Part IV · The Columbine Period · الفصل 6 من 7
تاج أفريقيا

تاج أفريقيا

أقلقَ الملكَيْنِ الكاثوليكيَّيْنِ المنحى الذي اتخذته مسألةُ الهند، فأرادا أن يُحكِما قبضتهما على "الأراضي المتاخمة" لجزر الكناري، مع البحر الصغير (Mar Pequeña)، فحصلا من ألكسندر السادس على المرسوم البابوي الزَّلِق "Ineffabilis"، الموقَّع في 13 من فبراير سنة 1495. ودون أن يستند إلى "علة فاعلة"، بل مع ذكرِ الخدمات التي جازى عليها العليُّ القدير في المرسوم "إنتِركايتيرا"، لجأ الحبرُ الأعظم إلى "المبادرة الذاتية" (propio motu)، ليُقلِّد إيزابيلا وفِرناندو مُلكَ "الأراضي والممتلكات الخاصة بهما" مما يقع في بلاد السراسنة المسلمين و"عبدة الأوثان" من إفريقيا[1]. وفي سنة 1496، أرادت إيزابيلا أن تُفعِّل هذا التاج، فسمّت البرجَ المشيَّد بين غران كناريا ولانثاروتي "سانتا كروث دي إفريقيا" (الصليب المقدس لإفريقيا)، وجعلت البحرَ الصغير حدًّا له[2]، لكن الحسَّ السليم تغلّب، فبقي محاولةً بلا استمرار. ولمّا انتهت الغزوةُ الثانية لتينيريفي على يد ألونسو دي لوغو، وعُيِّن ألونسو فاخاردو حاكمًا على غران كناريا، وكانت الهندُ مغلقةً أمام الدخيل منذ أن بدأت رحلات كولومبوس، فتحتها إيزابيلا في 10 من أبريل سنة 1495، ناقضةً بذلك الامتياز الممنوح للأميرال بأن لا يقترب أحدٌ من القارة دون إذنه. فأُذِن للأهالي والمقيمين في قشتالة أن "يتاجروا" ويستوطنوا في الأرض المتصلة (Tierra Firme)، دون شرطٍ سوى أن يُصرِّحوا باسمهم وموطن أصلهم أمام موظفي التاج، الذين يقيِّدون ذلك في الدفاتر[3].

وكما في زمن سابق، كانت كل سفينةٍ تحمل كاتبًا أو كاتبين، تكون بضائعُهما مُعفاةً من الرسوم وأجور الشحن. وكانوا مكلَّفين بجردِ بضائع غيرهم في رحلة الذهاب، ويجبون الخُمس أثناء العودة. واحتفظ التاج لنفسه بنسبة 10% من سعة الشحن في جميع السفن. وشحنُ ما يحملونه مجانيٌّ، فكان عليهم أن يرسوا في هِسبانيولا (الإسبانيولا) لتسليمه إلى الوكيل الملكي[4]. ولمّا كانت المؤنُ المخصَّصة للسكان المسيحيين مُعفاةً من الرسوم، شُدِّد على وجوب الشحن والتفريغ في قادس، حيث يُجمَع الخُمس، وتُجبى "أفارية" (avería) الهند التي صار التاج يسيطر عليها. وأصبح في متناول أيِّ أحدٍ الترخيصُ باكتشاف "جزرٍ أخرى وأرضٍ متصلة في ناحية الهند في المحيط، عدا الجزر والأرض المتصلة التي اكتُشِفت بأمرنا"، فبات بإمكان التجار أن يقايضوا أو يستقروا في "الجزيرة" التي تروق لهم، سواء كانت مكتشَفةً أو لم تُكتشَف بعد، إذ أقرّت الملكةُ أنه بسبب "الحظر الذي وُضع بأمرنا بأن لا يذهب أحدٌ إلى الهند دون إذنٍ منّا" رَكَدَ استيطانُ هِسبانيولا "التي هي مكتشَفةٌ ومُهتَدىً إليها"[5].

