكنيسة المحلية أنّ من العاجل تقويم انحرافات أهل غوميرا. ولأجل ذلك حملوهم على أن يُقسِموا ويوقّعوا على أنهم إن لم ينفصلوا "عن طقوسهم وضلالاتهم" في تاريخٍ محدَّد، قبِلوا "أن يُفتَحوا" للمرّة التي لا تُحصى، "وأن يُدفعوا في الأسر والعبودية الأبدية". وبعد أن صادق الأسقف والتاج على الوثيقة[14]، انتظر فِرنان انقضاء الأجل ليستأنف الغارات، محتجًّا بأنهم مُصرّون "على عاداتهم وضلالاتهم السيئة". فلمّا علم الضحايا، حملوا على سيّد الجزيرة من "العداوة" ما جعلهم، في اجتماعٍ عُقد في "قصبة" غوميرا، "يتّفقون جميعًا... على قتله". فبينما كان بيراثا خارجًا في طلب الأسرى، أجهزوا عليه "بصخبٍ وفضيحة"، في كمينٍ نُصب "تحت مِركاديس (Mercadis)..."، بجوار غران كناريا[15]. ولمّا علمت بياتريث دي بوباديّا (Beatriz de Bobadilla) بترمُّلها، استنجدت ببيدرو دي بيرا، مُتحصّنةً في برجٍ مع خدمها وأبنائها: غيّين (Guillén)، الذي سيُقدّم له أهل الكناري بعد انقضاء الحادثة فروض الطاعة، وإينيس[16]. ولم تكن بياتريث دي بوباديّا هذه هي ماركيزة مويا (Moya)، زوجة أندريس دي كابريرا (Andrés de Cabrera)، وربما كانت هذه الأخيرة هي مَن حصلت على رخصةٍ لتجهيز كرافيلة عام 1478، وجهتها مبادلات غينيا[17]. أمّا التي يعنينا أمرها فكانت متزوّجةً منذ عام 1484 من فِرنان دي بيراثا.
وظلّ بيدرو دي بيرا سلبيًّا، فبقيت بياتريث محاصَرةً "زمنًا طويلًا"[18]، إلى أن أوصلت إينيس، التي كانت في إشبيلية، الخبر إلى البلاط. ولمّا كانت كلّ ثورةٍ شعبية ظافرة مثالًا سيئًا، أمر الملكان بيرا، في 4 مارس من عام 1489، بإنقاذ "خادمتنا"، سيّدة غوميرا وفييرو، بوصفها وصيّةً على أبنائها[19]. وحتى وإن لم تكن في حاجةٍ إلى ذلك، فإنه سيحمي في معرض ذلك آل بيراثا التي "تملك بوصفها ملكًا لها بعض الجزر التي هي من جزر الكناري"، لكيلا "يتنصّل رعاياها من طاعتها"[20]. وقد تصرّف الحاكم على النحو الرسمي المتّبع في تلك الحقبة: فـ"انتقامًا للمقتل المذكور"، أمر بقتل "كثيرٍ من أهالي الجزيرة... وأسَر النساء والصبيان والأطفال ذكورًا وإناثًا"[21]. وبعد أن "أخذ وقبض على جميع الأهالي... ونسائهم وأبنائهم"، اقتسم الغنيمة مع بياتريث: "وضعهم في سفينةٍ كبيرة وفي سفنه... فمنهم من هلك، ومنهم من بِيع... وأُعطي وفُرِّق في ممالكنا وسيادتنا، وآخرون خارجها"[22]. وبعد أن حصّل ألف كستيّانو ذهبًا و500 قنطار من الأشنة، بمعدّل كستيّانوين للقنطار، بدل النفقات[23]، احتفظ بيرا بالمبلغين معًا، مُعطيًا "أسرى وفاءً لأجورهم"[24] إلى "الحُجّاب ورُبّان السفن وسائر مَن شاركوا فيما ذُكر آنفًا"[25]. وقد قُدِّرت قيمة الغوميري أو الغوميرية بين 7,500 و10,500 مرابدي[26]، وتولّى أسقف الكناري ومالقة، الذي كان مقيمًا في المدينة الأندلسية، أمر التوزيع[27]، ولم يَنسَ الحاكم أن يُهدي إيزابيلا جملًا وتسع إماء، والأمير الدون خوان (D. Juan) ثلاث علبٍ من المربّيات وعلبةً كبيرة من السكر[28].
