مسار غزوة
ثمة قرائن تسمح بالقول إن فرسان الهيكل (Temple) كانوا على صلة بأرض الذهب. ومن المرجّح أن تُحفَظ في محفوظات الفاتيكان، التي ما تزال حتى أيامنا هذه مغلقة في وجه الباحث، أدلّةٌ وثائقية. لكن بما أنها ليست في متناول عامة الناس، فإن علينا أن نكتفي بالمجلّد الضخم الذي يوثّق المحاكمة المشينة التي قضت على الرهبانية ولم تُفضِ إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. ومن المستحيل أن ننفي أو نؤكّد أن يكون الهيكليون قد أقاموا اتصالاً بـ«شيبانغو» (Çipango) وجزر الكناري، وإنما علينا أن نفترض ذلك انطلاقاً من القرائن. فقد تأسست الرهبانية في القدس على يد الفرنسي هوغو باينِس (Hugo Paynes)، وابتكرت الرجل ذا الاستعمالات المتعددة. فالفرسان بنوا السفن، وسيطروا على الموانئ، وجهّزوا المراكب التجارية، ونظّموا مصايد الأسماك ومعامل التمليح، ومارسوا تجارة الرقيق، واخترعوا سفينة الركّاب حين تخصّصوا في نقل الحجّاج إلى مكة. أما في البرّ فقد كانوا خبراء في الرّي وتربية الماشية، وأصحاب نُزُلٍ، ومنشئي دور الضيافة (parador)، ومصرفيين وأشياء كثيرة أخرى، فأبغضهم الملوك على ما امتلكوه، لكن أكثر من ذلك على ما عرفوه.
بعد أن أُقِرَّ مشروع باينِس سنة 1119 على يد الملك الصليبي بلدوين، أُسكِنَت نواةُ الرهبانية في مسجد عمر أو قبّة الصخرة. وكان مخطّطها المثمَّن الشكل سيغدو علامةً مميّزة للمؤسسة، ومن المستحيل ألّا يكون المرء قد سمع بـ«نجمة الثمانيات»؛ وكانوا جيراناً لحيّ «المُورلا» (Morla)، وهو مجمّعٌ دينيٌّ فكريٌّ أنشأه الأمويون. ومستفيدين من بقيّةٍ من السكان القدامى، أضاف الهيكليون إلى معارفهم علوم الإسلام والقبّالة. ولانفتاحهم على اليهود والمسلمين، مسّتهم الرقابة الكنسية في أكثر من مناسبة. والمادة الثانية عشرة من قاعدة الرهبانية، كما نقلها آلان دومِرجيه (Alain Dumerger)، تشير إلى علاقاتٍ آثمةٍ ونائية: «إذا كان ثمة من يريد أن يدخل ويلتحق بالرهبانية من بلاد ما وراء البحار، فلا يجب أن تنظروا فقط إلى المنفعة الزمنية التي قد تنالونها، بل أيضاً إلى خلاص روحه»[1]. وقد صاغ باينِس النصّ مستوحياً القديس برنارد. وبما أنه فعل ذلك في القدس، فمن المفترض أن مصطلح «ما وراء البحار» لم يكن يشير إلى الأرض المقدسة. أما «تاريخ السِّتّو» (Historia del Cister)، المنشور في أراغون القرن السابع عشر، فيورد القاعدة حاذفاً كلمة «ما وراء البحار» وكلّ إشارةٍ إلى المتحوّلين دينياً[2].
وقد أبحر المؤسّس، والنصّ تحت إبطه، متّجهاً إلى فرنسا سنة 1127. وبعد أن نال الموافقة من هونوريوس الثاني، في إطار مجمع تروَا (Trecense)، أقلع باينِس متّجهاً نحو «ما وراء البحار» الذي كان في «الغرب»، حيث تزامن وجودُه مع هزيمة المرابطين على يد الموحّدين، وهي هزيمةٌ مُعترَفٌ بها رسمياً. وعاد عبر اسكتلندا، فاستقبله ملك إنجلترا، وأهداه ذهباً وفضة. وبعد أن ضاعت الأماكن المقدسة على المسيحية، احتفظ الهيكل بآخر قلعةٍ له في أرض فلسطين حتى سنة 1291. ولم يعُد ثمة سببٌ يدفع الفرسان إلى ارتياد ما وراء بحار الحروب الصليبية، فتلقّى موظّفو الجمارك في أبوليا (Apulia) سنة 1294 أمراً بألّا يسجّلوا الأقواس والنِّشّابات التي كانت تحملها سفن الهيكل القادمة من «ما وراء البحار». والفارس الكتالوني روجيه دي فلور (Roger de Flor)، المتوفَّى سنة 1305، القادر على قيادة سفينةٍ وهو في الخامسة عشرة، سافر مراراً إلى «ما وراء البحار»، مؤدّياً في مياهه خدماتٍ جليلةً لسفن الإمبراطور.