وقُسِّم المستوطنون فئتين، فالذين يتقاضون راتبًا من التاج، فضلاً عن تسليمهم عُشرَ ما ينهبونه أو ينتجونه، كانوا محرومين من امتياز الفلاحة والتربية الممنوح بصفةٍ وراثيةٍ للذين يستقرون في الهند على نفقتهم وحسابهم. وثلثا الذهب مِلكٌ للملكين، والثلث الباقي يبقى للمستوطن. وأما المهاجر الذي يختار هِسبانيولا مكانًا لإقامته، فكان يُطعَم عامًا كاملاً على حساب الخزينة، وكان بإمكان التجار أن يتاجروا مع المسيحيين في أيِّ صنفٍ باستثناء الذهب، لكن لا أن يقايضوا مع الأهالي[6]. وكانت إيزابيلا تأمُل أن تُحدِث أوامرُها حركةَ هجرة، لكن ذلك لم يحدث. وسعيًا وراء زبائن، منحت في 2 من يونيو سنة 1496 عفوًا عن الدم ("omecillo") للمجرم الذي يقيم عامًا في هِسبانيولا على حسابه. وإن هو بقي بعد انقضاء ذلك، كان له الحق في ثلث الذهب. ولمّا لقي العفوُ استقبالاً فاترًا، أرغمت الملكةُ الناسَ على الهجرة، آمرةً القضاةَ بمعاقبة المجرمين، مهما كانت الجريمة، بمئتي جلدةٍ تُنفَّذ برفقٍ، إذ يعقبها نفيٌ إلى الهند[7] لمدة عشر سنوات، إن لم يمكن الحكم به مؤبَّدًا. وكان يُطبَّق دون تمييزٍ بين الجنسين، لأن المرأة نافعةٌ كالرجل في "العمل في المعادن". وكان المحكوم عليهم ينتظرون في السجن المحلي، ثم يُنقَلون إلى سجن إشبيلية عندما يُعلَن في قادس عن سفينةٍ متجهةٍ إلى الهند. وأما المُدان الذي له مالٌ فكان يدفع أجرة العبور، فيما تُصرَف أجرةُ المُعدِم من "غرامات المحكمة" (penas de cámara)[8]. إن تتابُع هذه الأوامر يُسوِّغ الافتراضَ المنسوبَ إلى كولومبوس في أواخر حياته، من أنه أيقظَ حُمّى السفر، حتى بلغ الأمرُ أن أراد "حتى الخياطون" أن يكتشفوا.

ولمّا مات خوان الثاني في الغارف (Algarbe) قبل انقضاء العام، مسمومًا فيما يبدو، إذ لم يترك ولدًا شرعيًّا، لأن وريثه قد مات، فلم يبقَ سوى خورخي دي لانكستر الذي كان ابنًا غير شرعي، راودت الكاثوليكيةَ آمالُ اضطراباتٍ في الخلافة تمكِّنها من الاصطياد في الماء العكِر. وزعمت أنها من أنصار ابن الأمير دون فِرناندو، فأمرت دوق مدينة (سيدونيا) بتجهيز جيش[9]، وهو ما لم تكن به حاجة، إذ أقرّت المجالسُ (cortes) الحقَّ، فأعلنت مانويل الأول ملكًا. وفي غضون ذلك، واصل الأندلسيون ممارسة القرصنة. فقد كان خوان سيرّانو، فارسٌ من سيتوبال، ذاهبًا بحمولةٍ من الفضة والمؤن إلى "بعض المواضع... فيما وراء البحر"، "وصولاً إلى رأس أغير لِـ... يقايضَ مع المغاربة"، فمرّ بمصيدة السمك "التي كانت لـ" خوان ألونسو كينتيرو ومارتين دي إشبيلية. فأوقفا السفينة بقواربهما (carabelas)، و"بعد تفتيش" الناس، وجدا في الركاب المسلمين ذريعةً للاستيلاء عليها، تطبيقًا لقانون قشتالة الذي يحظر استقبال الكفار على متن السفن. فأعطى البرتغاليون "ردًّا سيئًا"، إذ "بدؤوا يقصفونهم" بـ"مدافع البارود". وكان أهلُ بالوس (paleños) حاسمين، فأغرقوا قارب سيرّانو. وقد نجا بأعجوبة، فأثارت شكواه[10] حادثةً دبلوماسيةً خطيرة.

ولمّا اشتدّ ضغطُ البرتغال في مسألة الحدود، استحال بقاءُ إيزابيلا الجديدة (Isabela la Nueva). وسعيًا وراء ذريعةٍ لإعادة كولومبوس إلى الوطن، مع إخفاء السبب، عيّن الملكان الكاثوليكيان في 9 من أبريل سنة 1496 قاضيَ محاسبةٍ (juez de residencia) هو حاجبُهما خوان دي أغوادو، ليُحاسب كلَّ من مارسَ وظيفةً عامةً في المستوطنة الأمريكية، واثقَيْن من أنهما سيجدان أسبابًا وافيةً لمحاكمة أوّل مسؤولٍ عن المعقل، ومَن يروق لهما. ولجهل "المكتشِف" أن عزلَه يُعَدّ، بعثَ إلى البلاط احتجاجًا على انتهاك حقّه في إغلاق الهند، في قاربٍ تقاطعَ مع القارب الذي كان يحمل القاضي. ولمّا أُركِب كولومبوس متجهًا إلى قشتالة، أبحرَ في صحبته الأخ بويل (Fray Buil) وبيدرو ماخيريت شاهدَيْ إثباتٍ في محاكمته الأولى[11]. ولم يكن من المستحسن أن يُعلَن أن نائب الملك وحاكم الهند كلها وأشياء أخرى كثيرة كان مسافرًا موقوفًا، فرُوِّج أنه يحمل "عيّنةً من الذهب" يودّ تسليمها بيده إلى الملكين[12]. ولم يكن له بيتٌ خاصٌّ في إشبيلية، فنزل في بيت المؤرخ بيرنالديث (Bernáldez) أول من روى مغامرته رسميًّا.

