قرى النهر

قرى النهر

كان قصر مولاي زيدان (Muley Cidam) هو مَحَلّته. وكانت خيام الأعيان والسفراء ورجال البلاط تتبع الخيمة الملكية، وهو ما لا يعني أنهم في بربرية المغرب لم يكونوا يعرفون البناء. فوصف قصبة سلا يبرهن على أنهم كانوا يبنون بناءً محترماً، من دون حاجة إلى استعمال الجيّار والقرميد. وقد قامت مبانٍ في فاس وأزمور وآسفي والمغرب. ويُذكر بابها، وهو دليل على وجود سور، وسوق "الأندلسيين"، الذي لا يبدو أنه كان مجموعة من المتاجر، ثم القصر. وكانت العاصمة تقوم على نهر، على مسيرة يوم من آسفي، غير بعيدة من أزمور، وعلى بُعد 25 فرسخاً من مازاغان (Mazagán)[1] عبر طريق وعرة، إذ كانت تستغرق ثمانية أيام ونصف يوم[2]. ولم يكن طريق المعمورة أقل وعورة. فقد قُدِّرت المسافة بـ75 فرسخاً أو 10 أيام، وكانت فيها "جبال كثيرة ومشاق في العبور وكمية من الأنهار التي تصبّ في زامور"[3]، حيث كان يجتمع "كبار بربرية المغرب".

في مطلع ديسمبر 1623، كان زيدان في المغرب. وفي الثامن عشر منه نجده في موسكريس (Mosgres)، يشهد استعراضاً لأربعة عشر ألف فارس كان عليهم أن يقاتلوا المرابط سيدي علي، الذي ثار في درعة. وكان في الجيش خمسمائة من "أندلسيي" سلا، طلبهم الشريف لأنه "لا يريد أن يكتسبوا قوة". ولمّا انتهى الاستعراض، سار بـ"معسكره متوجهاً إلى آسفي"[4]، الميناء الوحيد الذي كان يُفتح أمام الكافر في مملكة مغلقة.

"في الطرف النائي... إن الأسير الأكبر والأتعس هو أسير المغرب"، لأنه لم يكن ثمة من يجرؤ على التوغّل في محاولة لافتدائه. وحين اكتُشفت وصية أوقفتها أميرة لم يُذكر اسمها، لاستعادة من كانوا في ذلك البلد المظلم، أراد الثالوثيون الإفادة منها، فأرسلوا راهبَين إلى مازاغان ليعبرا الحدود. وبعد أن أمضيا سنتين في الحصن، "متكبِّدَين نفقات باهظة جداً"، عادا من دون أسرى، لأنهما لم يجرؤا على دخول أرض زيدان. وقد تشجّع بهذا الإخفاق ألونسو دي هريرا (Alonso de Herrera)، وهو تاجر من طليطلة مقيم في قادس، متخصص في صناعة القلانس وله علاقات في بلاد الإسلام، فحاول أن يكسر احتكار افتداء الأسرى الذي كانت الرهبانيات الدينية قد اختصّت به، عارضاً استعادتهم في المغرب وسلا بكلفة أقل من كلفة الرهبان، إذ إنه بوصفه خبيراً بالبحر سيعيدهم إلى أوطانهم "على استقامة"، بالغاً الوادي الكبير من دون توقف في المعمورة وطنجة و"محطات أخرى" كانت تضاعف النفقات، مع وعد بتسليمهم عند الوصول إلى رهبان المرسدارية أو الفرنسيسكان أو الثالوثيين لإتمام العملية[5]. وقد كان العرض مُفيداً للأسرى، غير أن الرهبانيات جعلته متعذّراً. فالرهبان، الذين اعتادوا التنافس فيما بينهم في هذه التجارة المربحة، لم يكونوا على استعداد للسماح بتدخّل العلمانيين.

في عام 1624، أراد لويس الثالث عشر ملك فرنسا أن يعيد إطلاق التجارة مع بربرية المغرب، محصِّلاً قاعدة في موانئها. ولمّا رأى أن القبطان سامندريس (Samandris)، سفيره في بلاط زيدان، شخص لا يملك من الوزن ما يبلغ به المحادثات الرفيعة المستوى إلى غايتها الحسنة، عيّن سفيراً فوق العادة رجلاً يُدعى "المسيو دي راكسيلي" (Monsieur de Raxili)، فارساً من فرسان مالطة. ولمّا علِم أوليباريس (Olivares) بالأمر، خلص إلى أن الفرنسي يرمي إلى تحقيق قطيعة بين زيدان وإسبانيا، ورخصة تتيح لسفنه أن تتردد على موانئ بربرية المغرب، ومنح مرسى "على ذلك الساحل". أما الرواية الأكثر واقعية فتردّ مطامح البوربوني إلى سلام مستقر، مع رخصة مرافقة له بأن يكون له وكيل ودار في آسفي وسلا، وأن يستطيع أتباعه تجديد الزاد وإصلاح سفنهم، آخذين ما يلزم من الخشب. وزُوِّد راكسيلي بأربع سفن شراعية وراهبَين كبّوشيَّين وأربعمائة رجل، من بينهم أربعون "من كبار الفرسان"، فرسا في ميناء آسفي من دون أن يُعلن عن قدومه[6]. ولمّا علِم أنه لا يستطيع أن يطأ الأرض ما لم يكن معه جواز مرور من الشريف، كتب بالبريد إلى سامندريس، الذي كان في المغرب مع المَحَلّة الملكية، مُلحّاً عليه أن يُخرجه على الفور. فمنح زيدان أماناً وكتاباً بسيطاً، يسمح للسفير بالنزول إلى البر لمقابلة القائد محمود. وخشِي سامندريس ما يُتوقّع من قلّة اللباقة، فأضاف رسالة شخصية يطلب فيها من الفارس ألا يظهر خارج السفينة قبل وصوله. غير أن راكسيلي كان مشبّعاً بعقدة التفوق التي تصيب الرجل الأبيض. فقد كان مقتنعاً بأن الهمجيين المزعومين، سكان تلك الأرض، سيُبهرهم بذخُ الأوروبي المتغطرس، فنزل إلى البر يتبعه رهبانه وأربعة موسيقيين وأكثر من ستين رجلاً. واستقر في مبنى الجمرك من دون أن يكون قد دُعي، فتمتّع بعشاء حسن التقديم وأحسن سقياً، "بموسيقى وأبواق كثيرة". وكان الضيوف نياماً حين أمر القائد بإغلاق الأبواب من الخارج، بينما راح الشُّرَط يجوبون المدينة يصطادون الفرنسيين. واعتُقل على حين غفلة بحّارة فوجئوا في ساحة مفتوحة على الميناء، فارتموا في البحر سابحين حتى السفن. ولمّا علِم من كانوا على متنها بما حدث، رفعوا الأشرعة من غير أن يفكّروا في الأمر مرتين، تاركين على البر رئيسهم مع واحد وخمسين من مواطنيهم المتباهين[7].

ولمّا علِم زيدان بالفضيحة، أمر الشيخ إسرائيل بأن يحضر له الأجانب. وكان صديقاً لسامندريس، فأخبره بما جرى قبل أن يخرج. وخوفاً من أن يدفع ثمن الوقاحة التي ارتكبها رئيسه، طلب من زيدان رخصة بالعودة إلى فرنسا. ولمّا لم يتلقّ جواباً، اضطرب. وكانت له سفينة خاصة في آسفي، ففرّ من البلاط من دون أن يودّع، مُبحراً في وضح النهار على مرأى من ثمانية إنكليز وابن قبطان فلمنكي، فأسرعوا إلى الوشاية به لدى القادة، فأرسلوا سفينة حربية في إثر السفير. وفي المصادمة قُتل أربعة من بحّارة الفرنسي، وهم من الفلمنكيين. وأُحرقت السفينة فغرقت إلى القاع، بينما ابتعد الطاقم مع صاحبها أسرى في سفينة زيدان. وفي اليوم التالي دخل السفير المغرب، راكباً في مقدمة رجاله، وعليه "أكثر من قنطار من الحديد". "وأخذوا يصيحون به مُهينين إياه ويرمون في وجهه ألف قذارة، ويسخرون منه ألف سخرية ويضربونه بمكانس السعف في وجهه"، وكان مروره بسوق الأندلسيين مُنفّراً بوجه خاص. أما القائد سيروسي (Sirosi)، الذي كان يبغض الفرنسي، فقد أثار الأهالي عليه، حتى بلغ بهم التسابق في ممارسة الإذلال[8].

