الملاحات السابقة للاستعمار
في العقدِ الذي سبقَ الاكتشافَ، كانت ممارسةُ القرصنةِ عُرفاً سائداً. فقد اشتكى خاكومي دومِستيكو (Jacome Doméstico)، القاضي المحلّي و"حامي" الجنويّين في بويرتو دي سانتا ماريا، من اعتداءٍ تعرّض له نيكولوسو ديسبينولا (Nicoloso Despinola) وكوسمي لوميلين (Cosme Lomelín) وسواهما من مواطنيهما. فمع أنّهم مُنِحوا منذ سنة 1480 إذناً، بوصفهم من مواليد قشتالة والمقيمين فيها، بأن يُبحروا إلى "مرافئ التجّار" وسائر موانئ بربرية المغرب، فقد نُهِبوا عند عودتهم على يد سفينتين من طراز الكارابيلا قادمتين من لاريدو (Laredo)، مملوكتين لفِرناندو دي هويو (Fernando de Hoyo)، عميد رينتيريا (Rentería)[1]، تطبيقاً للقانون القديم الذي كان يحظر التعامل مع المسلمين. وناله المصيرُ نفسُه بيدرو بيريس (Pedro Pérez)، وهو أيضاً من البويرتو. فبينما كان قادماً "عبر البحر"، جرّده من متاعه ديِغو خيمون (Diego Ximón) القادم من بالوس، ففقد شحنةً من الرقيق كانت آتيةً من المغرب، مع مبلغٍ غير محدّدٍ من المِثقالات[2]. أمّا شارل دي بيليرا (Charles de Velera)، وهو محترفٌ في اصطياد الكفّار، ومالكٌ لسفينةِ كارابيلا مخصّصةٍ للقرصنة، فقد استولى سنة 1489 على مركبٍ فيه 18 مورياً "كانوا يعبرون من الضفّة الأخرى (اللنده) إلى مملكة غرناطة... خيولاً وجلوداً ونِيلة (añir)"[3].
واقتداءً بالتجّار، كان الصيّادون يزاوجون بين القرصنةِ وتهريبٍ كان مكروهاً لدى التاج، بحيث كان على الوكلاء المعيّنين في "مرافئ التجّار"، المكلّفين بالتفاوض على افتداء الأسرى، أن يبلّغوا عنه؛ وهو ما مارسه على الأرجح ديِغو رودريغِس (Diego Rodríguez) وإن أنكره. ففي سنة 1490، كان يجهّز سفينته الكارابيلا في بويرتو دي سانتا ماريا "للانطلاق إلى مصايد السمك، على ما جرت به عادتهم"، حين حضر إلى الرصيف فرانسيسكو كريادو (Francisco Criado)، "الذي كان قد اعتاد أن يكون من أهل إشبيلية"، ومعه حِزمتان كبيرتان ("haldos")، ليسلّمهما إلى وكيله في آسفي (Çafi). ولمّا دُفعت أجرةُ الشحن وشُحِنت الحِزمتان، ظهر عند التفريغ في الوجهة أنّ "قطعةً من الفولاذ، من تلك التي كانت في تلك الحِزم"، مزّقت الكيس، فانسكب على مرأى من الناس ثلاثةُ قناطير من المعدن وثمانيةٌ من حجر الكبريت. ولمّا كان بيعُها للموريّين محظوراً، لكونها من عتاد الحرب، جمع رودريغِس "الحِزم" وعاد بأقصى سرعةٍ، إذ إنّه، إذ لم يكن ينوي مغادرة وطنه، كان مستقبلُه متوقّفاً على أن يسبق المُبلِّغَ إلى القضاء. فأبلغ القاضيَ عن كريادو، متّهماً إيّاه بأنّه "أرغمه" على تحميلها بالخديعة[4].
ولمّا لم يكن سلوكُ ذوي المقام الملكيّ نموذجاً في الأخلاق، فإنّ الشعبَ، الذي اعتاد أن يُخدَع من قِبل السلطة وهو أعزلُ، صار يخدع بدوره. وكما كان شائعاً أن يبيع مجهّزو السفن لمصلحتهم البضائعَ التي تُودَع لديهم، كان شائعاً كذلك عدمُ احترام العقود. ففي سنة 1488، كان التاجر البُرغُسيّ ألفونسو دي سلامنكا (Alfonso de Salamanca) قد اشترى "كومةً" من السكّر في ماديرا. وكان المكلّف بشحنه أخوه بيدرو دي سلامنكا (Pedro de Salamanca)، الذي كان يعمل وكيلاً في إنكلترا، فاستأجر سفينة (nao) خوان لاندا (Juan Landa)، من أهل ليكِيتيو (Lequeitio). فأقلعت من لندن بحمولةٍ من الأقمشة، عبر لشبونة، حيث كان عليها أن تتسلّم بضائعَ بقيمة 2,500 دوقة، اشتراها الوكيلُ في البرتغال. وفي الطريق، صادف لاندا مواطناً له، فاتّفقا معاً على العودة إلى قاعدتهما. فأُلغِيت الرحلة، لكنّ لاندا، إذ رأى أنّ الأقمشة قد قطعت مسافةً حتى الساحل الباسكيّ، رفض أن يُفرِج عن حِزمةٍ منها دون أن يقبض أجرة النقل. فاضطُرّ سلامنكا إلى الإذعان. وباستئجاره شحناً على عجل، دفع أجرة النقل ورسوم الميناء وإعادة الشحن، دون أملٍ في استرداد الخسائر، إذ إنّ شركة التأمين، لكونها إنكليزية، لم تكن تغطّي انعدامَ الجدّية التجارية[5].
