الهزيمة الأخيرة لجزر الكناري
أن تتعرض بضع جزر بركانية، يقطنها حفنة من الغوانش، لغزوتين كاملتين بكل معنى الكلمة، في ما يزيد قليلاً على عقد واحد من الزمن، أمرٌ يند عن المنطق. لكن الواقع أن ألونسو فرنانديز دي لوغو (Alonso Fernández de Lugo) شرع في غزوة ثانية لجزر الكناري، فور انتهاء الأولى. وقد كان مشاركاً في حرب بيرا (Vera)، مقيماً في غران كناريا، وفي عام 1489 كان يمتلك مزارع لقصب السكر ومعصرة، وشغل منصب القائد (Alcaide) في ألغيريس (Algueres)[1]. وكان سيء الوفاء بديونه، يلاحقه الدائنون، حين استدعاه الملكان الكاثوليكيان إلى غرناطة. وفي 19 من فبراير 1492، عوّضوه عن الخدمات التي قدّمها وعن مبلغ 1,400,000 مرابطي (maravedís) الذي أنفقه سلفاً في غزو بالما (Palma)، بمنحة إقطاعية في وادي غراخيري (Graxere)، بين بلدة غاليل (Galel) والساحل[2]، مع إرفاق رخصة بأخذ الماء من حيث شاء، لري 90 فانِغادة (fanegadas) من أرض الزراعة، الصالحة لزراعة قصب السكر وأشجار الفاكهة. وألونسو دي لوغو صاحب السكر، هو عند برنالديث (Bernáldez) فارسٌ إشبيليّ "من نسلٍ نبيل، رجلٌ مسالم وحسن السيرة جداً وسليم الضمير، فطنٌ طيّب القلب والعقل، حريص على كسب الشرف وعلى خدمة الله وصاحبَي الجلالة... في غزو الأقوام الهمجية والوثنية، الجاهلة والمعادية للعقيدة الكاثوليكية"[3]. وبوصفه وسيطاً بين بيدرو دي بيرا (Pedro de Vera) والأهالي، "لأنه كان يعاملهم ويغزوهم بمحبة كبيرة"[4]، تُنسب إليه مبادرة الحرب: "حين رأى الوقت مناسباً، طلب من الملك والملكة غزو بالما"[5].
في 13 من يوليو 1492، كان كولومبوس يُعِدّ رحلته في بالوس (Palos). وكان فرنانديز دي لوغو يُبرِم عقده. وامتناعاً عن الإشارة إلى حملة بيدرو دي بيرا، أمرت العاهلة: "عليكم أن تغزوا جزيرة بالما"، التي هي في "قبضة الكناريين الكفار". وقد قُدّرت تكلفة العملية بمبلغ 700,000 مرابطي، فكان عليه أن يبحث عن المال، مستعيداً استثماره ومحقّقاً أرباحاً، على حساب "أخماس... الأسرى والمواشي والأموال"[6]، "من أي غنائم وغارات، تأخذونها أنتم والقوم الذين تحملونهم معكم... من أي أهل جزيرة تنريفي (Tenerife) ومن أي مواضع في بربرية المغرب"[7]. وفي حال عدم استرداد الاستثمار في أثناء الحملة، كان لوغو يحتفظ لنفسه بريع بالما وتنريفي حتى نهاية عام 1494[8]. فإذا استُعيد رأس المال، يتولى الموظفون الملكيون تسوية الحساب، ليبقى للمقاتل مدى الحياة نصف خُمس الجزيرتين والرواتب التي تخصّه بصفته حاكماً، وهو منصبٌ مُنح له بطابع وراثي، ينتقل عبر البكورية[9]. وحرصاً على أن تكون بالما "مأهولة سريعاً"، فإن القشتاليين الذين يستقرون بها "بشكل دائم"، مع نسائهم وأبنائهم، يُعفَون من الضرائب والرسوم، "بمثل ما هو حال سكان غران كناريا"[10].
