Part II · The Fortunate Isles · الفصل 9 من 9
الأرخبيلان

الأرخبيلان

في عهد الإمبراطور، ظلّ أهل الكناري، الذين لم يفقدوا هويتهم الجغرافية، يذهبون إلى "بلاد البربر... لقتال الأعداء المغاربة". وفي عام 1518، في مطلع الصيف، تشكّلت "بعثة بحرية" في ميناء إيسليتاس (Isletas). شارك فيها لويس دي أداي (Luis de Aday)، بمركب شراعيّ (كرافيل) مستأجر أمام كاتب عدل، في مدينة ريال دي لاس بالماس (Ciudad Real de las Palmas)[1]. أما بعثة الخريف فاستأجر لها سفينة "سانتا كروز" بستٍّ وثلاثين دُوبلة في الشهر، من "عُملة الكناري". وسرى عقد الإيجار منذ اللحظة التي بدأ فيها طلاء بدن السفينة بالشحم، حتى إلقاء المرساة عند العودة. أما المالك، الذي كان يتولّى القيادة بوصفه رُبّانًا، فقد وضع أربعة بحّارة وغلامًا، والملح والماء والحطب والشحم، واعدًا بأن يتسلّم "ما تراه من الحمولة"، من أشخاص وخيول ومؤَن وأسرى للفداء. وكان يرسو في المراسي التي تُؤمر بها السفينة، "دون المساس بشيء من ممتلكات الملك"، على أن يدفع المستأجر أُجرة طعام وشراب الطاقم والركاب طوال مدة الرحلة[2]، فضلًا عن الرُّبّان، وهو عُرفٌ وتدبيرٌ من الحيطة الأساسية، إذ إن كثيرين انتهوا إلى حيث لم يريدوا الذهاب. وكان الرُّبّان ألونسو بيباس (Alonso Byvas)، من مواليد غران كناريا، الذي خدم لقاء ثلاثة آلاف مرابطي في الشهر، بعُملة الجزيرة[3]. ولمّا لم يكن كريستوبال دي سان كليمنته (Cristóbal de San Clemente)، الكاتب الرسمي، موجودًا في المدينة، أضفى الشهود على الاتفاق صفته الرسمية[4]. وفي نوفمبر من عام 1519، استأجر رجلٌ يُدعى خوان بارتولومي (Juan Bartolomé) سفينة "نازاريت" (Nazareth)، في ميناء إيسليتاس، "المجهَّزة للإبحار"، بخمسٍ وثلاثين دُوبلة شهريًّا. وكان المالك، وهو برتغاليّ من تافيرا (Tavira)، سيسلّمها مجهَّزةً، مع زورقٍ للنزول إلى البرّ "حين تحتاج إليه"، وشخصه، وخمسة بحّارة وصبيّ بحّار، على أن يتسلّم من الحمولة ما "يستطيع حمله ونقله". وكانت السفينة سترسو في "المواضع... التي تقولها لي وتأمرني بها، على ألّا يكون ملزَمًا بالذهاب إلى الجهات والمواضع التي هي من فتوحات مولاي ملك البرتغال". وبوصفه رجلًا محنّكًا، اشترط أن يكون الرُّبّان "كفؤًا"، ليمضي "بحُسن الطالع... في البعثة إلى بلاد البربر"، التي كانت تُجهَّز ضد المغاربة، "أعداء الدين". ومع دنوّ موعد الإقلاع، سرى العقد من يوم التوقيع، حتى تعود السفينة إلى ميناء غران كناريا، وقد أُفرِغت من "الناس والغنيمة"، على أن يُدفع الأجر بعد عشرة أيام من الوصول[5].

ولمّا كان أهل الكناري قد اعتادوا الإغارة في أرض فتوحات البرتغال، اعتاد البرتغاليون أَسْرَهم. فكانوا يُساقون إلى لشبونة، حيث "يُقيمون عليهم العدل ويَنفونهم إلى الجزر الضائعة"[6]. ولمّا ضاق أنطونيو سواريس غايّيناتو (Antonio Suárez Gallinato)، عضو مجلس تينيريفي، ذرعًا بهذه المعاملة، عرَض أمام الإمبراطور أنه لمّا كان النشاط الرئيس للسكان هو الذهاب إلى "الإغارة وشنّ الحرب على المغاربة، أعداء ديننا الكاثوليكي المقدّس، والصيد في ساحل بلاد البربر"، فإن أهالي "جزر غران كناريا" يرغبون في إعادة العمل بصكوك المِيسَم والانتقام (cartas de marca y represalia)، بما يسمح لهم بتطبيق قانون القِصاص، فينتقمون للضرر الواقع بهم من مواطني مُحدِثِه. ولم يشأ كارلوس الخامس مزيدًا من الحروب، لأنه كان يملك منها ما يفيض عن الحاجة، فراح يماطل، فأمر في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 1520، حاكمَ تينيريفي أو قاضي المراجعة الذي يكون بها، أن يباشر تحقيقًا يفضي إلى شكوى متحضّرة أمام مانويل الأول[7].