وحاولت لا بيرَاثا (La Peraza) أن تُقيم برجًا على حدّ لانثاروتي مع غران كناريا، أما خوان دي غوثمان (Juan de Guzmán)، الذي أثارته الأنباءُ الواردة من الهند، فوكّل بيرنابي بينيلو وفرانسيسكو كاستيّانوس ليأخذا في حيازته "جزر رأس أغير". ولمّا نزلا في مرفأ ثيبيديكي في 5 من أغسطس سنة 1496، تكلّم "الألفمارات" (alformares) و"القادة" و"وجهاء" مواضع وقبائل الإقليم وإقليم تيليت (Tilit)، على لسان الترجمان (alfaqueque) إبراهيم غراهيون، ليقولوا إنهم بعد أن تشاوروا فيما بينهم ومع أهل العامّة، اتفقوا على أن يضعوا أنفسهم تحت "سيادة وحماية ودفاع" دوق مدينة سيدونيا، وهكذا كتبوا، باسم الجيل الحاضر والأجيال الآتية، واعدين بأنه في مقابل الدفاع عنهم وحمايتهم وإمدادهم، سيطيعونه ويخدمونه كما ينبغي لـ"رعايا مسلمين طيبين مخلصين أن يفعلوا"، لأنه "قد راقهم أن يقبلوا ويتخذوا ويتّخذوا سيّدًا" خوان دي غوثمان، "كما قيل لهم من قِبَله". وسلّموه الأرضَ والأشخاصَ والأبناءَ والأموالَ، واعدين بأداء الجزية في مواعيدها. و"إذ صاروا خاضعين لسلطته وأوامره"، سيشنّون الحرب متى وحيثما يأمر، غازين له أقاليم. ولمّا انتهت الخطب، وضعوا "في جميع المواضع المناسبة شاراتِ نبالته... لكي يبقوا من ذلك الحين فصاعدًا في قبضته وتحت رايته واسمه". ولمّا رُفِع "على رمح" لواءٌ "أحمرُ يحمل شعارَ ونيشانَ" آل غوثمان، شكّلوا موكبًا من "الألفمارات" و"وجهاء القبائل"، يجوبون الإقليم من "طرفٍ إلى آخر" بصيحة "نِييبلا، نِييبلا" (Niebla)، وهي دليلٌ على تقليدٍ عتيق، والموكِّلان في المقدمة. وأدّى بينيلو وكاستيّانوس دورهما، فنقلا الأحجار "من موضعٍ ليقذفاها في آخر، قاطعَيْن الأعشابَ والأغصان"، دون أن يصطدما بمعارضة "أيّ شخص". وفي الختام، حلف "المذكورون من المسلمين بمحمد وبقرآنه وقِبلته" أن يتخذوا الدوقَ وخلفاءه سيّدًا، معطين كلمتهم "بأن لا يتمردوا عليه ولا يثوروا ولا يذهبوا ولا يجيئوا ضدّ هذا". وفي حاشيةٍ مكتوبةٍ بالعربية، سمّوا المكان "أزبديك"، مكرّرين رغبتهم في أن تكون الأرضُ وكلُّ ما تُنتجه أو تُعيلُه مِلكًا لآل غوثمان[13].

