تمهيد إنريكي الرابع
في عام 1610 كان مولاي الشيخ (Muley Xeque) يتلقّب ملكاً على المغرب وفاس وسوس[1]. وفي عام 1637 كان مولاي محمد الشيخ (Çex) يدعو نفسه إمبراطور المغرب، وملك فاس وسوس ودَرعة (Dará) وتافيلالت (Tafilete)، "مع ممالكه في غينيا"، وغاغو (Gago) وتمبكتو، وأقاليم هاها أو حاحا (Haha o Haxa)، ودُكالة (Duquela o Ducala)، وتامسنا أو مسنا (Tamizna o Misna). وبعد ذلك بعامين كان "خاضعاً لطاعته الملكية... أقطاب المغرب"، إذ "تذلّل لأمره... رعايانا من أقطاب بلاد المورسكيين"، مع "ملوك غينيا الأقوياء وأقطابها القاصية والدانية"[2]. وفي عام 1640 "تذلّل لبركته ملوك غينيا الأقوياء، من قطبٍ إلى قطب"[3]. والقارة الوحيدة التي تمتد من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي هي القارة الأمريكية. وكان ملك البرتغال ملكاً على "ما دون البحر وما وراءه في إفريقيا"، وسيّداً على "غينيا" (da Guinee)، وعلى "فتح إثيوبيا والعربية وفارس والهند والملاحة والتجارة فيها" (da conquista, navegaçao e comercio de Etiopía, Arabia, Persya e la India)[4]، وعلى منطقة الغرب (Algarbes)، وكان ابن جوان الثالث أول من تلقّب أميراً على البرازيل. أما الملكان الكاثوليكيان فكانا ملكين على جزر الكناري، وجزر الهند، وممتلكاتهما في إفريقيا والأرض الراسخة (Tierra Firme). وكان فيليب الثاني ملكاً على جزر الكناري، والهند الشرقية والغربية، وجزر البحر المحيط وأرضه الراسخة.
مع تراكب السلطات، واختلاط أتباع الديانات المختلفة، ليس من اليسير تحديد الإقليم الذي سيطر عليه الشريف، ولا مواقع المسلمين واليهود وعبّاد الشمس والأرواحيين (animistas) والمسيحيين، على تفاوتٍ في هرطقتهم وأصالتهم. وفي حين كان رعايا العاهل الإسلامي وملك البرتغال أحراراً في أن يعتقدوا ما شاؤوا، فإن التعميد في جزر الكناري وهنود قشتالة فُرض بالابتزاز. فإن لم يُخلّص المرء من نظام الإنكوميندا (encomienda) والميتا (mita)، فقد وضعه في مأمنٍ من العبودية. وإذا كان الأرواحي سهل الاهتداء، فما كان المسلم كذلك على الأرجح. فلولا وجود سكانٍ مسلمين واسعي العدد، لوفّر شارل الخامس على نفسه مرسوم عام 1540 الذي يحظر استرقاق أتباع محمد الذين قدّموا ولاءهم لملكٍ مسيحي.
في عهد الإمبراطور، قُبل هذا الوجود دون الالتفات إلى أنه يضع "إنتِركايتيرا" (Intercaetera) لعام 1493 موضع الشك، إذ احتملت الكنيسة أن يكون القرآن قد نفذ إلى الجزيرة الأمريكية الكبرى قبل أن ينفذ إليها الإنجيل. لكن حين اكتُشفت قوة الدعاية في غمار الصراع ضد أشكال البروتستانتية المختلفة، اتفقت الكنيسة والرؤوس المتوّجة المعنية على استئصال ماضي القارة، بأن تُذيب في عدمٍ لا يُسبر غوره التاريخ الذي سبق الاكتشاف. وحين دُمّرت آثار الثقافات الأصلية بقدر ما أمكن مادياً، فُرض النموذج (paradigma)، فمرّت دون أن يُنتبه إليها أوجهُ القرابة بين الأمريكي القديم ونظيره في الشرق الأوسط، وامتنع عالم الآثار عن مقارنة الأمريكي بتماثيل ماري (Mari) أو بحر إيجه (Egeo). وإذا كان وعي الباحث لا يلتقط ملامح بوذا مكتنزٍ ذي سماتٍ شرقية في تمثالٍ أولميكي (olmeca)، أو الوقار المتيقّظ للكاتب (Escriba) في رأسٍ أزتيكي، فذلك لأن اللاوعي قد أُبلغ بأن شعوب القارات الثلاث، المتصلة برّاً، كانت قبل عام 1492 تجهل وجود الجزيرة الأمريكية الكبرى.
لم يقع مكيافيلي في العبث. فهو يخبرنا بعفويةٍ أنه لمّا فُتحت غرناطة، شرع الملك الكاثوليكي في فتح "إفريقيا"، لأن هذا هو الاسم الذي حمله مسرحُ فتح ألونسو فيرنانديز دي لوغو (Alonso Fernández de Lugo) و"اكتشاف" كولومبوس. وكان فولتير أذكى من أن يتقبّل الأكذوبة الكولومبية، لكنه إذ لم تكن بين يديه أدلة وثائقية، مضى في متاهةٍ فكرية معقدة حتى كشف الآلية التي يطبّقها القشتالي المتزمّت ليكيّف الواقع بما يوافقه، مبرهناً على أن الاكتشاف المزعوم كان مستحيلاً عقلاً. لكن لمّا كان الإسباني عنيداً عدواً للتحليل النقدي، إذ شوّهته الثيوقراطية، فرض مثاله الأعلى، محطّماً أدلة الواقع، معوّلاً على قصور الذاكرة الجمعية. ولم يُخطئ. فقد كفى مرورُ سلطةٍ قاسيةٍ رقيبةٍ على التاريخ لكي يُنسي الحفيدَ ما عرفه الجدُّ، بعد أن بُدّلت أسماء المواضع. وطُمس أنه في أمريكا،
كما في "العالم القديم"، تراكبت الأمم وأسماء المواضع على الإقليم الواحد نفسه، قبل ظهور الفاتحين بزمنٍ طويل. ونحن نعلم أن الجزر الخالدات (الفورتوناتا) لم تكن جزر الهسبيريدس (Hespérides)، لأن أوليسيس أبحر ثلاثين يوماً بين الأرخبيلين. لكن يشقّ علينا أن نُقرّ بأن قرطاجة وموريتانيا نشأتا من موت طرشيش (Tharsis). أو أن نقبل أنه في أنتيبود جزر المولوكا (Molucás) كانت هناك إثيوبيا، هي غينيا، سُمّيت أرض السود، لأن أهلها كذلك، كما في الساحل الآخر. وسُمّيت بربرية (Berbería) لأن الإسلام ساد فيها. وعُرفت باسم آسيا وجزر الهند تلك المناطقُ التي حكمت فيها الأجناس ذوات اللون "الأسمر" (loro) أو الكستنائي، أما أجزاؤها، بل لعلّها بجملتها عند بعضهم أو في لحظةٍ ما، فسُمّيت جزر الكناري وماديرا (Madeira)، ثم ظهر لاحقاً، لأسبابٍ من الجغرافيا السياسية، اسمُ الرأس الأخضر (Cabo Verde) بجزره. وكما سائر الشعوب، خضع الأمريكيون لملوكٍ وزعماء وسادةٍ من أهل البلاد أو من الأجانب. وقد مارس كولومبوس "الفداء" (rescate)، على غرار كل من مرّ بالهند وجزر الكناري، إذ كان ملكا قشتالة والبرتغال يقبضان الجزية (parias) والأخماس، شأن الشريف.