لقد أراد الملك الكاثوليكي أن يُبعِد، عبر الطريق الإداري، جزر الهند عن الكناري القديمة، غير أن الحفيد، مضطرًّا إلى بسط مبدأ الأرض المجهولة على القارة كلها، سعى إلى نقيض ذلك، فوجد الحلّ في جُزُرٍ تبعد مئتي فرسخ بحريّ (ليغا) عن إسبانيا، كانت، بحسب فرنانديس دي أوبييدو (Fernández de Oviedo)، "غير مطروقة بحريًّا" منذ "زمن طويل"، وكانت تُسمّى في العصور القديمة "بالياريس" (Valeares)، ثم سُمّيت لاحقًا الجزر الخالدات (الفورتوناتا)[8]. وبعد نقل أهل الكناري وأسماء المواضع، أُعيد العمل بضريبة الخُمُس في الجزر القديمة عام 1525، الأمر الذي فاجأ خوان دي أغيري (Juan de Aguirre)، عضو مجلس تينيريفي، عند عودته من حملة إغارة دامت ثمانية أشهر، مع زنوجٍ من الجنسين. ولمّا حسب حسابه ورأى أن الضريبة تجري على غير صالحه، جمع الأهالي. فطلبوا من الإمبراطور، بعريضة جماعية مكتوبة، ردّ ما دفعه المموّلون في الأشهر الستة الأخيرة، وإلغاء هذا المستحدَث. غير أن الملك، وقد كان يقظًا ليّنًا، سكّن الخواطر دون أن يرهن المستقبل. فتحت ذريعة الإسهام في "تحسين ملاحقة المغاربة والأتراك على ساحل البحر"، صار من حقّ أهل الكناري الذين يُبحرون "على مسؤوليتهم وحظّهم... في موانئ وخلجان وبحار مماليكنا هذه"، دون تقاضي أجرٍ من التاج، بعد سنواتٍ من الإعفاء، حصةٌ في "ما يظفرون به من غنائم وأسرى فداء في البحر" في "جهة بلاد البربر". وقد وُقِّع ذلك في الثالث من أغسطس عام 1526[9]، وهو العام الذي تلاشت فيه سانتا كروز والبحر الصغير (Mar Pequeña).

وطلب كريستوبال دي بالكاثار (Cristóbal de Valcaçar)، وهو أيضًا عضو مجلس، إذنًا بتجهيز حملةٍ ضد "المغاربة والفرنسيين"، إذ لو أُتيح للأهالي أن ينتقموا بأيديهم من الأضرار "وصنوف الأذى"، لما ظلّوا "مُضايَقين ومُنهَكين". وقد مُنِح ذلك في السادس والعشرين من يوليو عام 1528. وطوال مدة الحرب، لن يدفع أهل الكناري حصة الخُمُس التي تعود إلى أميرال قشتالة الأكبر، ولا أيّ حقٍّ آخر، عن الغنائم التي يظفرون بها في البحر أو في أرض بلاد البربر، على أن تُقسَّم الغنيمة بين المموّلين والطاقم، "كلٌّ بحسب ما يخصّه"، وفق العُرف. ولمّا وصل المرسوم إلى تينيريفي، مثَل لويس دي أداي أمام مجلس سان كريستوبال (San Cristóbal)، باسم المموّلين والأهالي، "الذين يذهبون في البعثة ضد مغاربة بلاد البربر، بوصفه واحدًا من أهل البلدة"، طالبًا أن يُنادى به. وقد جرى ذلك في الأول من مايو عام 1529، في ساحة سان ميغيل دي لوس أنخيليس (San Miguel de los Angeles). وبعد وقتٍ قصير، اتّسع الإعفاء ليشمل جميع القشتاليين الذين يذهبون ضد المغاربة والفرنسيين "على مسؤوليتهم وحظّهم"[10].