وفي 14 من أغسطس، كان الموكِّلان في توروكوكو (Turucuco). ولمّا اجتمع ممثلو الإقليم مع ممثلي بينيتيمر (Benitemer)، أعاد الترجمانُ سيدي علي، وثلاثةٌ من كبار "الألفمارات"، وآخرون أدنى منهم، وقادةٌ، ووجهاءُ القبائل الذين لا مفرّ منهم، أعادوا المراسم، مستلمين شاراتِ آل غوثمان، "لأنها صارت للدوق وقد تنازل عنها لهم" قبل أن يصل الموكِّلان. ووقّع الوثيقةَ باسم الجماعة عليّ بن القاسم[14]. وفي الثامن عشر رَسَوا في مرفأ غاليبربا (Galebarba). وكان في انتظارهم "الألفمارات" والوجهاء "من جميع قبائل المواضع المذكورة" وإقليمهم وإقليم قاثيما (Caçima). فأدّوا الولاء عن "السكان" وخلفائهم، مصرّحين بأنهم استدعوا آل غوثمان بمحض إرادتهم، دون أن يعانوا أيَّ ضغط، لأن الرغبة كانت عامّةً في "أن يكونوا تحت سيادته وحمايته ودفاعه، وأن يعترفوا به في كل شيء كذلك، ليخدموه ويطيعوا رسائله وأوامره". وكرّروا العبارات الشكلية المعتادة، فختموا المحضر بتذييلٍ بلغتهم: "الدوق صديقٌ لهم"، مُلزَمٌ بأن يمنحهم الحماية، ساهرًا على أن لا يعوزهم المؤن: "قالوا لك هذه المنطقة لك والإقليمُ لك والأبناءُ لك والأموالُ لك، وقد أفردناها لك، قبل أن نعرف العدل". ولمّا علمت إيزابيلا بهذه الأفعال، أجابت عن طريق مجلس قشتالة بـ"التنازل عن حيازة" هذه الأقاليم[15]. وأما ضياعُ الوثيقة، التي سُجِّل استلامُها في أرشيف سيمانكاس (Archivo de Simancas) في ستينيات القرن العشرين، فقد يكون سببه وصفُ الأقاليم الصريحُ إلى حدٍّ مُفرِط، بما يسمح بتحديد موقعها على ساحل أغادير الجافّ.

وفي 13 من سبتمبر توجّهت الملكةُ إلى آل غوثمان. وكان أسقفُ بطليوس (Badajoz)، خوان دي فونسيكا، سيُبلغه بالأضرار "التي أحدثتها في ذلك الساحل البحري بعضُ سفن الفرنسيين التي ظهرت هناك"، وأنه من "الخدمة الجليلة" أن يُصغي إليه. ولمّا كُلِّف دوق مدينة سيدونيا بتطهير المياه والأراضي من الأعداء، انتقل إلى قادس[16]، متدخّلاً في الحرب ضد فرنسا، بصدىً بلغ البحر الصغير، إذ خسر دييغو دي كابريرا القاربَ الذي كان يخدم به في برج سانتا كروث، على أيدي الفرنسيين في مياه لانثاروتي. ولا يوجد ما يثبت أن اللجنة المكلَّفة بإيجاد حدود مملكة فاس من ناحية مِيثا (Meça) قد تشكّلت، لكن يوجد ما يثبت أن مستوطنة مونتي خوان (Monte Juan) قد فُكِّكت قبل أن تدخل معاهدةُ تورديسيّاس حيّز التنفيذ. ولحرص التاج البرتغاليّ في علاقاته مع "فتوحاته"، لأن مانويل الأول، ملك "الغارفَيْن، من هذا الجانب ومن وراء البحر في إفريقيا، سيّد غينيا"، لم تكن له طموحاتٌ لرئاسة إمبراطوريةٍ كونية، استقبلَ في لشبونة سفراءَ "شيوخ" مِيثا وأزَمّور (Azamor)، وردّ الزيارة وكيلُه في مطلع سنة 1497. وبعد أن أُقيمت مراسمُ مشابهةٌ لتلك التي جرت في العام السابق، بحضور الموكَّلين الذين أرسلهم آل غوثمان، أدّى الشيوخُ والحكامُ ووجهاءُ المدن والمواضع الولاءَ للملك، باسم المولودين ومن سيُولَد، واعدين بأداء الجزية وضريبةٍ سنويةٍ قدرها فرسان اثنان، يوضعان في سفينة الملك، على أن لا تدفع سفنُه رسومًا ولا رسمَ رسوٍّ، لكن رعاياه يدفعون، وهم المنتفعون بحرية التجارة والأمان وحُسن الاستقبال. وفي المقابل، يدفع الرعايا الجدد في البرتغال الرسومَ نفسها التي يدفعها الأهالي، فضلاً عن تمتّعهم بحماية الأميرال والقادة، برًّا وبحرًا، ليتمكّنوا من التنقّل والتجارة بأمانٍ في الإمبراطورية كلها. وكان لزامًا على الفرد الذاهب إلى العاصمة أن يسافر في سفينة التاج، التي تُعيله مجانًا طوال الرحلة، فكان عليه أن يتزوّد بترخيصٍ من الوكيل، إذ "بغير ذلك" لا يُستقبَل.

