تقديم بقلم هاشم إبراهيم كابريرا
"متذرِّعًا باستبدال أسماء المواضع الذي رافق الفتح، أمر الإمبراطور، في عام 1536، بمصادرةٍ عامة لخرائط الملاحة والخرائط والمخططات، سواء أكانت ملكيةً عامة أم خاصة. وأُنيطت مهمة التطهير بالقاضي (oidor) خوان سوارِس دي كارباخال، فألّف فريقًا من كبار علماء الفلك وعلماء وصف الكون والجغرافيين، لسدّ الفراغ، بوضع «نموذجٍ مرجعي» (padrón) أو «خريطةٍ للعالم» محدَّثة". ونجت من الإحراق خريطة خوان دي لا كوسا. وهي مؤرَّخة بعام 1500، وتنطوي على مفارقةٍ تتمثل في رسمها سواحل لم تُكتشف بعد، كخليج المكسيك وفلوريدا. وثمة رسمُ حاجٍّ يحجب البرزخ المحظور على البرتغاليين والقشتاليين، لكونه محلَّ نزاعٍ أمام روما منذ عام 1490."
إن لويسا إيزابيل ألفاريث دي توليدو، دوقة مدينة سيدونيا، تُنقِّب حيث تتصدَّع الرواية التاريخية المقبولة رسميًا. وكتابها "من إفريقيا إلى أمريكا" هو ثمرة سنواتٍ عدة من العمل المضني: من تحديد مواقع المخطوطات، وتأويل النصوص، والتحليل المقارن للمعطيات التي لا يأبه بها التاريخ الرسمي عادةً، إن لم يُخْفِها.
وبوصفها حفيدة الدون أنطونيو ماورا، ذلك المجادِل الذي لا يعرف الكلل والمنشقّ حتى النخاع، عاشت لويزا إيزابيل منغمسةً، طوال أكثر من ثلاثين عامًا، في البحث التاريخي، كاشفةً عن مفاتيح ضائعة في البحر الهائل من الوثائق التي رتَّبتها وحلَّلتها بصبرٍ وحكمةٍ جديرَين بالثناء. إن خطابها، المتين والموحي، يأخذ بأيدينا لنكتشف، شيئًا فشيئًا، أن تحريف النصوص لأسبابٍ سياسية ودينية كان ممارسةً شائعة، وأن التاريخ الذي تعلَّمناه يقوم على هذه الإسقاطات أكثر مما يقوم على السرد الصادق. وندرك، كلما توغّلنا في النص، أن ذلك "تاريخ إسبانيا" الذي درسناه في المدرسة والجامعة كان ثمرة توافقٍ ومصالح طبقةٍ إثنية-مذهبية أكثر منه ثمرة إرادة معرفة ماضٍ نستطيع أن نتعرَّف فيه إلى ما هو، إلى حدٍّ ما، ملكٌ لنا.
إن المعالم الكبرى التي تستند إليها الذاكرة الجمعية للإسبان، والمفاتيح الهوياتية لمجتمعٍ بأسره صاغته محاكمُ العقيدة والمجازرُ التنكيلية، لا تتصدَّع فحسب، بل تغرق حتمًا وسط القرائن. ولويزا إيزابيل، ذات المعشر الرفيع والحسّ الفكاهي العظيم، تُعلن أنها من نسل مسلمٍ من "ما وراء البحر" (allen mar)، من تلك البربرية الواقعة وراء البحار، التي أرادت الرواية التاريخية أن تمحوها لتبني الترسانة الهائلة لخطاب «الاكتشاف».
ولعلّ الأرشيف الوثائقي لدوقات مدينة سيدونيا هو الأهمّ في أوروبا من حيث ما يضمّه من وثائق عن العلاقات التاريخية بين إسبانيا والمغرب العربي، وعن حضور سكان شبه الجزيرة الإيبيرية في القارة الأمريكية قبل "الاكتشاف". واستنادًا إلى هذه الوثائق وإلى كتبٍ ووثائق أخرى موجودة في مختلف الأرشيفات التاريخية للبلاد، تبلغ حدَّ إعادة بناء تلك الرواية التي أُريد لها أن تُحجب، بمسحةٍ من المعقولية، وهي روايةٌ مثيرة للدهشة من حيث إنها تنفي المعنى الذي دأب المرء على افتراضه لـ"الملحمة الكولومبية"، وتؤكد، على النقيض من ذلك، وجود علاقاتٍ سياسية وتجارية بين شعوب وثقافات مختلفة كانت تسكن ضفتَي المحيط كلتيهما، منذ أوائل السجلات المكتوبة المعروفة تقريبًا.
