Part II · The Fortunate Isles · الفصل 7 من 9
برج سانتا كروث

برج سانتا كروث

لم تكن الولاية القضائية على الجزر الصغرى من اختصاص حاكم غران كناريا، غير أنّ إينيس دي بيراثا (Inés de Peraza) لجأت إلى مالدونادو (Maldonado)، لكونه قاضياً تابعاً للتاج، لتفصل في نزاع عائلي، فأفلحت في أن تُحال دعاوى رُفعت لنزع إدارة الأحفاد من الكَنّة، ولأجل ديون، ضد أهالي هييرو (Hierro) المُدانين لانتقالهم إلى سلطة البوباديّا (Bobadilla) دون احتجاج[1]، فتنظر فيها محكمة إشبيلية[2]. ولمّا تضرّرت بياتريث (Beatriz)، لفتت النظر إلى أنها، لكونها مقيمة في "جزيرة غوميرة (Gomera)، وهي بعيدة جداً ونائية جداً عن حيث تُقام الدعوى المذكورة ويجب أن تُقام"، وحيث إنّ للحماة بيتاً في جزر الكناري، كان من العدل إعادة القضية إلى المحاكم الجُزرية، توفيراً عليها من الخسارة المالية[3]. ولكان الأمر قد تعقّد على أرملة فِرنان (Fernán)، لولا أنّ إينيس عزمت على إقامة برج، على الحدّ الفاصل نفسه بين لانثاروتي (Lanzarote) وغران كناريا[4].

ولمّا استشعرت الملكة نيّة إنشاء مركز تجاري، على أبواب أراضي التاج، لاستيعاب مكاسب الافتداء، تجاهلت أنّ سيدة الجزيرة كان من حقها أن تبني حيث تشاء، فوصفت المشروع بأنه اعتداء على "سيادتنا الملكية". ودون خشية من الاصطدام بدعوى أمام روما، لكون الحدود غير محددة بدقة، أمرت في عام 1496 حاكمَ غران كناريا: "في ذلك الموضع الذي أرادت أن تُقيم فيه البرج، أقيموه أنتم على الفور باسمنا... حتى يُتولّى منه أمر الإتاوات ومكاسب الافتداء، لأنّ هذه الأمور، كما تقولون، تخصّنا نحن لا غيرنا من رعايانا"[5]. وفي 29 مارس[6]، إكراماً للتنصيب الذي كانت قد تلقّته من ألكسندر السادس بوصفها ملكةً على ممتلكاتها "في إفريقيا"، سمّت البرج سانتا كروث "الأفريقية"، واضعةً إياه على "ساحل بربرية المغرب"، لتجعل حدوده كامل "البحر الصغير"[7]. وقُدّرت تكلفة البناء بمبلغ 142,170 مرابطياً (maravedís)، تُدفع على حساب خُمس غران كناريا، غير أنّ الواقع تجاوز التقديرات، إذ بلغت كلفته 633,346[8]، فعُرف البرج باسم سانتا كروث "البحر الصغير"[9]. وفي معاهدة سِنترا (Cintra) المُوقّعة عام 1509، يظهر "برج سانتا كروث الذي تملكه قشتالة" واقعاً "قُرب جزر الكناري"[10].