في ذلك العام كانت هناك بعثة بحرية للإغارة على بلاد البربر[11]. وقد ترك كريستوبال أورتيس (Cristóbal Hortiz)، من سكّان سان كريستوبال، ذكرى لذلك. ففي الحادي عشر من يونيو عام 1529، تعاقد على استئجار مركب خوان فرّانديس (Juan Ferrandes) الشراعيّ، مع شريكين، متنازلًا عن "نصف ثُلث الرُّبع"، أي واحدٍ من أربعةٍ وعشرين، لقاء إحدى عشرة دُوبلة ذهبية، للرسّام أندريس دي إييسكاس (Andrés de Illescas)، من سكّان الجزيرة، مع التزامٍ بأن يُسدّد له عند العودة دَينًا قديمًا مقداره خمس دُوبلات ونصف. وكان أورتيس سيوفّر النجّار "على نفقتي ومصروفي، ليذهب في البعثة المذكورة عنّي وعنكم"، مع النصّ صراحةً على أنهم سيفدون العبيد والثياب والذهب والفضة[12]. ولأنه لم تكن لهم منزلةٌ تخوّلهم الحصول بأنفسهم على "صكّ الاستئجار" الذي لا غنى عنه للانضمام إلى "البعثة التي ستذهب الآن إلى بلاد البربر"، اشتراه الشركاء بإعادة بيع، من التاجر أنطون سانشيس (Antón Sánchez)[13].

وحين انتهت الحرب مع فرنسا، في خريف عام 1532، حذّر موظفو ملك البرتغال، في "بلدة رأس أغير (Cabo de Aguer) التي في إفريقياتينيريفي من بعثةٍ بحرية كان المغاربة والأتراك يُجهّزونها في مملكة مِيسّا (Meça) للانقضاض على الجزيرة. وعند عودة سفينة التجسّس، التي استُؤجرت للتحقّق من الإشاعة، انتاب الأهالي الفزع. فلقُربهم الشديد من إفريقيا "ومن مواضع أخرى للمغاربة والأتراك"، أسياد تلمسان (Tremecén)، الذين "في يومٍ وليلة يمكن أن يأتوا منها إليها"، ولأن "الموريسكيّين الذين نالوا حرّيتهم كثيرون"، وهم إذ يرغبون في "العودة إلى الإسلام، يأخذون كلّ يوم سفنًا ويرحلون ويفرّون، قاتلين من فيها من الناس"، مرتكبين "جرائم كبرى" في سبيل الهرب، كان من الجليّ أنهم في حال أيّ إنزال سينضمّون إلى بني جلدتهم. فطلب عضو المجلس رودريغو نونييس (Rodrigo Núñez) من المجلس وضع حرّاس على الساحل، من مايو إلى أواخر أغسطس، يُدفع لهم من أموال البلدية. ولمّا كانت هذه المبادرة لا تمسّ الخزائن الملكية، فقد خُوِّل "قاضي المراجعة" الذي يكون في تينيريفي ولا بالما، أو الحاكم بدلًا منه عند غيابه، الإذنَ بهذه النفقة[14].

وفي عام 1550، حظر الإمبراطور حملات الإغارة في جزر الهند التابعة لقشتالة وفي أرض فتوحات البرتغال، لكنه سمح بمواصلتها ضد رعايا الشريف، فظلّت البعثات البحرية تُقلع. وتنوّعت أنشطة أهالي تينيريفي، فحصلوا في السادس عشر من يونيو عام 1556 على "إذنٍ" ببيع ثمار الأرض في جزر الهند، مع حظر إركاب المسافرين وبعد إيداع خمسة آلاف دوكاتٍ ضمانًا بألّا يستقرّوا في أرض الفتح الكولومبيّ. وكانت سفن الكناري تنضمّ إلى الأساطيل عند مرورها بالجزر، سائرةً في "قافلة بحرية" (conserva)[15] حتى إشبيلية، حيث كان عليها أن تدفع الخُمُس ورسم العَوَل (avería) في دار التجارة (Casa de la Contratación). وفي عام 1564، سُلِّمت حكومة الجزر إلى موظّفيها. وزُوِّدت بقضاةٍ خاصّين بها، مُعيَّنين بالمحاباة، براتبٍ سنويّ قدره مئتا ألف مرابطي، دُفِع نصفه من غرامات مجلس دار التجارة ونصفه من الأهالي، عبر "سيسا" (sisa)، وهي ضريبة فُرِضت على سلع الحاجات الأولى[16]. ولمّا كانت سفن الكناري تستقبل أجانب يبقون في جزر الهند، حُظِر عام 1566 إركابُهم، وعُرِّف "ابن" المملكة بأنه مهاجرٌ أقام عشر سنوات، وكان له بيتٌ وأموالٌ وزوجةٌ في قشتالة. غير أن تهريب المتسلّلين استمرّ، فأُضيف إلى حظر استقبال المسافرين حظرُ حمل الشاحنين (التجّار المحمَّلين). ولم يكن يُسمح بحملهم إلا للذين يقصدون ميناءً ثبت أنه خالٍ منهم. ولعلّه بطلبٍ من ملك البرتغال، وُسِّع التدبير ليشمل الذاهبين إلى الرأس الأخضر (Cabo Verde) والبرازيل. وكانت المحطة في الكناري اختيارية، فصارت إلزامية، وأُنيط بالقضاة المعيَّنين في الجزر تسجيلُ جميع السفن، "الذاهبة أو الآيبة" إلى جزر الهند. وعند إنزال المتسلّلين، كانت البضائع غير المسجَّلة في دار التجارة تُصادَر[17].