وانتهت الجولة في سجن القصبة. وسُجن سامندريس بتهمة أنه كان يتقاضى المال من ملك إسبانيا بينما هو ممثّل للويس الثالث عشر، فاستدعى زيدان فرانسيسكو روكه (Francisco Roque)، صديق السجين وشريكه في استغلال ميناء أزمور. فوافق العاهل على شطب اسم سامندريس من عقد الإيجار، سامحاً لروكه بالاحتفاظ به، مُخضِعاً إياه لاختبار مزعج. سأل روكه إن كان يريد أن يرى صديقه، فأجاب العميل بأن الفرنسي لم يعد صديقاً له "حين لم يعد من رجال الملك". غير أن الشريف، إذ أراد أن يتأكد، ألحّ. فلم يجد روكه بدّاً من أن يُقتاد إلى السجن، فوجد السفير مطوّقاً بسلسلة في عنقه، بين خمسين من المجرمين العاديين. وفي أثناء ذلك كان راكسيلي، السجين المُترَف، ينزل في خيمة سامندريس، يحرسه "حرّاس كثيرون"، منشغلاً بتبادل الرسائل مع الشريف، يجيء بها ويذهب الشيخ إسرائيل. وبعد أن وعد بأن يعود بعد ستة أشهر، أُطلق سراحه مع راهب وخادم. وانتقل إلى آسفي، فركب سفينة فلمنكية كانت عائدة إلى أوروبا، ومعه مذكّرة موجّهة إلى لويس الثالث عشر من زيدان، يعرض فيها الشروع في محادثات مآلها أن تنتهي إلى اتفاق، متى رُدّ إليه ما سرقه منه الفرنسيون، وقد لاحظ روكه استثناء "الكتب السبعة آلاف التي في حوزة جلالته في الإسكوريال (Escurial)"، التي سلبها المرسيليون، الذين أُسروا وسُرقوا على يد الإسبان. وفي اليوم الثامن والعشرين نفسه من نوفمبر الذي رحل فيه الفرنسي، غادر فرانسيسكو روكه المغرب عائداً إلى مازاغان. وفي عام 1630 دخل الإسبان ميناء آسفي. فأخذوا ثلاثاً من سفن فرنسا الست التي كانت في الميناء "على المرساة"[9]. ولمّا أُبرم اتفاق زيدان مع لويس الثالث عشر، بين عامي 1631 و1635، ترك الفرنسيون السوق الأيبيرية ليشتروا بضائع الهند في المغرب. ورغب الإنكليز في المشاركة، فأرسلوا تقنياً ليدير استغلال ملّاحات نهر أخر (Ajer)، محوّلاً الملح إلى ملح البارود. وكان فيليب الرابع زبوناً، عبر دوق مدينة سيدونيا، الذي اقتنى فضلاً عن ذلك شمع النخيل، وكان كلا الصنفين حصرياً في بيعه بآسفي[10].

هزم المرابطُ مولاي زيدان في مملكة فاس، فانسحب إلى آسفي عام 1622[11]. وفي أبريل 1627 كانت مَحَلّته "في وسط آسفي"، في "المكان نفسه الذي دارت فيه المعركة"[12]، ناسياً الحرب و"حراسة" الأعراب، فانصرف إلى الصيد بصقوره[13]. وكانت المدينة مُسوَّرة، يحفظ فيها الشريف مال القمح و"غرامات الأعراب"، مع "آلة" من الثياب والبضائع. وكان مقتِّراً لم يُنفق "إلا القليل جداً"[14]، فورث ابنه عبد الملك الكنز. وقد وُلد من أم مسيحية، وكان سيكون أول ملك للمغرب يُلقَّب بالإمبراطور. واستغلّ فيليب الرابع ميله الحسن، فشرع في تنصير المغرب. وحصل فرانسيسكو روكه على جواز مرور[15] لثلاثة من الفرنسيسكان من إقليم سان دييغو أو الأندلس، مُصرِّحاً له بافتداء الأسرى وتأسيس دير. ونزلوا في مازاغان[16]، فدخلوا المملكة بقدم سيئة. وفي عام 1630 اغتيل عبد الملك برصاصة بندقية[17] في طريق مازاغان[18]. فخلفه أخوه مولاي الوليد، جامعاً تاجَي فاس والمغرب. وكان حليفاً للمرابط أخاكس (Ajax) وعدواً لدوداً للمسيحيين، فأغلق موانئه في وجه الإسبان. وقد رأى تاجر من لندن، كان قد أبحر من بونانثا (Bonanza) ورسا في آسفي حين وقع الحدث، جمعاً كبيراً من رجال الحرب مشاةً وفرساناً، ونصبَ قطعتَي مدفعية كبيرتين من البرونز، وتكاثُر أنصار الوليد، لأنه عثر على كنز أبيه المخبوء في الأسوار و"الأجزاء المجوّفة" من آسفي، فوزّعه على القادة والأعيان وعامة الشعب، "فاجتذب به الجميع". ولأن الشريف كان صديقاً للإنكليز، استطاع التاجر أن يبقى في الميناء اثني عشر يوماً، يشحن سفينته بالخبز، على الرغم من أن العاهل جدّد المنع من بيع الحبّ للمسيحيين. ولمّا عاد إلى سانلوكار (Sanlúcar) بعد نحو ستة أسابيع من الغياب، روى ما رآه[19]. واعتُقل الفرنسيسكان، فرُشق الأب باردو (P. Pardo) ورفيق له بالسهام. أما الثالث، الذي حُكم عليه بالأشغال الشاقة، فأُرسل إلى مطحنة البارود، حيث التقى فرانسيسكو روكه[20]. وعلى هذا الحال، ثارت القبائل بين سلا وفاس[21]، ففرح فيليب الرابع، وليس مستبعَداً أن يكون قد حرّضها. وفي عام 1637 كان الوليد قد اختفى، وارتقى العرش مولاي شيخ موالٍ للقشتاليين. وعاد الهابسبورغي إلى الأصول، فأرسل سفارة على رأسها الأخ نيكولاس دي بيلاسكو (Fray Nicolás de Velasco)، وهو فرنسيسكاني ديري في سانلوكار، واعظ ودبلوماسي بارع. فعاد في العام التالي مُتوّجاً بالنجاح. وقد افتُدي الأسرى الذين كانت الملكة ترغب فيهم، وكان من بينهم فرانسيسكو روكه، مع عظام الشهداء، بثمن زهيد قدره 2,000 دوقية، وأُذن بعمل الدير، فتركه قد شُرع فيه قبل أن يُبحر[22].