بحث لوغو عن شركاء ممولين، فوجد خوانوتو بيراردي (Juanoto Berardi) الفلورنسي، ممثّل برتولوميه ماكينو (Bartolomé Machino) في إشبيلية، الذي كان قد استأجر غينيا من ملك البرتغال، ووجد التاجر الجنوي المقيم في إشبيلية فرانشيسكو ريبيرول (Francisco Riberol). وكان اتفاقهم على اقتسام التكاليف والأرباح أثلاثاً، فإذا حدث "فائضٌ" في النفقات، "يُقتسم بحسب الحصة من الأجر... على النحو المعتاد المألوف بين التجار"[11]. وأبحرت الأرمادا من ميناء ألبنتوس (Alventos)، في يوم غير محدد من أواخر يوليو أو أغسطس. ولمّا كان لزاماً أن تبقى حملة بيدرو بيرا محصورة في غران كناريا، أدّى برنالديث واجبه حين قال إن جزيرة بالما، التي يسكنها قومٌ "بهيميّون"، لم تَسُدها ولم تُهدّئها "أمة أخرى" ولا شخص، حتى غزاها ألونسو دي لوغو، محققاً "سلباً" قوامه 1,200 "نسمة من الرجال والنساء، الصغار والكبار" و20,000 رأس من الماشية، من الغنم والمعز[12]، وهو رقمٌ ضئيل إذا أخذنا في الحسبان الأربعين ألف رأس التي كان أسقف روبيكو (Rubico) يملكها في فويرتيبنتورا (Fuerteventura).
أما فرانشيسكا دي بالما (Francisca de Palma)، المقيمة في غران كناريا، والمولودة في لا بالما "وذات قرابة واسعة فيها"، فترى الغزوة على نحو مختلف تماماً. فقد اقتنعت بكلام فرانشيسكو مالدونادو (Francisco Maldonado)، "محقّقنا في الجزيرة المذكورة" وحكّامها، فعبرت إلى موطنها الأصلي لتُقنع بني وطنها. وقد نجحت في أن يقدّم الطرفان اللذان يتقاسمان الجزيرة الطاعةَ والولاء، "وأن يكونوا في سلام وأن يكونوا في خدمتنا وطوع أمرنا". فارتضى أفراد أحد الطرفين أن يُعمَّدوا جملةً، مزوّجين "الرجال بنسائهم"، واقتداءً بهم فعل مثلهم غير قليل من الطرف الثاني. وحين استقبل مجلس بلدية "سان ميغيل دي لا بالما" (San Miguel de la Palma) ألونسو دي لوغو، وقد شُكّل على صورة القشتاليين ومثالهم، "بالجلال المعتاد"، عرض الرجال أن يقاتلوا في صحبته، "إلى أن تُذلَّل الجزيرة ويتمّ غزوها"[13].
واستحال الحصول على الأسرى والمواشي في "حربٍ عادلة"، لعدم وجودها، فبحث لوغو بيأسٍ عن وسيلةٍ لتوفيرها. فمستخدماً "صلاحياتٍ زعم أنه... يملكها"، لضمان احترام الأشخاص والأموال، طلب من فرانشيسكا أن يقدّم الأعيان إلى الملكة بعضاً من أبنائهم، على غرار الإنكا والأزتيك ورعايا البرتغال، على سبيل الرهائن، "لكي نرى مزيداً من ثباتهم وولائهم". وبافتراض أنهم سيُربَّون في البلاط، ليصيروا ناقلين للغة العاصمة وعاداتها إلى الأطراف، بحث عن "22 صبياً وصبية"، أبناء لنبلاء محليين. وأُبحر بهم في صحبة الفاتح، فوصلوا إلى بويرتو دي سانتا ماريا (Puerto de Santa María) في فبراير 1493، حيث بيعوا على الفور، في حين كان آباؤهم يخوضون الحرب في خدمة قشتالة[14]. ولم تكفِ هذه الحصة لتغطية النفقات، فحاك لوغو أكذوبةً أتاحت له بيع أهل الجزيرة على نطاق واسع. ولاستحالة إنكار أنهم قدّموا الطاعة، اتهمهم بخيانةٍ أُجهضت. فزعم أنهم بعد أن وعدوا باعتناق "العقيدة الكاثوليكية المقدسة"، تآمروا من وراء ظهره على أن "يهجموا على... معسكر" القشتاليين، "ويُوقعوا به الفوضى". فلما علم لوغو بذلك من جواسيسه، حال دونه، ممتنعاً عن معاقبتهم، انتظاراً للتعليمات الملكية. ولأن الملكة كانت ذات مصلحة في التجارة، صدّقت الافتراء، ومنحت قائدها هبةً سخية، لتفتح موسم صيد "أهل بالما": "وقد أنعمنا عليه بمئةٍ وخمسين أسيراً، ممن كانوا في الخيانة المذكورة"[15].