ولمّا أُذِن لمانويل الأول ببناء قلعةٍ تكون مخزنًا ومقرًّا لوكيله، كان سيرسل من البرتغال البنّائين وصانعي الجير، لأن الأهالي لا يستعملون الجير فلا يعرفون طبخه. ويتقاضى هؤلاء أجرًا ومواد بالسعر السائد، فيما كان الأهالي يوفّرون العمّال ووسائل النقل والرملَ والماءَ والحجر. وضمانًا لأنهم لن يقطعوا العمل، سلّموا الملكَ 15 غلامًا من أبناء الأعيان، الذين كانوا سيقيمون في بلاط لشبونة طوال مدة الأعمال، ثم يجلبون عند العودة لغةَ البرتغال وعاداتها، على غرار أبناء أعيان الأطراف الذين رُبُّوا في محيط أباطرة المكسيك وبيرو. وحلف الرعايا أن يسلّموا القلعة لمن يأمر به مانويل الأول، مقدّمين للوكيل بيتًا يكفي لإيواء العائلة والخدم والبضائع، إلى أن تصير القلعةُ صالحةً للسكن، واعدين بأن يشقّوا من الطرق ما يشاؤه مانويل الأول، على أن يدفع لهم أجرَ يومهم. وبعد أن اتُّفق على أمورٍ أخرى، وُضِعت الشاراتُ البرتغالية (quinas) في المواضع المعتادة، وجاب اللواءُ الملكي الأرضَ كلها، "مرفوعًا" على رمح[17].

مملكةُ أزَمّور، بعد قرنين، صارت مرفأً في المغرب. وكانت مركزًا تجاريًّا يتردّد عليه الأوروبيون، ولا سيما الجنويون، مزعجةً لمؤرخي ما بعد كولومبوس بقدر إزعاج "محطّات التجّار". وكما أُنكِر وجودُ الدورادو (Dorado) الذي وضعه الجغرافيون على ضفاف بحيرة بيريميه، إلى جوار الأورينوكو[18]، كذلك أُنكِر وجودُ مِيثا أو مِيتا (Meta) أو ماسّا (Massa). ففي سنة 1447، كان القشتاليون والبرتغاليون يتردّدون على مرفئها، فحصل الأخيرون، في مقابل 18 مغربيًّا و51 زنجيًّا غينيًّا وأسدٍ هديّةً، على ما أرسله هنري الملّاح إلى أيرلندا. وفي سنة 1532، كان المغاربة والأتراك يشكّلون أسطولاً، وحاول بيدرو دي ليمبياس غزوها في سنة 1539. ولمّا فشل، أعاد أورداس المحاولة، داخلاً من الهُويابَري، وهو الأورينوكو، لكنه خرج إلى ترينِداد من فوّهة رأس الأخضر (Cabo Verde)، بجوار سان ميغيل حديثةِ التأسيس. ثم عاد إلى كومانا (Cumaná)، محاذيًا بورتو سانتو و"جزيرة" قاديث. ولإصراره على غزوها، انتقل إلى كورو (Coro). وأُعِدّت حملةٌ ثانية، فصعد نهر أوبّيا حتى خرج إلى الميتا. وأبحر عكس التيار طوال 14 يومًا، فبلغ الجبلَ حيث منبعُه، بين مناجم ذهبٍ عيار 22 قيراطًا. والأهالي أغنياء، لكنهم بارعون في استعمال المقلاع والسهم والعشب السامّ، فظلّت مملكةُ مِيثا، التي بلغت الأمازون، مغلقةً في وجه القشتاليين. وقد توغّلوا فيها متفرّقين، فوجدوا أو ظنّوا أنهم وجدوا قرىً لنساءٍ محارباتٍ يعتبرن الرجلَ زائدًا عن الحاجة، فلا يقبلنه في صحبتهنّ. وقد ضمّ بيتُ مِيتا (La Casa de Meta) أصنامًا من ذهب، إلى أن سرقها أهلُ سانتا مارتا، محمّلين إياها في أكياس، عندما ذهبوا لاكتشاف وادي الكاثاريس (Alcázares)[19]. ونهرُ مِيتا، وهو رافدٌ للأورينوكو، لا يزال يجري في جنوب فنزويلا. وكان مجراه وجبال أوبون (Opón) ومملكة بيليث (Vélez) مداخلَه في زمن الفتح.