أما القديس بورندون (San Borondón)، ذلك الراهب الإيرلندي الذي عبر البحر لزيارة مملكة المدن السبع، فقد روى رحلته. غير أن القرّاء ما بعد الكولومبيين فسّروها بوصفها وصفاً صوفياً للفردوس. وعلى إثر ذلك أحال التاريخ النورمانديين وغيرهم من الرحّالة الذين اقتفوا خطاه إلى الساحل المقابل الذي نسمّيه اليوم غينيا. ومن أساطيلهم نحتفظ بذكرياتٍ متناثرة. فهناك خبر عن الأسطول الذي أقلع من دييب (Dieppe) بسفينتين عام 1365. رسا في الرأس الأخضر، متبعاً "دييب الصغرى" (Petit Dieppe). فذهبت إحدى السفينتين إلى ساحل المانِغيتا (Manegueta)، بحثاً عن الفلفل الحار، وذهبت الأخرى إلى ساو تومي (Santo Tomé) و"المناجم" (Minas)، تجمع الذهب والعاج. أما أسطول عام 1374 فأقلع في نوفمبر. تزوّدوا بالماء في جزر الكناري، ووصلوا في عيد الميلاد إلى الرأس الأخضر. وواصلوا عبر ساحل المانِغيتا حتى النهر العذب (Río Fresco)[5]، ونسبوا إلى أنفسهم تأسيس محطة تجارية في "دييب الصغرى". وأتمّوا الشحنة في غينيا "الذهب". وأما أسطول عام 1382 فحمل أربع سفن. وافترقت عند الرأس الأخضر، ففادَت السفينة "سان نيكولاس" (San Nicolás) عند رأس كورسو (Cabo Corso)[6] وموري (Mouré)، "فوق" المنجم؛ وفادت "إسبيرانسا" (Esperanza) في فانتين (Fantín) وسابو (Sabú) وكوميتين (Cometín)، فبلغت "منجماً" غنياً بالذهب. ولدى عودتهم، بعد عشرة أشهر من الملاحة، قرر مجلس المدينة تأسيس محطةٍ تجارية، فأرسل أسطولاً في عام 1383، محمّلاً بمواد البناء والأدوات والبنّائين، فبنوا برجاً في أكرا (Akkara)، وتركوا حاميةً من عشرة إلى اثني عشر رجلاً. ونشأت في ظلّه قريةٌ ذات كنيسة. وجاب النورمانديون ساحل إفريقيا الغربية من رأس لوبِه (Cabo Lope) إلى الرأس البارد (Cabo Frío)[7]، فبلغوا "أطراف" موريتانيا، مركز التجارة في العالم الإسلامي. ويُقال إنهم، على غرار الفايكنغ، أُجلوا عنها بسبب الطاعون. لكن قد يكون ما أصابهم هو الهجر، أثراً من حروب شارل السادس والتقدّم البرتغالي. وقد حافظت فرنسا على فرنسا الجديدة (Nueva Francia)، فاقتسمت باكالاوس (Bacalaos) مع إنجلترا الجديدة (Nueva Anglia) والسويد الجديدة (Nueva Suecia). وبحسب هورتادو دي مندوثا (Hurtado de Mendoza)، جغرافي القرن السابع عشر، سُمّي الساحل "المتوسطي" لأنه الأقرب إلى أوروبا.
اتّعظ جوان الأول بعد كبوة عام 1411، ففتح سبتة عام 1415. ولمّا كانت رأساً كنسياً لأبرشية المغرب في عهد القوط[8]، منحته حيازتُها قوةً معنوية. وفي عام 1416 تجاوز فرسان المسيح (Caballeros de Cristo) جزر الكناري، فوصلوا إلى رأس نعم (Cabo de Naam). وبعد ذلك بعامين منح مارتينوس الخامس (Martín V)، وهو البابا الوحيد بعد انقسامٍ كنسي مزدوج الرأس طال أمده، البرتغالَ حق شنّ حملة صليبية في مملكة فاس، التي كانت حدودها الشرقية عند مليلة والغربية عند رأس بوجادور (Cabo de Bojador)، وتشمل مملكة مِصّة (Meça). وحين "اكتُشفت" جزر ماديرا عام 1418[9]، منح الحبر الأعظم البرتغالَ حق الحملة الصليبية في المملكة، فشُرع في تقسيم عام 1430. وبعد أن نُصّب جوان الأول عاهلاً على فتح فاس، بقيت جزر الكناري لقشتالة. ولمّا اكتُشفت جزر الأزور (Azores) رسمياً على يد غونثالو فيلهو (Gonzalo Velho) عام 1431، وطُوي رأس نعم على يد غوميس بيريس (Gomes Pireis) عام 1434، مُنحت الجزر للبرتغال عام 1435[10]. وفي عام 1436، أعاد البابا أوجينيوس الرابع (Eugenio IV)، وقد أضجرته شكاوى جوان الثاني ملك قشتالة، جزرَ الكناري إلى البرتغال، على اعتبار أن أهلها لم يُهتدَوا. وحين انقسمت لابالما (Palma) عند رأس بوجادور، سُمّي الجنوب البرتغالي سان ميغيل (San Miguel)، وأُدرج بالتناوب في جزر ماديرا والرأس الأخضر، بل حتى في جزيرة تِرسيرا (Tercera). وكانت ماديرا مركزاً للتجار الذين "يكتشفون" نحو الغرب، ومحطةً لسفن لشبونة في طريقها إلى الرأس الأبيض (Cabo Blanco) ونهر الذهب (Río de Oro)[11].
