Part I · The Origin of the Error · الفصل 2 من 5
من التَّرتيسيّين إلى بني مرين

من التَّرتيسيّين إلى بني مرين

كانت تَرْشيش (Tharsis) رأسَ مملكةٍ خضعت لها شعوبٌ شتّى. أمّا ملكها الأخير، أرغانتونيو (Argantonio)، فقد كان له بلاطُه في بلاد البيتيكا (Bética)، بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد. أخضع الفينيقيين في قادس، واستقبل الفوقيّين (focenses) مخترعي السفينة الحربية (الجاليرة). ولمّا رَسَوا في طَريفة (Tarifa)، التي كانت "قديماً تَرْتيسيّين"، أذِن لهم بأن يستوطنوا "جُزُراً معيّنةً كانت مُقابِلَهم"، تُسمّى الأفروديسيّة (Afrodisias). فأسّسوا عدّة مستوطنات، غلبت عليها خونونيا (Junonia). ولمّا مات أرغانتونيو، عمّت الفوضى وتفتّتت المملكة. وبعد أن استعاد الفينيقيون السيطرة على قادس، حصلوا من التَّرْتيسيّين على إذنٍ بأن يُقيموا معبداً لهرقل على تلّ أسيدو (Asido). وحُصِّن، فأتاح لهم إخضاع التُّرديتانيّين (turdetanos) المحيطين بهم. ومنذ عام 574، استغلّ نبوخذنصّر ملك بابل، فاتحُ مصر وإفريقيا وصور المتداعية، حالةَ الفوضى السائدة في تَرْشيش لينتقم من أهل قادس، حلفاء الفينيقيين.

وبحسب يوسيفوس (Josefo)، استولى على هسبانيا (إسبانيا) وما يتبعها بحثاً عن الغنائم. وبعد أن جمعها، غادر البلاد تاركاً وراءه مستعمرةً من اليهود. وفي غياب البابلي، ضيّق الأهالي على فينيقيّي قادس، الذين استنجدوا بقرطاجة، القوّةِ الصاعدة في المتوسّط بعد معركة ألاليا (Alalia). ويُماهي مؤرّخٌ غرناطيٌّ بينها وبين إفريقية (Ifriqiya)، جاعلاً من هنّبعل (Aníbal) "ملكاً" على الأفارقة وتَرْشيش والأندلس. فأرسل قائده أميلقار (Amilcar)، الذي حطّم أسطول قادس في الخليج واحتلّ المدينة. وصعِد القرطاجيّون حتى نهر الإيبرو (Ebro)، مُصفّين النبلاء. ودمّروا سَغُنطة (Sagunto) حليفة روما، فأثاروا الإمبراطورية. فاغتنم أعيانُ إفريقيا الفرصةَ ليجتمعوا في طَنجة، مُعيّنين سفراءَ يطلبون أمام مجلس الشيوخ الرضا عن المظالم التي ألحقتها قرطاجة. وظنّت روما أنّ السخط عامٌّ، فأرسلت مُحرّضين إلى هسبانيا. فأخفقوا، لأنّ هنّبعل أحسن كسبَ إرادة الشعب. ولمّا أمّن مؤخّرته، زحف على رأس الإمبراطورية بفيلقٍ من الفِيَلة ورُماةِ المِقلاع المحليّين.

وفي غضون ذلك، اكتشف هانّون (Hannón) وحِمِلقون (Himilcón)، ابنا أميلقار، أرضاً لقرطاجة. وقد جمع بلينيوس (Plinio) وسترابون (Estrabón) رحلاتِهما، أمّا ماريانا (Mariana) فيُكيّفها بما يوافق العقيدة الكولومبية. ومبالغةً على عادته، يُقال إنّ هانّون أقلع من قادس بستّين سفينةً حربيةً كبرى وثلاثين ألفَ مستوطن. وبعد أن تجاوز أعمدة هرقل، أسّس على مسيرة يومين وراءها ثيمياتيريون (Thymiaterion)، التي يُفترَض أنّها الرباط. ثمّ "وجّه المقدّمات نحو الغرب"، وأبحر مدّةً غير محدّدة، حتى رأس أمبيلوسيو (Ampelusio)، "ذي الكثافة الشديدة من الأشجار والنضارة العظيمة". وعلى نهر زيليا (Zilia) كانت أرزيلا (Arcilla)، مقرّ اللِّكسيّين (lixios)، الذين أعطوا اسمهم لنهر اللِّكسيّ (Lixio). وبحسب ليون الإفريقي (León el Africano)، كان يَنبع في ليبيا. وبعد أن يجري 735 ميلاً تحت الرمال، يعود إلى الظهور قرب البحر ليسقي حديقة الهسبيريّات (Hespérides).

وباتّباع الساحل، وصل الفينيقيون إلى نهر سالا (Sala)[1]، حيث تقوم مستوطنة عند المصبّ، في موضعٍ حسنٍ نضير، لكنّه خطِرٌ بسبب الوحوش الكاسرة المأوية في صحراءَ مجاورة. وعند رأس نوم أو نعّام (Nom o de Naam)، آخِرِ "شاوناريا" (Chaunaria)، رأوا جبل أطلس (Monte Atlante). ويُماهي ماريانا بينه وبين رأس بُخادور (Cabo de Bojador)، مُقرّاً باحتمال أن يكونا رأسين مختلفين. وبعد قرون، حين كان كولومبوس غربَ خوانا (Juana) أو كوبا، حدّثه الأهالي عن مقاطعتين غنيّتين غربَ الجزيرة، طولُهما 50 أو 60 فرسخاً (leguas). كانت إحداهما تُسمّى نعّام (Naam)[2]، ولعلّها يوكاتان (Yucatán). وبحسب رفاق كولومبوس في رحلته الرابعة، فإنّه بعد تجاوز رأس "الحمد لله" (Cabo de Gracias a Dios)، وقبل الوصول إلى ميناء سيرابارو (Çerabaro)، كان المرء يدخل "أرض كناريا" (tierra de Canaria)[3].

وأبحر هانّون أمام نهر أسَمة أو سَنَغة (Asama o Sanaga)[4]. فكان "شديد الاتّساع"، يزيد وينقص كالنيل، ويُنبت التماسيح وأفراس البحر. وأثبتَ له فمَين: أحدهما يصبّ في المحيط، والآخر عند الرأس الأخضر (Cabo Verde). وعند "الرأس" الأريّاني (Arriano) أو القرن الهسبيري (Cuerno Hesperio)، يبدأ ساحلٌ "مُمتدٌّ جداً" ينتهي بجزيرةٍ محيطُها خمسة أستاد. وفي "خليجٍ" يختتمه رأسٌ، أسّس كِرنة (Cernam)، وهي أرغين (Arguim) عند ماريانا[5]. وأبعدَ من ذلك وجد الهسبيريّات العشر، مُبصِراً الغورغونيّات (Gorgónides). وسمّى "مركبةَ الآلهة" جبلاً "شامخاً" كان يقذف الرعود وأنهاراً من نار. وقد اتّخذ الراهب البركانَ مرجعاً ليتعرّف على الديوان القديم لسِيّرا ليونا (Sierra Leona)[6]، واضعاً خطَّ الاستواء عند ساو تومي (Santo Tomé)، حيث رأوا رجالاً مُغطَّين بالشعر[7]. فقتلوا أُنثيَين، وحملوا جلديهما إلى قرطاجة محشوّين بالتِّبن. وكانت الأرض مؤذيةً للفينيقيين، بينما بدا الإثيوبيون أصحّاء. وبتوجيه المقدّمة نحو الشرق، دار هانّون حول رأس الرجاء الصالح (Cabo de Buena Esperanza)، باحثاً عن البحر الأحمر، وهي نهايةٌ غيرُ ملائمةٍ للأب ماريانا، الذي يُرجعه إلى إسبانيا.

وانطلق حِمِلقون من هرقلة أو جبل طارق (Heraclea o Gibraltar) ليكتشف "البحار الماضية قُدُماً ما استطاع".

وبعد أن تجاوز "أقصى المضيق"، انعطف يميناً، فوجد نهر كِلبو (Cilbo)، وهو نهر البَرباط (Barbate) عند ماريانا. وبعد أن دار حول الرأس الذي دُفِن فيه غِريون (Gerión)، حاذى ساحلَ إريتريا جُزُريّةٍ (Eritrea) كانت مقابل قادس. وأبعدَ من ذلك، كان نهر ليثِس (Lethes) يصبّ في البحر، مُشكّلاً شلّالاً من قمّة جبل تَرْتيسيو (Monte Tartesio) المكسوّ بالغابات. وقد كان كولومبوس يُبحر أمام البرّ الرئيس (Tierra Firme) حين أبصر الجبل الأخضر (Montaña Verde). وكان نهرٌ يهوي إلى البحر من قمّته. وبحسب الراهب المؤرّخ، كان ليثِس هو الفمَ الأوّل لنهر تَرْتيسيو، الذي صار فيما بعد الوادي الكبير (Guadalquivir)، والذي سكنه التُّرديتانيّون أو السِّبيسينيّون (cibicenos). ويرى الأذرعَ الأربعة التي ينسبها الكلاسيكيّون إلى الدلتا مُفرِطةً، فيصف "عقول" القدماء بأنّها "فَجّة"، لأنّها خلطت السواقيَ بالمجاري الطبيعية. وتابع حِمِلقون إلى جبل قاسيو (Casio)، مُحاذياً سهلَ الألبيسينيّين (albicenos)، أتباعِ تَرْشيش.

وإلى الغرب كان نهر إيبيرو (Íbero) ومدينة إيبيريا (Iberia). وقد ذُكرت المصبّاتُ الملحية، فماهاه المؤلّف بنهر تِنتو (Tinto). وكان رأس بروسِربينا (Proserpina) يدخل في البحر، يختتمه معبد. وعلى الجانب الآخر، تغيّر المشهد. فأبصروا جبال ماريانوس (Montes Marianos)، وبرزت بين الغيوم قمّةُ زفير (Zéfiro)، فوق بحرٍ "ساكنٍ" لا رياح فيه. ثمّ تتابعت أرضُ الأدغال والحجارة حتى جبل ساتورنو (Saturno). وبين الكينيتيّين (Cenitas) وجزيرتين متقابلتين، كان يجري نهرٌ قبل الرأس المُقدَّس (Sacro)، وهو رأس سان بيثينتي (Cabo San Vicente) عند الراهب الإسباني. وكانت الأرض "تكثر التواءاتها" حتى ميناء كينيس (Cenis)، القريبِ من جزيرة بيتانيو (Petanio). وأبعدَ من إقليم الداغانيّين (daganos)، بين جبلي سِفيس (Sefis) وكِمفيس (Cemfis)، كانت تُرى في عرض البحر جزيرة أكالِه (Acale). وكانت مياه الستيرنيّات (Stirnias)، الشديدةُ الزُّرقة، تنبعث منها رائحةٌ كريهة. ولتناقض الساحل الموصوف مع واقع الساحل البرتغالي، توقّف ماريانا ليُوضّح أنّ البحر لمّا انحسر تغيّرت تضاريسُه.