ودون نية للتحرك من البلاط، فوّض لوغو أمر الأسر إلى المرافقَين إسبينوسا (Espinosa) وبينابيدس (Benavides). فانقضّا على سان ميغيل، وخرقا "السلام المسالم"، مصادرَين أموال الأهالي وأجسادهم، فأُبحر بهم إلى "ممالكنا هذه"[16]، غير مبالِيَين باحتجاجات فرانشيسكا. وشعرت بالذنب، "لأنها كانت المترجمة والسبب في أن يثقوا"، فأرادت العبور إلى قشتالة لترفع شكواها أمام الملكين، "عن نفسها وعن أقاربها وأبناء وطنها المذكورين"، لكنهم منعوها من الإبحار متذرّعين بحظر عام 1491[17]. وبعد قليل، صار موت أربعة من عبيد ألونسو دي لوغو، الذي ربما دبّره أو أثاره مالكه، ذريعةً لاعتقال أقارب فرانشيسكا. وبعد مصادرة ممتلكاتهم، أثبت "الفاتح" فداحة الجُرم بقسوة العقاب: فقد "شنق ظلماً" اثنين من أهل بالما، "رأسَي طائفة"، ممن قاتلوا تحت إمرته، بـ"لون" أو مظهر أنهم ألهبوا فتنةً لا وجود لها، ونجت فرانشيسكا برأسها، تفادياً لفضيحةٍ صاخبة[18]. وكان كولومبوس في جزر الهند وكان لوغو في الأندلس، حين وثب "بعض سكان" سانتا ماريا ديل بويرتو (Santa María del Puerto) على تنريفي، وأسروا كناريين "ممن يُقال إنهم من أهل السلام"، وهم رعايا ملكَي قشتالة. وأُبحر بهم مع الأورتشيلا (orchilla) التي كانت بحوزتهم، فحُملوا للبيع إلى بلدتهم، "وإلى مواضع أخرى من الأندلس". ولم يرغب الملكان الكاثوليكيان في اضطرابات سابقة لأوانها، فأمرا باستعادتهم، لإعادتهم إلى جزيرتهم[19].
ولأنه لا يليق أن يخمل الفاتح مدة سنةٍ كاملة، يأخذه برنالديث إلى إشبيلية، فور انتهاء غزو بالما، ليُعِدّ لغزو تنريفي. والحقيقة أن لوغو لم يعلم أنه سيتعين عليه الشروع فيه قبل 28 من ديسمبر 1493[20]، حين أمره الملكان الكاثوليكيان بغزو "آخر جزر الكناري وسابعتها، وإحدى أفضلها...". وتفادياً لأن يطول إعداد الأرمادا إلى ما لا نهاية، جُعلت لرخصة إخراج 2,000 قنطار من البقسماط و1,000 قحيز (cahíces) من القمح و300 من الشعير من الأندلس مهلةُ انتهاءٍ محددة: نهاية مارس 1494[21]. وتولّى القائد العام للأرمادا الحجزَ على السفن اللازمة لـ"أرماداتنا"، التي كان عليها أن تعبر "من ممالكنا هذه إلى جزيرة تنريفي المذكورة"، وهو مُموّن المدفعية والأسلحة والأدوات والعتاد و"الدواب"، لجيشٍ قوامه 1,500 راجل و100 فارس، يُعزَّز بـ500 راجل و60 فارساً عند المرور بغران كناريا[22]. وكان كولومبوس يرسي مبادئ جزيرته إسبانيولا أو إيزابيلا (Isabela)، بينما كان لوغو يبحث عن 300 مستوطن بأجر لتنريفي[23]. فمتى "أُخضعت" الجزيرة "لخدمتنا"، وبعد تعيين موضعٍ للكنيسة أو الكنائس المزمع بناؤها، يوزّع الأراضي والضياع. ومتى استوفى المقيمون "إقامةً" مدتها خمس سنوات، في بيتٍ مأهول بامرأةٍ وأبناء، أمكنهم تسجيل الملكية في "سجل جميع الأملاك"، مكتسبين الحق في بيعها[24]. وبصفته قائد تنريفي في أثناء الغزو، فإن لوغو، فور انتهائه، يُرقّى إلى حاكم، بالشروط ذاتها التي في بالما[25].