من الأرجح جداً أنه كان على نهر بارا (Pará)، حيث تقع اليوم بيلين، بين مدينة المغرب وميناء أزمور، إذ يبدو أن آسفي كانت، مع سلا، نافذة مفتوحة على خارج مملكة كانت تمتد حتى الطرف الشرقي الأقصى من البرازيل. وكان لها ميناء شاطئي لكنه واسع ومحمي، يتردد عليه القراصنة والتجار. وكانت سوقاً للحبوب، حتى الأوروبية منها، إذ كانت تُفرغها فيها سفن غير قليلة، وكانت تعرض التوابل والأصباغ والمعادن الثمينة، كما سائر القارة[23]. ويُفترض أن ميسوكاراس (Mysokaras)، التي ذكرها بطليموس، ازدهرت في موقع آسفي. وكانت ميناءً مهماً في القرن الثاني عشر، وتظهر عند البكري باسم آسفي (Asfi). وكانت مزوَّدة برباط ومغلقة في وجه المسيحيين، وإن قيل إن البرتغاليين أسّسوها، فقد فتحوها في القرن الخامس عشر وسُمّيت "آسفي النصارى". ولمّا كانت للمسلمين، كان لملك البرتغال ولدوق مدينة سيدونيا وكيل فيها. وفي عام 1475 أدرجتها الكاثوليكية ضمن "محطات التجار". ثم فتحها ألفونسو الخامس وسُوِّرت في عام 1508، فاستعادها محمد بسهولة. ولأنها كانت على الجانب الآخر من نهر أخر (Aer) بالنسبة إلى مازاغان[24]، فقد أمكن أن تتشارك الميناء مع جزيرة موغادور (Magador)، وكانت "مجاورة" للمعمورة، مثل "الأخريات على ذلك الساحل"[25]. وإلى الشرق، على بُعد نحو 60 فرسخاً، كان نهر العبيد، بجوار مارانيون (Marañón)[26]. وقد ذُكر في عام 1478 بوصفه المحطة الأولى لأسطول منجم الذهب على ساحل غينيا، على بُعد 7,000 ميل من الأندلس. وباتجاه الشرق كان المرء يبلغ ميناءً ثانياً، مطروقاً هو الآخر، حيث توجد جزر الكناري (Islas das Canarias) ورأس ألينده (Punta de Allende). وقد كان يُعرف بخليج بارنايبا (Parnaiba)، ويُشكّل في القرن السابع عشر بداية البرازيل. وبعد تجاوز رأس النخيل (Cabo del Palmar) كان الساحل ينحدر، وفي طرفه الشرقي كان رأس كورثو (Cabo Corzo)، وهو "كورسو" لدى النورمان. أما أن يهجر القشتاليون والبرتغاليون طريقاً إلى الهند سريعاً ومريحاً، فلا يمكن أن يكون له إلا تفسير واحد: أنه لمّا اكتسب ملك المغرب هيبة بين رعاياه وبالتالي سلطة، بدا مُتعذّراً على أهل شبه الجزيرة التعامل معه. ويصف ليون الإفريقي مجرى نهر عبيد لا صلة له بالنهر الأمريكي. فهو يضع منبعه في الأطلس، ويجعله يجري بين إقليمَي تادلة (Tadla)[27] وهَسكورة (Hascora)، ليموت في أم الربيع، من دون أن يبلغ البحر. وكان هذا يمرّ بدكالة وتامسنا. وبين أكتوبر ومايو، وهو موسم الأمطار، كان يُعبر على أطواف من القِرَب. وكان قابلاً للخوض مشياً في بقية العام، يُربّي "لاسياس" (أسماكاً)، تُصدَّر مملّحة، ويصبّ بجوار أسوار أزمور.

وقد صارت الشائعة القائلة إن الهولنديين يحصّنون خليجاً مغلقاً[28] بين مازاغان وآسفي، عند مصبّ نهر "أخر" نفسه، شائعة مستمرة[29]، تصحبها معلومات عن مرتد فلمنكي، كان مزوَّداً بـ"آلات" مستوردة من فلاندرز، يكسر بها صخرة المدخل ليفتح الميناء أمام سفن تفوق حمولتها المئة طن[30]. وكان الكونت-الدوق يطالب بالمعلومات حين دخل سانلوكار القبطان أنطونيو دي فليتيس تيثنادو (Antonio de Fletes Tiznado)، قائد قارب شراعي، ومعه رسالة من الحاكم يطلب فيها نجدات عاجلة. ولمّا استُجوب في 31 أغسطس 1634، صرّح بأنه يعرف الحصن: "إذ إن من مازاغان إلى مصبّ النهر" أخر المذكور "اثني عشر فرسخاً"، مرّ مراراً أمام "التحصين" العلوي الذي كان لملك المغرب، بحامية من خمسمائة رجل ومدفعية و"مضارب حولها"، من دون أن يدل شيء على أنه رآها تُبنى. وفي يوم ذهب فيه لاستطلاع الموقع بأمر من الحاكم، اقترب أكثر مما ينبغي. فأُطلقت عليه ثلاث قطع مدفعية، ومرّت قذيفة فوق السفينة، فاحتمى وراء الصخرة التي كان الفلمنكي يزيلها[31].

ولمّا لم يكن في مقدور السفن الكبيرة الدخول، كان "يجول" في المرسى قاربان شراعيان صغيران، يسرقان مع قوارب سلا، ومن المتوقع أنه إذا فُتح المدخل، سيزداد التردد. وكان الخليج يتّسع لثمانين سفينة شراعية، مع مزية إضافية هي إنتاج الملح، الذي "يتكوّن... من دون العمل عليه". وقد خطّط الشريف لتوسيع المِلّاحة، "التي شرعوا فيها بالفعل"، حيث يصنع الإنكليز ملح البارود، وهو مادة البارود الخام، وهو حضور ونشاط دلّا على استعداد "لإلحاق أضرار كبيرة بتجارة هذه الممالك وبالنجدات التي تُرسَل إلى حصن مازاغان"[32]. وفي عام 1637 نزل في سانلوكار أيرلندي كاثوليكي كان مقيماً "استقراراً" في خليج نهر أخر. ورغب في تغيير محل إقامته، فخدم بأن قدّم المعلومات. فما دام عبد الملك، راعي المشروع، حياً، كانت زياراته تُسرّع الأعمال، التي تباطأت بعد وفاته. ولمّا لم تُدشَّن "وكر اللصوص"، لأن الفلمنكي لم يكن قد أنهى عمله، أشار بردم القناة، بأن يُلقى في القاع سفينتان وحجارة منحوتة وملاط، إذ إنه لمّا كان الخليج داخلياً والتيار ضعيفاً، سيُحصَّل على نتيجة أفضل مما في المعمورة[33]. وقد نُفّذت الفكرة، فبقي القاربان الشراعيان محبوسين. غير أنهما خرجا من دون مشكلات بُعيد ذلك.

في اتساعات أمريكا الشاسعة، كانت الخمسة والعشرون فرسخاً التي تفصل حصن المغرب، الذي كان على الأرجح قرب ميانتا (Maianata)، أمراً تافهاً، وإن كانت مسيرتها ثمانية أيام ونصف يوم، إذ كان المعدل في البر ستة عشر فرسخاً في اليوم. وكان فيليب الثاني واعياً لذلك، فأراد أن يحتفظ بالحصن لمبادلة ذات شأن[34]: فالشريف "يناسبه مازاغان أكثر بكثير، وهي هنا بجوار المغرب، عاصمة مملكته، لا تطوان النائية جداً"[35]. ولأن الحصن كان عند أعلى النهر ومن دون منفذ إلى الذهب، فقد كان المال المُنفَق على صيانته يُعدّ "مُهدَراً"[36]، مع صعوبة إضافية هي مضاعفة حملات النجدة، إذ كان كثيراً ما يحدث أن تدخل النجدات المعمورة من دون صعوبة، بينما يضطر نجدات مازاغان إلى العودة، لعدم تمكّنها من الاقتراب[37]. وكانت السفن التي تُبحر من الوادي الكبير قاصدةً الحصن تحمل زاداً لستة أشهر[38] احتياطاً محضاً، إذ كانت النجدات عادةً تُتمّ العبور في 25 يوماً وسفن الإخطار في 19 يوماً[39]، وهو رقم قياسي، لولا خطأ أصحابه في التواريخ، لحطّمه حدث وقع في عام 1640. فقد طُلب من الحاكم كونت كاستيلنوبو (Conde de Castilnovo) أن يسوّي خلافات بين المضارب، فخرج من الحصن بمئة وسبعين فارساً، ووقع في كمين أعدّه المرابط بثمانية آلاف رجل مشاةً وفرساناً، لم ينجُ منه مسيحي. ووصل الخبر إلى الحصن يوم الأربعاء 11 أبريل، ثم بلغ سانلوكار في الثامن والعشرين، أي بعد 17 يوماً من الحدث[40].