ومن أكالِه إلى جبل سيبريليانو (Cepriliano)، كانت الأرض ترتفع، فتلوح جزيرة بيلاخيا (Pelagia) بين الشرق والشمال، مكسوّةً بالأحراج. ولأنّها كانت مُكرَّسةً لساتورنو، كان المحيط ينتقم من الدخيل الذي يطؤها، مُثيراً العواصف عند مروره. ولم يرسُ حِمِلقون في أرض الساريّين (sarios) عند رأس البربرية (Cabo Barbaria). فقد كانوا يُوصَفون بالوحشية، ويكرهون الغريب. وبعد يومين رأى جزيرة سترينيا (Strinia) المكسوّة بالأعشاب. فسمّاها أوفيوسا (Ofiosa)، لأنّ الأفاعي طردت الفوقيّين منها. وزار خونونيا (Junonia)، التي أسّسها أوليس (Ulises)، وهي لشبونة عند ماريانا. ولا تُحصى جزائر ألبيانو (Albiano) ولاسيا (Lacia)، وقد سمّاها الستيرنيّات (Sternides)، لأنّ سكّانها كانوا من نسل سترينيا. وعند مستوى رأس نيريو (Nerio)، وهو رأس فينيستيرّه (Finisterre) عند الراهب، عاد البحر يمتلئ بالجزر. ولمّا عدّ حِمِلقون رحلته قد انتهت، وجّه المقدّمة نحو الشرق عائداً إلى هسبانيا، وهي نهايةٌ غيرُ ملائمةٍ لماريانا، الذي يأخذه من بحر قنتبرية إلى البلطيق، مُغفِلاً الأوصاف.

وفي غضون ذلك كان "الملك" هنّبعل يُحاصر روما. فدافع مجلس الشيوخ عن نفسه بالهجوم. وأُرسِل سكيبيون (Escipión) إلى قرطاجة، فعاد البونيّ إلى وطنه ليُهزَم في زامة (Zama)[8]، عام 146. وباجتياز مملكة غالبا (Galba) الحليفة، التي نشأت هي أيضاً من تفكّك تَرْشيش، فتح الرومانيُّ موريتانيا، المقسّمةَ إلى مقاطعتين: الطنجية (Tingitana) والقيصرية (Cesarea). وأعاد قيصر أوغسطس بناء قرطاجة عاصمةً لإفريقيا، ويُضيف المؤرّخ الغرناطيُّ أنّ الأعيان (Ayân) القادمين من روما، فضلاً عن إخضاعهم للأفارقة، بسطوا سيطرتهم على الأقاليم الأربعة، مُنهين 127 عاماً من العدل والسعادة عاشها الأندلس، بعددٍ مماثلٍ من سِنِي العبودية.

وأفنى فردٌ يُدعى هِركِليس (Hirquîlis) مملكةَ نساءٍ كنّ يعشن بمعزلٍ عن الرجال. وقوّم إسبان (Isbân) الأوضاع. وكان من أصلٍ وضيع، وقد تُنبِّئ عند ولادته بأنّه سينال العرش. فغزا الإمبراطورية، مُعيداً الحريّة إلى الأهالي. وامتلك أسطولاً، فصعِد الوادي الكبير. ودام حصار إيتاليكا (Itálica) ثلاث سنوات، فكان معسكرُه أصلَ إشبيلية. وبعد قرنين من الاضطرابات، جرت رومنة المقاطعة، وحافظ خلفاء إسبان على السلطة مدّةَ أربعةٍ منها. ويدلّ على طبيعتها أنّ "ملكاً" منهم تسمّى تيتوس (Titûs). وقاست بلاد البيتيكا آثارَ الحروب الأهلية التي أدمت رومَ الإمبراطورية، ولا يُخفي المؤرّخ المسلم امتعاضَه إذ يُذكِّر بأنّ رأس الإمبراطورية اشترى سلامه بالتخلّي عن هسبانيا للقوط، مع سبتة وطنجة و"أراضٍ كثيرة أخرى" في إفريقيا[9].

وفي القرن الثالث، اخترق الألانيّون (alanos) والسويبيّون (suevos) والوندال (vándalos) شبه الجزيرة. ولعجزهم، ولّد حكمهم المجاعةَ والبؤس والوباء. ولمّا علِم ماكسيمو (Máximo)، الحاكم في قرطاجة، أنّ الإسبان يتحرّقون شوقاً لعودة روما، أعدّ "عبوراً" عبر البحر لنجدتهم. وقد حال دون ذلك "خيانةُ" فردٍ يُدعى غيّاميته (Guillamete)، الذي صفّى النبلاء فصار سيّد إفريقيا. وما إن استعاد الإمبراطور خوستينو (Justino) بارقةَ سلطة حتى أوكل إلى بليساريو (Belisario) أن يقضي على الطاغية. فرَسا في قرطاجة، وهزم غيّاميته، الذي فرّ إلى الداخل مع الملك الوندالي هيلديريكو (Hilderico). فطاردهما الفارس حتى قتلهما. وعندما تخلّت الإمبراطورية عن بلاد البيتيكا، اتّخذت اسم وندالية (Vandalia). وحاصر أبيملك (Abimlech) قرطاجة، فهرع الحاكم إلى القسطنطينية طلباً للنجدة. ولم يتلقّها، ففتح العربيُّ المملكةَ عام 698، مع نوميديا (Numidia) والموريتانيتين، مواصلاً الحرب على القوط.

كان وامبا (Wamba) يملك في إسبانيا حين وصل أسطولُ سراسنة (sarracenos) بـ270 شراعاً. ولولا حريقٌ حدث بعناية للسفن، لكانوا قد عجّلوا بالفتح. ومع فيتيزا (Witiza) فُرِض تحرّرٌ عَسُر هضمُه على الأوليغارشية القوطية. فقد أرغم الملك الأساقفةَ على إباحة عاداتٍ لا يُقرّها العقيدة، كتعدّد الزوجات. واضطُرّ إلى الدفاع عن نفسه ضدّ معارضيه، فهدم أسوار المدن، مُيسِّراً ما كان لا بدّ أن يأتي. لقد ربح الحريةُ معارك، لكنّه خسر الحرب. وأُعمي فيتيزا وسُجِن، ففرّ اثنان من أبنائه إلى سبتة وطنجة، وبقي الثالث، أوباس (Oppas)، في إشبيلية، محميّاً بحمله لمِتراني طُليطلة وإشبيلية. وحين تُوِّج رودريغو (Rodrigo)، من سُلالة دوقات قنتبرية، حافظ الأسقف على جزءٍ من السلطة، أتاح له تنظيمَ المعارضة.

لم يكن اغتصاب الملك لابنته هو ما دفع خوليان أو إليان (Julián o Illián)، كونتَ سبتة وقرطاجنة وإسبارتاريا (Espartaria)، وسيّدَ الجزيرة الخضراء وحاكمَ الأندلس بحسب المصادر الإسلامية، إلى الإبحار من مينائه صوب إفريقية. فقد كان يُسافر بوصفه لسانَ حالِ مجموعةٍ من الساخطين، آثروا أن يُلقوا بأنفسهم في أحضان قوّةٍ توسّعية على أن يتحمّلوا الطغيان الداخلي. أمّا موسى (Muça)، حاكم المملكة من قِبَل الخليفة الوليد، فقد كان "مواظباً على الجهاد المقدّس"، إذ فتح السوس "الأقصى" وطنجة. فتلقّى عرضَ فتح هسبانيا بحذر، مُوكِلاً إلى طارق بن زياد (Tariq b. Ziyad)، وهو كلدانيٌّ أو بربريٌّ من قبيلة نفزة (Nafda) اعتنق الإسلام، تحليلَ الوضع. فعبر هذا البحرَ بأربع سفنٍ و400 مُشاةٍ و100 فارس، وأصدر تقريراً مُشجّعاً. واستقبله موسى، فـ"شرع في بناء السفن" لنقل جيشٍ من 10,000 بربريٍّ و2,000 عربيٍّ و700 أسود. و"عبر البحر" بين تموز وآب من عام 707، مُخيّماً في جبل طارق. وأسر حفنةً من نبلاء الأندلس، فأشاع أنّهم انتهوا في قدور، في وليمةٍ للسود. فبثّت فكرةُ أن يُؤكَلوا الذعرَ في صفوف رودريغو. وفتَر حماسهم، فتهيّؤوا للاستسلام، لا للقتال.

ويروي لوكاس دي تُوي (Lucas de Tuy)، مؤرّخُ القرن الثالث عشر، أنّ "الدوق" السيّد خوليان فرّ من هسبانيا القوطية الغربية، مع أبناء فيتيزا، نحو عام 665. فعرضوا الفتح على فليه (Vlih)، ملكِ البرابرة، الذي عيّن تروث (Trooth)، أحدَ دوقاته، لقيادة المهمّة. وبخمسة وعشرين ألف رجلٍ في سفنه، قاتل في البحر أسطولَ رودريغو. ودامت المعركة سبعة أيام، فخسر المسلمون 16,000 رجل، بينما كان الملك القوطي يعدو صوب الجنوب. وفي سِجلّ بيدرو الأوّل (Pedro I)، أوكل موسى، الكلدانيُّ العربيُّ، الفتحَ إلى البربري طارف (Tarif). وأبحر في "ما وراء البحر" (Allen mar)، وكان جبل طارق "أوّلَ موضعٍ نزل فيه طارف بن زياد (Tarif Abencied)... لئلّا يُلحق ضرراً بالجزيرة الخضراء، التي كانت للكونت". وباتّحاده مع المطران السيّد أوباس وجماعته، خاضوا معركةً ضدّ الملك قرب لا خاندة (Janda). وكان الطاغية في تدهور، فعبَر أتباعُه إلى المعسكر المضادّ. وعند المسلمين، مات رودريغو ليلةَ الثامن والعشرين من نيسان عام 711. وبحسب النصارى، فرّ إلى البرتغال حيث عاش، ودُفن في إلباس (Elvas). أمّا الأب سارمينتو (Sarmiento)، عالِمُ القرن الثامن عشر، فقد ظنّ أنّه عثر على قبره في تلك الناحية.