وسخط خوانوتو بيراردي وفرانشيسكو ريبيرول لعدم استرداد فلسٍ واحد، فرفعا دعوى على الشريك الذي زجّ بهما في المغامرة. وقد كاد أن يُعدَم على يد كونت ثيفوينتيس (Conde de Cifuentes)، فأنقذ ما تبقّى له، متذرّعاً بالطبع الثائر لدى الغوانش، "الذين كان يُسمّى بهم سكان الجزيرة". وبتأكيده أنهم سيرتكبون من الأفعال ما يكفي لينتهي بهم المطاف في السوق، نجح في أن يعيدا استثمار خسائرهما في المشروع[26]. لكن الجزيرة خبّأت للوغو مفاجأةً غير سارّة. فلأن الأهالي كانوا قد ارتضوا التعميد أيام بيدرو دي بيرا، استقبلوه معلنين أنهم "مسيحيون وأحرار". ولم ينوِ الرضوخ للفقر، فجمع رجاله وأبلغهم أنه ما لم يكن هناك قتال، فلن تكون هناك غنيمة ولا أجر. ودون سببٍ حقيقي لبدئها، اختلق القشتاليّ سبباً مثالياً: فوعورة التضاريس، ومهارة رُماة المقاليع من الغوانش، والمقاومة التي أبدَوها إزاء التنصير، كلها تتيح توقّع أنهم عند أول فرصة سانحة سيعودون إلى سيرتهم الأولى، فيصيرون "من جديد" أسياد الجزيرة. ولمّا لم تكن هناك وسيلة لمنع ذلك أفضل من الهزيمة الوقائية، اتفقوا على تسلّق الصخور، بغدرٍ وتحت جنح الليل، ليردّوهم نهائياً إلى الطريق القويم. ولما وُضعت الخطة موضع التنفيذ، لم ينتبه القشتاليون إلى أن التجربة تُيقظ. فالغوانش، وقد أُخبروا كما ينبغي بازدواجية المسيحيين، استقبلوهم بوابلٍ من الحجارة، أوقع بحسب برنالديث 800 قتيل في صفوف لوغو، فعاد الناجون إلى السفن، في الزوارق أو سباحةً. وأبحروا مطارَدين من على منحدراتٍ قريبةٍ إلى حدٍّ يوحي بأنهم كانوا قد رسوا في نهر[27].
يفترض المؤرخ أن لوغو، بعد عودته إلى غران كناريا، انتقل إلى سنلوكار (Sanlúcar)، فنجح في أن يموّل له خوان دي غوثمان (Juan de Guzmán) مشروعاً، اختُتم في عام 1495 بترحيل الغوانش، "كباراً وصغاراً، إذ "لم يبقَ واحد"، وقد رمّم بيعُهم كيسَ الحاكم المتصدّع[28]. لكن الوثائق تقول إن هذا الأخير استدعى الكاتب غارسيا دي لا بويبلا (García de la Puebla)، ليَعِد، في عقدٍ رسميٍّ حُرّر في 14 من يونيو 1494، بأن يعطي نصف الغنيمة والأرض المفتوحة لمن يقدّم 600 راجل و30 فارساً، مُجهّزين بخيولهم ووسائل نقلهم، لغزو تنريفي. وسُلّم المستند إلى غونثالو سواريث دي ماكيدا (Gonzalo Suárez de Maqueda)، من سكان غران كناريا، والمنحدر من بويرتو دي سانتا ماريا، فنزل بقادس، الميناء الرسمي لجزر الهند. وعبر الخليج، ثم تابع إلى سنلوكار برّاً. فاستقبله على الفور دوق مدينة سيدونيا، الذي كان الأسقف خوان دي فونسيكا (Juan de Fonseca) قد لقّنه كما ينبغي. ولما رُفع علم التجنيد في بونانثا (Bonanza)، اجتمعت في ساعات 7 رايات من الرجّالة و40 فارساً، لما كان لأرض المقصد من سمعةٍ حسنة[29]. وقد تجهّزوا بالسيوف والعباءات وأحذية الإسبردريل والقمصان، مشتراةً من إشبيلية بقيمة 178,600 مرابطي، وأبحروا في 25 من أكتوبر، متجهين إلى ميناء سانتا كروث (Santa Cruz)، وعلى رأسهم برتولوميه دي إستوبيّان (Bartolomé de Estopiñán)[30].