وكان شارل الأنجوي (Carlos de Anjou) «نائباً عاماً على جميع بلاد ما وراء البحار ورئيساً أعلى لجميع المسيحيين الذين يكونون في ما وراء البحار، من رهبانيات الهيكل والإسبتارية والألمان». وكان ثلث ريع جميع الفرسانيّات يأتي من تلك الأرض. وأراد فيليب الوسيم (Felipe el Hermoso) ملك فرنسا أن يعرف من أين يستخرج الهيكليون ذهبهم، فأغرقهم في التُّهم، وخلق حولهم هالة الغموض التي ما تزال تلاحقهم. وفي أثناء المحاكمة، صرّح المعلّم الأكبر، إستيبان دي تروَا (Esteban de Troyes)، بأنه في فصل (اجتماع) سنة 1307 المنعقد في باريس «تقرّر إرسال ثلاثمئة أخ إلى ما وراء البحار». وفي سنة 1308، زوّدت كوماندريّة (Encomienda) اسكتلندا الجيشَ الإنجليزي بالسمك المملّح[3]. وفي سنة 1309، اندلع الاضطهاد، فاستُؤصِلت الرهبانية بقرار مجمع فيين (Vienne) سنة 1312. ويُقال إن الفرسان القشتاليين اختفوا في رهبانية كالاترافا (Calatrava)، والأراغونيين في رهبانية مونتيسا (Montesa)، والبرتغاليين في رهبانية المسيح (Cristo) التي أسّسها الملك دِنيس (D. Dionis) سنة 1320. وفي الأندلس يُلاحَظ أن الصيّادين والسادة، ممّن كانت لهم صلةٌ أوثق أو أضعف بالهيكل، حافظوا على أواصر التعاون، وعلى اتصالاتٍ بـ«ما وراء البحار».
كانت سفن الهيكل قد اختفت من الخليج الكبير (Golfo Grande) حين «اكتشف» الجنويّ لانتشيلوته ماتشيلّو (Lancelotte Macello) الجزيرةَ التي حملت اسمه، سنة 1310 أو 1312. وأقام عشرين سنة في لانثاروته (Lanzarote)، وأبصر مراراً رأس بوخادور (Cabo de Bojador) دون أن يجرؤ على النزول، لسوء سمعة أهل الجوار[4]. وكانت جزر الكناري بلا مالك، فمنح كليمنت الخامس (Clemente V)، بابا أفينيون، سنة 1344، إمارة الجزر الخالدات (الفورتوناتا)، «في أجزاء إفريقيا» (in partibus Africae)، مع فتح الجزر والأراضي «المجاورة»، إلى لويس دي لا ثيردا (Luis de la Cerda)، دون التزامٍ سوى تنصير الأهالي، عبدة الشمس[5]. وكان لويس هذا حفيد فرناندو دي لا ثيردا، الابن البكر لألفونسو العاشر، الذي سلبه العرشَ سانشو الرابع، وابن ألفونسو دي لا ثيردا ومهالدا الفرنسية (Mahalda de Francia)؛ وقد تزوّج لويس من ليونور دي غوثمان (Leonor de Guzmán)، المولودة من غوثمان الطيّب (Guzmán el Bueno) الذي جاء من وراء البحر (Allén Mar). وحملت في مهرها ميناء سانتا ماريا (Puerto de Santa María)، الذي اشتراه الأبُ من الأميرال ميسير بينيتو ثاكارياس (Micer Benito Zacarías)، مع ضيعة الأليخار (Alijar)، وهي أرضٌ صالحة لزراعة القمح، فوصلت بالميناء الحَبَّ الذي كان يُنقَل إلى موطن المنشأ. وبعد أن مات الأمير الجديد وابناه الذَّكَران دون عقب — وأُعدِم الثاني منهما لسبقه المتعجّل إلى مناصرة إنريكي دي تراستامارا — لم يبقَ سوى وريثةٍ واحدة هي إيزابيل دي لا ثيردا. وغدت الجزر الخالدات شاغرة. وقد ظلّت كذلك سنة 1393، حين جهّز إنريكي الثالث في إشبيلية أسطولاً للكناري[6]، ربما بمبادرةٍ من الملكة كاتالينا، ابنة خوان دي غانته (Juan de Gante) وحفيدة إنريكي الثالث ملك إنجلترا، شريك ألفونسو العاشر في حملة «ما وراء البحار».