إنّ لعبارتَي "ما وراء" (Allende) و"ما وراء البحر" (allén mar) معانيَ مختلفةً ومحدّدة. فمن المُسلَّم به أنّ المسلمين لم يكونوا يُحسنون الملاحة، غيرَ قادرين، في أحسن الأحوال، إلّا على عبور المضيق؛ ونحن نرى أنّ الإشارات إلى عبور "الزُّقاق" (al-Zuqâq) أو جبل طارق لا يمكن الخلط بينها وبين ذكر رحلات عبور البحر العظيم: فالجزيرة الخضراء كانت الميناء "الأقرب إلى الضفّة الأخرى من المضيق"؛ والرمّان كان يزدهر "في الأندلس، كما في الضفّة الأخرى من المضيق"؛ وفي عام 818، استقرّ سبعةُ آلاف فقيهٍ من قرطبة، حُكِم عليهم بالنفي، في فاس، التي كانت "قيدَ البناء... في الضفّة الأخرى من المضيق"، في نواحي "ما وراء". لكنّ طارقاً "عبر البحر"، وأوّلُ بني مَرين أبحر من المغرب، فعبَر "إلى هذه الضفّة من البحر" (aquende la mar). وفي الجزيرة الخضراء، قبل خوض المعركة، خطب في جنوده مُذكِّراً بأنّه إذ ربح ممالكَ "وراء البحر"، فسيربحها "دون البحر". وعند العودة، أمر بأن تُكتَب "أسماء جميع من عبروا البحر". وفي القرن الرابع عشر، عبر ملكُ غرناطة "البحر" ليجتمع بأبي الحسن ملكِ المغرب (Alboacen)، في المدينة الجديدة بفاس. واصطدم أميرالُ أراغون البحريُّ بثلاث عشرة سفينةً حربيةً كانت "قادمةً من وراء البحر". وقد ضاع أسطولُ ألفونسو الحادي عشر، إذ كان يتعقّب الأسطول المسلم، لأنّه استنفد المؤونة قبل الوصول إلى ميناءي تِغيزيس (Tigizis) وبديس (Bedis) اللذين كانا "وراء البحر".

وبحسب مؤرّخ بيدرو الأوّل، فُقدت إسبانيا "من بحرٍ إلى بحر، بل فُقدت حتى في إفريقيا التي هي وراء البحر"، إذ انتزع السراسنةُ من القوط طنجةَ وسبتةَ و"أرضاً أخرى كثيرة". أمّا "ما وراء" أو "وراء البحر"، فيظهر أحياناً بوصفه اسمَ مكان: فرودريغو دياث دي بيبار (Rodrigo Díaz de Vivar) هزم في بلنسية 36 ملكاً مغربياً "أتوا من وراء البحر". وقتل منهم 22، وقضى على بوكار (Bucar) "ملك ما وراء البحر" والمغرب، في نزالٍ يداً بيد. وقد أدرّت الحملةُ على السيد (Cid) 3,000 مِثقالٍ من الذهب. وفي عام 1288، أذِن سانتشو الرابع لغوثمان الطيّب (Guzmán el Bueno) بأن يُصدِّر، مُعفىً من الرسوم، 300 قفيزٍ (cahíces) من القمح المخلوط سنوياً، لينقله "إلى ما وراء البحر حيث هو"[10]. وفي خرائط أمريكا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، يظهر رأس ألِّنده (Punta de Allende)، أو ألِنده (Alinde) عند البرتغاليين، على ساحل مارانيون (Marañón). ويضعه ألونسو دي تشابيس (Alonso de Chaves) على خطّ عرض 1 وثلث درجةٍ جنوباً[11]. أمّا مدينة سان ميغيل دي ألِّنده (San Miguel de Allende) المكسيكية، فلم تكتسب اسمها بمحض المصادفة.

يُقال إنّ موسى حدّد لطارق الإقليمَ المُراد فتحه، فتجاوزه طارقٌ ودخل طُليطلة. وأثار سخط الحاكم، فترك ابنَه على رأس إفريقية. ورَسا في طنجة، ثمّ عبَر إلى الجزيرة الخضراء بعشرين ألف فارس. وبعد أن جاب شبه الجزيرة، جامعاً الغنائم، سلّمها إلى الحكّام. وبحسب لوكاس دي تُوي، أخذ موسى وطارف طُليطلةَ معاً، بمعونة اليهود المقيمين. ولمّا انتهت الحرب، بقي في قرطبة أميرٌ أو والٍ جبى الضرائب لصالح "سلطان بابل" (Soldán de Babilonia). وباعتناق الأندلسيين الإسلامَ نحو عام 800، فقدت الكنيسةُ روّادها. وخلت كنيسةُ سان بيثينتي (San Vicente)، فباعتها الجماعةُ المسيحية عن طيب خاطرٍ لتُحوَّل إلى مسجد، في زمن حربٍ ثلاثية الأطراف في العالم الإسلامي. فقد تصادم العرب والبربر والسوريّون، وفي عام 729 امتدّ ذلك إلى آخر ركنٍ من إفريقيا، تتابعت فيه موجاتُ المنفيّين. وفي خضمّ الفوضى، أزال أبو العبّاس (Abul Abas) عائلةَ بني أميّة. وقد ضعُفت سلطةُ دمشق، حيث كان يتقاتل الفاطميّون والعبّاسيّون، فأعلن عبد الرحمن القرطبيُّ، الذي قال إنّه أمويّ، استقلالَ الإمارة عام 757، مُقرّاً بالسلطة الروحية للخليفة. وفي العام التالي أنشأ داراً لسكّ النقود في قرطبة. وقد كشف عن أصله الثقافي إذ تخلّى عن النظام النقدي الإسلامي ليُدخِل الروماني. ويذكر لوكاس دي تُوي فرداً يُدعى يوقة (Yuca)، معاصراً للعلاء بن مغيث اليَحصُبي (Al-Ala Mugit al Yudami)، من الفصيل العبّاسي. فرَسا في الأندلس نحو عام 762، بجنودٍ يمنيين مُستقدَمين من إفريقية. فأرسلت دمشقُ القائدَ المنصور (Al-Mansur) ليُخضِعه. فقطع يوقة رأسه وأرسله إلى الخليفة، فلمّا رآه هتف: "الحمد لله الذي جعل هذا البحر بيننا".

وأمّا الزناتيّون (zenetes)، القادمون من جنوب الأطلس، حاملي الذهب والباذنجان وقصب السكّر، فقد رَسوا في المغرب، "كثرةً كرمال البحر". فأطاحوا بالسلالة الحاكمة، مُقيمين سلالةَ بني يفرن (Ifrani). وكانوا عاجزين، فأثار حكمهم المجاعاتِ والأوبئة. فخسر الأندلس وإفريقية والمغرب ثلثَ سكّانهم، بين عامَي 804 و818. واعتلى الحكم الأوّل (Alahaquem I) عرشَ قرطبة عام 822. فأنشأ جيشاً نظامياً مؤلَّفاً من البربر. وكان من عادة الفايكِنغ (vikingos)، وهم في طريقهم إلى أرزيلا اللِّكسيّين، أن يدخلوا الوادي الكبير للقلفطة والتزوّد بالماء في أوركادا (Orcada)، وهو مرسىً قريبٌ من الحاجز الرملي، استعداداً لعبورٍ طويل، لكنّهم في عام 844، مُنقادين لدافعٍ لا يُفسَّر، صعِدوا النهر ونهبوا إشبيلية[12].

كان إدريس الثاني (Edris II) ملكَ السوس وتلمسان والعرائش وطنجة، عام 852، حين عُيِّن عبد الرحمن الثاني أميراً على قرطبة. وأدرك أنّ المستقبل في البحر، فبنى دارَ صناعةٍ للسفن في إشبيلية وقُرمونة (Carmona). ودخل محمد الأوّل (Muhamad I) مملكةَ ليون عابراً جبال البرانس. فحمله شارلمان (Carlomagno) على الانسحاب بالهدايا، بما في ذلك أُمُّ ولدٍ (umn walad) تُسمّى زُخرُف (Zujruf). وستكون أمَّ الإمام الحكم بن هشام (al-Akam b. Hisam)، أمويِّ الأندلس، ولعلّه معاصرٌ للغزوة على بواتييه (Poitiers). وتعقيداً للتاريخ، يُدخِل تُوي مُغتصِبَين كلدانيَّين: يِنارسا (Yenarsa) وألفورو (Alforo). فهزمهما، وأسر موسى، وهو تابعٌ مُحمّديّ. وواصل حربه، فهاجم أوردونيو الأوّل (Ordoño I)، الذي حاصره في ألبَيدا (Albaida). ولمّا خسر "جمعاً غفيراً" من الكلدان، غيّر عدوّه، فانتزع سرقسطة وطولوسة (Tolosa) ووِشقة (Huesca) وطُليطلة من ملك قرطبة. وترك ابنه لوبه (Lope) على رأس الفتح، وعبَر جبال البرانس هازماً الغاليّين.

ونحو عام 912، وهو تأريخٌ ينبغي التحفّظ عليه، شأنَ كلّ ما نجمعه من السجلّات، هزم شيعيٌّ (Si'i) اليفرنيَّ زاب السوس (Zab al Sus)، فاتحاً إفريقية. وولّد العجزُ الإرهابَ، فاحترقت أسواقُ تِيّارت (Tiaret)، عاصمةِ الزناتيّين، وفاس، وقرطبة، في يومٍ واحدٍ من عام 917. وبعد عشر سنوات، استغلّ عبد الرحمن الثالث اضطراباتِ الفاطميين ليقطع الأواصر الواهية التي كانت تربط إمارةَ قرطبة بدمشق. ففتح طنجة ومليلية، واستولى على سبتة عام 931. وكانت رأسَ أسقفية المغرب في زمن القوط، فأعطته قوّةً معنوية، فمارس نوعاً من الحماية على إفريقيا، بلغ الجزائر. وبوصفه شيّد المسجد الكبير، بدأ أعمال مدينة الزهراء، المدينةِ-القصر المسقوفةِ بالذهب والفضّة، بأعمدةٍ مُستوردةٍ من إفريقية وقرطاجة، بعشرة دنانيرَ للقطعة. وتدخّل في الحروب بين النصارى، مُمِدّاً راميرو الثاني ملكَ ليون، في حربه مع أوردونيو ملكِ قشتالة، بجندٍ من "الطنجيين (tigitanos)[13] وجمعٍ غفيرٍ من العرب (agarenos)". ونصبوا معسكرهم في سان إستيبان دي غورماث (San Esteban de Gormáz)، فهُزم السراسنة، وسقط في المعركة "الملكُ العظيم للطنجيين، الذي كان اسمه المُقرّب (Almocarab)"، مع قادةٍ "رئيسيّين" آخرين. ولا يبدو أنّه قد أُقيمت علاقةٌ بين الغجر (gitanos) وموريتانيا الطنجية، ولا بين عاداتهم وما رصده سيّيثا دي ليون (Cieza de León) في فنزويلا، كتقليد فضّ بكارة العروس بيد قابلة، مُتبَعاً بعرض المنديل و"الأرَيتو" (areitio)، وهي كلمةٌ تعني في لغة الكالو (caló) "احتفال". ويُقال إنّ الغجر، ذوي اللون "الأسمر" كالهنود، وصلوا إلى قشتالة في عهد الملكين الكاثوليكيّين[14]. ويُنسب أصلُهم إلى مصر، دون دليلٍ يُثبت ذلك.