وكان الأسرى المخصَّصون للبيع مُربِحين، غير أن المسلمين "المُعدّين للفداء" أكثر ربحًا بكثير، لأن لهم عائلاتٍ مستعدّة لاستعادتهم بدفع ما لا يساوونه من زنوجٍ غير مسلمين وبضائع شتّى، فقرّر ديوان التفتيش المقدَّس (Santo Oficio) أن يحشر أنفه في عمليات الإعادة، إذ ضاق أعضاؤه ذرعًا بأن جنود الحاميات الذين كانوا يفرّون إلى المغاربة ليعتنقوا الإسلام كثيرون، بينما يندر تابع القرآن الذي يبدّله بالإنجيل. واشتبهوا في أن التجّار، بدافع الطمع في الربح، يعرقلون التحوّلات إلى المسيحية، فأصدروا مرسومًا بأن تتوقّف كل سفينةٍ محمَّلةٍ بأسرى الفداء في غران كناريا، ليتمكّن المفتّشون من سبر ضمائرهم، بغية الحيلولة دون إعادة المتنصّرين في السرّ (in pectore) إلى ديارٍ كافرة[18]. وقد توجّه أغوستين دي إيريرا (Agustín de Herrera)، سيّد لانثاروتي (Lanzarote) وفوِرتيبنتورا (Fuerteventura)، وهو متخصّص في هذا النمط من تجارة الأسرى، وهاتان الجزيرتان كانتا على مسافة "يومٍ أو ليلة عبور" من "متاجرة الحرب والفداء المذكورة"، إلى فيليبي الثاني عام 1567، عارضًا آثار أمرٍ عديم الجدوى: فلمّا كان "المغاربة الذين يُرسَلون في عمليات الفداء تلك أشخاصًا ذوي فهمٍ وإدراكٍ وإرادةٍ حرّة، ليختاروا إن شاؤوا أن يكونوا مسيحيين أم لا"، ولوجود كهنةٍ وراعٍ للأبرشية في جزرهم، فإن من يشاء منهم يستطيع أن يتنصّر، دون حاجةٍ إلى قطع "الطريق الطويل" الذي يفصل الجزر عن غران كناريا. فالعبور، الأطول من "رحلة الذهاب والإياب إلى بلاد البربر"، كان علاوةً على ذلك "شديد الخطر ومحفوفًا بمخاطر القراصنة والأعداء اللوثريين وأممٍ أخرى... لكونه المعبر الرئيس الذي لدى جلالتكم إلى جزر الهند". ويُضاف إلى الضرر احتجازات مطوَّلة، كثيرًا ما كانت تُلزم بالعودة دون بلوغ أرض المغاربة، لأن وقت القيام بالرحلة قد فات. ولمّا كان "فداء المغاربة" هذا وسيلة عيشٍ لأهل الكناري، منذ أن "دخلت الجزر في معرفة ديننا الكاثوليكي المقدّس"، بدا لإيريرا غير مقبول ذلك "المستحدَث" الذي أدخله رجال المحكمة المقدَّسة "منذ سنواتٍ قليلة"[19].

ولمّا كانت عادة اصطياد الزنوج في أرض فتوحات البرتغال مستمرّة، فإن شكاوى الملك الشابّ دون سباستيان (D. Sebastián)، الذي كان فيليبي الثاني يودّ كسب ثقته، أفضت إلى حظرٍ صارم لحملات الإغارة عام 1572، أصدره الملك بذريعة أن رعاياه، "طمعًا في جلب بعض المغاربة"، كانوا يعرّضون أرواحهم للخطر دون جدوى. وقد نُودِي به في أبريل، في ساحة سيّدتنا نويسترا سينيورا دي لوس ريميديوس (Nuestra Señora de los Remedios) في سان كريستوبال، فأثار صيحات السخط[20]. واحتمل الهابسبورغيّ الانتقادات ونقصان دخله بثباتٍ لا يتزعزع، حتى السابع والعشرين من يناير عام 1579، حين اغتنم، وقد صار تاج البرتغال في يده، شكوى متأخّرة لبيدرو دي إسكوبار (Pedro de Escobar)، عضو المجلس في "جزيرة كناريا"، ليأذن بالبعثتين المعتادتين. فلمّا رأى أن الحيازات والمعاصر والكروم "تدهورت كثيرًا" بغياب "المغاربة والعبيد السود المذكورين"، وبقيت الأرض بورًا[21]، ولمّا كان علاج "حاجةٍ ماسّةٍ إلى هذا الحدّ" لا ينطوي على خطر، إذ إن الأزاناغيين (الصنهاجيين) والأعراب كانوا يفتقرون إلى السلاح والسفن للدفاع عن أنفسهم، فسيذهبون في حملة الإغارة، بعد أن يتحقّق الحاكم من أنهم يصطحبون على رأسهم شخصًا "مُحنَّكًا" في حرب المغاربة، سائرين في "نظامٍ" و"حَذَرٍ" وحسني التسلّح[22]. وفي حياة الكاردينال-الملك دون إنريكي (D. Enrique)، وقد كان الهابسبورغيّ على يقينٍ من أن حامد المغرب (Hamete) يحتجز في قبضته شخص دون سباستيان ملك البرتغال، فإنه، حرصًا على ألّا يستفزّهم، حظر "الإغارة" في أرض الفتوحات البرتغالية وفي أرض الشريف أو حلفائه. وسيقتصر ذلك على ما "دون سان بارتولومي (San Bartolomé)"، حيث كان "كثيرٌ من المغاربة الأعراب، الذين ليسوا خاضعين للشريف المذكور، بل هم من خصومه"[23].