وكان اختيار الموضع منوطاً به، فذهب ألونسو فاخاردو (Alonso Fajardo) "ليعاين الأرض" على متن كرافلة رودريغو دي لِسبونا (Rodrigo de Lisbona)[11]، على نحو تشير إليه المرابطيات الـ23,895[12] المدفوعة أجرةً للنقل البحري، أي ما يقارب شهرين من الاستئجار[13]. وذهب إلى سان بارتولومي (S. Bartolomé)، "مرفأ البحر الصغير"، "ليتكلّم مع دييغو دي كابريرا (Diego de Cabrera)"، أحد أهالي لانثاروتي ووكيل البيراثا[14]. وحين دُعي إلى أن ينشغل، بكرافلته، في "عقد الصلح والمعاملة مع الأعراب" أو "المسلمين"، هجر سيدته، فخدم التاج منذ 20 سبتمبر 1476 حتى فبراير من العام التالي، متلقّياً فروض الولاء، ومُبرماً الإتاوات، ومُنظّماً عمليات الافتداء، بأجر 12,023 مرابطياً في الشهر[15]. وحين بدأ العمل، غيّر مهمّته، فتولّى النقل في سانتا كروث طوال 7 أشهر، إلى أن "أخذ منه الفرنسيون" السفينة "في لانثاروتي"[16]، في إطار الحرب على السيطرة على غينيا. ولأنّ البيراثا اغتاظت، بمنطق مفهوم تماماً، من غزو مِلْكها، فإنّ عاملَين من لانثاروتي، استُخدما في بدايات العمل، انسحبا بعد خمسة عشر يوماً، متذرّعَين بمرضٍ كان دبلوماسياً بكل وضوح. وقد اضطُرّ فاخاردو إلى تدبّر عمّال من الغرباء، فأرسل سفينة الكاتب كريستوبال دي لا بويبلا (Cristóbal de la Puebla) إلى غوميرة بحثاً عن بنّائين. وكان العبور قصيراً، وكلّف 5,000 مرابطي[17]. وكان أكثر العمّال الأربعة والعشرين، بأجر 33 مرابطياً، يحملون لقباً برتغالياً، على حين كان اثنان منهم كنارِيَّين، من غالدار (Galdar) ومن هييرو. واستُقدم حدّادون ونجّارون ونشّارون وصانعو جير وحجّارون، وشغلت مهمّة الغسيل ماريا الموريسكية (María la Morisca)، بأجر 17 مرابطياً في اليوم. وبدأ العمل يوم الأحد 28 أغسطس، وسُرّح جُلّ العاملين في 5 ديسمبر، بعد 69 يوماً من العمل المتواصل. وحين اكتمل الهيكل، أُنجزت التفاصيل في 11 من الشهر نفسه[18].

ولمّا كان تعداد السكان القشتاليين المقيمين في المرسى ضئيلاً، جلب فاخاردو مختصّين ومواد من غران كناريا، وعمل بعضهم في الموقع نفسه. وفي أفران "الجزيرة" طُبخ أول جير، وشذّب الخشبَ التاجرُ غونثالو سيغورا (Gonzalo Segura)، الذي أرسله لتجميع قطع "قاعدة" البرج[19]. أما القارب ذو المجاديف الأربعة، المخصّص لتحميل السفن وتفريغها، فقد وصل من إشبيلية مع 12 شبكة برجية، وثلاثة سلال ضفيرة (serones de cinta)، وشبكة صيد صغيرة (chinchorro). أما القارب الثاني فقد صُنع في فِيّا ريال (Villa Real)، بالإفادة من هيكل سفينة جانحة في قرية سان نيكولاس (San Nicolás)[20]. ولتزويد مائدة الناس، استُؤجر صيّادان بأجر 1,125 مرابطياً في الشهر[21]، واشترى فاخاردو، على حساب صندوق "التأمين البحري" (avería) الكائن في إشبيلية، إحدى السفن التي سافر عليها. ولا بد أنها كانت صغيرة، إذ بِيعت بمبلغ 3,370 مرابطياً[22]. ولأنّ المراكب المقدَّمة طواعيةً لم تكفِ لنقل المواد، لُجئ إلى المصادرة. ففي 7 يوليو، اضطُرّ رودريغو كينتيرو (Rodrigo Quintero)[23] إلى ترك نقل السكّر ليخدم التاج. وضاعت كرافلته على حاجز سانتا كروث الرملي في 16 نوفمبر، وهي واقعة تُعدّ مؤشّراً على مرفأ نهري، كحال جُلّ المرافئ الأمريكية، أو على مدخل بحري عميق[24].