في عام 1441 أبحر أنتاو غونصالفيس (Antâo Gonsalvez) نحو الغرب، بحثاً عن السود وكلاب البحر. فلمّا رسا في ميناء الغالِيا (Puerto de la Galea)، على ساحل العرب، أرسل عبداً من هذا الجنس، شحنه بوصفه ترجماناً "مورسكياً"، ليفاوض على الشراء. وتعذّر التفاهم مع الأهالي لأنهم كانوا يتكلمون "الأزناقية" (azanegue)، فأنهى البرتغاليون العملية بالقوة، فأسروا عرباً. وكان في السبيّة أداهو (Adahu)، رجل جوّاب آفاق يتقن العربية. وحين صار الأسرى على متن السفينة، أرسلوا العبد الترجمان ليتفاوض على الفداء. فعاد أسيراً، محاطاً بمئة وخمسين مورياً، منهم خمسة وثلاثون راكبين على الخيل أو الجمال. ولمّا كانوا أكثر من أن يُشرع في قتالهم، خرج غونصالفيس إلى البحر، ولم يتوقف حتى بلغ لاغوس (Lagos). وحين قُدّم أداهو إلى الأمير دون إنريكي، وعده بخمسة أو ستة موريين سود لقاء كل أزناقي، إن أُعيدوا إلى وطنهم. وكان الاتفاق مربحاً، فأرسلهم الأمير في مركبٍ شراعي. وبقيادة أداهو، صعد البرتغاليون نهراً مسافة أربعة فراسخ، وأرسوا في انتظار من يفاوضهم. وبعد مضيّ سبعة أيام دون أن يطلّ كائنٌ حي، كانوا يستعدّون لرفع المراسي، حين ظهر رجلٌ راكبٌ على جملٍ أبيض، يتبعه مئة موريّ ومورسكي مشاةً. فتوصّل مارتين فيرنانديز (Martín Fernández)، وكيل فداء الأمير (alfaqueque)، الذي كان يتكلم الأزناقية، إلى الحصول على خمسة سود لقاء كل عربي، مع هديةٍ إضافيةٍ من بيض النعام ومسحوق الذهب[12]. وفي أثناء ذلك نزل لوبيس دي ألميدا (López de Almeida) ورفيقٌ له في خليج الخيل (Angra de Caballos). وبعد أن نزلا برزخ الأرض برّاً، في حماية المراكب الشراعية، قاتلا في اليوم التاسع اثنين وعشرين من الأهالي. وفي اليوم الحادي والعشرين بلغا نهر الذهب، الواقع بين رأس بوجادور والأرض العالية (Tierra Alta)[13].
أما فتح قشتالة للأرض العالية فيُذكر في مرسومين (albalás) منحهما إنريكي الرابع عام 1463، وهو عام تغيّر السلالة الحاكمة في المغرب، إذ سقط بنو مرين. ففي الأول، المؤرخ في العاشر من يناير، يعلن الملك أن كل ما كان بين رأسَي آخر (Ajer) وبوجادور، مع "النهرين" والبحر الصغير (Mar Pequeña)، "إذ هو من فتحي فإنه يخصّني ويخصّ التاج الملكي لممالكي"، مذكّراً بأن دييغو دي هيريرا (Diego de Herrera)، "الذي له جزر الكناري"، قد استولى "باسمي" على "كل تلك الأراضي والأنهار والمصايد"[14]، وهو عملٌ يبدو أنه وقع عام 1461، ولا شك في ذلك لأن إنريكي الملّاح (Enrique el Navegante) قد توفي عام 1460، وردّ عليه ألفونسو الخامس ملك البرتغال بتعزيز قلعة أرغيم (Arguim) التي كانت قد سقطت. وفي تاريخ المغرب يُثبت استيلاء هيريرا على تادلة (Tedler) وغودار (Guardar)، وهما إقليمان من هذه المملكة، على افتراض أنه فعل ذلك باسمه الخاص. أما المؤرخون الإسبان، رغبةً منهم في النسيان، فينقلون العمل إلى غران كناريا القشتالية، محوّلين الأقاليم إلى أمراء متنافسين.
ولمّا لم يحدث ذلك النفير من الصيادين والتجار والسادة وسائر الدخلاء الذي كان يرجوه الملك، عزم على أن يلوذ بفعالية المبادرة الخاصة، فمنح العقار، على سبيل السيادة والشيوع (proindiviso)، لدييغو دي هيريرا وغونثالو دي سآبيدرا (Gonzalo Saavedra)[15]، وكلاهما مطّلع، أحدهما لإقامته في جزر الكناري، والآخر لامتلاكه طريفة، وهي ميناءٌ للصيادين والتجار الذين يترددون على المغرب الأطلسي. لكن لمّا افترض العاهل أن الأراضي المشمولة بالمنحة هي تلك التي "قد اكتُشفت من ناحية جزر الكناري المذكورة"[16]، صرف المخاطَبون السيدين الجديدين إلى جهةٍ أخرى، إذ يستحيل أن يُعلَن حديثَ الاكتشاف ما وُطئ حتى الملل.
ولمّا لم يجد هيريرا وسآبيدرا حلاً، انطلقا بحثاً عن الملك، فوجداه في لِرين (Lirín)، إثر دخوله نافارّا في إطار الحرب مع أراغون التي بدأت في مطلع العام. وفي البلدة، في العاشر من أغسطس، أصلح الخطأ، كاذباً كما يُحسن الكذب من يملك أن يعاقب على جريمة إهانة جلالة الملك من يناقضه. فزعم أنه يستنسخ المرسوم السابق "كلمةً بكلمة"، ثم أسقط كل إشارةٍ إلى "الاكتشاف"، ليلجأ إلى صيغة "المحض الاختيار والعلم اليقين والسلطان الملكي المطلق" (propio motu, cierta ciencia y poderío real absoluto)، وهي صيغةٌ تضع كلمة الملك فوق كل القوانين، فأعطت هيريرا وسآبيدرا صلاحية إغلاق الأراضي والبحار. فلهما أن يطردا الدخيل بالقوة، وأن يقضيا ويحكما وينفّذا العقوبات دون استئناف، بما في ذلك عقوبتا الإعدام والنفي، على كل من يعارض إرادتهما. وحين أقرّ بوجود كومنداري (comendadores) وقادة الرتب الأدنى في الرهبانيات العسكرية، أصحاب "القلاع والبيوت الحصينة أو المكشوفة"؛ ووجود الأفراد، ملّاك العقارات، شراءً أو منحاً، والسادة المحليين والصيادين والتجار والوسطاء وكل "من يجوب بحار ممالكي"، فإنه، فضلاً عن نزع ملكيتهم كما فعل بالأدميرال، أمرهم بالتعاون مع السيدين في حيازة العقار، شأن قضاة المملكة، ولا سيما قضاة جزر الكناري. ورأى الملك من المناسب تحديد العقار في الظروف الجديدة، فأدرج معالم جغرافية لم تُذكر في يناير. فبعد أن أشار إلى وفرة "الأنهار" و"الشواطئ" و"الجزر" و"الموانئ"، سمّى ميناء موغادور (Mogodor)، إلى جانب رأس آخر أو آغير (Ajer o Aguer)[17]، حدّ السيادة.