ولم يكن يقلق الملكين الكاثوليكيين أمرُ الحِيَل والدهاء، ولا أن ينزلق الصيّادون المعتادون على مصايد جزر الكناري إلى شواطئ غينيا، فينصبوا شباك الجرّ في ما استولت عليه البرتغال. بل كانوا يتغاضون عن ذلك، مُراكِمين شكاوى خوان الثاني (Juan II)، ليبرّروا إخلاء ساحل الضفّة الأخرى (اللنده)، تمهيداً لـ"الاكتشاف". وحسبهم أنّهم في 19 مارس 1489 تذرّعوا بمعاهدة ألكاسوباس (Alcaçobas)، مذكّرين رعاياهم بحظر "التدخّل" في "غينيا المذكورة، من مبادلاتٍ أو مُفاداةٍ أو مناجمَ أو أراضٍ أو جزرٍ منها"، دون إذنٍ من لشبونة. كما لم يكن لهم أن يعترضوا السفن الذاهبةَ إلى بلاد السود أو الآتيةَ منها بترخيصٍ من ملك البرتغال. ومن يفعل ذلك يُعاقَب بوصفه "ناقضاً" للسلام، إذ كان لزاماً على أرباب القضاء والأهالي أن يحتجزوا في الميناء كلّ من يُشتبَه في توجّهه[6] إلى "غينيا بمناجم ذهبها، وأيّةِ جزرٍ وأراضٍ أخرى، مُكتشَفةٍ وما لم يُكتشَف بعدُ، مُصادَفةٍ وما لم يُصادَف بعدُ، وجزيرة ماديرا، وبورتو سانتو (Porto Santo)، وديزيرتا (Deserta)، وجميع جزر الآسور (Açores)، وجزر لاس فلوريس (Flores)، وكذلك جزر الرأس الأخضر (Cabo Verde)، وجميع الجزر... التي تُوجَد وتُصادَف، من جزيرة الكناري نزولاً باتّجاه غينيا". ومن يكمن في البحر ليأسر العائدين من المنجم (la Mina)، يُساق إلى البلاط، ويبقى رأسُه رهنَ مشيئة الملكين[7].
وفي مطلع سنة 1489، يظهر في الوثائق شخصٌ غريبٌ يُدعى دون خوان دي ليون (don Juan de León)، وريثُ ممالك طاوغاوتي (Taugaute) في بلاد البربر، أميرُ جميع الأعراب. وكان قد طلب من الملكين الكاثوليكيين جوازَ مرورٍ ليُبحر إلى قشتالة، لأنّه رغب في أن "يُحدّثنا ببعض الأمور التي فيها صلاحُ خدمتنا"، أُذِن له بأن "يأتيَ آمناً إلى بلاطنا" من حيث يشاء، مع تنبيه أميرِ البحر الأكبر، والقائد العامّ للأسطول، والملّاحين القشتاليّين، إلى أنّهم إن صادفوه عاملوه بما يليق به من احترامٍ، متضمّناً ذلك وثيقةً تضمن له أن يغادر قشتالة متى شاء[8]. ويروي سيدينيو (Sedeño)، مستنداً إلى مصدرٍ هو تأريخ الدون رودريغو (D. Rodrigo)، رئيس أساقفة طليطلة، أنّ ابن خوان الأوّل، فِرناندو دي أنتِكيرا (Fernando de Antequera)، ذاك الذي خسر معركة الخوباروطة (Aljubarrota) ضدّ البرتغال، والذي سيُنتخَب ملكاً على أراغون، أرسل في عهد إنريكي الثالث سفراءَ إلى "القسّ يوحنا صاحبِ الهند" (Preste Johan de las Indias)، وإلى سلطان بابل، وتيمورلنك، والتركيّ الأعظم، "لمجرّد أن يُطلَع على أراضيهم وأحوالهم وعاداتهم، وما في تلك الأصقاع من أمورٍ جديرةٍ بالذكر". ومن المغري أن يُربَط أميرُ الأعراب بذلك القسّ الأسطوريّ، لكنّ الأصوب فيما يبدو ربطُه بخوان دي ليون آخرَ، من أهل إيزابيلا (Isabela)، الذي أُنيط به اعتباراً من سنة 1497 إنفاذُ الوصايا الأخيرة للقشتاليّين المتوفّين في الهند[9].