وحين انتهت الأعمال، سلّم فاخاردو "المنشآت والعتاد الحربي" إلى 12 فارساً، "من الأشخاص الرئيسيين"، مقيمين في الخليج الصغير، جرت عادتهم بالخروج في الاستعراض العسكري. وزوّد سانتا كروث بالمدافع (lombardas)، والبنادق الفتيلية (espingardas)، والأقواس (ballestas)[25]، وترك حاميةً من 17 رجلاً، ومدفعياً، وكاتباً، وقائداً للحصن، وبحّاراً، ودليلاً لمدخل المرفأ[26] الذي كان على الأرجح عسير المسلك. وحين أُغلقت الحسابات في يونيو 1497، دخل الخزينة 1,729 مرابطياً، متأتّية من خُمس عمليات الافتداء التي أجراها البيراثا وأسقف الكناري طوال مدة البناء. وفي باب الخسائر (quiebras)، يظهر "غلام بربري" مُقدَّرة قيمته بـ10,000 مرابطي. طالب به ملك البرتغال، لأنه، لكونه من رعاياه، لا يمكن أن يكون عبداً. وأُنشئت قيادة حصن سانتا كروث دي لا مار بيكينيا (Santa Cruz de la Mar Pequeña)، براتب حيازة قدره 100,000 مرابطي، فأُلحقت بحكومة غران كناريا، وأدرّت السفينة التي كانت تربط "الجزيرة" بسانتا كروث، في السنة الأولى من النشاط، 4,799 مرابطياً[27]. وتزوّد فاخاردو بالبضائع في فِيّا ريال دي لاس بالماس (Villa Real de las Palmas)، للشروع في عمليات الافتداء، وتظهر في دفاتر كريستوبال دي لا بويبلا، الكاتب "وأمين حسابات شؤون بربرية المغرب"، مبلغُ 44,849 مرابطياً، دُفعت لخوردان (Jordán) أجرةَ حمولة على كرافلته إلى البحر الصغير[28]، في غضون الأشهر الثلاثة التي عاشها الحاكم. وقد توفي في سانتا كروث في أوائل يناير 1497، مع متّسع من الوقت ليكتب وصيّته، إذ ترك وصيةً لدييغو راميريث (Diego Ramírez)، نائب قائد البرج الذي "بُني في بربرية المغرب، حيث يُقال له البحر الصغير"[29]. أما إلبيرا دي نارباييث (Elvira de Narváez) التي بقيت في غران كناريا، فسحبت من الصندوق الملكي 20,691 مرابطياً لاستئجار كرافلة، وذهبت إلى سانتا كروث مع رجال حرب ومؤن[30]. وتبعها أخوها رودريغو نارباييث (Rodrigo Narváez) في سفينة أصغر، إذ تقاضى 13,600 مرابطياً، وبقي في البرج قائداً بالوكالة[31].

ولعلّ وفاة فاخاردو كانت في إطار انتفاضة، إذ لولا ذلك لما كان ثمة معنى لأن يجهّز ألونسو فرنانديث دي لوغو (Alonso Fernández de Lugo)، الذي كان آنذاك في تينيريفي (Tenerife)، ثلاث كرافلات محمّلة بالأسلحة والمؤن، لأجل "الذين كانوا في خدمتنا في البحر الصغير". وبينما كان يحاذي اليابسة (Tierra Firme)، أبصر مرسى مُغرياً في خضمّ غزو البرتغال. ونزل إلى البرّ، فشرع في بناء برج "على الماء"، فلم يلبث أن ظهر دييغو دا سيلبا (Diego da Silva)، ومَن كانوا يحرسون الساحل لمانويل الأول (Manuel I)، بثماني كرافلات مزوّدة بـ"مدفعية كثيرة". وفوجئ لوغو وهو على البرّ، فخسر العتاد والمراكب، في مكان مأهول مطروق، إذ استطاع أن يعود إلى دياره بوسائله الخاصة، لاعناً البيراثا التي اتّهمها بأنها هي من وشى[32].