لم يُخبر لوغو شريكيه بالإخفاق، ولا بإدخال شريكٍ ممولٍ ثالث، لكن لتردد فرانشيسكو ريبيرول على ميناء سنلوكار، علم بالأمر لا محالة. وعدّ نفسه مخدوعاً، فعاد ورفع دعوى على الفاتح. فلما بلغه الخبر في فيّا ريال دي لاس بالماس (Villa Real de las Palmas)، تجاوز الأزمة ببيع "أملاك" وادي وبلدة غراخيري، في 19 من أغسطس 1494، أمام الكاتب غونثالو دي بورغوس (Gonzalo de Burgos). فمزرعة قصب السكر وأشجار الفاكهة و"الأسوار" و"البوابات" والمسكن وطاحونة الخبز والإسطبلات والمعصرة، المزوّدة بالمراجل والقنوات والقوالب العلوية للتصفية، و200 أروبة (arrobas) من السكر و40 من الحلويات، "مع كل ما يتبعها ويخصّها، مما أملكه اليوم ويعود إليّ، في وادي أغارتي (Agarte)"، اشتُريت مقابل إيجارٍ سنويٍّ قدره 650,000 مرابطي بالعملة الكنارية، يدفعها فرانشيسكو بالوميراس (Francisco Palomeras)، التاجر الجنوي المقيم في بلنسية، مباشرةً إلى فرانشيسكو ريبيرول[31].
واستغلالاً للوقت، نظّم لوغو حملة صيدٍ للسود، متشاركاً مع ماتيو بينيا (Mateo Viña)، المقيم آنذاك في غران كناريا، وهو مزارع قصب سكرٍ وتاجر عبيد، أسهم بسفينته القارَبة. وكان الحاكم مفاوضاً بارعاً، فأقنع 60 فارساً و300 راجلٍ ممن كانوا في تنريفي. لم يكونوا قد قبضوا مرابطياً واحداً، لكنهم تبعوه[32]، وانضم إلى الحملة دييغو وكريستوبال غاريدو (Diego y Cristóbal Garrido)، من سكان بالوس، وقد وصلا إلى الجزيرة حديثاً، بنية شحن الكناريين. وبعد أن اختير خليج تيكا (Teca)[33]، في تنريفي، مصيدةً، توقّفت السفن على مقربةٍ منه، إذ إن الأهالي سيتوارَون في الأدغال بمجرد أن يشمّوا سفن المسيحيين. ولما رُفعت الأشرعة "عند حلول الظلام... للقيام بالوثبة التي تلزمهم"، ولعدم "معرفة... تامّة" بالميناء، "وقعت سفينة بينيا في مأزق وضاعت". لكن الحادث لم يمنع أسر 140 من الغوانش و20,000 رأس من الماشية. وباع بينيا ولوغو الغنيمة[34]، ولم يكونا قد وزّعا مرابطياً واحداً على الجند وأهل بالما، حين وصلت النجدات من سنلوكار، فانطلق لوغو إلى غزوته. فشكا آل غاريدو والقوم. وفي انتظار الحكم، تجوّلوا في فيّا ريال، "يستجدون صدقة لوجه الله" ليأكلوا[35]. أما شكوى ملك البرتغال، ضد سكان جزر الكناري وقادس، الذين خرقوا ما اتُّفق عليه في تورديسيّاس (Tordesillas)، فوثبوا على غينيا، جامعين رؤوس الأهالي المباعة على الفور[36]، فقد تكون ذات صلة بتلك الغارة.
بعد أن انتهى الغزو، وصل لوغو إلى بويرتو دي سانتا ماريا في أوائل عام 1495، بحمولةٍ من الأسرى. وافترضهم مُعفَين من الرسوم، لأن الملكة وعدت بذلك، ففاجأه جباة المكس (almojarifes)، مطالبين برسوم عليهم "عن الميناء والمكوث... سواءً عند الدخول أو عند البيع"، لأن "هؤلاء الأسرى ليسوا من أرض المسلمين ولا هم مسلمون". فلما شرح الفاتح أنهم من الغوانش أهل جزر الكناري، جمع الجباة بدل أن يطرحوا، فأضافوا الخُمس إلى الرسوم، إذ كان يُدفع على كل ما يأتي من الجزر، رافضين اعتبارهم غنيمةً "في وقت حرب"، لأن حرب تنريفي كانت سرّية، فلا علم لهم بها. فشكا الفاتح إلى إيزابيلا، التي خرجت من المأزق بأن قالت إنهم يدفعون "كما لو كانوا من غاراتٍ تجري في أرض المسلمين"، ريثما يُعرف ما دفعه بيدرو دي بيرا عن الأسرى في أثناء غزو غران كناريا[37]. وأُذن لفرانشيسكا دي بالما بمقاضاة لوغو "بالعدل"، مع وعدٍ ملكيٍّ بأن يذهب "شخصٌ صالح" إلى الجزيرة للتحقيق في ظلمٍ قديم[38]، وعُيّن ألونسو فاخاردو (Alonso Fajardo) في 29 من يناير 1495 حاكماً لغران كناريا، براتبٍ سنويٍّ قدره 150,000 مرابطي قشتالي، تعادل 200,000 بعملة الجزيرة. ولما تسلّم منصبه في 7 من أغسطس[39]، كان من بين المهام المسندة إليه تسويةُ قضية فرانشيسكا، "على وجه السرعة" ودون "صيغة محاكمة"[40]. ولا بد أن هذه المهمة أُنجزت، إذ تختفي "أهل بالما" من التاريخ.