كانت المنحة تنطوي على نزع الملكية الثاني عن جوان دي غوثمان (Juan de Guzmán) في أقل من اثني عشر شهراً. وفي الحوليات يظهر فتح جبل طارق مفصّلاً، لأنه يُنقل من عام 1456 إلى عام 1462. ففي حولية ميغيل لوكاس دي إيرانثو (Miguel Lucas de Iranzo)، التي أهملها مصحّحو التاريخ، يُروى أنه في عام 1456، بعد أن أغار على غرناطة، وصرف الجيش في إستيبونا، خرج إنريكي الرابع من أرض الموريين عبر الساحل، مع حفنةٍ من الفرسان. وحين أُخبر بأن جبل طارق بلا حماية، احتلّ حيّها. ولمّا كان الأهالي قد تحصّنوا في القلعة، أرسلوا رسلاً برسالةٍ مفادها أنهم "سيسلّمون" لجوان دي غوثمان "ولا لسواه... وبهذه الطريقة كُسبت"[18]. أما "مذكرة المآثر المتنوعة" (Memorial de diversas hazañas) لدييغو دي بالِيرا (Diego de Valera) فتسكت عن تسليم الحصن، لكنها تأخذ إنريكي الرابع إلى جبل طارق. فاستقبله القائد ابن قميشة (Aben Comixa) بالهدايا وموكبٍ من الفرسان، وأذن له بالتنزّه على الأسوار والتحصينات في استعراضٍ طائش. أما التراستامارا (Trastamara) فكان أحذر، فنزل في برج قرطاجنة الذي كان خارج الأسوار، حيث زاره الكونت أوديميرا (Oudemira)، قائد سبتة. وحين دُعي إلى زيارة الحصن، أراد العاهل أن يذهب "أبعد من ذلك، ليرى مملكة فاس".
وكان غونثالو دي سآبيدرا وجوان فيرنانديز غاليندو (Juan Fernández Galindo) خبيرين بالعبور، فعارضا ذلك، لأن ملكاً بلا عقب لا ينبغي أن يعرّض نفسه لخطرٍ "عظيم" كهذا، لأن "طريق البحر مشكوك فيه" ومتقلّب، وهي حجةٌ ما كانا ليسوقاها لو كان ساحل فاس على الجانب الآخر من المضيق، إذ يكفي أن يطلّ المرء على البحر ليتحقق من حاله. لكن التراستامارا كان عنيداً، فأبحر في أفضل سفن أوديميرا، ولم يستطع "مطاردة أُسد الجبل" في مقصده، لأن الموريين تقدّموا في غارةٍ خيّالة أمام أسوار الحصن. وفي العودة تقدّمته سفينة إنذار، وأمر غونثالو دي سآبيدرا بأن ينتظره في طريفة حيث اعتزم النزول. ولمّا كان من المستحيل التنبؤ بحال الجو من مسافةٍ بعيدة، وصل إنريكي الرابع والبحر هائج. وبعد أن سلّم قيادة طريفة إلى سآبيدرا، على حساب الأدميرال فادريكي إنريكيس (Fadrique Enríquez) مالك البلدة، مضى نحو إشبيلية[19].
ولمّا كان دوق مدينة سيدونيا سيّد جبل طارق بحقّه الخاص، إذ منحه إياه الموريون، أراد إنريكي الرابع أن يضمّه إلى تاجه عام 1462. فتنازل الغوثماني بشرط ألا يُمنح على سبيل السيادة. وقد أزعج ألفونسو الخامسَ تدخّلُ هيريرا وسآبيدرا في فتحه، فشكا إلى ملك قشتالة. وحُدّد اللقاء في جبل طارق. وفي عام 1463 انتقل التراستامارا من إشبيلية إلى الحصن، وعبر البرتغالي من سبتة. ولمّا اتُّفق على زواج خوانا، وريثة قشتالة، من أمير البرتغال، وزواج الأميرة إيزابيلا من الملك الأرمل، حُلّت المشكلة. ومستغلاً إقامته، أعطى إنريكي الرابع جبل طارق لمحظيّه بلترانَ دي لا كويبا (Beltrán de la Cueva)، مُفهماً دوق مدينة سيدونيا أن نكبته لا رجعة فيها. وقد عزم على استعادة "جزر رأس آغير" بطريقةٍ لا تقلّ عدم مشروعية عن تلك التي استعملها العاهل ليستولي عليها، بل أشدّ حسماً، فحرّر وصيةً نقل بها الأموال والممتلكات إلى ابنه، مع احتفاظٍ متكتّم بحق الانتفاع مدى الحياة. وفي الخريف، وقد تجهّز بقرضٍ منحه إياه رعاياه الأندلسيون مكّنه من تجهيز جيش، أشيع أنه مات، لئلا يدفع تبعات أفعاله. وقد استقبل هيريرا وسآبيدرا استقبالاً سيئاً أدميرالُ قشتالة، الذي حرمته المنحة الإنريكية من أخماسٍ وافرة وإيراداتٍ أخرى تأتيه من الأرض تمكّنه من اقتناء عُدّة الحرب وقبض رواتبه، واستقبلتهما استقبالاً أسوأ منه جمهرةُ الملّاك والتجار والصيادين المطلوب طردهم، إذ ضايقهم الأهالي الذين حرّضهم الغوثماني، فأعلنوا أن الأرض "خطرةٌ بالموريين"، مقرّين بأنها "أليقُ بكم أيها السيد الدوق، لأنكم سيّدٌ عظيم قادرٌ على الدفاع عنها وفتحها، منّا نحن الذين لا نقدر على ذلك"[20].
وعزّز الحجةَ مليونٌ ونصفُ مليون من المرابطي (maravedís) سلّمها غوميس دي ليون (Gómez de León) باسم إنريكي دي غوثمان على سبيل التعويض، فقبل هيريرا وسآبيدرا التنازل عن المنحة، دون شرطٍ سوى أن يُزوّدا بوثيقةٍ تضعهما في مأمنٍ من الغضب الملكي، إذ كان الغرض من الهبة إخراج آل غوثمان من سيادتهم. ولمّا لم توجد هذه الوثيقة، إذ إن الذين منحوا العقار هم الشيوخ والرعايا المحليون لكونه من قبيل البهيترية (behetría)، لُجئ إلى مزوّرٍ، رديءٍ بالمناسبة، صنع مرسوماً منسوباً إلى جوان الثاني، يمنح المنحة نفسها للدوق دون جوان. وبإشهاره، تمكّن هيريرا وسآبيدرا من الاحتجاج بالخوف من "نزاعٍ" قضائي: "أنتم أيها السيد الدوق تناقضوننا، قائلين إن السيد الملك دون جوان، طيّب الذكر، أول من منح الأرض والبحر المذكورين للسيد الدوق دون جوان، والدكم، رحمه الله، وقد أبرزتم مرسوماً موقّعاً من السيد الملك دون جوان". وأضافا أن إنريكي الرابع "ما كان ليمنحنا المنحة والهبة المذكورتين" لو أنه كان على علمٍ بذلك. أما التنازل عمّا تضمّنته مراسيم عام 1463، الذي يُحتفظ بأصله، فوقّعه في السادس عشر من فبراير عام 1464 بيدرو باسكيس دي ساييبيدرا (Pedro Vasques de Sayavedra)، قائد طريفة، ابن غونثالو، المتزوّج من ابنة دييغو، بحضور الأب والحمو وغياب دوق مدينة سيدونيا الذي مثّله غوميس دي ليون[21].