وكان الموقع عبئاً، وإن كان على بُعد 24 ساعة أو 30 فرسخاً من آسفي[41]، تُقطع في يومين، حين ظنّ فيليب الثاني في عام 1581، آخذاً رغباته على أنها حقيقة، أن الشريف سيبادله بشخص العرائش، فأمر بإعداد الإخلاء. وكُلّف بذلك ألونسو دي غوثمان (Alonso de Guzmán)، فاستأجر سفناً بحمولة 700 طن لإعادة الأهالي المقيمين في الموقع مع ممتلكاتهم إلى أوطانهم. ولمّا أُحصي 125 حصاناً مُروَّضاً، وهي عتاد حربي لا يُترك خلفاً، أشار بشرائها لكي "تُقتل أو تُلقى في البحر، لأن جلبها سيكلّف جلالتك في كل واحد منها أكثر مما يساوي، سواء بسبب أجور النقل أو بسبب ما يأكله في الطريق"، وكان الشعير بستة عشر ريالاً للفانيغة (fanega)[42]. وفي عام 1639 اقترح دوق مدينة آخر، إذ سئم من تسليف المال لإرسال القمح إلى الحصون، على فيليب الرابع أن يتزوّد من بربرية المغرب، موفّراً أجور النقل والكلفة، إذ إن الفانيغة التي كانت تكلّف في الأندلس من 16 إلى 17 ريالاً، كانت تتراوح في بربرية المغرب بين ريال وثمانية ريالات[43]. ولأن مازاغان كان معبراً إجبارياً للأشخاص والبريد قاصدين المغرب، كان يركب فيه أهل شبه الجزيرة عائدين إلى الوطن، وكذلك المسلمون الذين كانوا يسافرون رغماً عن إرادة الشريف[44]. وكان يتّصل بطنجة وسبتة، لكن لمّا لم تكن ثمة سفينة منتظمة، كان على الأشخاص أو البضائع التي لا تملك سفينة خاصة أن ينتظروا وسيلة نقل، خاضعين لتقلّبات الحظ[45]. وفي عام 1600 وضع فيليب الثالث جمركاً، مانعاً أتباعه من موانئ الشريف[46]. ولم يكن للأمر أثر، لأنه لا أحد يستطيع أن يضبط ما لا يُضبط، ففي عام 1627 طلب فرانسيسكو روكه سفينة تصل الحصن بالبرتغال بانتظام، إذ كان من غير المتصوَّر أن يُجعل مربحاً ما دامت لا توجد[47].

وكما في سائر مواقع المسيحيين المغروسة في أرض الشريف، كان المقيمون في مازاغان يقصدون السوق يومياً، وهي سوق يمدّها المسلمون، ليتزوّدوا بالمؤن. وخشِي فيليب الثاني وجود طابور خامس، ففرض على الأهالي الأصليين واجب استخراج رخصة لدخول المواقع، وإن كانوا مسيحيين. ولم يكن في مقدورهم أن يفعلوا ذلك قبل شروق الشمس، وكان عليهم أن يخرجوا عند غروبها، "كما يُفعل بمن يمرون إلى الهند"[48]، في بلدات القشتاليين، وهو احتياط تافه، إذ إن أي شريف، لو شاء، لكان استعاد الحصون. ومن المرجح أنهم لم يفعلوا لأنهم كانوا يملكون أرضاً فائضة، لكن لا أسواقاً، فكانت الحامية والسكان القشتاليون يوفّرون منفذاً لمنتجات كانت ستبقى غير مبيعة لولا الطلب الأجنبي، وهو خمول لم يمنع من انفجارات العداء والحصار، الذي طال أحياناً. أما التحرّش بأهل مازاغان فقد تولّته خيّالة أزمور. وكانت تكمن في بعض "الأدغال" القريبة من السور[49].

ومن بين المسافرين الذين عبروا الحصن، يبرز وفد من أتباع أحمد "المغربيين" (ponientales)، الذين ظهروا في لشبونة عام 1583. وكانوا ممثلين للمعارضة، يبحثون عن مولاي شيخ وعمّه مولاي ناصر ليعرضوا عليهما العرش، إذ عُلم أن الأميرين استقبلهما الكاردينال-الملك دون إنريكي، مع وعد بأنه سيمكنهما مغادرة المملكة متى شاءا. ولم يكن في نيته احترام كلمة سلفه، لأن سموّهما كان الترياق الذي يمنع بعثاً غير متوقع للدون سيباستيان (D. Sebastián)، فسمح للرهينتين باستقبال المندوبين، لكن بحضور واشٍ من الثقات يُتقن العربية. فخرج ذلك الرجل مذهولاً من المقابلة. فقد تفاهم المولَيان و"المغربيون" برطانة لم يستطع أن يلتقط منها كلمة[50].

ووفق ترجمة الرسائل التي حملوها، كانوا من أهل قبدة (Cabden)، "على ساحل البحر"، ممثلين لمعارضة نشأت من الهزيمة. فلمّا انتهى فتح بلاد فارس، شنّ صاحب إسطنبول الحرب على ملك المغرب، مُرسلاً أسطولاً عبر "جهة مليلية والأخير عبر جهة المغرب"[51]. فأمر ملك "المغربيين" "الزيّانيين" (çudenes) بالمقاومة ففعلوا، مُتحصّنين في قطيرة (Catira). وحاصرهم حسن باشا بسبعين قادساً من تونس، ولمّا لم تصل النجدات، ماتوا جوعاً، فبقيت تلمسان وموانئها في يد صاحب إسطنبول. واستاءت "القبائل" (cafilas) من تقاعس أحمد[52]، فاتحدت الجماعات والناس "من المغرب والشرق"، متفقين على خلعه. ولأنه كان "مُضطرباً بسبب الأتراك"، عرض المرابطون ثلاثة عشر ألف مقاتل راجل من الأفارقة، بحيث يكون للمولَيين، بمجرد نزولهم في بربرية المغرب، جيش كافٍ لهزيمة الذي أرسله ملك "المغرب" ضد الزيّانيين[53]. وفي ظروف أخرى، ما كان فيليب الثاني ليضيّع فرصة زرع الفوضى في دار الجار، لكنه أراد أن يحتفظ بشريف قوي وحكيم، لا يُفرط في استغلال شبح الدون سيباستيان. وبعد المقابلة، نقل المولَيين إلى قشتالة، لمزيد من الأمان. وكانا يجهلان أنهما يعيشان في سجن مفتوح، فأعاد إليهما خبرُ الانتفاضة العامة في جبال سوس عام 1590 الأمل. فأراد العمّ وابن الأخ أن يغادرا قشتالة، مُتذرّعَين بحقهما في مغادرة المملكة. فأجابهما الهابسبورغي بأن الخبر كاذب، إذ إنه لم يُؤكَّد لا من طريق تطوان ولا من طريق العرائش[54].