توفّي سيكستوس الرابع (Sixto IV) سنة 1484. وبعد فشل محاولة انتخاب رودريغو بورخا (Rodrigo Borgia)، اعتلى العرشَ البابويَّ إينوسنسيو الثامن (Inocencio VIII)، الثريّ بالذهب، الذائع الصيت بالسحر، المعادي للملكين الكاثوليكيين. وكان الكردينال داهيةً، فما إن تراجعت صحّةُ الحبر الأعظم حتى هيّأ للمستقبل، ناصحاً الملكين بأن يستدرجا خوان الثاني إلى رفع دعوى أمام روما، بحجّة أنّهما يجتاحان ما "استولى عليه"[10]. وامتثالاً لذلك، أجّرت إيزابيلا في 7 مارس 1490 إلى خوان دي بينِغاس (Juan de Benegas) وبيدرو كانسينو (Pedro Cansino)، وهما صيّادان من بالوس[11]، مصايدَ أنغرا كاباّوس (Angra Caballos) ورأس ألبوخادور (Cabo Alboxador)، مع "ستّ فراسخَ نزولاً... وهو ما يقابل ساحل الكناري حتى آخر جزيرة الحديد (Hierro)"، مع حقّ التأجير من الباطن وطردِ المتطفّل بقوّة السلاح من المياه والشواطئ[12]. وقد مارسا ذلك، فوقع ملك البرتغال في الفخّ القانونيّ. فقضاةُ بابا في رمقه الأخير، مستوحين من الأمر المُنتظَر، تغاضوا عن الأدلّة الوثائقيّة، متذرّعين بأنّ موقع رأس بوخادور (Cabo de Bojador)، لكونه غير دقيقٍ بسبب ضياع الذاكرة به، لا بدّ من تحديده لأجل حسم النزاع. وفي غضون ذلك، ومن باب الإنصاف المحض، بقيت المياه المجاورة محظورةً على البرتغاليّين والقشتاليّين معاً.
ولمّا تلقّى الملكان الكاثوليكيان الحكمَ، استخدماه لتنظيف تلك المياه: فمع وجود "خلافٍ بيننا وبين صاحب الجلالة ملك البرتغال... حول المصيدة المذكورة"، سيُعاقَب حسبما ينبغي كلُّ رعيّةٍ يذهب "لصيد سمك الكازون" "خلافاً لأمرنا ونهينا"، إلى "مصيدة أسماك رأس بوخادور، وأنغولا، وسان بارتولومي، ولوس كاباّوس"[13]. وكانت الحجّة جيّدةً لجرد أولئك الذين كانوا يتردّدون على غينيا، بأسمائهم وألقابهم، إذ إنّ معرفتهم ستساعد على إسكاتهم. فتولّى ديِغو خيرال ريكو (Diego Giral Rico) إجراء "تحرٍّ وتقصٍّ" في بالوس وسواها من الموانئ، ليعرف أيَّ "أشخاصٍ وسفنٍ كارابيلا قد ذهبوا" إلى ضفّةٍ أخرى (اللنده) يُراد إنساءُ وجودها. لكنّ الموظّف، لقلّة خبرته، سافر إلى غينيا ليباغتهم في المفاداة والمصايد. وكان الساحلُ واسعاً، فعاد حائراً، معترفاً بأنّه لم يستطع أن "يعرف الحقيقة تماماً، أذهبت بعضُ سفن الكارابيلا إلى المصيدة المذكورة أم إلى مكانٍ آخر". ولمّا كانت السفن الذاهبةُ إلى "المفاداة" يُبلَّغ عنها بحكم طبيعة الحمولة، اقترح أن يكشفها حين "تعود"، في شهر أغسطس. فبعد استجواب البحّارة والرُّبّان، على يد جلّادٍ خبير، سيُعرَف "بأمر مَن ذهبوا للصيد إلى تلك المصايد، مصيدةِ رأس بوخادور، ومرسى لوس كاباّوس (Ancla de los Cavallos)، وسان بارتولومي"، مع إغفال أنغولا، لأنّها، لبُعدها عن السواحل التي كان يجب أن تُطهَّر من القشتاليّين، لو كُرّر اسمُها لأحدث التباساً. وقد وُقّعت الوثيقةُ في معسكر غرناطة الملكيّ، في مطلع أغسطس 1491، وأُمِر فيها كلُّ من ذهبوا أو أمروا بالذهاب إلى مصايد غينيا، بالمثول في البلاط خلال الأيام الثلاثين الأولى، وإلّا عُومِلوا معاملةَ "ناقضي السلام"[14]. ولقد كان مستحيلاً أن تُعلَن "جزراً" مجهولةً تلك التي زارها كولومبوس، لولا أنّ الكنيسة أسهمت في تشويش الذاكرة الجماعيّة. فبعون محاكم التفتيش وبعض المحاكم المدنيّة التي لم تكن دونها، لم يجرؤ إلّا القليلون على مناقضة السلطة. ففي الحاضر، سكت المرتابُ أو ردّد الكذبةَ من محض الخوف، فورثها المستقبلُ بوصفها بنداً من بنود العقيدة، من محض الجهل.