وضاق المكان بأمين المحفوظات، فأدرج امتياز جوان الثاني، المؤرخ في عام 1449، في "الجرد القديم" للمحفوظات، بعد مراسيم عام 1463. وكان مطّلعاً على البواطن، فعلّق على اتفاق "جزر رأس آغير"، معتبراً المتوفى حياً: فالدوق دون جوان "بقيت له"[22]. وقد أتاح هذه الحيلةَ أن الدوق الأول كان أول سيّدٍ على "الجزر"، ربما عن طريق الوراثة. ومن المحتمل أنه ربط جوان الثاني بسيادته نحو عام 1449، والدليل على ذلك الذهبُ الذي ظهر في الوثائق الملكية، وإن كان لعلّه أتى من جزر الكناري ذاتها. وأياً كان الأمر، فقد كان هناك ردّ فعلٍ من ألفونسو الخامس، إذ إنه بالتحديد في عام 1449 منح تجارة "الكناري ورأس بوجادور" من رأس كانتين (Cabo Cantim) لإنريكي الملّاح[23].
وما لم تظهر أدلة جديدة، سيكون من الصعب تحديد من كان أول غوثماني سيّداً في رأس آغير. ففي مرسومٍ من عام 1288 منحه سانتشو الرابع (Sancho IV)، محفوظٌ في دير القديسة إينيس (Santa Inés) بإشبيلية، يظهر ألونسو بيريس دي غوثمان (Alonso Pérez de Guzmán) بوصفه "رعيّةً" (vasallo) للملك. ويكفي أن يستعرض المرء قائمة المصدّقين في أي امتيازٍ من امتيازات ذلك العهد، ليلاحظ أن هذا اللقب كان مقصوراً على الأجنبي الذي قدّم ولاءه لملك قشتالة. وحين يأذن له بحمل خبزٍ مثلّث "إلى ما وراء البحر، حيث هو" (a Allén Mar, do él es)، يشير إشارةً واضحة إلى موطن أصل المستفيد. ولمّا لم يكن من عادة الإسبان، المربّين على التزمّت الديني، أن يخلطوا بين "الكينونة" (ser) المتعالية و"الوجود" (estar) العرضي، فإن عبارة "حيث هو" (do él es) يجب أن تُفهم دالةً على المنشأ، وعبارة "ما وراء البحر" (Allén Mar) بوصفها اسم موضع، إذ لو كان المقصود "في الجانب الآخر من البحر" لأُسقط حرف الجرّ "إلى" (a).
كانت نقطة أليندي (Punta de Allende)، أليندي (Alinde) عند البرتغاليين، على ساحل المارانيون (Marañón)، عند خط عرض درجة وثلثٍ جنوباً، وينسجم مطلبُ غوثمان الطيّب (Guzmán el Bueno) مع خصائص الأرض. فلمّا كان المدار لا يُنبت قمحاً ولا شعيراً ولا زيتوناً، اضطرّ الأهالي، الذين يبدو أنهم اعتادوا استهلاكه، أن يجلبوه استيراداً. أما الولع الذي أبداه بطل طريفة بالحصول على موانئ في ساحل الغرب (Algarbe)؛ ومبادلته سيادة قلعة سيدونيا، المعروفة اليوم باسم قلعة الغزول (los Gazules)، بأرض الخبز والزيتون في مونتياغودو (Monteagudo)؛ وشراؤه الأليخار (Alijar)، الغنية بالحبوب، حيث كان سيستخرج منها الثلاثمئة قفيز (cahíces) الموجّهة إلى الوطن، فقد يدلّ على أنه انتقل إلى قشتالة بوصفه وكيلاً ومورّداً لمملكة المغرب، ما يفسّر وجود بكره إلى جانب الأمير دون جوان، الذي حاصر طريفة مدعوماً بجنود أبي يعقوب (Abeacob)، وعادة ضمان ولاء الخدم المرابطين في الخارج باستبقاء أعزّ أفراد الأسرة رهينةً. وكان حفيد هذا الغوثماني سيّداً على جزيرة أرديلِس (Ardiles) الغامضة، وابن حفيده سيّداً على جزر الكناري، وابن ابن حفيده سيّداً على جزر رأس آغير. أما الابن الذي ورث مؤسّس البيت، فلا نعلم عنه إلا أنه وُلد في المغرب، وتخاصم مع ديره في سانتيبونثه (Santiponce) ضد جباة إشبيلية (almojarifes)، ليتمكّن من مواصلة إخراج زيت المحصول بحراً.
ولمّا كانت "جزر رأس آغير" كثيفة السكان، وأسماء المواضع فيها غير مستقرة، فقد كانت تشمل إقليمي تادلة وغودار أو غالدار (Guardar o Galdar)، اللذين هما عند بعضهم في غران كناريا، وعند أهل غران كناريا في بربرية؛ وميناء وإقليم زبديق (Zebedique)، مع إقليم تيليت (Tilit)، على مسيرة ثمانية أيام من ميناء توروكوكو (Turucuco) بأرضه، وإقليم بني تامر (Benitemer)، الذي كان ميناؤه على مسيرة ثلاثة أيام بحراً من ميناء غاليباربا (Galebarba)، مع إقليم قاسمة (Caçima)[24]، وتُسمّى الأرض بأسماءٍ أخرى، مملكتَي مِصّة وآزمّور (Azamor)؛ ووطاطة (Vutata)، مع مدينة تاغاووس (Tagaoz)، حيث كانت قلعة أغاووس (Agaoz) ودار أغادير (Agadir)، وميناء نول (Nul)، وميناء إفني (Yfini) بقلعته، وأفران (Ufrán)، وتاماماريت (Tamamarte)، وتاغاماريت (Tagamarte)، وتيسيغوني (Tiçigune)، وأولاد عمار (Auladamar)[25]، وكل ذلك في رأس آغير و"جزره"، كما ميناء غوغارتي (Gugarti) وإقليم توفاني (Tufani)، على مسيرة ثمانية أيام من ميناء أيتودل (Aytudel)، وإقليم كاتاليات (Cataleat)، مع "جزيرة موغادور وحدودها ورأسها"، في "مملكة المغرب"، فضلاً عن تالغيلت (Talgilt) وتيريدي (Tiredi) وتِتِنِزت (Tetenezt)[26].