وكان فيليبي الثاني ملك البرتغال في عام 1582، حين شتّتت عاصفةٌ أو أسطولُ راهب أوكراتو (Prior de Ocrato) وحلفائه أسطول إسبانيا الجديدة. فالسفينة "لا غايّيغا" (La Gallega)، التي كانت تحمل الفضّة، انتهت إلى ماديرا (Madeira). وبعد نقل الكنز إلى غوميرا (Gomera)، أشار ألونسو دي غوثمان (Alonso de Guzmán) بأن يتسلّمه ماركيز سانتا كروز، الذي كان في جزيرة سان ميغيل (San Miguel)، لأن العبور "شديد اليُسر" ويستغرق ثمانية أيام، وإن كانت العودة تتعقّد، إذ إن "معاودة الصعود في العرض، عائدًا صوب ماديرا"، للأخذ بطريق إسبانيا، كان يتطلّب شهرًا[24]. وفي الربيع، شاع أن فرنسا وإنجلترا تُجهّزان أسطولًا. ولمّا كانت سفن هولندا وأوكراتو في البحر، انتاب فيليبي الثاني القلق على المقاطعة الحديثة الاكتساب: "لمّا كانت جزيرة ماديرا... على ما هي عليه من أهمية"، فسيقضي كونت لانثاروتي الصيف في فُنشال (Funchal)، أو في حصنٍ آخر، مع مئتين وخمسين أو ثلاثمئة من أهل الكناري، على أن يحرس جزيرته خمسةٌ وعشرون جنديًّا من المجنَّدين[25]. وفي تلك الأثناء، أقلق الهابسبورغيَّ أهلُ الألغارب (Algarbe)، الذين كانوا "بحجّة الذهاب إلى الجزر والرأس الأخضر بثمار الأرض"، يدخلون جزر الهند ليبقوا فيها. ولم يجد حلًّا، فأمر دوق مدينة سيدونيا بأن يبحث عنه[26].

ولمّا كان أهل الكناري يذهبون إلى جزر الهند ويأتون، عبر طرقٍ بديلة، متى شاؤوا وكيف شاؤوا، فقد حُظِر عليهم في عام 1589 إخراجُ سفنٍ منفردة، وشُرِع في "إعادة هيكلة" الأرخبيل. فاعترافًا بمكانته كمملكة، عيّن فيليبي الثاني حاكمًا عامًّا (regente) مقرّه غران كناريا، وهي سلطة صورية، إذ ظلّت المسؤولية قائمةً على عاتق الحاكم. وحين أُعلِن عام 1591 عن زيارة موراتو أرّيس (Morato Arrez) — وهي استعارةٌ ربما أخفت دريك (Drake) أو أساطيل الراهب، الملك المخلوع للبرتغال — أُرسِل تنبيهٌ إلى لويس دي لا كويبا (Luis de la Cueva)، ليضع ولايته في مأمن، حريصًا على أن تكون "بقية الجزر كذلك"، إذ إن استقرار الأعداء في الأرخبيل من شأنه أن يضع الاتصال بجزر الهند في خطر[27]. وقد أفصح دي لا كويبا عن نفسه، مضطرًّا وفي رسالة خاصة. فقد كان يجهل قِدَم هذا التقليد، فاعترف بأن الهولنديين وسائر أعداء التاج كانوا مرتادين معتادين لموانئ الكناري منذ نحو ستٍّ وعشرين سنة. كانوا يتوقّفون للتزوّد بالماء، ويشترون الحطب والمؤَن، مقابل الأقمشة عند الذهاب والذهب عند العودة، في طريقهم إلى جزر الهند وبلاد البربر. وكانوا يُستقبَلون استقبالًا حسنًا لكرمهم واستقامتهم، ولو بدّلوا طويّتهم لأمكنهم أن يفعلوا ما يشاؤون، لأن الحامية، المؤلَّفة من ستين رجلًا، لم يكن لديها مدفعية ولا حبّةٌ واحدة من البارود، وقائد سانتا كروز كان "صبيًّا" عديم الخبرة، والحاكم المحليّ (corregidor) شيخًا هرِمًا عاجزًا. وبعد تلقّيه التقرير، اضطرّ ألونسو دي غوثمان إلى إرسال مئتين وخمسين رجلًا، مع ما استطاع أن ينتزعه من مدفعية، في سفينتين مُصادَرتين، مضمومتين إلى الأسطول. وعند العودة، سيجلبون معهم لويس دي لا كويبا، المذنب لطيشه في اللسان[28].