ومن بين الأسلحة التي طُبِّقت لإبعاد التجّار والصيّادين عن جزر إفريقيا وغينيا، برز سلاحُ الجباية. فأولئك الذين كانوا يتردّدون على الموانئ الصغرى، وكانوا معفَين من دفع رسم المُشرفيّة (almojarifazgo) على شحن البضائع وتفريغها وإعادة شحنها، سُنَّت لهم سنة 1490 تعريفةٌ ملكيّة، فُرِضت بموجبها رسومُ "عبورٍ" (portazgo) باهظة. ووُزِّعت سنة 1491 على بيخِر (Vejer)، وتشيكلانا (Chiclana)، وكونيل (Conil)، بحيث كان على كلّ بضاعةٍ تدخل ضمن محيط فرسخٍ حول القرية أن تؤدّي تلك الرسوم. ومراعاةً لتقارب الحدود، فإنّ من يدفع في إحدى القرى لا يدفع في القريتين الأخريين. ومع أنّ الضريبة على السكّر كانت معتدلةً، فإنّ فارق الارتفاع في الرسم، الذي كان يثقل كاهل السلع القادمة من وراء البحار قياساً بالسلع شبه الجزيريّة، بيّنٌ لا لبس فيه. وفي خليطِ "البهارات، أو الأمتعة الصغيرة، أو أدوات السروج"، نجد "البرانس" (albornoces)، و"الألمايسارات" (almayzares)[15]، التي أبرزها بارتولومي كولومبوس (Bartolomé Colón) دليلاً على أنّ أخاه كان في باريا (Paria)، و"الزعفران، أو الفستان (fustanes)، أو الشاميلوت (chamelotes)، أو الحرير المنسوج أو الخام، أو من القيساريّة، أو الأخمرة... خيوط الذهب أو الفضّة، مشغولةً أو غير مشغولةٍ، أو المُطرَّز، أو الذهب على شكل سبائكَ أو عجينةٍ، أو اللؤلؤ، أو الأحجار الكريمة، أو الزئبق، أو الزنجفر". وكانت حمولةُ أيٍّ من هذه الأصناف أو من عدّةٍ منها مجتمعةً تؤدّي 24 مرابطياً (maravedís)، وهي أعلى تعريفة. أمّا نبات الوسمة أو "النِّيلة" (añir)، منفرداً، فقد فُرِض عليه 12 مرابطياً على الحمولة، شأنه شأن "الصمغ" وسائر الأصباغ، والقطن، والورق. ومن بين جلود "الوحش البرّيّ" (salvajina) التي كانت تؤدّي 6 مرابطيات على الحمولة، يظهر السنّور المتوحّش (gato cerval)، وهو نوعٌ من أنواع الهند بحسب فِرنانديس دي أوبييدو (Fernández de Oviedo)، بينما كانت حمولةُ "الحلزون" تؤدّي 4 مرابطيات، و"عن كلّ عبدٍ أو أمةٍ من الموريّين، أو يهوديٍّ أو يهوديّةٍ رقيقاً، 12 مرابطياً"[16]. وفي بيّناتِ دعوى ضدّ دوق مدينة سيدونيا، تعود إلى منتصف القرن السادس عشر، كان أهلُ بيخِر يبكون الزمنَ الذي كانت فيه السفن تقلع من نهر برباطي (Barbate) قاصدةً أماكن الضفّة الأخرى (اللنده) التابعةَ لملك البرتغال، محمّلةً بالحبوب والزيت والبقول، لتجلب الأصباغ والبهارات والذهب والأسرى.