وقد جرت العادة في جزر الهند (Indias) بتسمية الأبراج والحصون سانتا كروث، ولا يخلو منها موضعٌ كارتاخينا (Cartagena)، فربما كان برج فاخاردو في البرزخ أو في أي نقطة من اليابسة. فقد كان هناك "مرفأ سانتا كروث... في هذه الجزيرة، جزيرة سانتا كروث"، وفي خليج أورابا (Uraba)، غير أنّ الأرجح أنّ سانتا كروث دي لا مار بيكينيا كانت في جوار الحدود التي تفصل كولومبيا عن فنزويلا، وربما عند كابو دي لا بيلا (Cabo de la Vela)، "المرفأ الجيّد" الذي "يقصده" مَن كانوا يطرقون الساحل، بحسب تشابيس (Chaves)، والمُشار إليه في خريطة خوان دي لا كوسا (Juan de la Cosa) براية قشتالة الدالّة على مرسى. وفي عام 1504، مضى غورديخويلا (Gordejuela)[33]، متوجّهاً "إلى الجهة التي عُلم أن الإنجليز كانوا يكتشفون فيها"، مارّاً بغران كناريا، وغوميرة، وسانتياغو دي كابو بيردي (Santiago de Cabo Verde)، واليابسة، فأقام سانتا كروث غربَي بحيرة ماراكايبو (Maracaibo)، في غالّيناس (Gallinas) أو كاستيّيتيس (Castilletes)، وهو ما هدمه، بحسب فرنانديث دي أوبييدو (Fernández de Oviedo)، قبل رحيله. ولمّا كان من غير المقبول سياسياً، بل مؤشّراً على الجنون، افتراضُ أنّ القارة الأمريكية كان يمكن أن تُطرَق قبل أن يزورها كولومبوس، فإنّ مارتين غونثاليث (Martín González)، صانع البقسماط من موغير (Moguer)، يردّد الرواية الرسمية كي لا يُنظر إليه بسوء: "كثيرٌ من رجال البحر الحكماء كانوا يقولون إنه بالإبحار نحو الغرب، من كابو دي سان بيثنتي (Cabo de San Vicente)، وفي أوقات أخرى كانوا يحددونها... لن يجدوا أرضاً أبداً، ولو أبحروا عامين، وكانوا يقولون إنّ أمل كولومبوس باطل". وفي عام 1483، كان فرناندو بيّو (Fernando Vello) يتأهّب لطواف "جُزُر" غران كناريا وماديرا (Madera) "وجُزُر أخرى"، حين سطا عليه مجهّز سفن بشكايي (vizcaíno)، "قرب كابو دي سان بيثنتي دي لاغوس (Cabo de Sant Vicente de Lagos)"، وهو يُبحر "في عرض البحر". وحيث إنه أقلع من إشبيلية، كان من البديهي أنه يُبحر نحو "الغرب"[34].

وفي 22 يونيو 1497، وهما يجهلان موت فاخاردو، أذِن الملكان الكاثوليكيان له بمنح الأمان للمسلمين الذين يستقرّون في نطاق سانتا كروث أو يقدّمون ذهبهم إلى "الافتداء"[35]. وبتداعي المعاني، انشغلا في اليوم نفسه بأصداف الكناري، فأعلناها حكراً ملكياً، لكونها ضرورية "لأمور تفي بخدمتنا"[36]. وحين شغلت الأميرة إيزابيلا مكان الأمير الراحل دون خوان (D. Juan)، أثّر حلم الوحدة الأيبيرية في الأصداف الأرجوانية (múrices): ففي 22 يناير 1498، أُنيط بأنطونيو دي بينيالوسا (Antonio de Peñalosa) جمعُها: "لا تسمحوا ولا تُتيحوا" أن "يأخذ" الرعايا صَدَفة أرجوانية واحدة. وبعد تسجيلها على النحو الواجب أمام كاتب، كانت تُرسَل إلى ملكَي البرتغال، "ولدَينا الغاليَين المحبوبَين جداً..."، لمقايضة الذهب في المنجم (Mina)[37]. وحين ماتت الأميرة وابنها ميغيل (Miguel)، عادت الأصداف الأرجوانية إلى تاج قشتالة في 23 أغسطس.