وفي ربيع عام 1496، أرسل دوق مدينة سيدونيا سفينةً ثانية من سنلوكار إلى ميناء سانتا كروث، محمّلةً بالطحين والبقسماط والزيت والخمر، فأضاف 748,840 مرابطي إلى دَين لوغو. وكجزءٍ من السداد، سلّم لوغو مركباً قدّره الحاكم نفسه بـ200,000 مرابطي، و280 كنارياً، أرسلهم إلى غوثمان في دفعاتٍ مختلفة. وبموجب مرسومٍ ملكيٍّ موقّعٍ في بورغوس (Burgos)، في 5 من نوفمبر 1496، أصبح للوغو صلاحية توزيع أرض الجزيرة، "بحسب ما ترونه صواباً"[41]. ونسي الرغبة الملكية في "أن تُعمَّر الجزيرة المذكورة"[42]، فمنح دوق مدينة سيدونيا أربعة فراسخ مربعة، بين نهرَي أبونا (Abona) وأباديس (Abades)، مع 1,500 فانِغة من أرض الزراعة والماء لريّها[43]. ولم يرضَ غوثمان، الذي لم يكن يريد تلك الأرض بحال، فأشار في وصيّته المحرَّرة عام 1507 إلى "المرابطيات المستحقة له على حساب ألونسو دي لوغو، سواءً عن الجبايات العامة، أو عن زوجته لا بوباديّا (la Bobadilla)"[44]. ولمّا بقيت غير مدفوعةٍ في عام 1513، طالبت ليونور دي غوثمان (Leonor de Guzmán)، الدوقة الأرملة، ورثةَ فرنانديز دي لوغو بمبلغ 5,248,160 مرابطي، معلّقة منذ غزو جزر الكناري[45]. أما الذين شاركوا في الحرب، فقد قبضوا أجورهم بالأسرى. ولمّا صادرت الكنيسة معظمهم، لم يلبثوا أن رفعوا الدعاوى، مطالبين لوغو والتاج بمستحقاتهم. وكان أحد المدّعين فرانشيسكو غوربالان (Francisco Gorvalán)[46]، من سكان إشبيلية. فبمخاطبته لوغو بلقب قائد تنريفي، طالبه بـ40,500 مرابطي، مقابل 4 سنوات من الخدمة في الغزو، براتبٍ قدره 9,000 مرابطي، دون أن يرى فلساً واحداً زيادةً على قرضٍ قدره 15,000[47]. ولمّا تراكمت "الخلافات والنزاعات" حول العبيد ورؤوس الماشية وغيرها من الغنائم، عيّن الملكان قضاةً محكّمين لتسوية المسألة[48].
وفي نوفمبر 1496، وفى العاهلان بوعدهما بتعيين لوغو رأسَ سلالة حكّام تنريفي، لـ"كفاءته وأهليته" ولما تحمّله من "مخاطر وأهوال كثيرة". فمتى اجتمع الرجال الصالحون وأولو العدل في مجلس البلدية، سلّموه العصيّ، ليشكّله من جديد، مع طرد "المتمردين والعصاة"، "بحيث لا يبقَون فيها بعد"[49]. وإلى هذه الهبة أُضيفت منحةٌ لا تقلّ عنها تقديراً وإن كانت أثيريّة. فلأنه أخضع لخدمة الله سكان جزيرتين، عانتا في أقل من قرنين أربع اعتناقاتٍ للدين، معرّضاً شخصه "للخطر"، "وسُقتَ من كانوا يُسمَّون ملوك الجزيرتين المذكورتين إلى أن أدَّوا لنا الطاعة والإجلال الواجبين"، وهو ما يشير إلى غزوٍ بلا معارك، فإن لوغو يُدخل في "شعار النبالة الذي لك الآن وليكن لك، في درعك ومعلّقاتك، ومن بعده يحمله نسله وسلالته"، جزيرتين، و"في وسطهما" قلعتين لكلٍّ منهما، لكونه بناهما، تاركاً "ذكرى" أبديةً للحدث[50].