وقد وعد أهالي وطاطة إيزابيلا الكاثوليكية بأن يدفعوا لها الجزى التي كانوا يدفعونها لـ"الملوك الأسلاف"[27]، ولا يُستبعد أن تكون سيادة آل غوثمان بقيّةً من قرابةٍ مع أسرةٍ حاكمة. ولا يبدو أن الكاثوليكية تشير إلى سلالتها هي، حين وصفت عام 1473 إنريكي دي غوثمان بأنه "شخصٌ من نسلٍ ملكي"[28]، ولا أن هذا الأخير يشير إلى بيت قشتالة عام 1478، حين أقسم "بإيماني، بمن أنا، وبالنسل والسلالة الملكية التي أنحدر منها"[29]. ولمّا كان الأصل غريباً مشكوكاً فيه، أراد الدوق السادس لمدينة سيدونيا أن يمحوه، مع ذكرى إيزابيلا دي فونسيكا (Isabel de Fonseca) أو "العين الجافة" (Fuente Seca)، المعروفة شعبياً بـ"دوقة الروسيناس" (Duquesa de las Rocinas). لم تتزوّج الدوق الأول لمدينة سيدونيا، لكنها كانت أمّ الدوق الثاني، وتتصدّر شعاراتُها فناءَ دير سان إيسيدورو (San Isidoro) في سانتيبونثه: حبّارَتان (calamares) يفصل بينهما خنجرٌ، على أرضيةٍ أرجوانيةٍ بنفسجية، في شكلٍ معيّن (losange)، رمز المرأة الحرة، لأنها لم تشأ أن تتزوّج "بوجه الكنيسة". ويؤطّره ريش النعام، شأن شعار رفيقها الذي يستعيض عن قلاع البيت الملكي وأسوده بإطارٍ (orla) فيه أربعة أسودٍ متصالبة، مختلفة الأصل تماماً، شأن الشعار الذي أُدرج تحت قدور آل غوثمان (calderas) على واجهة كنيسةٍ في سنلوكار[30].
ومع أن فونسيكا موثّقةٌ في الحسابات حتى وفاتها عام 1494، فإن أربع ملاحظاتٍ في الجرد القديم، مشطوبةً على نحوٍ فاضح، تكشف أن الغوثماني، المتوفى عام 1468، لم يُقنّن العلاقة. وهي تشير إلى مراسيم بابوية ورسائل من إينوسنسيو الثامن (Inocencio VIII)، صدرت عام 1491، تُبرّئ بموجبها المتوفى ورفيقته من التسرّي الذي عاشا فيه، لكنها قبل كل شيء تمحو نغولة الابن. ولمّا كان الموضوع شائكاً، جعل بيدرو بارّانتيس (Pedro Barrantes)، مؤرّخ سِيَر البيت، صاحب اللقب الدوقي الأول يتزوّج، عام 1468، قبل وفاته بأيام، من إيزابيلا دي مينيسيس (Isabel de Meneses) لا وجود لها، تُنسب أمّاً للخلف. وقد حُرّر العقد على رقٍّ بيد مزوّرٍ من الطراز الرفيع، فلولا أنه أُدرج في الجرد بعد وثيقةٍ من عام 1541، حين كانت الحولية الزائفة تُحرَّر، لمرّ على أنه أصيل[31].
ويذكّرنا ألونسو دي بالِنثيا (Alonso de Palencia) أنه في عام 1454 ذهب سفراء جوان الثاني إلى لشبونة ليحتجّوا لدى ألفونسو الخامس، لأنه في حين كان لتاج قشتالة وليون "الصلاحية القديمة الحصرية للإبحار إلى بحار غينيا وشنّ الحرب على الموريين وسائر شعوب إفريقيا"، سمح "تكاسل القشتاليين" لملك البرتغال بأن يشنّ الحرب في المغرب، طارداً الغريب من بحارها وسواحلها. ومن المحتمل أن الاحتجاج، إذ رُفع إلى روما، كان في أصل تصديق نيكولاس الخامس (Nicolás V) في ذلك العام على تقسيم مملكة فاس الذي وضعه مارتينوس الخامس وأوجينيوس الرابع، ما أتاح للبرتغالي أن يغلق فتحه إغلاقاً محكماً. وكانت حجة "الضعف" متكرّرة، فعاد إليها إنريكي الرابع: فـ"بسبب الضعف" والخوف من البرتغاليين، الذين كانوا "يشوّهونهم ويقتلونهم بأشدّ العذاب" إن جازفوا بتجاوز جزر الكناري، امتنع القشتاليون عن الإبحار في بحار "الجزر"، أو عن الصيد بالجرّافة (jábega) في سواحلها والسواحل الأفريقية، دون رخصةٍ من الملك ألفونسو الخامس، الذي إذ نصّب نفسه سيّداً على الساحل "الإثيوبي"، جعل من مملكةٍ فقيرة "وطناً غنياً"، مجهّزاً أساطيل لاستيراد الإثيوبيين الأسرى والفلفل والذهب[32]. ولم يكن التراستامارا يشكّ في أن أخته إيزابيلا، مواصلةً التقليد، ستعلّق عليه تهمة "الضعف" للسبب نفسه.