إن استيلاء مانويل الأول على مِيثا وأزَمّور عجّل نقل إيزابيلا أو هِسبانيولا، وانعكس ذلك في سيرة كولومبوس. ولضرورة تعاونه، حظي في 23 من أبريل سنة 1497 بتأكيد جميع امتيازاته ومناصبه وإقطاعاته، مع إذنٍ إضافيٍّ بتأسيس مِلكيةٍ وراثيةٍ كبرى (mayorazgo) وضعته على أبواب النبالة ذات الألقاب. وفي اليوم نفسه، وقّع الملكان تعليماتٍ لها ملامحُ ميثاقِ استيطان (carta puebla). فكان على عاتقه تحويلُ أهالي الهند إلى العقيدة الإسبانية، مع إبقائهم في سلامٍ "تحت سيادتنا وطاعتنا"، وكان عليه أن يُنشئ "في جزيرة هِسبانيولا مستوطنةً أخرى أو قلعةً، خلاف تلك المُنشأة في الجانب الآخر من الجزيرة، قريبةً من منجم الذهب". وكان سيبحث عن 330 مستوطنًا، عارضًا راتبًا قدره 12 مرابطي وفانيغةً (fanega) من القمح شهريًّا. ولكي يتمكّنوا من الزرع، كان كلٌّ منهم سيتلقّى 50 فانيغةً من القمح والشعير، تُردّ مع العُشر عند حصاد المحصول، مع توزيع 20 زوجًا من الثيران عليهم، فضلاً عن "أبقارٍ وأفراسٍ وحميرٍ، إضافةً إلى الأبقار والأفراس الموجودة في الهند المذكورة"، بدايةً لمزارعهم. وبتوزيعهم بحسب المهن، كان سيوفَّر 40 مرافقًا (escuderos) و100 جنديّ مشاة و30 بحّارًا و30 صبيَّ سفينةٍ (grumetes) و20 عاملَ ذهبٍ و50 فلاحًا وبستانيًّا و20 صانعًا من كل الحِرَف و30 امرأةً، وهي نسبةٌ تدلّ على مصيرهنّ. والأزمنةُ منافقةٌ لكن غير غبية، إذ كان الأهالي أشدَّ منعةً من أن يسمحوا للقشتاليين بأخذ نسائهم بالقوة، أرسل الملكان الكاثوليكيان الغاليان في تديّنهما هؤلاء النساء "للخدمة". ولمّا كان الحرفيون متعاقَدين بموجب عقود (asiento)، كان سيختار أشخاصًا "بسطاء وموثوقين"، مُعتنيًا بالخياطين الذين لا غنى عنهم لصون الملابس. وأما التقنيون الرفيعون، كالطبيب والصيدلي و"عالِم الرياح" (eurolario) أو المتخصص في الرياح، فكانوا سيكونون موضوعَ عقدٍ خاص، لندرتهم. و"على حِدة"، كان سيستقطب مجهّزي السفن الذين يحملون من الأندلس "الأشياء الضرورية" للمستوطنين بانتظام[20].

وبالنظر إلى طبيعة الحملة، شُحِنت مساحٍ ومعازقُ ومناقيرُ ومطارقُ كبيرةٌ وروافعُ، فضلاً عن "أدوات" وأحجارِ طواحينَ ومطاحن. ولإمداد الخبز أثناء إنجاز العمل، خُصِّص 50 قهيثًا (cahíces) من الدقيق و1000 قنطارٍ من البقسماط. ولم يفكّر الملكان في الكتب، ولا حتى الدينية، لكنهما اهتمّا بتسلية المستوطنين. فكانوا سيحملون آلاتٍ موسيقيةً تعينهم على "قضاء" الوقت. والمجتمعُ القشتاليُّ مزهوٌّ يُقدِّر المظهرَ الخارجي، خُصِّص 20,000 مرابطي لخيمتَيْ ميدانٍ تكونان مقرًّا مؤقتًا، يتيح للقادة إثباتَ مكانتهم العليا. وكان بإمكان الأميرال أن يأذن بالبيع بالأجل، محدِّدًا الأسعارَ كما يحلو له، عدا سعر القمح الذي يكون بالتسعيرة الرسمية، والنبيذ الذي حدّده الملكان بـ15 مرابطي للأثومبري (azumbre)، ورطلِ لحمِ الخنزير أو اللحم الذي يُباع بـ8 مرابطي. ولسهولة العبور، أمراه بشراء سفينةٍ قديمةٍ لحمل المؤن. وبعد تفكيكها في الوجهة، تُستعمَل ألواحُها ومساميرُها في الأعمال[21]. ولتفادي التعقيدات، كان الذاهبون إلى الهند، علمانيين كانوا أو رجال دين، سيُنبَّهون إلى أنهم لا يستطيعون العودة دون إذن. وكان الكهنة يمنحون الأسرارَ المقدسة للمستوطنين، محوِّلين الأهاليَ، المُعفَيْن في الوقت الراهن من المرور بالمعمودية، إذ يكفي أن يؤدّوا الولاءَ والجزية ليتحرّروا من الاسترقاق. وأما المتلكّئون في الدفع فكانوا يُكشَفون بقطعٍ "أو علامةِ نقدٍ" من النحاس الأصفر أو الرصاص، تحمل سِكّةً أو "صورةً" تُغيَّر كلَّ عام. وكانوا مُلزَمين بحملها في أعناقهم، فمن لا يحملها محدَّثةً كان يُعاقَب بعقوبةٍ "خفيفة"، حتى لا يُثاروا. ورغبةً في محصِّلٍ محفَّز، كان راتبُه 20%. ولمنع تسرّب ذهب المقايضات والمناجم والجزية، حمل كولومبوس السِّكَك والأدواتِ لتحويله إلى "إكسيلينتِس" (excelentes)[22] "غرناطية".