واستقدم عبد الرحمن جنوداً من "بابل وإفريقيا"، مُنزِلاً عقاباً شديداً بالنصارى في مويس (Moys). وعند وفاته عام 961، حافظت قرطبة على سبتة، لكنّها فقدت إفريقيا. فاستعادها الحكم الثاني، إذ فتح المنصور (Almanzor) بمغاربته مملكةَ فاس لصالح هشام الثاني. وكان غنياً بالذهب، فأتمّ مدينة الزهراء، بينما كان قائده يواصل القتال. ومن بين ضحاياه يظهر بورّيل الجيرونيّ (Borrell de Gerona)، ملكُ بني يفرن، ولعلّه من أرسل سفارةً إلى هشام، بهدية دَرَقٍ من جلد اللَّمْط (lamt) وخيلٍ وجِمالٍ ومهاريَّ سريعةٍ وزرافاتٍ وحيواناتٍ مِسكية. فردّ هشام بتعيين سفيرٍ عمل والياً على بربر فاس. وأمّا هشام المؤيَّد (Hisam al Munayad)، ملكُ قرطبة عام 976، فقد ملك "الأندلس والضفّة الأخرى من المضيق". ولمّا مات المنصور، فقد الملك رأسه وتاجه عام 1018، على يد هشامٍ آخر. فأقرّ به أهلُ فاس، لكن ليس في الأندلس، حيث دانوا بالطاعة للأموي المزعوم، المستظهر (al-Mustazhir). واغتيل عام 1026 على يد أتباعه، فحلّ محلّه المستكفي (al-Musarfi)، الذي حكم ثلاث سنوات. فانتهى في السجن والمملكةُ منقسمةٌ إلى طوائف (taifas). وحين ضعُف ملوك الأندلس المسلمون، أدّوا الطاعة والإتاواتِ للنصارى، حين كانت تنبثق في السوس قوّةٌ إسلاميةٌ جديدة.

بدأ عبد الله بن ياسين (Aldalah ben Yasim) الدعوةَ إلى القرآن نحو عام 1036، مُختاراً جمهوره من البربر، وهم "أفظاظٌ غِلاظ" في نظر الأفارقة والإسبان، لأنّهم كانوا يستعملون لغةً بعيدةً عن العربية. وكان مبتكرَ المُرابطين (al-morabitum)، الفرسانِ الخاضعين لانضباطٍ دينيٍّ-عسكريٍّ صارم، فكانت لديه نواةُ رِباطٍ حين انتفض وريثُ بني يفرن. فعبر الأبُ إقليم تادلة (Tedle)، داخلاً سوس أسكا (Sus Aska)[15]، ليهزم الابن. وضعُفت السلالة، ففتح يوسف (Yusuf)، ابنُ ياسين، الذي جمع 2,000 عربيٍّ، السوسَ. وانطلق من جنوب الأطلس، مثلَ الزناتيّين، فهزم آخِرَ اليفرنيّين. وأسّس شرقاً مرّاكش عام 1062، مواصلاً الحرب في فاس وتلمسان. وفي عام 1075 أخذ طنجة، تلاها وهران وسبتة، التي استسلمت عام 1084. ولمّا صارت إفريقيا تحت السيطرة، استُدعِي المُرابطون إلى إسبانيا.

وكان من عادة الملوك النصارى أن يُقسّموا التِّيجان بين الأبناء، فجعلوا الحربَ الأخوية مُتوطّنة. وتعلّموا الدرس، فما إن يموت الأبُ حتى يُصفّي البكرُ إخوته. ولكان ذلك مصيرَ ألفونسو، الابنِ الثاني لفِرناندو الأوّل، لولا أنّه فرّ إلى طُليطلة مُحتمياً بالملك المأمون (Alymaymon o al-Mamun). واغتيل سانتشو الثاني على يد بيّيدو دولفوس (Bellido Dolfos)، فعاد الابنُ الأصغر إلى وطنه ليعتلي العرش. ولمّا هاجم ملكُ قرطبة حاميه، هبّ لنجدته، فأفضت تلك الحملة إلى زواج ألفونسو السادس، من زايدة (Zayda) ابنةِ ابن عبّاد الصافي (Aben abet Çafi)، ملكِ إشبيلية. وبمشورةِ حَميه، استدعى النصرانيُّ "إلى أرجاء إسبانيا شعوباً بربريةً... من وراء البحار البعيدة"، عُرِفوا بـ"المرابطين أو الموحّدين". وتبريراً للمبادرة، يجعل تُوي الملكَ يفترض أنّ المُستقدَمين "سيُقاتلون سائرَ المغاربة، وسيُدمّرون بعضهم بعضاً بأسلحتهم"[16].

والحادثةُ زَلِقة، فلا تُعدَم روايةٌ بديلة: فلمّا مات المأمون، وامتنع الابنُ عن دفع الإتاوات، عدّ ألفونسو نفسه في حِلٍّ من دَين العرفان. وفي عام 1085 فتح طُليطلة. وسمّى نفسه إمبراطورَ الإسبانيات. وانزعج ملكُ إشبيلية، فاستغاث بيوسف، الذي عبَر المضيق. وفي عام 1086 هزم النصارى في الزلّاقة (Zalaca) أو لا رودا (la Roda)، عائداً إلى المغرب. واستُدعي مرّةً أخرى عام 1090 لاستعادة طُليطلة، ولإخفاقه، عوّض "مغاربةُ ما وراء البحر" أنفسهم بإخضاع الدويلات المسلمة في شبه الجزيرة، "بعضِها بالسيف وبعضِها بالمشورة"، فخسر ملكُ إشبيلية رأسه إذ رفض التخلّي عن العرش. ووضع المرابطون الأندلسَ تحت "ملكٍ من نسبهم"، دعوه "أمير المؤمنين" (Miramamolín). وبحصول "الوفاق بين مغاربة إسبانيا وإفريقيا، شرع أولئك البرابرة يُضايقون بشدّةٍ ألفونسو، ملكَ قشتالة، ويرفضون له كلَّ الإتاوات المعتادة". وقد تعاون في تلك الحرب مع المسلمين الكونتُ غارثيا أوردونيث (García Ordoñez)، الذي "كان يُسدي إليهم نصائحَ حسنةً جداً"[17]. وفي عام 1108، هُزم النصارى في أُقليش (Uclés). وبحث ألفونسو السادس عن سببٍ لسوء الطالع، فوجده في الحمّامات. وخلص إلى أنّ النظافة بذرةُ الضعف، فحظرها. ولمّا استعادوا طاقتهم بالوسخ، حاصر النصارى أميرَ المؤمنين ألدِمون (Aldemón) في قرطبة[18]. وضاق به الأمر، فوقّع السلام، عائداً إلى المغرب، "مقرِّ عرش مملكته". أمّا خلفه، أميرُ المؤمنين الموحّدي، فقد ارتكب خطأ طرد المستعربين واليهود عام 1128. وباتّحاد هؤلاء مع المعارضة، المُتربِّصةِ في الجبال، نزلوا إلى السهل ليهزموا المرابطين نحو عام 1130. وعادت إسبانيا المسلمة تتفكّك.

واستقامت الأوضاع بين النصارى، وكان ألفونسو الثامن يملك حين جاب السيّد مارتين (Martín)، مطرانُ طُليطلة، الأراضي الأندلسية، مُرغِماً أميرَ المؤمنين ابنَ يوسف المصمودي (Abenyuzef Mazemuto)، إمبراطورَ إفريقيا وإسبانيا، على العبور إلى الأندلس، بجنودٍ من الموحّدين والعرب وجمعٍ غفيرٍ من الإثيوبيين. وفي عام 1195 هزم القشتاليين في الأرك (Alarcos). ولم يستطع دخول طُليطلة، فهدم قلعةَ قلعة رباح (Calatrava)[19]. وفي عهد ابنه ابن محمد (Aben Mafomad)، دعا ألفونسو السادس إلى حملةٍ صليبية. فلبّى فرسانُ المعبد، وملكُ أراغون وملكُ نبرة، هازمين إيّاه عام 1212 في العُقاب (Navas de Tolosa). وقد أدّت الغنيمةُ إلى هبوط سعر الذهب في أوروبا. واقتداءً بجدّه، تخلّى أميرُ المؤمنين عمّا تبقّى له من الأندلس، في أيدي حاكمٍ، عائداً نهائياً إلى المغرب ليموت طاعناً في السنّ، في عهد فِرناندو الثالث في قشتالة وليون.

وكان زيد الرشيد (Zaid Araxid)، حفيدُ ابن محمد، ملكَ المغرب وفاس والسوس وتلمسان وغرب البربرية (Algarbe de Berbería)[20] والجزائر وتونس ومصر والأندلس المسلمة. وكانت مماليكه تُحكَم عبر ولاة، فشجّع التفكّكُ الناتج عن الهزيمة انتفاضةَ غُمازانة (Gormazana)، الذي كان والياً في تلمسان[21]. ففتح سِجِلماسة (Sojulmenza) قبل أن يهرع زيد الرشيد، مُحاصراً إيّاه في عاصمته. وكان يستطلع خارج السور، مُعِدّاً للاقتحام، حين اغتاله قريبٌ موثوقٌ كان يُرافقه. ويؤرّخ ابن خلدون (Ibn Khaldum) الحادثةَ بعام 1240، مُسمّياً الملكَ عثمان الزيد (Ultman al Zaid). ولم يترك ورثة، فأُعلِن في المغرب المرتضى أو المتوَرِّد (Mutarda o Almotarda). ولم يُقِرّ به أبناء مَرين، الوالي في الغرب. وانتفضوا بالإقليم، فبقي بوكار (Bucar) بفاس ويعقوب (Jacob) بالرباط. ولمّا مات الأوّل، أعاد الثاني توحيدها.

ورَسا المرتضى مُصمّماً على استعادة الغرب. ولم تُؤثّر فيه هزيمته في "مكناسة" (Mequinesa)، لكن أثّرت فيه انتفاضةُ أبي دبّوس (Budebuz) في المغرب. وأراد إنقاذ "رأس المملكة"، فترك الإقليم في يدي يعقوب، الذي استنجد به الثائرُ واعداً إيّاه بأرض سلا (Sale). وكانت منفصلةً عن المغرب بنهر نارابه (Narabe)، وتبعد ثلاثة أيام من "المسير". فهرع يعقوب عام 1251. واستعاد سلا، التي كانت في أيدي "النصارى" (nazarenos)، قاضياً على المرتضى نحو عام 1255. وعندما أُعلِن أبو دبّوس أميراً للمؤمنين، نسي كلمته، مُطالِباً باستعادة الغرب. واغتاظ يعقوب، فبدّل اسمه إلى ابن يوسف (Abenyuçuf)، عائداً إلى المغرب لينتزع العرش.