ولم يزُر الإنجليز الجزر في ذلك العام، ولم يُظهروا وجودًا لافتًا مفرطًا في جزر الهند. واغتنامًا للهدنة، حاول فيليبي الثاني في عام 1594 الغزو الثاني لإنجلترا. ولمّا كان يعوزه العدد من القادرين على الملاحة، استدعى أهل الكناري، فلم يبقَ في الجزر سوى مئتين وخمسين رجلًا بالغًا، دفاعًا عنها بأسرها[29]. وجاء الردّ البريطانيّ عام 1595. فلمّا رُصِد دريك في مياه جزيرة سانتا كاتالينا (Santa Catalina)، خُشِي أن يُستولى على الأسطول، "في عودته" من ماديرا[30]. وهذا ما حصل. فلم يكن القرصان قد جاء وحده. فقد احتلّ كمبرلاند (Cumberland) بورتوريكو، واحتلّ رالي (Raleigh) ترينيداد. ولولا أن أشهر البحّارة الإنجليز قد قضى نحبه، قُبالة بورتوبيلو (Portobelo)، ضحيةً للدُّوسِنتاريا (الزحار) لا للإسبان[31]، لكان من المرجّح أن السيطرة الفيليبية على أمريكا كانت ستنتهي في ذلك العام.

وبعد عامين، صار أهل الكناري موضع شبهةٍ بأنهم يقيمون اتصالاتٍ مفرطة السلاسة مع أعداء التاج، مهرّبين على هواهم. ولمّا كان جليًّا أنهم يُقلعون في غير أوانهم، لئلّا يصادفوا الأساطيل، لأنها تعوق اتصالاتهم، حُظِر عليهم، للمرّة الألف، أن تذهب سفنٌ "منفردة" إلى جزر الهند[32]. وأُهمِل الأمر، ففقدَ التاج هيبته، وضاع الباقي بعد إنزال الهولنديين في غران كناريا عام 1599. فقد احتلّوها دون أن يصطدموا بمقاومة، واحترم الفلمنكيون عامّة الشعب، وأجهزوا على الكبراء، من رجال الكنيسة والمدنيين، بموافقةٍ عامة. ولمّا لم تكن لديهم نيّةٌ في الاحتفاظ بالجزيرة، لأنها لم تبدُ لهم مربِحة، تركوها على أقدامهم. وسترًا لكون هذه الإهانة قد أمكنت بمحض غباء السلطة، اتُّهم الأهالي ببيع المغاربة سلاحًا وبارودًا لم يبعثه الملك قطّ، مُخرِجين إياه في صناديق السكّر والمربّى[33].

وفي عام 1603، إذ كان امتياز تجارة الأسرى بيد المتعهّد رودريغيس كوتينيو (Rodríguez Coutiño)[34]، طلب أهل تينيريفي الإذن الذي كان لغران كناريا، بتشكيل بعثتين بحريّتين في السنة، بغية الإغارة على بلاد البربر، إذ إن الجزيرة لَفرطُ خصبها، وقد كثُر فيها العبيد، صارت "منذ غيابهم لا تكاد تُجنى فيها السكاكر"، لأن الزنوج "القادمين من غينيا باهظون جدًّا" و"الأهالي فقراء"[35]. ويُسهم في تحديد موقع الجزر الخالدات تنبيهٌ ملكيّ صدر عام 1610. فمع بدء طرد الموريسكيّين في بلنسية (Valencia)، استأجرت بعض العائلات القادسية، متوجّسةً من المستقبل، سفنًا فرنسية، راحلةً إلى بلاد البربر. وخشي فيليبي الثالث أن يبقوا عند مرورهم في الكناري، فأرسل أمرًا عاجلًا بألّا يُستقبَلوا، إذ إن الجزر، لقُربها الشديد من أرض المغاربة، ستمثّل خطرًا إضافيًّا[36].