وفي الخرائط الحالية، يظهر مازاغان أو مازاغاو (Mazagao)، القديم والجديد، المفصولان بنحو 9 فراسخ، على الضفة اليسرى للأمازون، على بُعد نحو 12 فرسخاً من مصبّ نهر فيلا نوفا (Villa Nova)، على بُعد نحو خمسة فراسخ من بورتو سانتانا (Porto Santana)، على الضفة المقابلة، في أنغرا دي سانتا آنا دي لا غينيا (Angra de Santa Ana de la Guinea)، حيث كان خينيس كينتيرو (Ginés Quintero) يصطاد السمك، نحو عام 1591. وفي ماكابا (Macapá) برج "برتغالي"، شبيه بأي مبنى دفاعي في تلك الحقبة. وقد أمكن أن يكون في أزمور، الذي ربما كان المكان الذي بلا اسم، حيث كان لعبد الملك حصن، على مصبّ النهر العظيم في قناة الشمال (Canal do Norte)، مخرج بحر الجزر من "الهوما" (Huma) إلى رأس الرمال (Punta del Placel)، وهو اليوم رأس الشمال (Cabo Norte). أما قناة الجنوب (Canal do Sul) فتجري على الساحل الشمالي لجزيرة ماراخو (Marajo) أو موغادور حتى رأس أغوير (Cabo de Aguer)، وهو "الأبيض" لدى الفاتحين، وفي أيامنا ماغواري (Maguari). ويُنسب تأسيس مازاغان إلى ناجين برتغاليين من غرق سفينة، وصلوا في عام 1502 إلى موقع روسيبيس (Rusibis) القديمة، فبنوا برجاً كان بداية بلدة، سُوِّرت في عام 1542 على يد رجل يُدعى بيرايس (Pireis)، استعادها ملك المغرب في عام 1769. وبتجاهلٍ واضح لأن مازاغاو أو مازاغان كان لا يزال على ضفة الأمازون، يُطابَق بينه وبين الجديدة (El Jaddida). وهي على ضفة، لكن ضفة البحر، ولها شاطئ سياحي معروف.

أما اسم المكان أزمور فقد ضاع في أمريكا. وكان يُقال إنه "مازاغان"، مشيراً إلى قرب واضح، إذ كان الميناء يفصله عن الحصن اثنتا عشرة ساعة على الحصان[55]. وهو ميناء المغرب الذي كان يتصل بسلا وسانتا كروث (Santa Cruz)، مُتّصلاً بانتظام بتطوان وطنجة[56]. أما الرئيس المورسكي حامت (Hamet)، المقيم في قصبة سلا، الذي استُجوب في الحصن البرتغالي، فيُعطي معلومات عن الأنهار. أبحر في عام 1632 بفرقاطته في الوقت نفسه الذي أبحر فيه قارب شراعي لملك المغرب. وكان كلاهما ذاهباً "في رحلة مستقيمة" إلى أزمور، السفينة الملكية لأجل القمح وحامت "لأجل صيد شبوط ذلك النهر". وحين كانا يمرّان بالحاجز الرملي، أطلقت مدفعية المرابط أخشي (Aexe) النار. فعادت السفينة الشراعية، وقد فقدت "الصاري الأكبر"، بينما تابع الصياد. وأسرته قواربُ مازاغان الشراعية في نهر المقصد، فبرهنت شباك المورسكيين وأدواتهم وبعض الملح، الذي كانوا يحملونه في القارب، على نيتهم. ولمّا سُئل الربّان لماذا لا يصطاد في نهر سلا، "حيث يوجد الشبوط أيضاً"، أجاب بأن المرابط كان قد حظره على أهل القصبة، وهو المرابط الذي كان يتبعه أهل مدينة سلا وجميع الأقاليم، إذ كانت له العاصمة، والاستثناء هو القصبة، التي كان يتأهّب لفتحها، لأن الأندلسيين رفضوا التعاون في فتح المعمورة، وهو ما يبرهن على البُعد بدليل تعطّش الموظفين للأخبار، إذ لو كانوا على بُعد 30 فرسخاً لكانت لديهم أخبار وفيرة، من دون حاجة إلى استجواب صياد تائه[57]. ووفق ليون الإفريقي، كان أزمور، حيث يصبّ أم الربيع، فيه نحو 5,000 نسمة، وكان تمثيل التجار البرتغاليين، مُصدِّري الشبوط، ملحوظاً. وكان يُصطاد في البحر لا في النهر، مُدرّاً على البلدة من 6,000 إلى 7,000 دوقية في السنة. وينسب المؤلف إليهم أنهم أوحوا إلى ملك البرتغال بفكرة فتحها. ولمّا رُدّ الأسطول الأول، أرسل ثانياً بمئتي سفينة شراعية، احتلّ المكان، ففرّ السكان المسلمون إلى سلا وفاس. ويُطابَق بين أزمور وأزاما (Azama)، عاصمة دكالة، التي زارها القرطاجيون. وفي أزمّور (Azemmour) على ساحل المغرب، على بُعد 99 كيلومتراً من الجديدة، مدينة ومحلّة وقصبة، تبرز فيها دار البارود في القلعة، التي يُنسب بناؤها إلى البرتغاليين، ولها ميناء للصيادين. أما النهر، بإيجاز، فهو أم الربيع. وفي نهر أزمور، كان يجتمع كبار بربرية المغرب.

وكان الشرق الأمريكي يبدأ من الناحية المواجهة للريح من باريا (Paria)، شاملاً غينيا والبرازيل، مع امتداد أرض السود إلى الجانب الآخر من البحر. فحين طلب سيد عبد الكريم (Cid Abdelquerín)[58]، آخر قائد لأرسيلة (Arcila) البرتغالية، أن ينتقل إلى "الشرق"، لم يسمح له فيليب الثاني، لأنه كان قد رأى الدون سيباستيان في تطوان. ولم يسمح له فيليب الثالث أيضاً، لكنه أفلت منه. واضطرب اضطراباً شديداً حين علِم أنه في بربرية المغرب، فردّ بأن أصرّ على فتح العرائش. وفي عهد الأب، أثار سفراء إيزابيلا ملكة إنكلترا، الذين ذهبوا إلى "الشرق" بحثاً عن "الأحجار الكريمة واللؤلؤ"، ذعر الهابسبورغي، لكن أكثر ما أذعره أن يعلم أن رجال أحمد يردّون الزيارة[59]. وفي مناسبة معيّنة، هدّد الأندلسيون النازلون في قصبة سلا، إذ ضاقوا بالشريف، بترك المدينة والرحيل بسفنهم إلى الشرق[60]. وما دامت أرض السود قد امتدّت إلى الجانب الآخر من البحر، فليس مستبعَداً أن يكون وجود الفودو (vudú) في الهند أثراً لاتصالات لا صلة لها بتجارة الرقيق. أما الإسلام، فمن الجلي أنه وصل على قدميه. وفي دليل للمسافرين، نُشر في منتصف القرن العشرين، يُقال إنه في باهيا (Bahía)، التي كانت آنذاك روما السود، كانت "الإيغا" (higa) أو كفّ فاطمة تميمة شعبية، إذ يحتفظ شارع الأمبارو (Amparo) في أوليندا (Olinde) بشرفة مورسكية، وُصفت بأنها "دانتيل" من الحجر. ولم يُخطئ فيليب الثالث في عام 1616 حين سمّى "دار المينا" (Casa da Mina) في لشبونة "دار الهند" (Casa de las Indias)[61].