إن كتاب "من إفريقيا إلى أمريكا، قوة النموذج الإرشادي" هو، قبل كل شيء، كتاب تاريخ، من ذلك التاريخ الذي أنكرته مصالح دولٍ تشكَّلت على حساب الواقع الاجتماعي والسياسي والديني لشعوب شبه الجزيرة الإيبيرية. أما اللحظة التأسيسية للحداثة الإسبانية، فقد رسّختها الأجيال المتعاقبة من المؤرخين "المحدَثين" في توحيد أراضي شبه الجزيرة الذي أنجزه الملكان الكاثوليكيان بفتح غرناطة، وما تبعه من إعلان "الاكتشاف".
وفي ضوء هذا الكتاب، نرى كيف أن الإبقاء على زيفٍ تاريخي قد خدم مصالح سلطةٍ قامت "على افتراس الثقافات التي كانت تصادفها في طريقها". فالعلاقات التجارية التي كانت قائمة حتى ذلك الحين بين جميع القارات المأهولة، تأثّرت تأثّرًا عميقًا بسياسة "الفتح" التي نفّذها الملكان الكاثوليكيان وسائر الممالك الأوروبية الأخرى وخلفاؤهم الذين أضفت الكنيسة عليهم الشرعية، في «عالمٍ جديد» جرى التوافق عليه حديثًا، ولم يكن «جديدًا» إلا من منظور مصالح «الفاتحين». لقد نقّبت لويسا إيزابيل ألفاريث دي توليدو في موضوعٍ محرَّم لِما ينطوي عليه من تبعاتٍ تاريخية وسياسية. فوجود "ممالك" على الضفة الأطلسية الأخرى — في مواضع "ما وراء البحر" (allen mar)، كما ترد مسمّاةً في الوثائق التي حُلِّلت — يُحدِث انقلابًا كوبرنيكيًا في الرؤية التقليدية للعلاقات بين أوروبا وأمريكا التي رعاها المؤرخون المنحازون إلى الإمبراطوريات وأشكال التوافق المتعاقبة.
ويستند هذا البحث إلى مقاطع وثائقية عديدة تُثبت وجود منتجاتٍ أمريكية صِرفة في أسواق شبه الجزيرة منذ عام 1200 على الأقل. مَن كان أولئك التجّار الذين كانوا يعبرون المحيط الأطلسي دون عناءٍ كبير؟ لعلّهم أنفسهم الذين أرشدوا كريستوفر كولومبوس في رحلاته إلى "ما وراء البحر"، صيّادون وبحّارة من بالوس (Palos) ومن موانئ أندلسية أخرى، وملّاحون من البرتغال ومن المغرب العربي كانوا يعرفون "غينيا الذهب" التي لم تكن في إفريقيا على وجه التحديد، بل في أراضي وسط أمريكا وجنوبها.
ويستعين النص بلغةٍ مصوغة بحكمةٍ على نمطٍ قديم، من شأنها أن تُعين القارئ على عبور القرون، وعلى تصوّر المشهد حيًّا نابضًا، على الرغم من أن المادة لا تأتي من الأدب، بل من سجلات الشحن والأوامر وقوائم الجرد والمراسلات السياسية بين رجالٍ ونساءٍ تولّوا شؤون الدولة عاشوا فعلًا في زمنٍ آخر، ويبقون اليوم في أذهاننا، في ذاكرتنا الجمعية، وقد استحالوا إلى بقايا صورة أسطورية، إلى مشهدٍ صامتٍ منزوع المعنى. ويتجاوز أولئك الأبطال "الآخرون" للتاريخ المفارقةَ الزمنية الحتمية، فيقفزون فوق حاجز الزمن ويعيدوننا إلى خطاب السردية الكبرى، إلى ذلك الصراع المتناقض القديم بين مَن يصنعون التاريخ — الشعوب، الثقافات — ومَن يسعون إلى إخضاعه وتزييفه بالصلف الخاص بالمصطفَين. فحين يمضي الروحاني أو المفكِّر في طلب الحقيقة، مخترقًا كلٌّ منهما مشهدَه الذي لا يتكرَّر، فإن خطابه يُعبِّر دائمًا عن جمالٍ، لا محالة، بذلك الأسى الذي يتلاشى عند أفق المغيب.
وينشأ في المرء يقينٌ بأن الأرستقراطية الوحيدة الجديرة بالرغبة هي أرستقراطية الروح، لأنها الوحيدة التي تفلت من كل توافق، إلا ذلك الذي ينطوي على الوحدة، والهوية، وحال الكائن الإنساني المتكامل التام.