وقد فكّر أوربانو الخامس (Urbano V) في منح إمارة الجزر الخالدات إلى مدينتين من مدن برشلونة، لكنه فضّل النورمانديّ بيتانكور (Bethancourt). فأبحر نحو الجزر سنة 1402، حاملاً معه أسقفاً مؤقتاً هو الفرنسيسكاني الأب ألونسو دي بارّاميدا (Fray Alonso de Barrameda)، وهو لقبٌ قد يشير إلى ميناء الانطلاق. وفتح بيتانكور لانثاروته وفويرتيفنتورا (Fuerteventura)، لكنه رُدَّ على أعقابه في غران كناريا على يد جندٍ من أمّةٍ غير محدّدة. وفي سنة 1403، أمر إنريكي الثالث بأن يُنادَى في موانئه بمنعٍ صارمٍ من الاقتراب من الجزر دون إذنٍ من النورماندي، الذي تورّط في فتحه، فأبحر باحثاً عن نجداتٍ، ولا نعلم إن كان قد قصد فرنسا أم قشتالة. وبعد أن أبصر رأس بوخادور، دون أن يقترب منه من فرط الخوف، جرفته العاصفة إلى الساحل. فاستقبله أهالٍ مضيافون، وأعانوه على مواصلة رحلته. ومات سنة 1406، في نورمانديته الأصلية أو على أيدي الكناريين.
وكما فعل سائر ملوك قشتالة الذين اهتمّوا بالغرب، شنّ إنريكي الثالث الحرب على البرتغال، منقضّاً على اليهود والمسلمين. وفي مجالس (كورتيس) طورو المنعقدة سنة 1405، أصدر مرسوماً بأن يحمل أولئك رقعةً حمراء على الكتف، وهؤلاء هلالاً أزرق، حتى يستطيع المسيحيون التعرّف إليهم وتجنّب معاملتهم[7]. وكان خوان الثاني في الثانية من عمره حين اعتلى العرش سنة 1407. وكانت الملكة كاتالينا وصيّةً وحاكمة، وفي سنة 1412 — بحسب المصادر الفرنسية، أو 1417 بحسب الإسبانية — قدّم موسِّن روبين دي براكامونته (Mosén Rubín de Bracamonte)، الذي كانت أملاك جان دي بيتانكور (Jean de Bethancourt) مرهونةً لديه ضماناً لقرضٍ من أجل فتح جزر الكناري، قدّمه إلى البلاط. وبعد أن نُصِّب ملكاً تابعاً لقشتالة[8]، شرع في عمليةٍ مسّت آل غوثمان، أحفادَ ذاك المولود في ما وراء البحر.
وكان أول كونت لنييبلا (Conde de Niebla)، المتوفَّى نحو سنة 1396، قد ترك لثالث أبنائه «جزيرةً» غامضة هي «جزيرة أرديلِس» (Isla de Ardiles)[9]. فاشتراها أخوه الأكبر، إنريكي دي غوثمان (Enrique de Guzmán)، الذي تسمّى بـ«سيّد جزر الكناري» ما بين سنتَي 1415 و1428. ويرد هذا اللقب في عقودٍ عامةٍ ذات استعمالٍ خاص[10]، لكن ليس في وثائق الديوان الملكي. وفي سنة 1422، انطلق بيتانكور الثاني من إشبيلية، ففتح فييرّو (Fierro) وغوميرا (Gomera) وبالما (Palma) وتينيريفه (Tenerife). ولم ينزل في غران كناريا، إذ منعه من ذلك «عشرة آلاف مقاتل». ومن المرجّح أن يكون قد تصدّرهم البرتغالي فرناندو دي كاسترو (Fernando de Castro). وحين وصل إلى الجزر آنذاك، راح يعمّد يمنةً ويسرة. ولمّا تصرّف بوصفه مندوباً عن ملكٍ مالك، أثار احتجاجات خوان الثاني.