وفي وثائق تخصّ بربرية المغرب، منسيّة عن طيب خاطر، نجد أسماء أماكن معروفة، مُبعَدة ومُزحزحة. ففي عام 1581 خرج أحمد الدورادو (Hamete el Dorado) من المغرب، مُقيماً محطة في موربيا (Morbea)، على بُعد يُقدّر بـ19 فرسخاً[62]؛ وهُزم زيدان على يد أخيه مولاي شيخ في مشرع المدبوح (Mexra el Medbuch)، غير بعيد من سلا[63]، فبقيت محلّات الغرامة (Garrama) على مقربة من القصر (Alcázar)، التي تعني هي أيضاً حصناً. وفي عام 1610 نصب عبد الله بن محمد معسكره في سات بني ورتير (Sathebeni Veritir)، وضرب زيدان خيامه الملكية في اثنَين الهاليغة (Elitnayni el Haliga). فأمر جنوده بألا يبتعدوا عن محيط سلا، إذ إنهم إن خرجوا في حال سيئة، سينسحبون إلى تيقة (Teca)[64]، التي هي على الأرجح جداً مرسى "تنريفة" (Tenerife)، حيث اصطاد ماتيو بينيا (Mateo Viña) وألونسو دي لوغو (Alonso de Lugo) العبيد في عام 1494[65]. ولمّا سار زيدان ضد المرابط أخاكس (Axax) في عام 1614، نصب معسكره في دكالة، على خطوتين من مازاغان[66]. وأحمد، خليفة عبد الملك (Moluco)، لُقّب بـ"الدورادو" (المُذهَّب) لأنه استعاد غينيا الذهب. ولم يكن ذلك بمحض الصدفة[67]. فبعد فتح تلمسان، صار للأتراك موانئ على خطوتين من هند إسبانيا. وحين كانت مملكة باديس (Vélez) الصغيرة على وشك أن تقع تحت تبعيتهم، طلب ملكها النجدة من فيليب الثالث. فآلت الخدمة إلى مانويل ألونسو دي غوثمان (Manuel Alonso de Guzmán)، الذي كان آنذاك قائداً عاماً لقوادس إسبانيا. وفي الطريق أسر من المسلمين، مُعانياً صعوبات جسيمة بسبب العواصف. فوصل متأخراً، لكن الرحلة أكسبته خبرة. وفي عام 1631 طلب ست قوادس من فيليب الرابع لحراسة الأندلس، لأنه كان يتذكر الخوف الذي كانت تُثيره في القراصنة في بحار الهند[68]. وقد كانت هناك مملكة باديس بجوار تونس. وباديس أخرى إلى الغرب من بحيرة ماراكايبو (Maracaibo)، متاخمة لأرض البانتشيين (panches).

ولا يوجد دليل ولا إمكان أن يكون ديوان التحقيق المقدّس (الأنكيزيسيون) قد استطاع أن يمارس سلطة في شمال إفريقيا الإسلامي المستقل. لكنها كانت له في بربرية المغرب. فقد لُوحظ وجود تجار قشتاليين، معظمهم من المتنصّرين عن الإسلام واليهودية، المقيمين بين المسلمين منذ ثلاثين وأربعين سنة، ثم تبيّن أنهم كانوا قد نسوا الوفاء للإنجيل والولاء للملك، إذ كانوا يخدمون الشريف بأشدّ حماسة. ولمّا كان من المُلحّ تذكيرهم بالأمرين، أشار ألونسو دي غوثمان بإعادتهم إلى الوطن: "ويمكن توجيه ذلك بأقل ضجيج، عبر طريق الأنكيزيسيون"[69]. واجترّ فيليب الثاني الفكرة، فعهد إلى المحقّق العام في عام 1591 بإعادة هؤلاء الأتباع إلى أوطانهم، بوساطة تهمة الفتور أو الهرطقة[70]. وفي عام 1585، إذ علِم غوثمان أن في غينيا ذهباً كثيراً، طلب أن "بعض غليونات جلالتك"، من تلك الذاهبة إلى الهند، تدور عبر بربرية المغرب، التي كانت على الساحل نفسه، لأنه حين يراها القراصنة والتجار، مرتادو رأس أغوير وآسفي، "سيحذرون ويخشون الذهاب بالأمان الذي يذهبون به الآن"[71]. ولم يُستجَب له، وكان مُلحّاً، فطالب في عام 1605 بثلاثة زوارق (pataches) أو مراكب (filibotes) سريعة كسرعة زوارق الإنكليز، التي كانت تُفرغ القمح والشعير والجاودار في موانئ مولاي زيدان، الذي استحقّ الانتقام لأنه عقد صداقة مع أعداء الهابسبورغي. ولمّا لم تكن ثمة زوارق، أُمر رجال نجدة المعمورة بأنه متى أفرغوا المؤن، تابعوا إلى آسفي، مُحرقين سفن الهولنديين التي قد تكون في الميناء[72].

في عام 1607، إذ أُريد تأديب الثمانين سفينة (urcas) للمتمردين، التي كانت ذاهبة إلى مِلّاحة أرايا (Araya)[73]، صدر مرسوم بتشكيل أسطول، بعد حجز عام. ولمّا كان من غير المستحسن أن يُعهد بـ"رحلة طويلة وخطيرة" كهذه إلى طاقم ساخط، أراد دوق مدينة أن يخفّف من التذمّر، بأن يدفع 9 ريالات عن كل طن من السفينة، بدلاً من السبعة المعتادة[74]. فكان الجواب فظّاً. لن تكون هناك زيادة، لكن سيكون هناك رُبّان غاليسيون. وقد اختير طريق الشمال، فسيركبون عند المرور أمام فينستيري (Finesterre). وقد كان القرار نتيجة أن يُحمل رُبّان من غاليسيا، وهي السفن القرصانية الثلاث، من تلك التي "تُؤوى" في بربرية المغرب، التي أسرها أوكيندو (Oquendo)[75]. وكان القلق الذي أثاره هؤلاء المحترفون نتيجة تجربة حديثة. ففي عام 1604 كتب الملك: "كما تبيّن في هذه الرحلة الحالية على ساحل" الشريف، حين اضطُرّ إلى "إلقاء المرساة... وأمور أخرى"، وقعت أخطاء فادحة، لأن "رُبّان طريق الهند، مهما كانوا ماهرين، يجهلونها، لأنهم لم يتعاملوا معها ولا أبحروا فيها في تلك الأنحاء"[76].

وكان توغّل الإنكليز في البرازيل، الذي بدأ في زمن الدون سيباستيان، يُنبئ بتحوّل نوعي تطوّر في القرن السابع عشر. فقد طُردوا من مياه كانوا يرتادونها كتجار شرفاء، بعد ضمّ فيليب الثاني للتاج البرتغالي، فتحوّل الإنكليز والفرنسيون والفلمنكيون إلى قراصنة، مُضاعفين مستوطناتهم في الشمال والبرزخ والأنتيل والشرق، من الأورينوكو (Orinoco) إلى رأس فريو (Cabo Frío)، بمباركة الشرفاء والمرابطين وسائر الأهالي، المعادين لملك الإسبانيات. ولمّا صار ساحلهم ملجأً لكل من كانوا يسرقون في الهند، اتخذ أسطول البحر المحيط عادةً أن يجوب بربرية المغرب، ما لم يمنعه أمر عاجل. ففي عام 1608، تابع لويس فاخاردو (Luis Fajardo)، بالسفن الخمس التي بقيت له بعد أن جاب الهند، إلى بربرية المغرب، بنية إخراج القراصنة من "أوكارهم"[77]. وكانت النتيجة متواضعة، ففي عام 1610، وهو عام شراء العرائش، وضع فيليب الثاني ثلاث سفن بحمولة 300 طن في سبتة لحراسة المضيق. وكانت كلما سمح الوقت ستعبر إلى بربرية المغرب لتطهيرها من "الأعداء"[78]. وكانت الغارات متقطّعة، فلم تمنع تطوّر القرصنة والسلب. فسفن المحترفين، لخفّة حركتها، كانت تهدد الغليونات، لكنها كانت تحترم القوارب الشراعية والطرطانات والزوارق للصيادين وصانعي القلانس. وكانوا على حدّ القانون، إذ كان عليهم لكي يستطيعوا الحفاظ على السفينة والعبور إلى غينيا أن يتملّصوا من الجباية، فكانوا يقيمون علاقات سلسة مع كل من وضعوا أنفسهم على الهامش[79].