ومدفوعين بالقوة المعنوية التي منحهم إياها استيلاء ملك الإسبانيات على تاج البرتغال، وزواج ميغيل البرتغالي (Miguel de Portugal)، بكر راهب أوكراتو، من ابنة موريس ناسّاو (Mauricio de Nasseau)، أقام حلفاؤهم الهولنديون والفرنسيون والإنجليز مستوطناتٍ في أرض "فتوحات" البرتغال، حتى صار البحر الكاريبي من الخطورة بحيث لم يعُد يُبحَر حتى إلى الكناري في سفينةٍ منفردة. وكانت تسع سفنٍ "تجارية" في سانلوكار (Sanlúcar) وجهتُها "الجزر"، فأُلزِمت بتشكيل أسطول، "تابعةً" للأكبر، وفق العُرف[37]. ولمّا عُلِّق أسطول جزر الهند عام 1607، انتهك أهل الكناري جميع الأنظمة، فذهب كلٌّ منهم إلى جزر الهند كما بدا له. وأدرك فيليبي الثالث أن التشريع في المُحال يُثمر عصيانًا مدنيًّا، فعدّل القانون عام 1612 وفق الممكن. فالذين يذهبون مع أسطول إسبانيا الجديدة، سيتأهّبون للانطلاق في الأول من مايو، والذاهبون إلى الأرض المتّصلة (Tierra Firme) "في أوّل مياه أغسطس". فإن لم يُبصروا السفن، أمكنهم الإبحار، منطلقين الأوّلون بين العشرين والثلاثين من يوليو، والآخرون من العشرين إلى الثلاثين من ديسمبر. وستكون عودتهم عبر إشبيلية، لتسجيل البضائع في دار التجارة. ولمّا صار لقاء السفن بالأساطيل نادرًا أكثر فأكثر، ضُمّت عام 1626 سفينةٌ من الكناري إلى أسطول إسبانيا الجديدة[38].

ولمّا توثّقت أواصر أهل الكناري والقراصنة[39]، ارتكب فيليبي الرابع عام 1644 خطأ حظر الملاحة عليهم إلى جزر الهند وجزر باورليّة (Islas de Barlovento)[40]. وظلّ الأمر بلا أثر، فصحّح موقفه عام 1649. فبعد الإذن لهم بأن يُصدّروا إلى جزر الهند، كل عام، سبعمئة طنٍّ من ثمار الأرض، وُزِّع الترخيص بحسب أهمية كل جزيرة. فخصّ تينيريفي أربعمئة طنّ، وبالما مئتان، وغران كناريا مئة. وفي عام 1657، اتّسع الإذن إلى ألف طنّ، فأصاب الأولى ستمئة، موزَّعة على ثلاث سفنٍ سعة كلٍّ منها مئتان؛ والثانية ثلاثمئة، والأخيرة مئة. ولاختصار الطريق، فإن الذين يجلبون في العودة توابل وجلودًا، يدخلون ميناءهم، دافعين للقضاة المحليّين اثنين ونصفًا في المئة كرسم جمركيّ (almojarifazgo). أما من "يفدي" ذهبًا أو فضةً أو زمرّدًا أو لؤلؤًا، فسيمتدّ به الطريق إلى نهر الوادي الكبير (Guadalquivir)، ليسدّد الخُمُس ورسم العَوَل في دار التجارة[41].

يفرض التاريخ الرسميّ محطّةً في الكناري الشرقية، للوصول إلى جزر الهند. غير أن الإبحار الشراعيّ، وقوّة البحر تصفع الجانب، ليس مريحًا ولا مستحسَنًا. وزيادةً على ذلك، لا تعوز البراهين على سفنٍ منفردة وأساطيل رست في جزر الهند دون محطّات، ناسفةً حتمية تجديد المؤَن. وفي المقابل، فمن المؤكّد أنه منذ القرن الخامس عشر، وحتى زمن أنطونيو دي أويّوا (Antonio de Ullóa)، فإن من بلغ الأرض المتّصلة، مرّ "عرضًا" (al través) بالكناري. ويمكن المرور "عرضًا" بجزر الأنتيل، لكن ليس بأرخبيلٍ لا قناة بين جزره، لفرط تباعدها. أما الذين كانوا يرسون على ساحل "كناري" البرازيل، على بُعد عشرين يومًا من الوادي الكبير، بحسب ألونسو دي بالنسيا (Alonso de Palencia)، فقد كانوا، للوصول إلى الأرض المتّصلة أو إسبانيا الجديدة، يمرّون "عرضًا" بكناري أخرى، لأن شبه القارّة برمّتها ربما سُمّي هكذا. وقد ظلّ اسم الموضع قائمًا في التعريفات الجمركية المخصّصة للموانئ الأندلسية. وحتى في القرن الثامن عشر، كان السكّر والنِّيلة (الأنديغو) والأورشيلا وخشب القدّيس (palo santo) يأتي من الكناري، إذ إن أهل البحر لم يكونوا يفهمون شيئًا عن الأنتيل. وعلينا أن نُقرّ بأن المناظر التي وصفها همبولت (Humboldt) وسائر الرحّالة تنطبق على السياق الأمريكيّ أكثر ممّا تنطبق على القِفار وغابات الصنوبريّات في الكناري الأطلسية.