وفي المرسوم الزائف المؤرخ في عام 1449، الذي نُسب عام 1464 إلى جوان الثاني، احتُفظ للتاج بالمناجم، والضريبة على النقود (moneda forera)، وعلوّ القضاء أو حق الاستئناف، كما كانت العادة، وهو تقييدٌ لا ضرر منه، إذ إن آل غوثمان اقتنوا العقار بالشروط ذاتها التي تلقّاه بها هيريرا وسآبيدرا، مع إضافة بعض التفاصيل المناسبة. فبعد أن جُمعت أسماء المواضع والمعالم الواردة في مراسيم عام 1463، أُدرج فتح "داخل الأرض" و"الأرض الراسخة"[33]. وإقليم البرتغال (Provincia de Portugal) كان يحدّه غرباً الأرض العالية الإسبانية، وشرقاً أرغيم، مطلعُ غينيا، وشمالاً جزر الرأس الأخضر. وكان سيادةً للأمير دون فِرناندو، قائد المملكة العام وأمير رهبانية آفيس (Avis)، ومن هنا تُربك المؤرخين العبارةُ الواردة في اتفاقات سانتا في (Santa Fe): "بعد أن تكونوا قد اكتشفتم وربحتم الجزر والأرض الراسخة المذكورة...". أما الشهود الذين يُدلون بشهاداتهم في الدعاوى الكولومبية فمُجمعون: فقد سمعوا دائماً "يُسمّون... الأرض الراسخة" الساحلَ الممتدّ من باريا (Paria) إلى بيراغوا (Veragua)، ولم يسمعوا قطّ "أن هناك أرضاً راسخة أخرى"، لأنه "ليس هناك ساحلٌ آخر يُسمّى الأرض الراسخة"، وهو واحدٌ وإن سكنه "تنوّعٌ من اللغات والأشخاص" المتباينين[34]، لأنهم، إذ يفتقرون إلى المراكب، كما كان الحال في جزر الكناري، لم يكونوا يتواصلون فيما بينهم[35]. وبحسب رودريغيس سيمون (Rodríguez Simón)، جاب كولومبوس ما "يُسمّى الآن الأرض الراسخة" في رحلته الرابعة، فتمكّن من أن يتحقق من أنه من هندوراس
إلى رِتْريتي (Retrete) كان كله ساحلاً واحداً، "بلا ذراع بحرٍ أو مضيق" يصل بحرَي الشمال والجنوب[36]، وهو ما يعني أن وجود المحيط الهادئ كان معلوماً. وقد عرف كريستوبال رودريغيس (Cristóbal Rodríguez) باكتشاف ثلاثة أقاليم من الأرض الراسخة، "في جزيرة غوانابو (Guanabo)، أثناء الحرب"، ونسب دييغو برييتو (Diego Prieto) إلى كولومبوس مواهب استشرافية: فحين كانوا ذاهبين "للاكتشاف" أول مرة، سمعه يقول إنه يبحث عن "أرضٍ راسخة" فيها "ذهبٌ كثيرٌ ولؤلؤ، وإنهم إن ذهبوا إلى هناك، فسيمنّ الله عليهم بنعمٍ كثيرة"[37]. وأدرج أنطونيو كينتيرو (Antonio Quintero)، وهو رجلٌ من رجال الهند، في الأرض الراسخة جزيرة بِرتو (Pirto)[38]، وكوبا، وإيغيراس (Higueras)[39]، وخليج الكونسبسيون (Concepción)، والخليج العذب (Golfo Dulce)، دون أن ينتبه إلى أن الجَزَريّة تكسر وحدة الساحل. وحمل دييغو سوتو (Diego Soto) اسم الموضع حتى سان خوان دي أولوا (San Juan de Ulúa)، بينما جعله آخرون يطوف بالقارة: "كله يُسمّى الأرض الراسخة"، لكونه ساحلاً "ممتداً على طوله، سواءٌ من ناحية بحر الشمال أو بحر الجنوب"[40]. وكان الكوسموغرافي سيباستيان كابوتو (Sebastián Caboto) يحرس مصالح فرنسا، فأوقفه عند نهر سانتي إسبيريتوس (Santi Espíritus) في فلوريدا، مستبعداً باكالاوس[41]. أما فرانثيسكو دي بوباديّا (Francisco de Bobadilla) فكان حاسماً: ساحلا نيكاراغوا كانا أرضاً راسخة واحدة[42].
ولمّا كان كل نقلٍ للملكية، ولو كان متوسط الأهمية، خاضعاً للموافقة الملكية، قدّم آل غوثمان اتفاق طريفة في المحكمة الملكية (real chancillería)، مرفقاً بمرسوم جوان الثاني الزائف. ولمّا فُهم أن آل غوثمان، بقبولهم أن أصل السيادة منحةٌ من ملك قشتالة، يعترفون ضمناً بحقّ التاج في نزع "جزرٍ" منهم لم يكن للتاج فيها ناقةٌ ولا جمل، ففي السادس عشر من أبريل عام 1464، أعلن إنريكي الرابع، معتبراً الأب حياً، أن الغوثمانيَّين سيّدان مالكان للأرض والبحار الواقعة بين الرأسين، مطبّقاً الصيغة السحرية: "بمحض اختياري وعلمي اليقين وسلطاني الملكي المطلق الذي أريد استعماله وأستعمله في هذه الحال..."[43].
حلّ آل غوثمان مشكلتهم في طريفة، لكن ليس سائرَ المتضرّرين من منحة عام 1463. وتآمر كثيرون، فاندلعت الاضطرابات في بلد الوليد (Valladolid) في الرابع عشر من سبتمبر عام 1464، يوم الصليب المقدّس، بقيادة الأدميرال، كما كان متوقّعاً. وكان إنريكي الرابع في موقف ضعف، فتخلّى عن مطامعه في ما وراء البحار حفاظاً على العرش. ولمّا كان الأعيان يريدون أخاه ألفونسو ملكاً، لكنهم لا يريدون خلق نزاعاتٍ وراثية مستقبلية، اضطرّ العاهل إلى فسخ الزواج البرتغالي ليزوّجه من ابنته خوانا، التي لم يكن أحدٌ يعتبرها لقيطة. وحين هدأت النفوس، ارتكب الملك حماقة تعديل قوانين المملكة، بموجب "حكمٍ" أصدره في يناير عام 1465. فإذ أُلزم الموريون واليهود بحمل علاماتٍ والانحصار في أحياءٍ مغلقة (guetos)، فإن المسيحيين، الخاضعين لـ"محاكم تفتيش"، سيُعاقبون إن لم يعيشوا مسيحيين. ولمّا كان المتنصّرون كثيرين، أوفياءَ لتقليدهم، ابتداءً بجوان دي غوثمان، دعت الكورتيس (cortes) نفسها للانعقاد للمرة الأخيرة. واجتمع نوّاب المدن في آفيلا (Avila)، فخلعوا إنريكي الرابع رمزياً بدميته، في الخامس والعشرين من يونيو عام 1465، مبايعين الأخ الأصغر ملكاً باسم ألفونسو الثاني عشر. وكان غونثالو دي سآبيدرا وإستيبان دي بيّاكريثيس (Esteban de Villacreces)، قائدا طريفة وجبل طارق، الثاني نيابةً عن بلترانَ دي لا كويبا، من أنصار إنريكي، فاعترضا اتصالات ألفونسو بحراً بمراكز التموين والذهب[44]، وأُوكل إلى إنريكي دي غوثمان أخذُ الحصن. وحين تحقّق ذلك بعد حصارٍ طويل، تلقّاه على سبيل السيادة.