ولمّا كان الصيّادون معفَين، لأنّهم جهّزوا أسطولاً لسانشو الرابع (Sancho IV) وفِرناندو الرابع (Fernando IV) لفتح طريفة، وحصار الجزيرة الخضراء (Algeciras)، والاستيلاء على جبل طارق، فقد أثقلتهم الضرائبُ لمّا اقترب الاكتشاف. ففي سنة 1491، هدّد صيّادو خِريس (Jerez) بترك المهنة، لأنّ الجباية، بجمع البنود، كانت تلتهم 32% من مداخيلهم الإجماليّة[17]، وتزامن احتجاجُهم مع احتجاج بيدرو بورتوكاريرو (Pedro Portocarrero)، "صاحبِ بلدة" موغِر (Moguer). فقد اشتكى، بالاشتراك مع رعاياه، من "المظالم" التي كان يرتكبها مُشرفو (almojarifes) إشبيلية. فإذ وضعوا زورقاً في الميناء، لم يحترموا امتيازَ الحرث والتربية الذي كان يتمتّع به الأهالي، مطالبين بحمولاتٍ جائرةٍ عن السمك، فضلاً عن مطالبتهم بها من الأهالي و"أشخاصٍ آخرين ممّن يفدون إلى هناك حديثاً"، عن المحاصيل. وإخفاءً لنيّة تصفية الملّاحين القدامى، كسب الملكان الوقتَ بتعيين رودريغو دي كوايّا (Rodrigo de Coalla) قاضياً محقّقاً، ليقفَ على مقدار الرسوم القديمة، لمقارنتها بالحديثة، قابضاً أجرَه على حساب المشتكين[18].
ولمّا كان ألفونسو الثاني عشر (Alfonso XII) قد منح آل غوسمان (Guzmanes) مُشرفيّةَ ولبة (Huelva) وسواها من موانئ دولتهم، وراثيّةً، مؤكِّداً ذلك إنريكي الرابع وإيزابيلا نفسها، فإنّ ممانعة الأعضاء المنصرفين من المجلس البلديّ في احترام نتيجةٍ انتخابيّةٍ لم ترُقهم، أتاحت للملكة أن ترسل شرطيّاً من الحاشية والبلاط، بذريعة إحلال النظام في الشأن البلديّ، ليستولي على السيطرة على الجمرك الذي كان في أيدي خدَم دوق مدينة سيدونيا. وعند استجواب الصيّادين عن كيفيّة عمله، أكّد الشرطيّ أنّهم لا يدفعون عن الشحن والتفريغ، ولا مكساً (alcabala) في البيع الأوّل، لتمتّعهم بامتياز الحرث والتربية. ولمّا كان التجّار والباعة المتجوّلون يشترون، فتقع البيعةُ الثانية في الداخل أو خارج المملكة، كان الريعُ منعدماً عمليّاً. وعدَّ الموظّفُ المجّانيّةَ إهمالاً، فتذرّع بالتبذير. فأُسنِدت المُشرفيّةُ إلى التاج، ودخلت حيّز التنفيذ في 11 ديسمبر 1491. وصُودِرت أرزاقُ الصيد، فصار على من يريد استردادها أن يسدّد ما عليه للجباية. فلمّا حسب الصيّادون حساباتهم، خلُصوا إلى أنّ الربح لا يعوّض عناء العمل، فأوقفوا نشاطهم، دون أن يشتبهوا في أنّهم أعلنوا إضراباً سابقاً لأوانه[19].
وفي السنة نفسها، شرع الملكان الكاثوليكيان في حملتهما لإغلاق موانئ السيادة الخاصّة التي كانت تنافس موانئ التاج (الملكيّة). فهذه الأخيرة كانت تتمتّع بميزة توفير سوقٍ عند قدم الرصيف، لكنّ التجّار كانوا يفضّلون الموانئ الخاصّة، ولا سيّما ميناء سانلوكار (Sanlúcar)، لأنّ ما تحمّلوه من أجور النقل كان يعوّضه إتقانُ خدمةِ مرشدي العبور على الحاجز الرمليّ وعمّالِ الشحن، فضلاً عن دعمٍ آخر، إذ كان السادةُ يعقدون مع النقابات والزبائن اتفاقاتٍ على المُشرفيّة والمكس بمبلغٍ سنويٍّ مقطوع، يُترجَم إلى تخفيضاتٍ جوهريّةٍ، حتى في رسوم الإرساء، تعوّضها كثرةُ الوافدين. ولمّا ارتفعت المداخيلُ منذ القرن الرابع عشر، أثارت شهيّةَ مُشرفي التاج، فبدؤوا دعاواهم في حياة ابن غوسمان الطيّب (Guzmán el Bueno). فأصدر ألفونسو الحادي عشر (Alfonso XI) أوّل حكمٍ لصالح سادة البلدة سنة 1327. فلمّا استُؤنِف، أكّده بيدرو الأوّل (Pedro I). وحُظِر على مستأجري مُشرفيّة إشبيلية أن يسجّلوا السفن الداخلةَ إلى ميناء سانلوكار أو الخارجةَ منه، فصادق على ذلك الملوكُ المتعاقبون، وأكّدته إيزابيلا في حينه. وفي سنة 1491، بينما كان إنريكي دي غوسمان (Enrique de Guzmán) في معسكر غرناطة الملكيّ، حُجِزت مُشرفيّةُ سانلوكار وريوعُها بأمرٍ ملكيّ، ثمّ رفع الحجزَ غونسالو دي قرطبة (Gonzalo de Córdoba)، جابي الملكين، قبل انقضاء السنة. وما إن ورث الابنُ حديثاً حتى بدأ الملكان الكاثوليكيان، في 4 يونيو 1492، دعوى ماليّةً جديدةً ضدّ شخصه[20]، وضدّ مجالس بيخِر، وتشيكلانا، وبرج غوسمان (Torre de Guzmán)، وسانلوكار، بنيّة إغلاق الموانئ.