  1. R.A. doc. CXX. بيدرو دي أداي (Pedro de Aday)، من سكّان ليكيتيو (Lequeitío)، كان يُبحر عام 1487.
  2. R.A. doc. CXVIII.
  3. R.A. doc. CXX.
  4. R.A. doc. CXVIII.
  5. R.A. doc. CXXIII.
  6. يتّهم ألونسو دي بالنسيا (Alonso de Palencia) البرتغاليين بقطع أقدام القشتاليين وأيديهم قبل قتلهم (Crónica de Enrique IV Década III Lib. V Cap. IV).
  7. R.A. doc. CXXIV.
  8. F.O. T. I.
  9. R.A. doc. CXXXVI.
  10. R.A. doc. CXXXIX/CXXXVI.
  11. R.A. doc. CXLII.
  12. R.A. doc. CXLI.
  13. R.A. doc. CXLII.
  14. R.A. doc. CXLVI.
  15. بحسب قاموسٍ قديم، كانت "conserva" تعني "الاتّحاد المتبادل بين سفنٍ كثيرة، للتعاضد والدفاع عن النفس".
  16. "Norte de la Contratación de las Indias Occidentales". José de Veitia. Ed. de 1671.
  17. "Norte de la Contratación de las Indias Occidentales". José de Veitia. Ed. de 1671.
  18. R.A. doc. CXLVIII. 23 de mayo de 1567.
  19. Ibídem.
  20. R.A. doc. CXLIX.
  21. R.A. doc. CLI.
  22. Ibídem.
  23. Ibídem.
  24. ADMS. 2397 a 2405.
  25. ADMS. 2397. كونتيّة لانثاروتي (El Condado de Lanzarote) مُنِحت في التاسع من سبتمبر عام 1567 لأغوستين دي إيريرا، ورُفِعت إلى ماركيزيّة بطلبٍ من صاحبها عام 1568. وقد أنجب إيريرا ابنةً، كونستانثا (Constanza)، تزوّجت من غونثالو أرغوته دي مولينا (Gonzalo Argote de Molina) ("Aparato para la corrección y adición de la obra de D. Joseph Berní". Aut. Antonio Ramos. Imp. Málaga. En la Imprenta de la Sta Iglesia 1777. BDMS 3019).
  26. ADMS. 2399.
  27. ADMS. 2399 a 2406.
  28. ADMS. 2421.2478.
  29. ADMS. 2402.
  30. ADMS. 2402. كانت الجزيرة قُبالة يوكاتان (Yucatán)، عند مدخل خليج هندوراس.
  31. ADMS. 2402.
  32. "Norte de la Contratación de las Indias Occidentales". José de Veitia. Ed. de 1671.
  33. "Alonso Pérez de Guzmán, General de la Invencible"، للمؤلِّفة. Ed. Universidad de Cádiz.
  34. "Norte de la Contratación de las Indias Occidentales". José de Veitia. Ed. de 1671.
  35. R.A. doc. CLII.
  36. ADMS. 2409.
  37. ADMS. 2409.
  38. في أسطول إسبانيا الجديدة، كانت تسير سفينة هندوراس أو الكامبيتشية (Campechana). وفي أسطول الأرض المتّصلة، سفن سانتا مارتا (Santa Marta) وفنزويلا وكاراكاس، تنضمّ إليها أحيانًا سفينة جزر باورليّة (Islas de Barlovento)، التي كانت ترسو في مارغريتا (Margarita)، وسفينة ترينيداد.
  39. في أواخر القرن السادس عشر، تلقّى دوق مدينة سيدونيا أمرًا بالتحقيق مع اسكتلنديّ معيّن، مقيمٍ في الكناري، مُبلَّغٍ عنه بوصفه جاسوسًا في خدمة لندن (ADMS 2402).
  40. كانت جزر "سوتابنتو" (Sotavento) جزءًا من الكناري.
  41. "Norte de la Contratación de las Indias Occidentales". José de Veitia. Ed. de 1671.