ودخل فِرناندو الثالث إشبيلية عام 1248. ويُروى أنّه استدعى البُرغُسيّ رامون بونيفاث (Ramón Bonifaz)، أميرالَه[22]، لِفَرض العبور عبر الوادي الكبير. لكنّ الميثاق (Fuero) الذي مُنحته المدينةُ من الملك نفسه، يكشف أنّها فتحت أبوابها دون معركة. ولمّا علِم أنّ الذهب المسلم كان يدخل عبر النهر، لكنّ مياهه لا تُنتِجه، ميّز الملّاحين المسلمين. وظنّ أنّه سيحتاج إليهم، فأراد أن يُبقيهم راضين. وعدّ الحرب منتهية، فعقد حدوداً مع غرناطة، بنيّةِ أن تكون نهائية. وقبل أن يموت عام 1252، أوصى ابنه بأن يعبر البحر. وإلّا فلن يكون قد حقّق شيئاً، لأنّ الذهب في الضفّة الأخرى. ووَرِث الفكرةَ مع العرش، فأكرم ألفونسو أودوارت (Odoart)، أميرَ إنكلترا. وفي عام 1255 قلّده الفروسية بيده في بُرغش، ساعياً وراء سفنه. وفي وثيقة الامتياز التي تروي الحادثة، يظهر الملوك أبو عبد الله ابن الأحمر (Aboabdille Abennasar) ملكُ غرناطة، وابن هود (Abenhut) ملكُ مُرسية، وابن محفوظ (Abenmahfot) ملكُ لبلة (Niebla)، بوصفهم أتباعاً للملك القشتالي. وقد فقد الأخيرُ عرشه عام 1257، بالتزامن مع عرضِ التاج الإمبراطوري الذي تلقّاه ملكُ قشتالة. ومن المُرجّح أنّه، سعياً وراء وقعٍ مؤثّرٍ استشرافاً للمستقبل، عقد التسليم مع ملك لبلة، الذي نال في المقابل سيادةَ غرب شبه الجزيرة (Algarbe peninsular)، الأغنى من دولته، إذ قبِل فرسانُه إقطاعاتٍ في الشرف الإشبيليّ (Aljarafe)، مع إذنٍ بإخراج محصول الزيت بحراً.

ولتعقّد انتخابِ الإمبراطور، بين آل هوهنشتاوفن (Hohenstaufen) وآل هابسبورغ، بحث الناخبون عن طرفٍ ثالثٍ في الخلاف، يكسر التعادل مُرغِماً على أغلبيةٍ لصالح أيٍّ من البيتين. وكان دورُ ورقةِ التوازن مزعجاً، فرفضه المطّلعون، وقبِله ألفونسو العاشر، الملكُ الهامشيّ. ولمّا عُيِّن ملكاً للرومان، وكانت الأماكن المقدّسة فقيرة، طلب من ألكسندر الرابع حملةً صليبية "في ما وراء البحر في إفريقيا". فباشرها بالتحالف مع إنريكي الثالث ملكِ إنكلترا، الذي هنّأه عام 1258 بغنى الغنيمة، المُحصَّلةِ على الأرجح في "نهب سلا". ولا بدّ أنّ ذلك حدث بعد معركة غُدافو (Guadafo)، على مسيرة يومين من مدينة مرّاكش. وهُزم أبو دبّوس وقُتِل، فأُعلِن ابنُ يوسف ملكاً على المغرب وفاس والسوس وغرب البربرية، غيرَ آخذٍ لقب أمير المؤمنين، لأنّ شرق البربرية، من تونس إلى مصر، بقي للموحّدين.

وبحسب ابن خلدون، سلّم أوّلُ بني مَرين حراسةَ سلا والرباط إلى ابن أخٍ له. واستغلّ أنّ عمّه كان يُقاتل في تازة (Taza) ملكَ تلمسان، فأراد دولةً خاصّةً به، طالباً معونة التجّار النصارى. فلبّوا، فاقين العددَ سكّانَ المدينة. وأُغرِيَ، فاستولوا على المدينة آخِرَ يومٍ من الربيع. ولمّا علِم ابنُ يوسف، عدا "يوماً وليلة"، مُتمركزاً أمام أسوار سلا. فاستعادها بعد أربعةَ عشرَ يوماً من الحصار. أمّا ليون الإفريقي، الرسميُّ المشرب، فيقول إنّ سلا كانت لأصحاب فاس، فاحتلّها أسطولُ قشتالة، مُحتفظاً بها مدّةَ عشرة أيام. وما إن لاح أوّلُ بني مَرين، قادماً من فاس، حتى أعمل القشتاليون السيفَ في السكّان، وأبحروا لِيُوَلّوا بأقصى سرعة.

وكان بعضُ العلماء جزءاً من الغنيمة، فأراد ألفونسو العاشر أن يُلقّنوا علمهم لتلاميذَ يُعيّنهم بأصبعه الملكي. ولأنّ من عادة المثقّف أن يلوذ بالنسيان حين يكون في وضعٍ غير مريح، طلب الحكيمُ من كنيسة إشبيلية إعادةَ مسجدٍ عام 1260، بغية إيوائهم، آمِلاً أن يستعيدوا ذاكرتهم. وأراد مواصلة الحملة الصليبية "في ما وراء البحر في إفريقيا"، فعيّن في العام نفسه خوان غارثيا (Juan García) والياً أكبرَ على البحر. ومن بين المُصدِّقين على وثيقة الامتياز، يظهر السيّد يورينته (Llorente)، أسقفُ سبتة، وهي ثغرٌ من غرب البربرية كان يتبع المغرب[23].

ولمّا مال ابنُ هود المُرسيّ إلى ابن يوسف، أدّى ملكُ غرناطة الطاعةَ للموحّدين. وقلِق من انتصار المريني، فالتمس الحمايةَ لدى النصارى، عارضاً على الحكيم موانئ جزيرات (Gizarat) أو جبل طارق، وأدرة (Adra) وطريفة، "حيث نستطيع أن نُحسِن مُحاربةَ سبتة وأن يكون لنا عبورٌ إلى ما وراء البحر"، مع وعدٍ بأنّه "سيكسب لنا كثيراً من مغاربة ما وراء البحر أصدقاءَ"، يُعينون على فتح الأرض. وكان القشتاليُّ ينتظر الوفاء، حين إنّ هدنةَ ابن يوسف مع ملك تلمسان فرّغت جنوده. ورغب في الانتقام للنهب، فأرسل 3,000 عربيٍّ إلى غرناطة. فرَسوا، بحسب ابن خلدون، عام 1262[24]، مُستقبَلين بحفاوةِ الجماهير. ودخلوا الأرض النصرانية، فدعا ألفونسو إلى حملةٍ صليبية عام 1264 لإنقاذ المملكة. فبشّر بها بيدرو لورينثو (Pedro Lorenzo)، أسقفُ كوينكا (Cuenca). ونتيجةً لذلك، فقد ابنُ هود مُرسية. وفقدت قادس صفةَ التبعية، إذ بقيت في أرضٍ مفتوحة. وسُيطِر على الوضع، فصار خوان غارثيا ومارتينيث دي فيه (Martínez de Fe) والِيَين أكبرَين على نحوٍ مُشترك. وكان ابنُ يوسف منشغلاً بفتح مرّاكش[25]، فزحفوا في عام 1269 على قادس (Cáliz)، "ميناءِ ما وراء البحر"، المُسوَّرِ بأربعة أبواب[26].

فوصلوا عند الفجر، ودخلوا المدينة اقتحاماً. وبعد أربعة أيام من النهب، هرع "خلقٌ كثير". وخشي القشتاليون هجوماً "بحراً وبراً"، لِبُعد "النجدة عنهم جداً"، فغادروا، مُبحرين بغنيمةٍ من الأسرى و"الذهب والفضّة وأشياءَ أخرى عظيمةِ الثمن"[27]. وأثارت الحملةُ إنزالاً جديداً لفرسان ما وراء البحر في شبه الجزيرة، كاد يُحوّل التقدّم النصراني إلى تراجع. وكان يُقاتل مع المريني فرسانٌ قشتاليون، "مُتبرِّئون" من ولاء ألفونسو العاشر. وكان مفهوم "الوطن" منعدماً، لأنّه كان يُماهى بشخص الملك، فكان المُحبَطون أو المُضطَهَدون من حامل التاج، يعرضون خدماتهم على أقرب عدوّ، وكانوا عادةً ملوكَ غرناطة والمغرب وأراغون والبرتغال.

ونحو عام 1275، ترك ألفونسو العاشر المملكة سعياً وراء تاجٍ إمبراطوري، لم يكن أحدٌ ينوي تسليمه إيّاه. واستغلّ محمد ابن الأحمر الثاني (Mahomat Abenmahomar II) ملكُ غرناطة غيابَه، فسلّم الجزيرة الخضراء وطريفة إلى يوسف المغربي، الذي هرع لِيتسلّمها، داخلاً الأندلس النصرانية. وتُوفّي آنذاك فِرناندو دي لا سيردا (Fernando de la Cerda)، وريثُ العرش، تاركاً أبناءً قُصّراً، فكان على أخيه سانتشو أن يوقف يوسف. وكان الجيش مُفكّكاً، فأبحر أسطولُ قشتالة دون وجهةٍ في شتاء عام 1277. وأنهك الإسقربوطُ البحّارةَ، فدخلوا عبر الجزيرة الخضراء، تاركين السفنَ في مياه المريني، الذي كان في طنجة. ولكان قد استثمر الخطأ، لولا أنّ اضطراباتٍ في المغرب استدعته. ورغب في هدنة، فأرسل سفيراً النصرانيَّ غارسي مارتينيث دي غالِّيغوس (Garci Martínez de Gallegos)، مع رُبّانيه، الذين "كانوا يعيشون في ما وراء البحر". ورفضها الأمير السيّد سانتشو، فعبَر المرينيُّ المضيقَ بجيشه، راسياً في الجزيرة الخضراء.

وعند عودة ألفونسو العاشر، طالب الابنُ الأصغرُ بوراثة المملكة. فتنازل الأبُ في سبيل السلام، مُنتظِراً موقفَ قوّةٍ يُتيح له التراجع عن كلمته. وفي كانون الثاني 1279، أرسل مبعوثين إلى مجالس إشبيلية وبُرغش "في شأن الحملة الصليبية". وأراد العبور "إلى ما وراء البحر إلى أرض إفريقيا، ضدّ المغرب"، لكن دون سفن، فلجأ إلى إنكلترا، مُواعِداً ملكَ فرنسا في بايون (Bayona). وحظي بدعمٍ من الخارج، فأعاد إلى الحفيد حقّه، مُستفزّاً سانتشو، الذي شنّ حرباً أهلية ضدّ أبيه. وتشابك ملكا غرناطة والمغرب، فدعم الأوّلُ الابنَ ودعم الثاني الحكيمَ، مُنتهيةً المعركةُ بموت الملك طبيعياً عام 1284. وما إن اعتلى العرش، حتى انقضّ سانتشو على ابن يوسف، الذي كان يستغلّ إقامته ليُؤسّس المدينة الجديدة بالجزيرة الخضراء. وكان أبو يعقوب (Abeacob) أمام أبواب إشبيلية، لكنّ انتفاضةً جديدةً لغُمازانة استدعت بني مَرين إلى المغرب. ورغب الملكُ في تأمين دولته في شبه الجزيرة، فعرض إتاواتٍ على سانتشو الرابع مقابل هدنة، قُبِلت هذه المرّة. ومات ابنُ يوسف في حصار تلمسان، مُعتلِياً العرشَ أبو يعقوب، الذي حوّل عام 1276 معسكره، المضروبَ على ميلين غربَ عاصمة عدوّه، إلى المدينة الجديدة بفاس[28]. وستكون رأسَ موريتانيا ما دام بنو مَرين يملكون.