وكذبا بثقةِ من يجب أن يُصدَّق بمرسوم، فقالا إنّهما أُبلِغا حديثاً بأنّه في مراسي آل غوسمان "قد جرى ويجري شحنُ البضائع الذاهبةِ والآتيةِ عبر البحر وتفريغُها". واتّهما خوان دي غوسمان (Juan de Guzmán) بأنّه أدخل هذه الحركة التجاريّة "بسلطته الخاصّة، دون سببٍ عادلٍ ولا سندٍ"، ليجبيَ "مُشرفيّاتٍ وضرائبَ وسواها من الرسوم الكثيرة المتنوّعة... التي يُقال إنّها ألحقت وأنزلت ضرراً بالغاً بالتجّار والمتعاملين الذين يشحنون بضائعهم ويفرّغونها في تلك الموانئ"، فوقع النائبُ العامّ في تناقضٍ مزدوج. فمن جهةٍ، كانوا يدخلون ويخرجون عبر البحر دون أن يدفعوا "أيَّ شيء" لمُشرفي إشبيلية "ولا لأشخاصٍ آخرين"، لأنّ الرعايا "كانوا من كلّ ذلك أحراراً، وأنّ ذلك كان معمولاً به" منذ زمنٍ طويلٍ إلى حدٍّ "لم يكن في ذاكرة الناس ما يخالفه"، وكان الملوك "أسلافُنا" يعلمون بذلك، إذ كانت أعرافاً وعاداتٍ عتيقةً أكّدوها مراراً. ومن جهةٍ أخرى، لو كان ارتيادُ المراسي المذكورة مُكلِفاً، لتجنّبها التجّار وقصدوا موانئ التاج، ذات الوصول المباشر إلى السوق، دون حاجةٍ إلى تضخيم كلفة البضائع بأجور نقلٍ إضافيّة[21].
وغيّر النائبُ العامّ حجّته، فانتقل إلى صميم المسألة، ملمّحاً إلى "الضرر والنقص" الكبير الذي كان يلحق بريوع التاج، "لأنّه يُقال إنّه إن كانت بعضُ الرسوم قد أمكن ووجب، أو يمكن ويجب، أن تُجبى في تلك الموانئ المذكورة أو في بعضها"، فإنّها من حقّ التاج "لا من حقّ أيّ شخصٍ آخر"، إذ إنّها تضيع نهائيّاً حين لا يجبيها أحد. وجعلا الشعب ينطق بما يوافق مصلحتهما، فأشارا إلى "رعايا مخلصين" مجهولين، "توسّلوا وطلبوا" أن يُصدرا "أمراً بالمعالجة والإصلاح"، فنزلا عند طلبهم، آمرَين بإجراء تحرٍّ. وأمّا سانلوكار، لكونها الأهمّ، فتولّاها ألونسو دي مارمول (Alonso de Mármol)، الذي كان له أن يحقّق مدّة 180 يوماً، قابضاً على حساب الطرف المُدَّعى عليه 300 مرابطياً في اليوم، وخمسة رِيالات للكاتب[22]. أمّا المُجاز (licenciado) بالبوا (Balboa)، المكلّف بالموانئ الصغرى، فأغلقها دون مزيدٍ من التحرّيات[23]. ولمّا فُوجئ دوق مدينة سيدونيا بضيق الوقت، عرض الضررَ الذي يلحق بالأهالي. لكن ما كان قطُّ ملكٌ يُقدّم رفاهَ الرعيّة على طموحه إلى السلطة والمجد والثروة. وخشيةَ أن تسوءَ الأمور إن أُتيح لآل غوسمان مكانٌ ووقتٌ لإبراز الوثائق، صدر الحكمُ دون محاكمةٍ، قاضياً بأنّ "مُشرفيّة شحن البضائع وتفريغها في البحر، عبر تلك الموانئ المذكورة وكلٍّ منها، هي من حقّ الملك والملكة وتاجهما وتعود إليهما". وقُضِي بإغلاق موانئ بيخِر وكونيل وتشيكلانا، ثمّ حسمت عبارةٌ قاطعةٌ المسألةَ: "نفرض على الدوق المذكور وورثتِه وخلَفِه صمتاً أبديّاً، حتى لا يتدخّل، الآن وإلى الأبد، في جباية أو تحصيل تلك المُشرفيّات، عن شحن البحر وتفريغه... ولا يعرقل أو يزعج المُشرفين"، المخوَّلين بأن يضعوا حرّاساً وزورقاً و"وكلاءَ وجُباةً، سواءً داخل تلك الأماكن أو في أيّةِ مواضعَ أخرى". وأمّا من "يشحن أو يفرّغ في تلك الموانئ"، فيؤدّي الرسوم المقرّرة بموجب "قوانين دفتر المُشرفيّة" أو التعريفة، "سواءً عن حرثه وتربيته أو عن سواها من الأشياء"[24].