ولمّا كان فادريكه دي توليدو (Fadrique de Toledo) القائدَ العام لأسطول البحر المحيط في إسبانيا والبرتغال، أفاد من قوة في انحدار، بأن قسّم بقايا أسطوله إلى سربَين، يجوبان في آنٍ وباستمرار سواحل الهند وبربرية المغرب. وتحقّق الأمن للسواحل والأساطيل وقوافل النجدة، فرأى المحارب أن له من السلطة ما يكتب به إلى الملك ما يفكّر فيه. فلم يعد للحصون فائدة سوى انتزاع "الميناء المغلق" من القراصنة، وكان يُستحسن توفير ما كانت تكلّفه، لبناء وصيانة سفن[80] خفيفة وسريعة، تستطيع أن تواجه على قدم المساواة الأجانب. وكان قد مضى أكثر من عقد على القتال في الهند، حين جعل احتلال الهولنديين لباهيا في عام 1625 "حروب مارانيون" علنية. فأُرسل أسطول البحر المحيط إلى "استعادة البرازيل"، فاستعاد الموقع لكنه عاد في حال سيئة جداً، حتى إن الأطقم بقيت مستريحة في قادس "من مشاق الملاحة الطويلة جداً". ولم يُعطوا وقتاً لاستعادة قواهم. فحين ظهر أسطول إنكلترا في المغرب، رُكِّبوا في غليونات الفضة[81]. وكان "هذا الساحل كله مليئاً جداً بالقراصنة" حين أسر فيليب الرابع، مقتنعاً بأنه مالك كل ما تنتجه القارة، سفينتَي أتراك في عام 1632، وهما تدخلان البحر المتوسط بحمولة من السكّر والجلود، أُعلنت تهريباً، على الرغم من أنها آتية من بربرية مغربه[82]. وفي عام 1637 استولى الهولنديون على بيرنامبوكو (Pernambuco). ولم يُرد الملك أن يُعرف الأمر، فمنع خروج أي سفينة شراعية من قادس وسانلوكار ولشبونة، وكان سبب "خراب الفقراء" هو الغرور الملكي[83]. وكانت السواحل بلا دفاع إلى هذا الحد، قبل عام من استقلال البرتغال، حتى إن المسلمين كانوا يتمركزون عند مداخل الموانئ، لا يدعون حتى الصيادين يخرجون[84].

وحين أعلنت البرتغال استقلالها، جرّت معها فتحها، بما في ذلك حصن مازاغان. فبقيت سبتة لإسبانيا، وتحوّل اسم غينيا، الذي فسد نهائياً بسبب اللكنة الأنغلوسكسونية، إلى غيانا (Guayana)، ومُحيت أسماء الأماكن القشتالية، من الأورينوكو إلى الأمازون. ولأن الذاكرة التاريخية قصيرة مشوّشة، لا سيما إذا ناسب السلطةَ محوُها، لم يكن قد مرّ قرنان منذ أن أسّس سيدي محمد عبد الله موغادوره الخاص، حتى نُسي أصل وحدة السود، التي أدخلها أول مريني في جيش المغرب. وبأولى من ذلك أُبعدت، إذ لم تكد تُذاع في حينها، المطالبةُ التي رفعها فرديناند السابع (Fernando VII)، وهو في طريقه إلى فقدان هنده، إلى العاهل المسلم، بميناء في بربرية المغرب. وقد رُفض له ذلك، بذريعة أنه لمّا كانت الأرض سيئة الضبط، سيكون من المستحيل ضمان أمن المستأجِر. وإذ طُردت إنكلترا من أمريكا الشمالية، محتفظةً قشتالة، على سبيل بقايا إمبراطوريتها، بجزيرتَي كوبا وسان خوان (San Juan)؛ وإذ أُجبرت البرتغال على الاعتراف باستقلال البرازيل، فمن الطبيعي أن يفقد شريف، مقيم في الرباط، بربرية مغربه، وهو مُحاصَر بقوى أوروبية، كانت إذ تشرع في مشروع استعماري جديد، على وشك أن تجرّده من عاصمته الأم.

ولمّا اختُزلت القارة الإفريقية، كالشرق، إلى مجموع مستعمرات ومحميات للرجل الأبيض، ضاعت ذكرى إمبراطورية إسلامية، كانت تعبر الخليج الكبير، مُمتدّة من ساحل إلى ساحل. ومن المعلوم أنه لإخضاع شعب، لا بدّ من محو ذاكرة تاريخه الحقيقي، لأن معرفته تعني تراكم الخبرة أو مجموع نقاط المرجعية، التي تتيح المقارنة وبالتالي الاختيار، فقد زُوِّرت ذاكرة جميع الشعوب، بما يناسب السلطة. ودُمّرت ذاكرة أولئك الذين أُخضعوا لإمبراطورية النهّابين، في المادي، وبالامتداد في الفكري، سواء أكانوا غرباء أم من أهل الدار. ولمّا كانت الوثائق مُبعثَرة أو مفقودة، والمناطق المدارية مُدمّرة، والمباني من الطوب اللبن والخشب هشّة، وكان الأهالي معتادين العيش في الخيام، لسوء حظ الباحث الأكبر، فإن إعادة بناء ماضي تلك البربرية أمر إشكالي على أقل تقدير. غير أنه لا بدّ أن تبقى في مكان ما بقايا الأسوار التي شكّلت قصبة سلا، والتي أحاطت بآسفي أو المغرب، وقلعة أرغيم (Arguim)، إذ إن الجيّار برهان لا جدال فيه على الحضور الأوروبي.

إن رسالة وجّهها غاسبار دي غوثمان (Gaspar de Guzmán) إلى خيرونيمو دي بيانويبا (Jerónimo de Villanueva) في 22 يناير 1639، تشهد على حضور الإسلام كسلطة سياسية في القارة الأمريكية. فقد كان المرابط حليفاً للإنكليز وعلى وشك أن يأخذ قصبة سلا، فأشار على فيليب الرابع بفتحها، ولو بثمن أن يتحمّل حصناً إضافياً، فضلاً عن المخاطرة بالسلام مع إنكلترا: "وإن لم يكن هناك ميناء يسع الأساطيل"، إذ كان يبقى مرسى ملائماً "للسفن الصغيرة وللنقل والتجارة"، فإذا سيطر عليه القراصنة، لن يكون "شيء آمن لا في السواحل ولا في البحر"، وهي مصيبة أقل خطورة من عواقبها القانونية. فإذا كسب المرابط القصبة، فإن ملك إنكلترا سيستولي على الربض والمدينة، مُكتسِباً قوة معنوية وقانونية، عبر طريق الأمر الواقع، "ليُشوّش ويُفكّك مبدأ الفتح الذي أدخله جلالتك في ذلك الساحل والإقليم"[85]. ولا خبر يفيد بأن تاج قشتالة كان له أو كان يدّعي "فتحاً" في شمال إفريقيا ولا في سائر القارة. فقد اختُزل حضوره في الحيازة المؤقتة لحصون مبعثرة، بقيت منها سبتة ومليلية، وهبة البرتغال أنّوبون (Annobon)، وهو إقليم ربما لم يكن إفريقياً كما نفهمه اليوم، وفرناندو بو (Fernando Poo)، والمشاركتان في إفني (Ifny) والرأس الذهبي (Río de Oro)، حيث لم يكن أيٌّ من الأمرين.

إن تسمية "الجدّة" لإعادة بناء وقائع بدأت نشأتها منذ نصف ألفية، أمر لا يبدو معقولاً. وأقلّ معقوليةً السعيُ إلى تمرير حبكة سياسية-أدبية على أنها حدث حقيقي. فإجبار كل من يرتادون المدرسة على أن يطرحوا جانباً الحسّ السليم، لكي يستوعبوا العبث، هو بمثابة إدخال برنامج معطوب في حاسوب. فمن أُعِدّ لقبول الشاذّ كأمر طبيعي، سيعيش في الشذوذ، عاجزاً عن إدراك الحقيقة عبر الحواس، مطبّقاً المنطق على تحليلها. فإذا تصوّرنا أن شريحة من البشرية أمكنها أن تتطور معزولة، من دون أن تتبادل الأفكار ولا البضائع على مدى آلاف السنين، بالغةً المستوى الحضاري الرفيع الذي تعكسه سجلات الأزمنة الأولى للفتح، الذي يبدو أن أوريجينس (Orígenes) يشير إليه، إذ يقول إن شعوب الجانب الآخر من البحر كانت تحكمها شرائع، أملاها الله، فسنقع في خطأ افتراض أن تقدّم الإنسان، في الفردي والجمعي، هو نتيجة عزلته في مجتمعات مغلقة، وهي فكرة يمكن أن تُطيح بمبدأ العولمة. وهي مثمرة إن عولمنا الإيجابي، لكن علينا أن نُقرّ بأنها يمكن أن تُطيح بالبشرية، إن عمّمنا السلبي، مفهومين بذلك ما يُدمّر الملَكات، الملازمة للعقلانية، بدلاً من أن يُنمّيها.