ولمّا كان حصن سانتا كروث تجارةً رابحة، أرجأت إلبيرا نارباييث تسليمه. وحين استُدعيت إلى البلاط، أثبتت غيرتها لدى وطئها إشبيلية، فتعاقدت على كرافلة دييغو باپيليرو (Diego Papelero) بمبلغ 7,496 مرابطياً، من "العملة الجيدة، عملة الكناري"، للذهاب إلى البرج بحمولة من المؤن[38]. وفي 5 مارس 1498، قدّمت النارباييث حساباتها في ألكالا دي إيناريس (Alcalá de Henares). ولا بد أنها كانت متوازنة، إذ طالبت بالمخصصات التي لم يتقاضها زوجها[39]. وفي 26 من الشهر نفسه، عُيّن لوبيث سانشيث دي بالينثويلا (López Sánchez de Valenzuela) حاكماً لغران كناريا وقائداً لبرج سانتا كروث، "الذي أُقيم الآن من جديد، بأمرنا، في إفريقيا". وكان سيسلّمه إياه رودريغو دي نارباييث أو مَن كان يحوزه، دون مراسم، إذ كان وجود حاجب أمراً زائداً لا لزوم له[40]. وأرادت الملكة أن تستجلب له ودّ مجلس بلدية فِيّا ريال، فحمل خليفةُ فاخاردو مرسوماً كان الكناريون في انتظاره. ولأنّ البلدة لم تكن قد زُوّدت بأملاك عامة، كانت المصاريف التي لا صلة لها بالمصلحة العامة، كنفقات السُّعاة "الذين عليهم أن يذهبوا إلى بلاطنا"، تُدفع من جيوب الأهالي. ورغبةً في وضع حدّ لـ"الإجحاف"، طلب أعضاء المجلس إذناً بإقامة بيت للبغاء وحانة، بغرض تخصيص العائد للإنفاق العام. ولأنّ الملكة كانت تمقت رعايا يقدرون على التفكير، أذنت بتنفيذ أحد المشروعين[41]، إذ رأت أنّ الترخيص للاثنين معاً كان سيمسّ سمعة التاج.

وقد أُنيط بسانشيث دي بالينثويلا أن يستولي على مملكة بوتاتا (Vutata)، فانتقل إلى "مدينة تاغاوث (Tagaoz)"، عند كابو دي أغير (Cabo de Aguer)، حيث مكث من 15 فبراير إلى 23 مارس من عام 1499[42]. ولدى عودته إلى غران كناريا، انغمس في محاكمة تفتيش الذمّة (juicio de residencia) الحتمية. ومن بين ضحاياه يظهر دييغو دي كابريرا، القاضي الأكبر في الجزيرة[43]. وبوصفه "رأس القضاء"، قُبلت شكوى الجنوي خاكومي ثيربانيس (Jácome Cervanis)، الذي اتّهمه بأنه لم يدفع 200 أروبة (arrobas) من السكّر الأبيض، كان عليه أن يضعها في المرفأ في مارس، بوصفها العائد السنوي لإيجار دائم على بيوت وأراضٍ وحقول قصب كانت لديه في بلدة تِلدي (Telde). فعُزل وكيلُ البيراثا السابق من منصبه، وشغله الكاتب كريستوبال دي لا بويبلا[44]. ولمّا سقطت أرملة دييغو دي إيريرا (Diego de Herrera) من الحظوة، اغتنمت الكاثوليكية كونَ فرنانديث دي لوغو طرفاً في القضية، لتكلّفه بمعاقبة إينيس، على "الإجحاف والضرر الكبيرين" اللذين لحقا به قبل ثلاث سنوات في مرسى اليابسة. وافترضت أنه سيكرهها بما يكفي، فأمرته بأن يفرض عليها "صمتاً أبدياً"، دون "فضيحة ولا صورة محاكمة"[45]. ويُفترض أنه كان سينفّذ الأمر، لولا أنه كان يمارس الوصاية على أحفاد البيراثا، ربائبه، مباشراً سيادةً فعلية على غوميرة وهييرو، بوصفه زوج بياتريث دي بوباديّا.