وحتى لا يغيّر عادته، استقرّ بيتانكور في لانثاروته، فأقام بيتاً من الحجر الجافّ والطين، فوق أنقاض الحصن الذي كان لسلفه. وكان البيت مقرَّ شركةٍ تعمل في تصدير الجلود والشحم والزنوج، ولمّا تشبّعت سوق إشبيلية، باع جان الرقيق في أراغون وفرنسا. وبعد أن راكم ثروةً معتبرة، سلّم التجارة إلى ابن أخيه ماثيوت دي بيتانكور (Maciot de Bethancourt) أو موسِّن دي مِناوته (Mosén de Menaute)، متخلّياً عن الحياة في المستعمرات. ولم يُثنِ وجودُ النورمانديين، ملوكاً تابعين لقشتالة، في الجزر البرتغاليين عن مسعاهم. ففي سنة 1428، حطّ جيل إيانِس (Gil de Eanes) في جزر الكناري، جامعاً الأسرى، قبل أن يمتدّ إلى رأس نام (Naam)، الذي لم يجاوزه — كما يُقال — خوفاً من أن يستحيل زنجياً إن هو تعدّى «حدود» غينيا.
ولمّا علم أتباع ماثيوت أن التعميد يقيهم من التصدير، طلبوه بصوتٍ واحد. ولو كان التاجر رجلاً ذا وازع، لكان قد خسر مصدر دخله، لكن بما أن مسائل الإيمان لم تكن تشغله، فقد صدّر المسيحيين والوثنيين على السواء دون تمييز، معوّلاً على غياب سلطةٍ لكنيسةٍ منقسمة. وحين صفّى مارتينوس الخامس (Martín V) انشقاق ذي الرأسين، عيّن السيّد مِندو (D. Mendo) أسقفاً على جزر الكناري. ولمّا اصطدم بماثيوت، ومستفيداً من مرور أحدِ آل بيدرو دي كاستيّا (Pedro de Castilla) إلى البلاط، أعلم خوان الثاني بالتعقيدات التي تتربّص به، لو عُلِم في روما أن أحد أتباعه يحوّل المسيحيين إلى سلعة. وكانت لدى الملك مشاغل كثيرة في عقر داره بسبب صداقته لألبارو دي لونا (Alvaro de Luna)، فجهّز بيدرو باربا دي كانتوس (Pedro Barba de Cantos) بالسفن ورجال الحرب ليحلّ المشكلة.
ولمّا لم يفلح باربا بالقوّة، لجأ إلى المهادنة، فدفع في الجزر ثمناً سخياً، بشرط أن يرحل ماثيوت بمحض إرادته. ويُقال إنه، إذ انتقل إلى ماديرا، باع الأرخبيل مرّتين، إلى سيّدين كلاهما يعدّه ملكاً له: إنريكي الملّاح (Enrique el Navegante) وكونت نييبلا[11]. وفعل باربا الشيء ذاته من جانبه، بمجرّد أن وطئ إشبيلية، إذ باع لفرنان دي بيرَاثا (Fernán de Peraza)، المنفّذ الأمين للملك، المتزوّج من إينيس دي لاس كاساس (Inés de las Casas)، التي كانت تقيم في أبرشية سان بيثينته (San Vicente) الإشبيلية، لكن ليس في بيت آل غوثمان[12]. وسئم كونت نييبلا المشكلات التي كانت تثيرها جزر الكناري، فتنازل عن حقوقه سنة 1430 إلى غيّين دي لاس كاساس (Guillén de las Casas)، الحاجب الأكبر لإشبيلية، وأحدِ رجال بيته، إن لم يكن واجهةً صورية[13]. وبعد أن نصّبه خوان الثاني سيّداً على الجزر، ذهب إلى لانثاروته، فسجن ماثيوت في هييرّو (Hierro). ولمّا علم إنريكي الملّاح، أرسل أسطولاً لتحريره، فأُعيد إلى مقرّه في لانثاروته.
وفي سنة 1434، جاوز غوميس بيريس (Gómez Pireis) رأس نام دون أن يتحوّل، فجعل من ريو دي أورو (Río de Oro / نهر الذهب) مكاناً مرتاداً. وأما بالدايا (Baldaia)، الذي كان يرافقه، فمرّ بأنغرا دي كابايوس (Angra de Caballos)، حيث التقى بالبلنسيّ خاكمِس فيرّير (Jacmes Ferrer)[14]، ثم تابع إلى بونتا دي لا غاليرا (Punta de la Galera)، بنيّة صيد فقمات البحر، بينما كان أنتاو غونثالفيس (Antâo Gonçalves) يظهر في لا غوميرا. وكان الأهالي حلفاء للبرتغال، فسلّموه الجزيرة، وقبلوا التعاون في فتح بالما. وأخذ أنتاو نجداتٍ من فويرتيفنتورا، فبدأ حرباً اضطُرّ إلى التخلّي عنها، لمّا تصرّف على غير ما ينبغي، فطرده أهل غوميرا. ولمّا تعقّد الموقف، تنازل غيّين دي لاس كاساس عن حصّته في جزر الكناري إلى فرنان دي بيرَاثا، الذي فتح غران كناريا، فاقداً في المسعى ولدَه الذَّكَر الوحيد، غيّين دي بيرَاثا (Guillén de Peraza)[15].