في يوليو من عام 1490، شاع أنّ أهل غوميرا الذين سِيقوا إلى الرقّ بعد مقتل فِرنان دي بيراثا كانوا مسيحيين، وأنهم لم يشاركوا في الجريمة لكونهم نساءً وأطفالًا. وكانت الأولى كاذبةً والأخيرة صحيحة، فأُعلن أنهم لم "يُكتسَبوا في حربٍ عادلة"[29]، فصار أسرُهم موضع طعن. فسحب المجلس السجلّات من بيرا، وأمر باستعادة الأسرى. وبدأت العملية في سبتمبر، وأدارها الأسقف نفسه الذي كان قد تاجر بهم[30]. فكفّ المُستعادون عن المعاناة تحت قبضة المشتري، ليعانوا في "حوزة أشخاص" كانوا "يُنشّئونهم" ويلقّنونهم العقيدة مقابل العمل[31]، لكن لمّا أُعلن حرّية أهالي "جزيرة غوميرا التي هي في غران كناريا"[32]، أتاح هذا التدقيق اللغوي لأقارب الأسرى، ضحايا حرب بيرا، أن يمثُلوا أمام البلاط الذي كان في قرطبة للمطالبة بحرّية ذويهم. وكان من بين المدّعين واحدٌ يُدعى خوان دي غوثمان (Juan de Guzmán)، ابن أخت خوانا كناريا (Juana Canaria)، يطالب بحرّية خالته التي كانت رقيقةً منذ 11 عامًا. ولمّا استُدعي بيرا بوصفه البائع، مثَل ابنه فِرناندو، وقدّم كفيلًا غونثالو دي بورغوس (Gonzalo de Burgos)، الكاتب في غران كناريا. فطلب أجلًا رابعًا مدّته 8 أشهر، فمُنح إيّاه لأنه لم يطلبه "بسوء نيّة"، إذ كان الشهود بالفعل "بعيدين جدًّا"[33].
وكانت المَلَكية بارعةً في فنّ تحطيم الأفراد المزعجين أو الناقمين، بتكديس الدعاوى على شخصهم، فقد كدّسها بيدرو دي بيرا. وحين اقترب عزله، طُلب منه تربيع الدائرة: "من جهةٍ" عليه أن يودع "جميع المرابدي التي بلغتها قيمة أولئك الكناريين، ومن جهةٍ أخرى... أن يُجري حجزًا على أمواله". ولمّا كان بيّنًا أنه لو نُفّذ الثاني لما أمكنه الوفاء بالأول، أدرك الملكان الأمر، فأمرا بإلغاء "رسائلنا المذكورة، بنقضها وعدم إعمال أي شيءٍ بمقتضاها"[34]. وفيما ارتاح الحاكم، تعقّد وضع بياتريث دي بوباديّا. فالمصاعب التي كان يطرحها فصلُ جزر الكناري التابعة للسادة عن الجزر التابعة للتاج كانت تنصح بالتخلّص منها. وقد تحقّق ذلك بخلق المناخ المناسب. فقد دخل رجلٌ يُدعى فرانثيسكو مارتينيث (Francisco Martínez)، عند عودته من صيد الكازون (أسماك القرش الصغيرة) في غينيا، إلى غوميرا لأخذ الماء. وكان يحمل سفينةً جديدة ذات 20 مظلّة، اشتراها بـ26,500 مرابدي، فأُعجبت بها بياتريث. ولمّا كان من الطيش أن يحرمها هواها، قبِل مارتينيث كجزءٍ من الثمن جاريتَين، قُدِّرتا بثمانية وتسعة آلاف مرابدي. فلمّا حجزهما الأسقف، رفع دعوى على بوباديّا[35]. وتلت هذه الدعوى الأولى دعاوى أخرى. وشعر المدّعي العام (الفيسكال) بأنه محقّ، فطالب بوباديّا بإيداع 500,000 مرابدي ضمانًا للردّ إلى مشتري الغوميريين[36].
في 30 مارس من عام 1491، عُيّن فرانثيسكو مالدونادو (Francisco Maldonado) السَّلَمنكي قاضيًا للمساءلة (قاضي الإقامة) في غران كناريا. وكان على عاتقه إصلاح "المظالم" التي اقترفها بيدرو دي بيرا وأعوانه على مدى عقدٍ من الزمن[37]، وكان عليه أن يستقصي لماذا "الجزيرة المذكورة لم تُعمَر حتى اليوم كما ينبغي"[38]، إذ لا يمكن استئصال المُسبَّب دون معرفة السبب. فإذا عُرف السبب، سعى إلى استقطاب التجّار، لكونهم أكثر الرعايا إدرارًا للربح[39]. وما إن بُوشرت الإجراءات حتى لم يتأخّر استدعاء بيرا. فكان عليه أن يودع المرابدي المعهودة البالغة 500,000، بين يدَي أسقف أبيلا (Avila)، معرّف الملك، بالذريعة نفسها[40]. وبينما كان "فتح إفريقيا" على الأبواب، كما كان سيقول مكيافيلي (Maquiavelo)، أُغلقت جزر الكناري أمام الحركة التجارية، في 23 ديسمبر من عام 1491. فالسكان الأصليون الذين كانوا في زمن بولغار (Pulgar) ينتقلون من جزيرةٍ إلى أخرى، مُتردّدين على موانئ الأندلس، صاروا محبوسين في محلّ إقامتهم: "لا تسمحوا ولا تُتيحوا لأيٍّ من الكناريين ولا الكناريّات أن يركبوا في أي سفينةٍ أو كرافيلةٍ أو قارب أو فُلك، ولا تُتيحوا لأي أشخاصٍ أن يحملوهم أو يعبروا بهم إلى جزيرة غران كناريا المذكورة" أو إلى العاصمة. وكل مواطنٍ أصلي يصل إلى ميناءٍ دون أن يحمل رخصةً خاصة من التاج، يُعلَن مِلكًا للتاج، أسيرًا مؤبَّدًا[41].