إن ترسانةَ الأوامر التي صاغت المستوطنة الجديدة اكتملت في 6 من مايو سنة 1497، بإعفاء البضائع المخصَّصة للمستوطنة من الضرائب[23]، إذ أبدت الملكةُ رغبتها في بلوغ 500 مقيمٍ (vecinos). ولمّا اضطُرّت إلى اللجوء إلى متطوّعين يُعيلون أنفسهم، عرضت عفوًا عن الدم ("omecillo") للمجرمين من الجنسين الذين يقيمون سنتين في هِسبانيولا الجديدة، مستثنيةً كالعادة أولئك الذين ارتكبوا جريمة "الغدر" بخيانة التاج[24]. ومُنِح "المكتشِف" صلاحياتٍ لتوزيع الأملاك في إيزابيلا الثالثة وفي كل ما يؤسِّسه من مستوطنات، فكان سيمنح أرضًا للبساتين وحقولِ القطن وحقولِ الكتّان والكروم والأشجار وقصبِ السكر وغيرها من الزراعات، مع إذنٍ بجلب الماء اللازم، آخذًا إياه من حيث يشاء المالكُ دون الإضرار بالغير. وأما الذين يستقرون "استقرارًا دائمًا" فكان سيمنحهم قِطَعًا لبناء البيوت والطواحين والمعاصر، مانحًا القرى "أملاكًا" (propios) أو أرضًا ذات ملكيةٍ مشتركة، وأراضيَ بورًا (baldíos) حرّةَ الاستعمال لأهل الجوار[25]، وهي صورةٌ من الملكية تُخصَّص عادةً للمراعي، ولا معنى لها من دون ماشية. وفي 22 من يونيو، أُكِّد الأمرُ الموجَّه إلى الأميرال بالعودة إلى الجزر وهِسبانيولا والأرض المتصلة، وعُيِّن بارتولومي كولومبوس نائبَ حاكمٍ (Adelantado) في الهند[26]. وبعد أن حُدِّد مخزون الحبوب في شهر أبريل بـ550 قهيثًا من القمح و50 من الشعير، صدر الأمرُ في 15 من يونيو بإخراجه من مخازن الغلال (pósitos) في إشبيلية وقادس، من فائض أعشار سنة 1496. وفي 22 من يوليو أمر الملكان بأن يُخرَج "تموين جزر الهند" من المملكة في مهلة خمسة أشهر، محدِّدَيْن رحيل الأسطول قبل 22 من نوفمبر سنة 1497[27].

إن كون برج كولومبوس يُسمّى سانتو تومي (Santo Tomé) دليلٌ على أن مونتي خوان أو إيزابيلا الخاصة به كانت على بُعد خطوتين من منجم الذهب، في قلب فتوحات البرتغال. وبعدما نُظِّمت الاتصالات، ما كان ينبغي للمستوطنة أن تبقى في غياب المستوطن. لكن، إذ كان لزامًا إخفاءُ إخراجٍ مبكِّرٍ للمستوطنين، ظلّت ذكراه محفوظة، يفترض فرنانديث دي أوبييدو (Fernández de Oviedo) أنه بين رحلة كولومبوس الثانية والثالثة "لم تكن تأتي سفنٌ من إسبانيا ولا من هنا تذهب إليها"، فعانى المستوطنون معاناةً شديدة، حتى إن الأميرال وجدهم منقوصين شاحبين "بهيئاتٍ تجعلني أرى أنه لو أعطاني الملكُ الهند كلها، وبقيتُ على حالٍ كالتي بقوا عليها، لما عزمتُ على المجيء إليها". وقد يكون هذا هو السبب في أنه أرسل ثلاثة قوارب إلى قشتالة، عادت بـ300 محكومٍ عليهم بالنفي، أعادوا تعمير الحيّ السكني[28]. ومن المرجّح أن نقل إيزابيلا أو هِسبانيولا "القريبة من منجم الذهب" إلى سانتو دومينغو، هِسبانيولا الجزيرية، قد كلّف حياةَ عددٍ لا يستهان به من المستوطنين، عرَضًا أو تسبُّبًا. ومن الجدير بالذكر أن إيزابيلا اغتنمت المناسبة لإثبات احترامها للموتى، آمرةً بأن يُدفَع لورثة الأبّاد غاليغو وأندريس دي سلمنكا ثمنُ البراميل والدنان التي صُودِرت منهم بسبب "ذهابهم إلى الهند المذكورة خلافًا لحظرنا". وكقاعدةٍ عامة، أمرت بتنفيذ وصايا من يموتون في الفتح، وإن لم تكن مسجَّلةً في محضرِ كاتب، معيِّنةً للسهر على ذلك أحدَ آل إسكوبار، مقيمٍ في إشبيلية، وخوان دي ليون المقيم في إيزابيلا[29].