- SRGS. I.1489.143.
- SRGS. II.1496.1. لا يظهر في جزر الكناري الحالية اسم موضع مماثل.
- Bernáldez cap. CXXXII.
- Bernáldez cap. LXVI.
- Bernáldez cap. CXXXII.
- SRGS. VII.1492.18.
- SRGS. VII.1492.20.
- SRGS. VII.1492.13.
- SRGS. VII.1492.20.
- SRGS. VII.1492.19.
- SRGS. II.1494.85.
- Bernáldez cap. CXXXII, pág. 679.
- SRGS. II.1494.85/ XI.1494.413/II.1495.49.
- Ibídem.
- Ibídem.
- SRGS. II. 1495.49.
- SRGS. XI.1494.413/II.1495.49.
- Ibídem.
- SRGS. XII.1493.94.
- SRGS. XI.1493.47. أصدرته الملكة في سرقسطة (Zaragoza)، لدى عودتها من برشلونة.
- SRGS. XII.1493.189.
- SRGS. XII.1493.51.
- بحسب فرنانديز دي أوبييدو (Fernández de Oviedo)، وجد كولومبوس في رحلته الثالثة سكان إيزابيلا في حالٍ من السوء بلغ بالملكين أن أمراه بإبحار 300 "محكومٍ عليهم" ومنفيين أو أكثر، "إلى هذه الجزيرة"، تفادياً لأن تُهجر (F.O. T. I). وقد قطع قُبيل ذلك الرحلة الثانية، التي كانت رحلة حرب، فمن المحتمل أن يقدّمها المؤرخون على أنها رحلة تعمير، خلطاً بينها وبين رحلة لوغو.
- SRGS. XII.1493.53.
- Ibídem
- SRGS. II.1494.85.
- Bernáldez cap. CXXXIV.
- Ibídem.
- ADMS. 4278.
- SRGS. VII.1496.157/ADMS. 4278.
- SRGS. II.1496.1. أقرّ الملكان البيع في تورتوسا (Tortosa)، في 28 من فبراير 1496. وكان بإمكان بالوميراس أن ينقل المعصرة "التي لديكم في الملكية المذكورة، إلى أي جزءٍ آخر منها، حيث تشاؤون وترون أنها ستكون أفضل وأكثر نفعاً"، آخذاً المياه من الينابيع أو المجاري، دون الإضرار بالغير، مقيماً ما يشاء من "الأحواض الصغيرة والقنوات". ونجد في غران كناريا موضعاً يُدعى أغايتي (Agaete)، فيه صومعةٌ من القرن السادس عشر، يُنسب تأسيسها إلى لوغو.
- SRGS. 1.1496.23.
- في عام 1610 يُذكر تيكا (Teca) بوصفه بلدةً في المغرب، ضمن بلاد البربر. ولا يظهر هذا الاسم في جزر الكناري الحالية. ويُلحظ تطابق الأرقام. فبحسب برنالديث، شكّلت 20,000 رأس من الماشية جزءاً من غنيمة بالما.
- SRGS. II.1495.133 ADMS. 2408. Año 1610.
- SRGS. I.1496.23.
- SRGS. II. 1495.501.
- SRGS. III.1495.37.
- SRGS. XI.1494.413/II.1495.49.
- SRGS. I.1495.18 R.A. doc. XXVII.
- SRGS. XI.1494.413/II.1495.49.
- SRGS. XI.1496.127.
- SRGS. XI.1496.9.
- ADMS. 4278/931.
- ADMS. 931.
- ADMS. 4160.
- اشترى منه كولومبوس حصاناً، صادره فرانشيسكو بوباديّا (Francisco Bobadilla)، وأُعيد في عام 1501.
- SRGS. VII. 1496. 33.
- SRGS. XI. 1496.124.
- SRGS. XI.1496.122.
- SRGS. XI.1496.8.