وبعد عزل بيدرو دي بيرا في 28 يناير من عام 1492، صدر أمرٌ بملاحقة أتباعه: لأنه "يُقال إنهم أقاموا عصباتٍ وأحلافًا في الجزيرة" مع الحاكم "السابق"، فكان على مالدونادو أن يُجري التحرّي، مُرسلًا إلى البلاط، في طيٍّ مختوم مشمّع، القائمة السوداء لمن تورّطوا في "التآمرات"[42]. وبعد ذلك بقليل، انتقلت بياتريث دي بوباديّا، مضغوطةً بدعاواها، إلى البلاط، جارّةً معها أبناءها. وفي غرناطة التقت بألونسو فرنانديث دي لوغو (Alonso Fernández de Lugo)، وربما بكولومبوس. وليس ثمّة خبرٌ عن العلاقات التي تُنسب إليها مع "المكتشف"[43]، لكنّ الموثَّق أنها تزوّجت من فرنانديث دي لوغو. وفي 8 مايو من عام 1492، أُقرّ غيّين في حيازة بكورية الكناري، دون تعديلٍ في عدد الجزر[44]. وفي 6 يونيو أُغلق ملفّ الغوميريين. وبعد أن تقرّر أنهم قتلوا فِرنان لكي "يُصرّوا" على ضلالاتهم في العقيدة، اتُّفق على أنهم لم يكونوا مسيحيين قطّ، فأُلغيت الرسائل الصادرة ضدّ بياتريث[45]، لكون تجارة الكفّار مشروعة.
ولمّا مات إنريكي دي غوثمان (Enrique de Guzmán) فجأة، تعلّم الابن الدرس. ورغبةً منه في أن يحظى بالمكانة الحسنة في البلاط، رفع دعوى على إينيس دي بيراثا بوصفها أرملة دييغو دي هيريرا، لا بوصفها سيّدةً مالكةً للجزر، وعلى بوباديّا بصفتها وصيّةً على أبناء فِرنان، مُسمّيًا إيّاها إيزابيلا. وكان يطالب بغوميرا وييرّو (Hierro) ولانثاروتي وفوِرتيبنتورا "بحقّ السيادة وسنداتٍ أخرى"، مع ردّ الرِّيوع التي تقاضتها ما دامت الجزر بحوزتها. وبُوشرت الدعوى في 15 أكتوبر من عام 1492، ولمّا كانت طائشةً، حسم وكيل آل بيراثا الأمر، إذ حضر في آخر لحظة[46]. وفي الأول من أكتوبر من عام 1492، كان بيدرو دي بيرا في داره في خيريث (Jerez)، بريئًا من الذنب، لأنه بطاعته الصامتة لم يفقد الحظوة الملكية[47]. وكان محو ذكرى فتحه أمرًا عاجلًا، فأمر الملكان، في 21 من الشهر نفسه، بدفع أجور الجند. فلم يكن ذلك ممكنًا، لأن الموظّف لويس دي ميسا (Luis de Mesa) كان قد استولى على الصندوق[48]. ولانعدام الأموال، ظلّت المتأخّرات تُولّد الأدلّة.
- SRGS. V.1494.56.
- بحسب الرواية الرسمية، كان "ملك" غران كناريا أو زعيمها. كان يُدعى تينيسور سيميدان (Tenesor Semidan)، واتّخذ اسم فِرناندو غوارنارتيمي (Fernando Guarnarteme) حين تعمّد، مُحاربًا رعاياه إلى جانب القشتاليين. أمّا الغوارنارتيمي الذي يعنينا فقد شارك في فتح غران كناريا، وربما شارك في فتح تينيريفي ("Canarias y América". V Centenario, 1992).
- SRGS. XII.1491.194.
- SRGS. X.1492.40.
- المرجع نفسه.