وصدر مرسومُ احتكار التاج للمعادن والأحجار الكريمة، فوُسِّع في سنة 1497 ليشمل خشبَ البرازيل (madera de brasil) والنيلة (índigo). وفي 27 من يونيو أُضيف "الموريكس" (múrices)، وفي 25 من أغسطس أُضيف "الأورشيّا" (orchilla). ولمّا علمت إيزابيلا "بأنه في أرض إفريقيا، وهي من فتوحاتنا، يوجد بعضُ الأورشيّا"، إذ يحصده "بعض الأشخاص" لمنفعتهم، حظرت "الذهابَ لجمعه أو جلبِه، ما وُجد منه في أنحاء إفريقيا"، لأنه "يخصّنا وهو مِلكنا". ولا يستطيع سوى مستأجِر التاج أن يكون له حاصدون في البحر الصغير وتاغاوث (Tagaoz) ورأس أغير. ولمّا مات غوتييري دي كارديناس، أُضيف إنتاجُ جزر الكناري الكبرى الثلاث[30]، في وقتٍ كانت تتطوّر فيه "المقايضات" في البحر الصغير وقلعةِ سانتا كروث.


  1. R.A. Doc. XVII.
  2. R.A. Doc. XXXIII.
  3. P.C. T.I.
  4. كان لكولومبوس الحق في شغل 8%، دافعًا أجرة النقل، كأيّ ابن مقيم.
  5. P.C. T.I.
  6. Ibídem.
  7. "Norte de la Contratación de las Indias Occidentales". José de Veitia. Ed. de 1671.
  8. P.C. T.I.
  9. ADMS. 2395.
  10. SRGS. I.1496.26/VIII.1495.263.
  11. F.O. T.I.
  12. P.C. T.III.
  13. Simancas. Depósito Medina Sidonia.
  14. Ibídem.
  15. Simancas. Depósito Medina Sidonia.
  16. ADMS. 2395.
  17. R.A. doc. XIX.
  18. بحيرة بيريميه، التي يشكّلها نهر كارون، تقع قرب سانتو تومي دي لا غوايانا، اليوم مدينة غوايانا (Ciudad Guayana). ودييغو منديث، مقيمٌ في جزيرة لا بالما، اشترى السفينة سانتياغو، ذات الـ220 طنًّا، من فرانسيسكو دوارتي وحاكم الدورادو. وقد بيعت في سانلوكار بمبلغ 1100 دوكاتٍ في 2.8.1569 (ADMS 3986).
  19. F.O. T. III.
  20. P.C. T. I.
  21. P.C. T. I.
  22. في 23 من مايو سنة 1475، أمرت إيزابيلا بسكّ "إكسيلينتِس" ذهبيةٍ في دار سكّ العملة بطليطلة. بوزن قشتاليَّيْن (castellanos) "لا أقل"، كانت السكّةُ تحمل "تمثالَيْ" الملك، بسيفٍ مسلولٍ في يده، والملكةِ بصولجانٍ وتاج، "جالسَيْن على كرسيَّيْن" ينظر أحدهما إلى الآخر. وفي الظهر، نسرُ القديس يوحنا. وتحت جناحيه، وُضِعت إلى اليمين القلاعُ والأسود، وإلى اليسار شعاراتُ أراغون وإيطاليا. وعلى حافة "الإكسيلينتي الكامل" كان يُقرأ: "Fernandus e Elisabet dei graçia et regina Castelles et regno Siçilia". وكانت هناك عملاتٌ بنصف وربع إكسيلينتي (SRGS. V.1475.468).
  23. P.C. T. I.
  24. P.C. T. I.
  25. Ibídem.
  26. Ibídem.
  27. Ibídem.
  28. F.O. T.I. ولنتذكّر أن ألونسو دي لوغو استدعى 300 من المُدانين بالقتل (omicianos) لاستيطان تينيريفي في سنة 1494.
  29. P.C. T. I. في سنة 1489 يظهر خوان دي ليون، وريثُ ممالك تاوغاوتي (Taugaute) في بلاد البربر، أميرِ جميع الأعراب. (SRGS. I.1489.175).
  30. R.A. doc. XXII