وفي مارس 1499، وعلى وشك بدء الدعوى الثانية ضد كولومبوس، ذلك التمهيد الذي لا مفرّ منه لرحلته الرابعة، حظر الملكان الكاثوليكيان بيع الحبوب للسفن التي تتوقف في الجزر، في طريقها إلى عمليات الافتداء في بربرية المغرب وغينيا، ولو كانت لديها رخصة بطرقهما[46]. ولقلّة حيطة فرنانديث دي لوغو، طلب من الملكين إلغاء الأمر باسم القاصرين، على حين أنّ البيراثا اتفقت مع رعاياها فالتفّت على القانون. فلم يكن يُباع الحبّ في البرّ، "لأجل الافتداء المذكور"، بل كان يُشحن "معظمُ الحبّ الذي يُجنى في الجزر المذكورة"، إذ كانت الكرافلات تنتظر التجّار في عرض البحر، حيث كان يُنقل الحبّ إلى سفينة المشتري. واستاء الملكان الكاثوليكيان من هذا التحايل، فلجآ إلى الديماغوجية. وحمّلا البيراثا مسؤولية "الأسعار المرتفعة" التي كان يبلغها الحبّ في جزرها، فاتّهماها بأنها تُسبّب مجاعة رعايا هم أول المستفيدين من التجارة[47]. ولمّا عُلّقت الحركة التجارية مع غينيا وبربرية المغرب، أدرك الملكان أنهما إن لم يُصحّحا أوامرهما نفسها، "لَلَحِقنا نحن ضررٌ وخسارة كثيرة". ولأنهما لم يشاءا أن يُصحّحا نفسيهما، أخفيا الإلغاء بين التهديدات: كان على سادة الجزر أن يزوّدوا المُبحرين بالحبّ، تحت طائلة غرامة قدرها 50,000 مرابطي، إن هم امتنعوا عن تقديمه متى طلبه حاكم غران كناريا[48]. ولمّا جاء الخريف، أرادا أن يطالبا بالخُمس في الجزر الصغرى. فدافع عنه البيراثا، إذ أرسل إلى البلاط نسخاً موثّقة من وثائق قديمة، تُثبت حقّ السيد في تحصيله[49].

ولعلّه في ذلك الحين مثَل في البلاط "الكناري" خوان مانويل (Juan Manuel)، من مواليد تينيريفي، "التي هي في غران كناريا"، محميّاً على النحو الواجب بأمان ملكي، ليعرض أنّ أبناء بلده، لكونهم لم يُهزَموا، لا يمكن أن يُحوَّلوا إلى عبيد. ولمّا "اكتُشف" أنّ "بعض الكبراء وأشخاصاً آخرين من ممالكنا" كانوا "قد اغتصبوا وأخفوا كثيراً من الكناريين"، محرومين إياهم من الحرية، "بغير عدل وبغير حق"، ذكر دوق مدينة سيدونيا وألونسو دي لوغو. وخاطب الملكان الكاثوليكيان الأخير، فوقعا في زلّة تكشف عن نيّة التخلّص منه. فقد نسيا أنّ المناصب تدوم مدى الحياة، فسمّياه "حاكمنا الذي كان" لتينيريفي وبالما (Palma)[50]. ولولا أن اعترضت الحربُ في بربرية المغرب طريقَه، لكان لوغو قد مُحي من التاريخ، قبل أن يُنهي كولومبوس مغامرته.