وخير مثال على ذلك هو الرضا عن النفس المُشلّ، النابع من مبدأ "الاكتشاف". فحقبة العصور القديمة، حقبة كبار المفكّرين، وُصمت، لأنه يُفترض أن من عاشوها كانوا قادرين على الملاحة، لكن لا على فهم بيئتهم، برهاناً على ذلك رفضُهم عبور الخليج الكبير على مدى آلاف السنين، ضحايا لخوف غير عقلاني من المجهول. وإنه ليقول القليل جداً في صالح البشرية أن تكون قد اضطُرّت إلى انتظار فرد عناية إلهية من الحداثة، من العرق الأبيض وكاثوليكي فوق ذلك، ليكسر التزمّت الخرافي، الذي كان يُغلق العقول أمام كل تأمّل فكري مُبتكِر. وبافتراض أن لمسته السحرية أتاحت للناس أن يفهموا الكوكب ويجدوا أمريكا، فاتحةً مستقبلاً من التقدّم، يتكشّف كل يوم أنه أُسيء فهمه أكثر، فقد جعلنا آباءً لعصرنا كائنات مُتعصّبة في الديني، مُتصلّبة إلى حدّ رفض الحقائق البديهية، طامعة، مغرورة، كاذبة وقاسية، اتخذت المجد الأبدي في الآخرة قيمةً لها. وفي الدنيا: المال والسلطة والتجبّر. إنهم مُبدعو تلك الفلسفة الاجتماعية، ربما من دون وعي، التي تُعجَب بالكذبة المُحكَمة الصنع. ومنطق القوة. لكن سيأتي يوم يُدرَج فيه، في دراسة العقليات، سبب استمرار المِيثة وانتشارها، التي أخضعت الفكر للعبث والافتراء. ومن المرجح أن يُدرَج أفول العقيدة الكولومبية بين المعالم التي ستفتح العالم أمام تأثير ذلك الإنسان الجديد، القادر على فهم الكون ككيان شامل، يجب الحفاظ على أجزائه لكي يُصان الكل. وأن يفهم نفسه كجُسَيم من الكيان الجمعي. لا كمركز.


  1. ADMS. 2404. Año 1603.
  2. ADMS. 2421.
  3. ADMS. 2408.
  4. ADMS. 2421.
  5. ADMS. 2412. Año 1625.
  6. ADMS. 2421. 2411. Año 1623. Año 1624.
  7. ADMS. 2421. 2411. Año 1623. Año 1624.
  8. ADMS. 2414. Año 1630.
  9. ADMS. 2414. Año 1630.
  10. ADMS. 2418. Año 1639.
  11. ADMS. 2411. Año 1622.
  12. ADMS. 2408. Año 1610. 2413. Año 1627.
  13. ADMS. 2413. Año 1627.
  14. Ibídem.
  15. ADMS. 2416.
  16. ADMS. 2416. Año 1634.
  17. Ibídem.
  18. ADMS. 2415. Año 1631.
  19. ADMS. 2414. Año 1630.
  20. ADMS. 2414. Año 1630. 2415. Año 1631.
  21. ADMS. 2416. Año 1634.
  22. ADMS. 2417. Año 1637. 2421.
  23. ADMS. 2407.
  24. ADMS. 2417.
  25. ADMS. 2410. Año 1616.
  26. ADMS. 2413. Año 1627.
  27. كانت تادلة إقليماً لدى ليون الإفريقي، إلى غرب نهر العبيد.
  28. ADMS. 2417.
  29. Ibídem.
  30. ADMS. 2417. Año 1637.
  31. ADMS. 2416. Año 1634.
  32. Ibídem.
  33. ADMS. 2417. Año 1637.
  34. ADMS. 2421.
  35. ADMS. 2397.
  36. ADMS. 2408. Año 1613.
  37. Ibídem.
  38. ADMS. 2397. Año.1582.
  39. ADMS. 2414.
  40. ADMS. 2419. Año 1640.
  41. ADMS. 2408. الدرجة الواحدة تعادل سبعة عشر فرسخاً ونصف فرسخ.
  42. ADMS. 2397.
  43. ADMS. 2418. Año 1639.
  44. ADMS. 2421. 2408. Año 1614.
  45. ADMS. 2418. Año 1639.
  46. ADMS. 2404. Año 1600.
  47. ADMS. 2413. Año 1627.
  48. ADMS. 2399. Año 1585.
  49. ADMS. 2407. Año 1614.
  50. ADMS. 2421.
  51. Ibídem.
  52. ADMS. 2421. وتُذكر: بني وأمير وبنيت الحاء، "من جهتنا"؛ مريم وبني صطات وصفريت "من جهة ومنطقة أهل تلمسان"؛ ناصر ومغاية وترتاصات، بألف موقد؛ أبي معيز بألف وثلاثمائة، وقبضابة بثلاثمائة، وقلهاقة بأربعمائة، وغابيتو وهابنتوزين بألف وستمائة، ويف صنية، وجبل ناقول، وبديز، والبرانص، وزول بأكثر من عشرين ألف فارس؛ ومنطقة جزت، وألمركز، وميانز، وغيطات؛ وجبل آس، وجزت، وألمطلال، ومكناس، ومغدرة، وجبال آس، وفاس، والصحراء، وجبل ساي و"منطقة سواحلهم".
  53. ADMS. 2421.
  54. ADMS. 2402.
  55. ADMS. 2413. Año 1627.
  56. ADMS. 2413. Año 1627.
  57. ADMS. 2415. Año 1632.
  58. ADMS. 2403. Año 1596.
  59. ADMS. 2404. Año 1600.
  60. ADMS. 2413. Año 1627. أما الأويابوك (Oyapock)، فكان على الأرجح جداً نهر المعمورة، رافد طويل على الضفة اليمنى، قد يكون الأورغا (Orga). أما نهر سلا، الذي يصبّ إلى شرق النتوء، فيُسمّى واسا (Ouassa). وينتهي خليج الأويابوك إلى الشرق عند رأس أورانخي (Cabo de Oranje).
  61. ADMS. 2410. Año 1616.
  62. ADMS. 2397. Año 1581.
  63. ADMS. 2406. Año 1606.
  64. ADMS. 2407. Año 1614.
  65. ADMS. 2408. Año 1610. SRGS. 1.1496.23.
  66. ADMS. 2407. Año 1614.
  67. ADMS. 2404. Año 1603.
  68. ADMS. 2415. Año 1631.
  69. ADMS. 2399. Año 1585.
  70. ADMS. 2402. Año 1591.
  71. ADMS. 2399. Año 1585.
  72. ADMS. 2406. Año 1605.
  73. ADMS. 2407. Año 1607.
  74. Ibídem.
  75. ADMS. 2407. Año 1609.
  76. ADMS. 2406. Año 1604.
  77. ADMS. 953. Año 1608.
  78. ADMS. 2407. Año 1614.
  79. ADMS. 2406. Año 1605.
  80. ADMS. 2411. Año 1619.
  81. ADMS. 2412. Año 1625.
  82. ADMS. 2415. Año 1632.
  83. ADMS. 2417. Año 1637.
  84. ADMS. 2418. Año 1639.
  85. ADMS. 2418. Año 1639.