وتجدّدت الحرب بين قشتالة والمغرب في البحر. فحطّم الأميرالُ الجنويّ ميثير بينيتو ثكارياس (Micer Benito Zacarías) سفنَ أبي يعقوب، بمراكبَ أعارها الصيّادون، أتاحت لسانتشو الرابع فتحَ طريفة عام 1292. أمّا الأنظمةُ الخاصّة بجبل طارق، المؤرّخةُ بعام 1300، فتُقدِّم الفتحَ، الذي رُبّما أُخّر لأنّه إذ حدث في فترة قِصَر فِرناندو الرابع، لم يكن مجدُه يليق بالسلالة الملكية. وكان أبو يعقوب منشغلاً في تلمسان، فامتنع عن التدخّل، ولم يلبث أن مات اغتيالاً في مدينته الجديدة. ولم يترك أبناءً، فبدت الخلافةُ مضطربة، مُرتكِباً إسماعيلُ الغرناطي خطأ استعادة الجزيرة الخضراء وفتحِ سبتة، مُحاصِراً جبل طارق عام 1315. وهزمه النصارى ووقع في ضائقة، فتذلّل. وعبَر إلى المدينة الجديدة بفاس، فأعاد إلى الملك أبي الحسن الجزيراتِ الخضراء، مع دولةٍ صغيرةٍ مُلحَقة، مؤلَّفةٍ من رُندة (Ronda) وقشتالة (Castellar) وشمينة (Jimena) وإستبونة (Estepona) ومربلة (Marbella). وأراد أبو الحسن الانتقامَ للنكسات الماضية، فأرسل طليعةً من الفرسان، تبعها وريثُه أبو مالك (Abomelique)، ملكُ الجزيرات الخضراء ورُندة. واستعاد جبل طارق، فقاتل النصارى عامين، عائداً إلى "رأس المملكة" حين استأنف ملكُ تلمسان معركته.

وبعد أن فُتحت المملكة، جهّز أبو الحسن[29] "أسطولاً كبيراً" للابن. فدخل عبر الوادي الكبير، راسياً في بوديغون دِل روبيو (Bodegón del Rubio)، ليموت في نهر باتريتي (Patrite)، ضحيةَ كمينٍ عبثيّ[30]. وتألّم الأبُ، فأعلن الجهادَ المقدّس، مُنضمّاً إلى أسطوله أسطولا تونس وغرناطة. وفي عام 1340 فقد خُفري تينوريو (Jufre Tenorio)، أميرالُ قشتالة، حياته وسفنه، مُقاتِلاً أسطولَ المريني، الذي حاصر طريفة. وفي الحصار مات فارسٌ مغربيٌّ غريبُ الاسم: سيّد مونتيس كلاروس (Montes Claros). وكان المسلمون قرب إشبيلية، للمرّة الألف، فدعا ألفونسو الحادي عشر إلى حملةٍ صليبية، ضدّ "المريني وضدّ ملك غرناطة... وضدّ شعوبهم وأرضهم وضدّ أيِّ مغاربةَ آخرين من وراء البحر". فلبّى بيدرو الرابع ملكُ أراغون، مُساهِماً بأسطوله. واتّفق الملكان على وضع حرسٍ دائمٍ في "مضيق طريفة"، يُساهم كلٌّ منهما بعشر سفنٍ حربية، من أيار إلى أيلول، تُخفَّض إلى أربعٍ في باقي العام. وكان ألفونسو الحادي عشر رجلاً محظوظاً، فهزم جيوش المغرب قرب نهر السّلادو (Salado). وكان يُحاصِر الجزيرات الخضراء عام 1344، حين وقعت اضطراباتٌ جديدة في المغرب. فوقّع أبو الحسن هدنةً متسرّعة، لم يحترمها النصرانيُّ، فاتحاً الجزيراتِ الخضراء في غيابه.

وشنّ بيدرو الأوّل الحربَ على الأراغونيين وعلى أخيه، الملكِ المُنتظَر إنريكي الثاني، الذي لم يجد هو أيضاً وقتاً لمُقاتلة المغربيِّ الآتي من وراء البحر. ولقِصَر حكم خوان الأوّل، لا نجد خبراً عن علاقاتٍ مع المغرب، التي كانت تزدهر في أراغون. ولكثافة تجارة برشلونة وبلنسية مع البربرية، فإنّ بوهامو (Bohamo)، ملكَ "تِرمِسي" (Tirmeci) المستقلّ من جديد، سيّدَ "بني عبد الواد" (abdauets)، أرسل سفراءَ إلى بيدرو الرابع عام 1362، مُقترحاً هدنةً لخمس سنوات، بحيث تُفضي، إذ "تُزيل موتاً وأضراراً كبيرة"، إلى صالح التجارة. ووُقِّع الاتّفاقُ في بربنيان (Perpiñán) عام 1369، فصدّق عليه ملكا غرناطة والغرب، مُتّفقَين على أن يُعير كلٌّ الآخرَ الموانئ والخشب اللازم لإصلاح المراكب، فضلاً عن أن يَعِد الأراغونيُّ بألّا يُمِدّ ملكَ قشتالة بجندٍ ولا معونة. وفي عام 1375 كانت العلاقات الطيّبة مستمرّة، إذ حصل بيدرو الرابع على إذن محمد بن عثمان (Muhammad ibn Utman)، سلطانِ فاس، بإخراج الحبوب من مملكته. وفي عام 1386، كان البلنسيّون يُحمّلون القمح في وهران. ومع أنّ تَرْشيش القديمة صارت ذكرى، لِمُتعة العلماء، وبقيت قرطاجة في صفحةٍ من التاريخ، ففي عامٍ قريبٍ كعام 1401، دخلت سفينةٌ قادمةٌ من موريتانيا بلنسيةَ بشحنةٍ من العبيد[31]. وفي عام 1403، أجّر المايُورقيُّ أرنالدو دي فونت (Arnaldo de Font)، رُبّانُ السفينة سانتا ماريا (Santa María)، سفينتَه لليهودي إبراهيم شقيلو (Abrahen Sciquillo)، تاجرِ مايُورقة. فمقابل 500 ليرةٍ مايُورقية، مُعفاةٍ من رسوم المرسى، تُبحِر إلى بجاية وتونس ووهران، مُوسِّعاً لاحقاً رحلته إلى آسفي (Çafi)، ميناءِ ما وراء البحر.

وستكون البرتغال المملكةَ التي نفذت أعمقَ في تلك الأنحاء. فبياتريث دي غوثمان (Beatriz de Guzmán)، حفيدةُ بيدرو دي غوثمان (Pedro de Guzmán)، ابنةُ مايور غيّين (Mayor Guillén) والابنةُ غيرُ الشرعية لألفونسو العاشر، تزوّجت من ألفونسو الثالث ملكِ البرتغال، حاملةً في مهرها الغرب. ولمّا مات الملكُ عام 1279، استغلّ وريثُه السيّد ديُنيس (Dionís) مناجمَ الحديد، إذ كان يملك صولجاناً من الذهب، قيل إنّه من نهر التاجُه (Tajo)، لأنّه دخل عبر حاجزه الرملي. ولكون الملاحة مُربِحة، استقدم الملكُ نجّارَ سفنٍ جنويّاً، علّم أتباعه بناءَ السفن ذات السطح. ونظر إلى المستقبل، فغرس الغابات، وتزوّد بالملّاحين، مُؤسِّساً رهبانيةَ المسيح (Orden de Cristo) لإعادة تأهيل فرسان المعبد. وتزوّج من القدّيسة إيزابيل، وتُوفّي عام 1325. ووَرِث الشغفَ فِرناندو، الابنُ الطبيعيُّ للملك السيّد بيدرو. ومنذ عام 1383، شارك الملكةَ بياتريث العرشَ، مُستثمِراً بُعدَ نظر جدّه الأكبر، إذ تزوّد بأسطول. أمّا خلفه وأخوه غيرُ الشقيق خوان الأوّل، فقد بدأ عصر "الاكتشافات". وتزوّج من فيليبا (Felipa)، ابنةِ خوان دي غانتي (Juan de Gante) دوقِ لانكستر (Alancaster)، وأختِ كاتالينا زوجةِ إنريكي الثالث القشتالي، وحفيدةِ إنريكي الثالث الإنكليزي، شريكِ ألفونسو العاشر في حملة ما وراء البحر. وكان له أخوان مُتيَّمان بالبحر: بيدرو، الرحّالةُ العظيم، مربّي ألفونسو الخامس؛ وإنريكي، الأستاذُ الأكبر لرهبانية المسيح، الملقّبُ بـ"الملّاح". أمّا فِرناندو، ابنُ خوان، الأستاذُ الأكبر لرهبانية آفيس (Avis)، فقد استغلّ إقليم البرّ الرئيس، الذي كان يبدأ عند أرغين وينتهي عند كُمانا (Cumana)، مطلعِ أرض قشتالة العُليا. ومات أسيراً في فاس نحو عام 1443.

وكان من سلطة الأحبار أن يُسبِغوا "فتحَ" الممالك التي في أيدي الكفّار على الملوك النصارى، وكان فرسانٌ برتغاليون يتردّدون على الرأس الأبيض (Cabo Blanco) والرأس الأخضر، حين التمس خوان الأوّل الاستثمارَ سيّداً على فاس، في زمن كنيسةٍ ذاتِ رأسين. ومَنحه إيّاه يوحنا الثالث والعشرون (Juan XXIII) عام 1411، لكنّ البابا خرج زائفاً، فبطل المنحُ. وفُتحت سبتة عام 1415، وما إن اعتلى العرشَ مارتينُ الخامس (Martín V)، البابا الأوحد، حتى التمس البرتغاليُّ حملةً صليبية في فاس. ومُنحها عام 1418، فـ"اكتشف" أتباعه ماديرا (Madeira) على الفور، مُنعكِساً التقدّمُ في إفقار غرناطة: فنحو عام 1425، كفّت الدوبلةُ الذهبية المغربية عن أن تكون معيارَ النقد في الأندلس. وحضر فارسٌ من رهبانية المسيح أمام الحَبر عام 1430، مُحصِّلاً لخوان الأوّل الاستثمارَ سيّداً مالكاً لفتح مملكة فاس، دون اقتطاعٍ سوى جزر الكناري، المَمنوحةِ لقشتالة. وعند وفاة ألفونسو الخامس، كان الإقليمُ الذي جابته جماعةُ البرتغال يمتدّ من ساحل نهر الذهب (Río de Oro)[32] إلى سانتا كاتالينا (Santa Catalina)[33]، مُتضمِّناً "قرطاجاتٍ" (Cartagos) ذاتَ شأن.