  1. SRGS. IV.1493.201.
  2. SRGS. V.1493.243.
  3. SRGS. VIII.1493.69.
  4. R.A. doc.. XXXIII.
  5. R.A. doc. XVIII.
  6. Ibídem.
  7. R.A. doc. XXVII/ XX.
  8. R.A. doc. XXVII. XVIII.
  9. R.A. doc. XXI/XXVI.
  10. R.A. doc. LXXXV.
  11. R.A. doc. XXVII.
  12. Ibídem.
  13. أُجرة الكرافلة كانت تتراوح بين 12,000 و15,000 مرابطي في الشهر. R.A. docs. XCV/XCVI/XCVII.
  14. R.A. doc. XXVII تشابيس يذكر جزيرة سان بارتولومي، بين جزر الكانيبال (Caníbales)، عند خط عرض 17 ونصف درجة. وهناك سان بارتولومي في جزر الأنتيل تحت الريح (Sotavento).
  15. R.A. doc. XXVII من بين بضائع أخرى، كان يحمل 30 قنطاراً من الزبيب، اشتُريت بمبلغ 14,241 مرابطياً. وقد افتدى في "بربرية المغرب".
  16. R.A. doc. XXVII.
  17. R.A. doc. XXVI.
  18. R.A. doc. XXVII. XVIII.
  19. R.A. doc. XXVII.
  20. R.A. doc. XXVI في غران كناريا يوجد سان نيكولاس تولينتينو (San Nicolás Tolentino)، مرفأ للصيّادين.
  21. R.A. doc. XXXVII.
  22. R.A. doc. XXVI.
  23. آل كينتيرو موثّقون بوصفهم مُبحرين منذ 1476. وآخر من أخرج من ويلبا (Huelva) عتاد مصايد، إلى غينيا، كان اسمه خينيس كينتيرو (Ginés Quintero). وكان ناشطاً في 1591.
  24. R.A. doc. XXVIII/XXX. تقاضى رودريغو كينتيرو 2,054 مرابطياً في الشهر، بوصفه رُبّاناً لسفينته. أما الدليل، خوان كينتيرو (Juan Quintero)، فكان يتقاضى 1,768، وكل واحد من البحّارة الأربعة 1,252، والصبي البحّار (grumete) 909، والغلام (paje) 459.
  25. R.A. doc. XXVII.
  26. R.A. doc. XXXVII.
  27. R.A. doc. XXVI. في حسابات سانتا كروث تظهر 18 فانيغة (fanegas) من الشعير، حملها الأسقف، لأجل عمليات افتدائه. وقد قايض البيراثا الحبّ والزيت بعبيد "بربر". فقُدّرت فتاة وامرأة "مسنّة جداً" بـ4,000 مرابطي لكل منهما، و"مسنّ" بـ9,000.
  28. R.A. doc. XXVII. XVIII.
  29. R.A. Apéndice.
  30. R.A. doc. XXVII.
  31. SRGS. IV.1499.71/R.A. Doc. XXXIII.
  32. SRGS. IV.1499.71/R.A. Doc. XXXIII.
  33. لقب حمله مدير أعمال دوق مدينة سيدونيا في تينيريفي، في القرن السادس عشر.
  34. SRGS. X.1483.214. معطيات أخرى مجموعة في مواضع مختلفة من عمل فرنانديث دي أوبييدو.
  35. R.A. doc. XXI.
  36. R.A. doc. XXII.
  37. R.A. doc. XXIV.
  38. R.A. doc. XXVII.
  39. R.A. doc. XXVI.
  40. SRGS. III.1498.33.
  41. SRGS. III.1498.32.
  42. R.A. doc. XXXI.
  43. SRGS. V.1499.271.
  44. SRGS. IX.1499.495.
  45. SRGS. IV.1499.71/R.A. Doc. XXXIII.
  46. SRGS. III.1499.46.
  47. SRGS. IV.1499.21.
  48. SRGS. Ibídem
  49. SRGS. Ibídem
  50. SRGS. IX.1499.494. .