- SRGS. VII.1488.308. توجد وثيقةٌ ثانية في سيمانكاس (Simancas) بهذا الترقيم، لا صلة لها بالموضوع.
- على الأرجح شقيق مارتين ألونسو.
- SRGS.II.1496.10.
- SRGS. IX.1484.110. خوان دابيلا (Juan Dávila)، أحد أهالي فوِرتيبنتورا، مات عام 1489. وقد أقام في الجزيرة 50 عامًا جمع خلالها ثروةً طائلة، فعلينا أن نستنتج أنه وصل عام 1439 (SRGS. VII.1490.510).
- SRGS. IV.1486.119.
- SRGS. V.1492.5. بيدرو غارثيا دي هيريرا (Pedro García de Herrera)، ابن دييغو، حُكم عليه بالإعدام عام 1478 لقتله زوجته. وعفا عنه أقارب المتوفّاة، فانتفع بعد 16 عامًا بعفو الجمعة العظيمة. ومن المحتمل أنه لم يُعتقل قطّ (SRGS. XI.1494.414).
- SRGS. VI.1490.36.
- SRGS. III.1490.495.
- SRGS. VI.1492.152.
- SRGS.VI.1492.152/ VIII.1490.363/IX.1491.288. بحسب الرواية الرسمية، فتح إرنان دي بيراثا (Hernán de Peraza)، سيّد الجزيرة، غران كناريا بـ"سكان أصليين من غوميرا"، فقتله أتباعه "لإقامته علاقة غرامٍ مع امرأةٍ من السكان الأصليين" تُدعى إيبايّا (Iballa). وبعزل هذه الواقعة عن البيع الجماعي للغوميريين، يُقال إن بياتريث دي بوباديّا "أذنت" لبيدرو دي بيرا، حاكم غران كناريا، بأخذ كثيرٍ من أهالي الجزيرة، دون تقديم مزيدٍ من الأسباب ("Canarias y América". V Centenario).
- SRGS. VI.1492.152.
- SRGS. VIII.1484.13/VIII.1489.369.
- SRGS. VI.1492.152.
- SRGS. III.1489.76.
- SRGS. III.1489.300.
- SRGS. VIII.1490.363/IX.1491.288.
- SRGS. V.1491.110.
- SRGS. IX.1491. 288.
- SRGS. VIII.1490.363/IX.1491.288.
- SRGS. IV.1491.89.
- SRGS. VI.1492.238. في أكتوبر من عام 1496، طالب بيثينتي يانييث بينثون (Vicente Yáñez Pinzón)، بوصفه وكيلًا عن دييغو فرنانديث كولمينيرو (Diego Fernández Colmenero)، وكلاهما من بالوس (Palos)، طالب بيرا بـ6,300 مرابدي دفعها كولمينيرو ثمنًا لفتاةٍ غوميرية تُدعى ماريا، اختطفها أسقف الكناري.
- SRGS. VI.1492.152/VIII.1490.50.
- SRGS. VII.1489.349.
- SRGS. VIII.1490.363/IX.1491.288.
- SRGS. VIII.1490.50/VIII.1490.363.
- SRGS. IX.1490.273 / IX.1490.273/ X.1490.237. كان مشترو الكناريين تجّارًا وسطاء وحرفيين وفلّاحين موسرين. وكان الثمن يعتمد على جودة القطعة، لكن بخاصةٍ على العرض والطلب. فقد كلّفت غوميريةٌ بيضاء 7,000 مرابدي. واثنتان أخريان، لم يُحدَّد لونهما، 8,000 و9,000. أمّا الذكر فكانت قيمته من 4,750 إلى 10,500 مرابدي.
- SRGS. VIII.1490.50/VIII.1490.363.
- SRGS. II.1491.96.
- SRGS. X.1490.184.
- SRGS. XII.1490.252.
- SRGS. II.1491.38.
- SRGS. III.1491.64.
- المرجع نفسه.
- المرجع نفسه.
- SRGS. V.1491.110/IX.1491.30.
- SRGS. XII.1491.168.
- SRGS. I.1492.124.
- يُعزى توقّف كولومبوس في غوميرا إلى علاقته الغرامية مع هذه السيّدة. كانت بياتريث في البلاط في مايو ويونيو من عام 1492، لكن الأرجح أنها وثّقت علاقاتها بألونسو فرنانديث دي لوغو. وليست هذه هي الحالة الوحيدة التي يخلط فيها التاريخ بين "الفاتح" و"المكتشف".
- SRGS. V.1492.5.
- SRGS. VI.1492.152.
- "No fuimos Nosotros". للمؤلّفة. Ed. "La Tribune del Alpes Maritímes" ADMS. 4160.
- SRGS. X.1492.40.
- SRGS. I.1492.161.