وفي عام 1470، كان ملّاحون جنويّون بين جبل غيمبال (Geimbal) ورأس قرطاجة (Cabo de Cartago)، حيث "البحرُ أشدُّ عمقاً"، ويكثر القراصنة. فامتنعوا عن النزول، لأنّ المغاربة لم يكونوا يستقبلون النصارى[34]. وفي زمن خوان كاستِيّانوس (Juan Castellanos)، كان يشيع بين الفاتحين أنّ الرومان والقرطاجيين تردّدوا على الهند دون انتظار كولومبوس، وهو افتراضٌ كان يؤكّده السكّانُ الأصليون، إذ كانت لهم كلمةٌ خاصّة للدلالة على قرطاجة: كاتاسكي (Cataski). ويُسجّل فرنانديث دي أوبيدو (Fernández de Oviedo) هذه الطُّرفة، ذاكراً تعاقُبَ "قرطاجاتٍ" على ساحلٍ غنيٍّ بالحلزونات الأرجوانية (múrices)، المادّةِ الخام للأرجوان. وقد كان حيرام الصوريّ (Hiram de Tiro)، شريكُ سليمان، يملك خبيراً بالأرجوان، "ابنَ امرأةٍ من بنات دان". وكان يستخرجه بلونٍ أحمرَ فاقع، أرقى من البنفسجيِّ الصيدونيّ. وكان الملكُ يوبا (Juba) الموريتانيُّ يُنتِج الأرجوان، مُتغلغِلاً في رومَ الإمبراطورية، بعد الاستيلاء على قرطاجة والموريتانيتين، فلا عجب أنّه في مناجم أكلا (Acla)، الواقعةِ في قشتالة الذهبية (Castilla del Oro)، ظهرت عملةُ أوكتافيوس أوغسطس. وفي القرن الثامن عشر، رأى أنطونيو دي أويّوا (Antonio de Ulloa) والصبّاغُ الفرنسيُّ برتوليه (Bertholet)، المسافران في الهند، كيف كان هنودُ غواتيمالا ونيكويا (Nicoya) يصبغون خيوط القطن، ضاغطين جسيماتِ حلزوناتٍ صغيرة كانت تُقطِّر الأرجوان. وكان النسيجُ باهظ الثمن، فكان يُباع في الهواء الطلق وفي ساعةٍ مُحدّدة، لأنّ اللون كان يتغيّر مع الضوء.

وحيث يُستبعَد أن يكون الفاتحون قد عمّدوا مستوطناتهم بأسماء أماكنَ منتشلةٍ من العصور القديمة، فإنّ مؤلّفي القرن السادس عشر يُسمّون "قرطاجة" خليجَ هندوراس (Honduras)، وهو عند كولومبوس مقاطعةُ نعّام، غربَ كوبا. وعند هانّون آخِرُ "شاوناريا"، حيث كان جبلُ أطلس ورأسُ نعّام. وفي جنوب شرق "الكهف البحري" (furna) أو الخليج، يُثبت المؤلّفون ميناءً اسمه قرطاجة، سُمِّي لاحقاً هيغيراس (Higueras)، وهو موضعٌ مُحتمَلٌ لِميناء قشتالة (Puerto Castilla) الحاليّ. أمّا رأس بُخادور، الحدُّ الذي فصل بين "الفتوحات" بعد تقسيم كناريا على يد أوجينيو الرابع (Eugenio IV)، فقد يكون الرأسَ الذي سمّاه كولومبوس "الحمد لله". وأدنى قليلاً، قبل الوصول إلى ميناء سيرابارو، كان المرء يدخل "أرض كناريا". وكان خليجُ نيكاراغوا يبدأ عند إرّادورا (Herradura) وينتهي عند رأسٍ أبيض. ولوفرة الحلزونات الأرجوانية، كانت قرطاجةٌ ثانيةٌ في ليمون (Limón)، أو في بُحيرةٍ شاطئيةٍ كانت تصرف مياهها عبر نهر الشيطان (río Diablo)[35]. وعُيِّن دييغو غوتييريث (Diego Gutiérrez) حاكماً عام 1541، فأعاد تسمية المكان والمقاطعة باسم كوستاريكا (Costa Rica)، مُنادياً بأنّ استعمال الاسم القديم سيُعاقَب بمئة جلدة. واستمرّ التقليد، فانتقل السكّانُ وسمّوا موضعهم "قرطاجةَ الجديدة"[36]. ويُدرِج بنزوني (Benzoni) كوستاريكا ضمن جزر الكناري (Canarias)، إذ لاحظ أنّ الأهالي كانوا يصهرون الذهب، مُعطِين إيّاه شكلَ النسور. وأُفرِغت قرطاجة من سكّانها، فشُيِّد عام 1599 برجُ سانتا كروث (Santa Cruz)، الذي فُكِّك عام 1601. أمّا ليون الإفريقي والتاريخُ، فيضعان قرطاجةَ الملكةِ ديدو (Dido) في خليجٍ طبيعيٍّ في مرفأ تونس. وقد سوّاها الرومانُ بالأرض ثمّ أعادوا بناءها، وهي تحتفظ ببرجٍ بونيٍّ اكتُشِف تحت الماء. ولعلّها رسمت حدَّ النفوذ القرطاجيِّ في المتوسّط بعد معركة ألاليا.

ولم تفقد قرطاجةُ الكولومبية اسمها. وهي داخليةٌ، ويُفترَض أنّ خوان دي روبليدو (Juan de Robledo) سكنها عام 1540، وتظهر في محيطها أسماءُ أماكنَ يَعسُر أن يتخيّلها فاتحٌ قشتاليٌّ من القرن السادس عشر: أنطاكية (Antioquía)، وتدمر (Palmira)، وأرمينيا (Armenia)، والسوس (Susa)، ولا تخلو من أسماءَ أكثرَ شيوعاً لكنّها ذاتُ دلالة، كنخلة (Palma) وتِنِريفة (Tenerife)، في أرض قبائل البانتشيس (panches). وقبل أن تُجلِيهم سلطةُ قشتالة، كان الأهالي يعيشون في بيوتٍ من اللَّبِن. وكانت صفائحُ الذهب تُغطّي معابد بوغوتا (Bogotá)، كمعابد الإنكا، مُقدِّمين عبادةً للشمس وثانويةً للقمر، اقتداءً بمعظم الأمريكيين. وكانت النساءُ يلبسن على طراز نيكاراغوا. وكانوا يصنعون أبراجاً مُثمَّنة، شبيهةً بـ"الأهرام" (cués) في إسبانيا الجديدة، ويُورِّثون الأملاكَ الكبرى بخطّ البِكرية. وكانوا يُبجِّلون أصناماً منزلية، لها صفةُ أرواح الأسلاف، إذ كان الاحترامُ المُقدَّم للسيّد متناسباً مع عددِ ما يملك منها[37]. وعند مشارف المدينة، كان يمرّ الطريقان اللذان يصلان بيرو بقرطاجنة: النهريُّ لنهر الكاوكاس (Caucas)، والبَرِّيُّ لوادي نيبا (Neiva). ولم تُقلِق "القرطاجات" فرنانديث دي أوبيدو، لكن أقلقته قرطاجنة. وحرصاً على تبريرها، ينسب اسمَها إلى ملّاحين قشتاليين، دهشوا من هدوء خليجها، فمنحوه اسمَ المدينة المتوسّطية. ومع أنّ تأسيسها يُنسَب إلى بيدرو دي إيريديا (Pedro de Heredia) عام 1533، فإنّ الأسودَ خوان بورتوغيس (Juan Portugués)، الشاهدَ في الدعاوى الكولومبية، يذكر قرطاجنة عام 1514 بوصفها مستوطنةً للهنود[38].