في أغسطس عام 1467 هُزم إنريكي الرابع في أُلميدو (Olmedo). وأُسر في بيخار (Bejar) ثم في بلاسينثيا (Plasencia)، فحرّره الكونتان حارساه. وحين بويع من جديدٍ في طليطلة في مطلع يونيو، مات ألفونسو الثاني عشر في الخامس من يوليو في كاردينيوسا (Cardeñosa)، تاركاً التاج لأخته إيزابيلا التي بويعت في المعسكر نفسه. وتضاءل أنصارها، فهامت في البراري، محاولةً ألا تصطدم بجيش الأخ. ولمّا حوصرت في كادالسو (Cadalso) في مطلع عام 1469، نزلت إلى نُزل ثيران غيساندو (Venta de los Toros de Guisando) لتقدّم الطاعة لإنريكي، فأُلقي القبض عليها. وفي الطريق إلى أوكانيا (Ocaña)، عُقد مجلسٌ صغير في بيّاريخو (Villarejo). وعُفي عن الإيزابيليين، فأعاد الملك عقدَي زواج خوانا من وريث البرتغال، وإيزابيلا من ألفونسو الخامس[45]. ولولا أن بالتاسار بيّيرينو دي بيّالوبوس (Baltasar Bellerino de Villalobos)، مؤلف كتاب دوّار (rotario) عام 1592، قد أخطأ، لكان إنريكي الرابع قد استغلّ السلام لاستئناف المغامرة فيما وراء البحار. فقد كتب بأحرفٍ صريحة، مشيراً إلى عمليةٍ من طرازٍ كولومبي، أن بيثينتي يانييث بينثون (Vicente Yáñez Pinzón) "اكتشف" سان خوان دي لاس أمازوناس (San Juan de las Amazonas)، "في عام ألفٍ وأربعمئةٍ وتسعةٍ وستين"[46]. وفي أي خريطةٍ عمرها قرنان، نجد نهر بيثينتي يانييث بينثون في إقليم باريا، عند درجةٍ واحدة، خط عرضٍ شمالي. وكان الملكان في إكستريمادورا (Extremadura)، يسلّمان خوانا إلى أسرة الزوج، حين ساعد حزبُ جوان الثاني، الذي كان ينتمي إليه رئيس أساقفة طليطلة، إيزابيلا على الفرار، فغادرت أوكانيا، متزوّجةً زواجاً سيئاً في دوينياس (Dueñas) أو بلد الوليد من أمير أراغون، لتبدأ حرباً جديدة.
- ADMS. 2408.
- ADMS. 2417. Año 1637
- ADMS. 2418.
- ADMS. 925.
- Petit Dieppe y Río Fresco, pudieron estar en Cayena y San Luis.
- Chaves menciona un Cabo Corzo, en la costa de Marañón. Equivocados los grados, al estar al extremo este de Brasil, 2º al sur del punto en que baja la costa, viene a coincidir con Natal.
- Cabo Frío, al norte de Río de Janeiro, conserva su nombre.
- En el siglo XVI, lo fue de Santo Tomé y Cabo Verde.
- En mapas del Siglo XVI, encontramos un río y Cabo Deserto, en el Nuevo Reino o Colombia, Chaves menciona un Cabo Deserto en Nueva España.
- "Crónica de Guinea". Gomes Eanes de Zurara. Cap. IX. Se dice que Enrique el Navegante, a su muerte, dejó descubierta la costa, de los 22º a los 8'5º, donde estuvo Sierra Leona.
- C.G.
- C.G.
- Ibídem.
- ADMS 2478.
- Comendador de Montalbán. Enrique IV le dio la alcaidía de Tarifa, en 1457. Controló la villa, en detrimento del almirante Fadrique Enríquez, que la tenía por mayorazgo. Siendo el año de cortes, el rey indicó a Sevilla, que le designase procurador. Juan de Guzmán le trató de "hermano" a 27 de marzo de 1459, en carta dirigida al cabildo de Medina Sidonia, pidiendo que le permitiesen meter su ganado en el término ("Medina Sidonia en la baja Edad Media" L. Rodríguez Liáñez. Ana María Anasagasti. Doc. nº 135). Fue firmante de la "sentencia" de 1465, origen de la guerra civil. Enriqueño bajo Alfonso XII, a la muerte del rey, siguió a Juana. No queriendo rendirse a los Católicos en octubre, continuó la guerra por su cuenta, capturando navío en Cádiz. Arrestado en el otoño de 1477 y llevado a Jerez, donde estaban los reyes, se publicó que fue perdonando y dio vasallaje. Cuatro días más tarde, los Católicos se dirigieron a su esposa, Inés de Rivera, tratándola de viuda.
- ADMS 2478.
- ADMS. 4278. La "isla de Mogodor" aparece como provincia de Marruecos.
- Prueba el hecho concesión de la barca de Santi Petri, que cruzaba de Chiclana a Cádiz, otorgada en 1459 por Juan de Guzmán. Encabezando como señor de Jimena y Gibraltar, menciona a los gibraltareños como vasallos propios, con derecho a pasaje gratuito, para sus personas y mercancías.
- SRGS. II.1475.184. "Memorial de Diversas Hazañas". Mosén Diego de Valera. Confirmación en la posesión de estados y derechos, en favor de los Guzmanes, padre e hijo, firmada por Enrique IV en Sevilla, a 27 de junio de 1456, ratifica la salida del rey por la costa, recogida por el biógrafo de Lucas de Iranzo y Mosén Diego de Valera, en contra de Castillo, que le hace salir de tierra de moros por Córdoba.
- ADMS. 4278.
- Ibídem.
- ADMS. 4045.
- R.A. doc. II.
- Simancas. Depósito de Medina Sidonia.
- R.A. doc. XXXI/XCVIII.
- Simancas. Depósito de Medina Sidonia.
- R.A. doc. XXXI.
- Depósito Medina Sidonia. Simancas.
- ADMS.926.
- Las armas de ambos se encuentran en el Patio de los Muertos, de San Isidoro del Campo (Santiponce).
- ADMS 4045.
- "Crónica de Enrique IV". Alonso de Palencia. Década III.
- ADMS. 4278/4045.
- P.C. T. IV. T. VIII. T. IV.
- P.C. T.IV.
- P.C T. VIII.
- P.C. T.III.
- Hubo tres isletas a una legua de Tierra Firme, al este de río Oynari, llamadas Pititu, no Pirto.
- En el Golfo de Honduras, sobre el solar de Cartago. Chaves menciona Higueroto a 9º 1/3 grados. Era puerto de Tierra Firme, 8 leguas al oeste del Oynari.
- P.C. T. VIII.
- P.C. T. VIII.
- P.C. T. VIII.
- ADMS. 4278. Simancas. Depósito Medina Sidonia.
- SRGS. VIII.1477.370.
- "Crónica del Rey Don Enrique el Cuarto". Cap. CXXI. Diego Enríquez del Castillo.
- "Luz de Navegantes". Baltasar Bellerino de Villalobos. Manuscrito 1592. Ed. V Centenario.