وأُعفِي آل غوسمان من المصاريف، فلم يُقدّر هذه اللفتة. فتعريضاً لنفسه لدفع مصاريفَ باهظة، رفع استئنافاً عبر المُجاز لوسيرو (Luzero)، الذي وصف الحكم بالاعتداء، إذ كان معلوماً أنّ ميناء بيخِر كان نشطاً سنة 1307، حين استولى غوسمان الطيّب على البلدة. وفي كونيل أو برج غوسمان، جرى شحنٌ وتفريغٌ منذ تأسيسها حتى أن هُجِرت، على ما يبدو بسبب الطاعون. وبعد أن أُعيد استيطانها سنة 1410، فُتِحت "من جديد"، إذ إنّها، فضلاً عن امتلاكها مصيدةَ التونة (almadraba)، كانت تحتضن هياكل مصايد؛ وكان معلوماً للعامّة أنّ السفن كانت تشحن وتفرّغ في تشيكلانا، وإن بعددٍ أقلّ، دون أن يتدخّل التاجُ في أيّ وقتٍ ليحظر ذلك. وإثباتاً لما قيل، والوثائقُ في اليد، أعلن المحامي أنّه ممّا لا يُقبَل أن يحاول النائبُ العامّ مناقضةَ ذلك، متذرّعاً بشهاداتِ "أناسٍ فقراءَ وحقيرين وواهني الرأي، وخدَمٍ وحرّاسٍ لأولئك المُشرفين"، الذين، فضلاً عن كونهم طرفاً، فإنّ أكثرهم "يتكلّم عن سماع"، بوصفهم أناساً "ذوي معتقداتٍ باطلة" و"متناقضين بعضُهم مع بعض"[25]. وباسم المجالس والسيّد، طلب أن يُبطَل الحكمُ، لأجل بدء دعوى جديدةٍ وفقاً للقانون، أمام قضاةٍ محايدين، يحترمون الحقوق والمُهَل، مُتيحين وقتاً لجمع الشهادات، ليُثبِتوا أنّ "شحنَ وتفريغَ البلدات وأنهارها وموانئها يعود إلى الدوق المذكور" وإلى الأهالي، الذين كانوا "أحراراً من دفع تلك الرسوم". ولمّا كان آل غوسمان ومحاميه من ذوي الخبرة، فلا بدّ أنّ استخدام كلمة "الإنصاف" قُصِد به إخجالُ قضاة الملك. ولا بدّ أنّهم بلغوا مقصدهم، إذ غيّر القضاةُ حجّتهم: فبيتُ غوسمان وبلداتُه قد فقدت حقوقاً وأعرافاً وعاداتٍ، لأنّها لم تقدّم سنداتها إلى المجلس ضمن الثمانين يوماً التي منحتها الكورتيس (Cortes) سنة 1480. ومع أنّ الحكمَ بـ"ألّا يُشحَن ولا يُفرَّغ" في موانئ كونيل[26] وتشيكلانا وبيخِر أصبح نافذاً، فقد ظلّ حبراً على ورق، إذ بقي ميناءُ برباطي نشطاً حتى أواخر القرن السابع عشر.
ولمّا طالت حربُ البرتغال في "إفريقيا"، وقّع ملكُ فاس في أغسطس 1489 هدنةً مع خوان الثاني، رافعاً حصارَ غراسيوسا (Graciosa). وبعد ذلك بقليلٍ زحف على طنجة، مُحبِطاً محاولةَ القوّات البرتغاليّة المرابطةِ في أصيلة (Arcilla). وفي أثناء النزاع، ازداد عرضُ الرقيق. ولمّا تشبّع السوقُ المعتاد، بحث عنه الفلورنسيّون في الأندلس. ففي سنة 1491، أدخلوا إلى مالقة سفينةَ كارابيلا فيها 100 رأسٍ من السود، "ذكوراً وإناثاً"، متذرّعين بـ"الخوف من القراصنة". وما إن رست حتى طالب ممثّلُ مُشرفي إشبيلية، وكان يهوديّاً بالمناسبة، بعشرين "قطعةً" بوصفها الخُمس، فتدخّل خوانوتو بيراردي (Juanoto Berardi)، ليكرّر، للمرّة تلو الأخرى، أنّها من حقّ ملك البرتغال، بوصفه صاحبَ غينيا. ولم يشأ الملكان الكاثوليكيان أن يتنازعا مع لشبونة وفلورنسا، فأنصفاه: "لم يُدفَع الخُمسُ قطُّ في ممالكنا" عمّا "يأتي من تجارةٍ لا من غزو". لكن لوجود دعوى معلّقةٍ أثارها المُشرفون، بقي السودُ مودَعين أمام الكاتب ألونسو مارمول، ضماناً لدفع المصاريف[27].