  1. لعلّها سلا.
  2. Bernáldez, C. CXVIII.
  3. P.C T. VIII. pág. 562.
  4. على الأرجح سيّناغا (Ciénaga)، قرب مصبّ نهر المجدلينة (Magdalena).
  5. كانت أغين أو أرغين (Agin o Arguim) مركزَ خشب الأرغُمين (argumín)، الذي كان يستورده سليمان. ووُصفت بأنّها خليجٌ وجزيرةٌ وأرخبيل، ولا بدّ أنّها كانت في مطلع بلاد الغويانات (Guayanas).
  6. في عام 1580، صاعداً من مضيق ماجلّان (Magallanes)، وضع غامبوا دي سارمينتو (Gamboa de Sarmiento) سِيّرا ليونا على خطّ عرض 8,5 درجة، في مطلع ساحل "البلاسِل" (placel).
  7. في بوليفيا ظهرت رئيسيّاتٌ (primates)، عمرها 26 مليون سنة، بحجمٍ مماثلٍ للغوريلا. أمّا "Protopithecus brasilienses"، ذو الذيل الطويل ووزنِ نحو 25 كيلوغراماً، فيُفترَض أنّه انقرض خلال الجفاف الكبير، المرصودِ في نهاية العصر البليستوسيني. وفي أمريكا نحو 70 سلالةً من القِرَدة. أمّا الذي حنّطه حِمِلقون، فقد يكون "Caipora Bambuiorum"، أصلَ المخلوق الشرس، الذي كان بحسب الميثولوجيا المحلية يهاجم الإنسان ("Investigación y Ciencia" أبريل 1997. Castor Cartella. Walter C. Hartwing).
  8. كان أسلافنا يكتبون أسماء الأماكن والأنساب انطلاقاً من الصوتيّات. ولأنّ من المعتاد أن يُبدّلوا حرفاً أو أكثر، فمن الشائع أنّ أسماءً مختلفةً لكن متشابهةً تدلّ على المكان نفسه. فزامة (Zama) تُذكِّر بسامة (Sama)، حيث انتشل كاو (Cao) تِبْرَ الذهب؛ وزامبا (Zamba)، المجاورةُ لقرطاجنة، هي بحسب فرنانديث دي أوبيدو "هُراء"، "لأنّه اسمُ زنجيٍّ من غينيا"؛ أمّا السّاكا أو الثاكا (Saca o Zaca) حيث قاتل ألونسو دي لوغو (Alonso de Lugo)، بين عامَي 1499 و1501، فكانت على حدود قشتالة الذهبية، غيرَ بعيدةٍ عن أوريغوا (Origua). وقد مرّ بها غارثيا دي لِرما (García de Lerma) في أواخر القرن السادس عشر، في أثناء حملةِ اصطيادٍ للزنوج.
  9. "Una descripción anónima de al-Andalus" ترجمة: Luis Molina. Ed. C.S.I.C e Instituto Miguel Asín. Madrid 1983.
  10. محفوظةٌ في أرشيف دير سانتا إينيس (Santa Inés) بإشبيلية. ويُقال إنّ النرويج كانت تُصدِّر، في القرن الثالث عشر، 300 قفيزٍ من القمح إلى غرينلاند، بموجب اتّفاقٍ مماثل، عُقِد بتدخّل البابا.
  11. "Espejo de Navegantes". Alonso de Chaves.
  12. "El poder naval de al-Andalus en la época del Califato Omeya" Jorge Lirola Delgado. Universidad de Granada.
  13. هذه المعلومة، المُنتشَلةُ من سِجلّ لوكاس دي تُوي، تُذكِّر بموريتانيا الطنجية (Tingitana). وهذه تُذكِّر بكلمة "غجريّ" (gitano).
  14. مُنِح لقبُ "الكاثوليكيّين" لإيزابيلا وفِرناندو من ألكسندر السادس عام 1496. وقد جرت العادةُ بتطبيقه بأثرٍ رجعيّ، فأفعل مثل ذلك ("Catálogo real y genealógico de España" Rodrigo Méndez de Silva, ed. 1656).
  15. SRGS XII.1490.20 يظهر بوصفه إقليماً من البربرية ومن المغرب. ومُوثَّقٌ عام 1490 بوصفه بلدةً في غران كناريا (Gran Canaria).
  16. BDMS 3005 Lucas de Tuy. ترجمةٌ إلى القشتالية، مخطوطة.
  17. BDMS 3005 كان أميرُ المؤمنين الذي انتصر في أُقليش "مغربياً قرطاجياً مقتدراً". أمّا الذي هزمه ألفونسو نفسه، ومُزِّق إرباً وأُحرِق بحسب المؤلّف، فكان "مغربياً قرطاجياً" (Varones Ilustres Juan Sedeño ed S. XVI. Título 1º Cap. XV, pág.XXIV v.)
  18. أُعيد إنتاجَ الأسماء العربية وأسماء الأماكن كما تظهر في النصّ. وما دامت الكتابةُ صوتية، فهي متغيّرةٌ لا محالة.
  19. "Císter Militante en la Campaña de la Iglesia contra la sarracena furia" Miguel Ramón Zapater، مؤرّخُ مملكة أراغون ورهبانيةِ السِّيسترسيان. Zaragoza 1662. Cap. VI. وفي العُقاب اشتركت كتائبُ عربٍ من أزدورة (Azdora)، المجاورةِ للمغرب "Varones Ilustres". J. Sedeño. T. 1º Cap.XVII.
  20. كان ملكُ البرتغال، ألفونسو الخامس، ملكاً على الغرب (Algarbe)، حتى إنّه "لمّا فُتحت طنجة وقرىً أخرى على الساحل، عُلِم أنّ المغاربة كانوا يُسمّون تلك المقاطعة الغرب، فسُمِّي ملكَ الغُروب (Algarbes)" (Alonso de Palencia. Crónica de Enrique IV. Década III Lib. III. Cap. IV).
  21. يقصر ليون الإفريقي اسمَ البربرية على شمال إفريقيا، واقعاً في تناقضٍ مع السياق، إذ يصف مشاهدَ مستحيلة. وأمّا أنّ تلمسانَ غُمازانة قد بدّلت قارّتها، فلا يمنع أن ينطبق وصفُ المدينة على الواقع. فقد أمكن جيداً أن تكون قد أُسّست على يد جنود المنصور، وأن يكون لها سورٌ بخمسة أبواب، ومعابد وكلّيّات وحمّامات وطواحين على نهر سِسيف (Sesif). ويُقدّر لها 16,000 من الأهالي، وهو رقمٌ مبالَغٌ فيه، مع أنّه مُحتمَلٌ أن يكون قد سكنها يهودٌ وبنادقةٌ وجنويّون، اجتذبتهم التجارةُ مع بلاد الزنوج (País de los Negros). وقد حاصرها فعلاً أوائلُ بني مَرين سبعَ سنوات، ويقول لنا الإفريقيُّ إنّ معسكر الملك كان على ميلين غربَ السور، فحوّله إلى مدينة، لكنّه يسكت عن أنّها سُمِّيت المدينة الجديدة بفاس. ولم يُلائمه موقعها، فيضعها بجوار فاس القديمة، مفصولةً بذراعٍ من النهر.
  22. إنّ لقبَ "الأميرال" (Almirante) ميراثٌ من المسلمين. ففي عام 1192 كان "متولّي ما وراء البحر" (tenente de transtamar) في مملكة ليون، هو "الكونت غوميث" (Comite Gumiz) (ADMS. 4954). وفي عام 1328، رفع ألفونسو الحادي عشر المنصبَ إلى كونتيّة، ليمنحه لِحظِيِّه ألبار نونيث (Alvar Nuñez). ولو كانت الريوعُ شحيحة، لامتنع عنها. ولا يوجد موضعٌ أو إقليمٌ بهذا الاسم، فعلينا أن نفترض أنّه يشير إلى البحر، أو إلى ما وراء البحر. وسقط ألبار نونيث في السخط وأُعدِم، فعاد اللقبُ وما يتبعه إلى التاج، فمنحه الملكُ لإنريكي، أكبرِ أبنائه من ليونور دي غوثمان (Leonor de Guzmán). ولمّا انتهت الحربُ المتقطّعةُ الطويلةُ بين الأخوين، بنزالٍ يداً بيد، قتل فيه إنريكي الثاني بيدرو الأوّل، بمعونة الفرنسيّ دو غيسكلان (Du Guesclin)، منحه كونتيّةَ ترستامارة (Trastamara). وكانت مدى الحياة أو لعدم وجود وارث، فعاد اللقبُ من جديد إلى التاج. فمنحه الملكُ لبيدرو إنريكيث (Pedro Enríquez)، الابنِ الأصغرِ لأخيه التوأم فادريكه (Fadrique)، الذي تزوّج من إيزابيل دي كاسترو (Isabel de Castro)، ابنةِ سيّد مونفورتي دي لِموس (Monforte de Lemos). ووَرِث كونتيّةَ ترستامارة ابنُه، فادريكه القشتالي، أوّلُ دوقات أرخونة (Arjona). وكان مُفرِطَ الثراء، فأثار طمع خوان الثاني، الذي أعدمه نحو عام 1430. أمّا بيدرو أوسوريو (Pedro Osorio)، المتزوّجُ من بياتريث أختِ أرخونة، فقد حمل كونتيّةَ ترستامارة مُنتقَصةَ القيمة، لعلّ ذلك لأنّ ألونسو إنريكيث (Alonso Enriquez)، الأخَ الأكبرَ لبيدرو إنريكيث، رأسَ سُلالة آخِرِ أميرالات قشتالة، امتصّ ريوعها.
  23. هذه المعطيات مُستمَدّةٌ من "Diplomatario Andaluz de Alfonso X". Rec: Manuel González Jiménez. Ed. El Monte. Sevilla 1991.
  24. Ibn Khaldun و Diplomatario Andaluz.
  25. فتح يوسف مرّاكش في هذا العام (Ibn Khaldun).
  26. يضع فرنانديث دي أوبيدو جزيرة كاليث أو قادس (Calez o Cáliz)، المُسمّاةَ لاحقاً باراياتوري أو باراغوانا (Parayature o Paraguana)، بين كُمانا وبورتو سانتو (Porto Santo). وكانت هذه تحتلّ دلتا نهر الهويابَري أو الأورينوكو (Huyapari u Orinoco)، مُتقاسِمتَين كلتا المقاطعتين عند فم التنّين (Boca del Drago). وفي القرن السادس عشر، كان التجّار القشتاليون والجنويّون، الذين كانوا يُمارسون التهريب في رأس أغير (Cabo de Aguer)، عبر موانئ الشريف، يتزوّدون في قادس.
  27. Crónica de Alfonso X. ويغيب الذهبُ عن وثائق البلاط، لكنّه يظهر في امتياز عام 1269، مُختفِياً لاحقاً، ليعود إلى الظهور عام 1449، حين اتّصل خوان الثاني برأس أغير والبحر الصغير (Mar Pequeña)، عبر آل غوثمان. (Archivo Municipal de Medina Sidonia).
  28. Crónica de Alfonso XI. Cap. CCXXIV. وكانت المدينةُ مزعِجة، لكونها وراء البحر، فيضعها ليون الإفريقي في غرب البربرية، مفصولةً عن فاس القديمة بذراعٍ من النهر. وفي المدينة الجديدة بفاس كانت طواحينُ، يُديرها النهرُ الجاري بجوار السور.
  29. كان ملكَ المغرب وغرب البربرية وفاس والدولةِ الأندلسية الصغيرة.
  30. بحسب سيدينيو (Sedeño)، كان الأميرُ "بيكاثو" (Picaço) أو الأعورُ يجلب 7,000 فارس. أمّا "القرويّون" الذين قتلوه، فكانوا غونثالو مارتينيث (Gonzalo Martínez)، الأستاذَ الأكبرَ لألكانتارا، وخوان ألونسو دي غوثمان (Juan Alonso de Guzmán).
  31. "Esclavos y sirvientes en la Edad Media" Aut. Jacques Heers. Ed. Alfons el Maganim. Valencia. 1989 pág. 26.
  32. كان الساحلُ الذي كانت لسفن الصيّادين فيه "مقرُّها" أو قاعدتُها، يتّخذ عادةً اسمَ المصيد الذي كانوا يتردّدون عليه. وفي الأندلس وغرب البربرية، توجد عدّةُ أنهارٍ باسم نهر الذهب (Río de Oro)، لأنّهم كانوا يذهبون إلى البرزخ. ويُسمّي تشابيس (Chaves) الريو غراندي (Río Grande)، حدَّ المكسيك مع الولايات المتّحدة، نهرَ الذهب.
  33. كانت هناك جزيرتان باسم سانتا كاتالينا: في فم خليج هندوراس، وفي ريو دي لا بلاتا (Río de la Plata).
  34. "Esclavos y sirvientes en las sociedades mediterráneas durante la Edad Media" Jacques Heers.
  35. بحسب لوكاس دي تُوي، جلب ألفونسو السادس "شعوباً بربريةً... من وراء البحار البعيدة". وبحسب سيدينيو، جاء إلى شبه الجزيرة مغربيٌّ "قرطاجيٌّ" مقتدر، قيل إنّه أميرُ المؤمنين. وزمنياً، يتوافق مع ألدِمون.
  36. نحو عام 1556، نزل الفرنسيّون في ميناء قرطاجة. فأحرقوا المستوطنة، ذاتَ البيوت الخشبية والأكواخِ من سعف النخل (América. Teodoro de Bry. Lib. V. Ed. Siruela 1992).
  37. عند زيارة مجمّع دونيا بلانكا (Doña Blanca) في قادس، مع الأستاذ السيّد دييغو رويث ماتا (Diego Ruiz Mata)، وجدتُ فوق مدخل مدفنٍ أرضيٍّ (hipogeo) من البرونز الأندلسي، مؤرَّخٍ نحو عام 1600 قبل الميلاد، هلالاً فوق شمس.
  38. P. C. T. IV.