وقبل انقضاء السنة، أسر شرطيٌّ من الحاشية والبلاط، من أهل جبل طارق، بعضَ الموريّين كانوا عابرين من الضفّة الأخرى (اللنده). وبِيعوا لأهل طريفة، دون التفاتٍ إلى احتجاجات حاكم سبتة، ثمّ تبيّن أنّهم أعضاءُ "سفارةٍ" يتزعّمها فادٍ للأسرى (alfaqueque) مهمّ، كان خوان الثاني في انتظاره. فاحتجّ ملكُ البرتغال، فأمر الملكان الكاثوليكيان بردّهم. وأُعيد الفادي إلى الحصن البرتغاليّ، لكنّ رفاقَه بقوا محتجَزين، لأنّ الحاكم (corregidor) قضى بأنّهم غُنِموا في "حربٍ عادلة"، إذ قاوموا خاطفيهم بعنف. وقد أرغم تدخّلٌ جديدٌ من خوان الثاني على إطلاق سراحهم[28]. ولمّا عُزِل بيدرو دي بيرا (Pedro de Vera) عن حكم جزر الكناري، وأُعيد إلى داره في خِريس، حيث كان في يناير 1492[29]، تمكّن فِرنانديس دي لوغو (Fernández de Lugo) من أن يبدأ حربه. وتمكّن كولومبوس من أن يبدأ اكتشافه.
- SRGS. III.1489.430.
- SRGS. XI.1490.42/XII.1490.79.
- SRGS. V.1490.182.
- SRGS. XII.1490.75.
- SRGS. VII.1488.189.
- SRGS. III.1489.346.
- SRGS. III.1489.333.
- SRGS. I.1489.175.
- P.C. T. I.
- أو جزيرة سان ميغِل. بارتيدا بالما (Partida Palma) على ارتفاع رأس بوخادور، كانت تتاخم من الجنوب الأرضَ العالية (Tierra Alta). وكانت مناجم أكلا (Acla) في نطاقها.
- في سنة 1507، كان لدوق مدينة سيدونيا ثلاثُ سفنٍ (naos): الكبيرة (la Grande)، التي كان يقودها ربّاناً بيدرو فِرنانديس؛ وبابيليرا (Papelera)، التي كان يقودها مانويل كانسينو؛ ولا غايِغا (La Gallega)، في رعاية عبدٍ ومركبين صغيرين (tafustas)، كان ربّانَيهما فرانسيسكو ماتشين وفرانسيسكو ريسو، من جبل طارق (ADMS. 931).
- SRGS. III.1490.116.
- SRGS. VIII.1491.78. يظهر في "مرآة الملّاحين" (Espejo de Navegantes) وسواه من كتب الطرق البحريّة. على 15 درجة، باسم ميناء الخيول (Puerto de Caballos).
- SRGS. VIII.1491.78.
- ADMS 2428. كان لدوق مدينة سيدونيا عبيدٌ سودٌ وكناريّون. وكان الذي "ينسج الألمايسارات" كناريّاً من "الجزر".
- ADMS. 1064. في القرنين الثالث عشر والرابع عشر كان هناك رقيقٌ يهودٌ، وغرناطيّون، ومن شمال إفريقيا و"بربرية" (كتاب "الرقيق والخدم في العصور الوسطى". المؤلّف: جاك هيرس Jacques Heers).
- SRGS. IV.1491.240.
- SRGS. V.1491.99/II.1492.236/SRGS V.1493.95.
- ADMS. 680. 1386.
- بحسب التأريخ، توفّي إنريكي دي غوسمان، دوق مدينة سيدونيا الثاني، في أغسطس 1492. لكنّ الوثائق تُثبِت وفاته في مطلع يونيو.
- Simancas. Depósito Medina Sidonia. 4.6.1492/11.1.1504.
- Simancas. Depósito Medina Sidonia.
- SRGS. VI.1492.153.
- Simancas. Depósito Medina Sidonia.
- Ibídem.
- Simancas. Depósito Medina Sidonia.
- SRGS. VI.1491.45.
- SRGS. I.1492.164.
- Ibídem.