وقد ضايق التدخّلُ القشتالي الأميرَ السيّد بيدرو (Infante D. Pedro)، وصيَّ ألفونسو الخامس، فمنح خُمس جزر الكناري والجزر المجاورة إلى إنريكي الملّاح، محرّماً على الغير أن يطلّوا على مياهه دون إذنٍ من الأمير. وكان رجلاً واقعياً، بحاجةٍ إلى نقطة تزوّدٍ بالماء لصيّاديه، مستأجري مصايده في بوخادور وأنغرا دي لوس رويبوس (Angra de los Ruivos) وريو دي أورو، فاشترى لانثاروته من ماثيوت دي بيتانكور، بريعٍ سنويٍّ قدره 20,000 ريس (reís)، مقيّدٍ على ماديرا. لكن خوان الثاني لم يقبل أن يكون له سيّدٌ في جزيرةٍ قشتالية، ولا رضي بذلك بيرَاثا. واستشاط ألفونسو الخامس غضباً، فتحدّى سنة 1449 جميع الأحبار وزميله القشتالي، ومنح الملّاح تجارة «كناريا ورأس بوخادور» (Canarea e do Cabo do Bojador)، ابتداءً من رأس كانتين (Cabo de Cantín)، كاذباً حين قال إن المرور كان متوقّفاً منذ ثلاثين سنة[16].
وبعد وفاة فرنان دي بيرَاثا، ورثته ابنته إينيس. وتزوّجت من دييغو دي إيرّيرا (Diego de Herrera)، وهو من «الأربعة والعشرين» (veinticuatro) في إشبيلية، وكان الزوجان سنة 1453 في «بالديفلوريس» (Valdeflores)، بعيداً عن الأندلس. وبعد أن استوليا على جزر الكناري، بقيا في الجزر[17]، مستغلّاً إنريكي الرابع وجودَ إيرّيرا، «الذي له جزر الكناري»، ليستولي باسمه على الأراضي والبحار الواقعة بين رأسَي أغير (Aguer) وبوخادور، إذ إنها في رأي التراستاماريّ (Trastamara) تنتمي إلى «فتح» قشتالة[18]، وإن كان ألفونسو الخامس يرى الشيء ذاته بالنسبة إلى فتح البرتغال. وفي المصادر المسلمة، يظهر إيرّيرا مستولياً، باسمه الخاص، على تِلدِر (Telder) وغوردار (Guardar)، وهما مقاطعتان مغربيتان في بلاد البربر[19]؛ وفي المصادر الإسبانية، مستولياً على غران كناريا، في مراسم أُقيمت في 21 من أغسطس سنة 1461، بحضور أسقف روبيكو (Rubico) والأميرين المحلّيين تِلدِر وغالدار (Galdar)، اللذين كانا يتقاسمان الجزيرة، ويفصل مملكتيهما سور. وكانت إيستامِستان (Iztaemistán)، وهي مدينةٌ على البرزخ تعدّ 6,000 نسمة، محصّنةً على الطراز الأوروبي، على حدّ قول الفاتحين، يحميها سورٌ من «الحجر الجافّ» يبلغ ارتفاعه استاداً ونصفاً. وكان يسدّ الوادي «من جبلٍ إلى جبل». ومن الموثَّق أن إيرّيرا استولى على مقاطعات رأس أغير باسم إنريكي الرابع[20]. أما جزر الكناري فما كان له أن يستولي عليها إلا بوصفه وكيلاً عن زوجته، مالكة الجزر.
- «صعود فرسان الهيكل وسقوطهم» (Auge y caída de los Templarios)، آلان ديمورجيه (Alain Demurger).
- «الرهبانية السِّتِّوّية المجاهدة في حملة الكنيسة ضد الهياج السرّاسيني (الساراسيني)» (Císter Militante en la Campaña de la Iglesia contra la sarracena furia). ميغيل رامون ثاباتير (Miguel Ramón Zapater)، مؤرّخ مملكة أراغون ورهبانية السِّتّو. Zaragoza 1662 Cap. VI, pág. 164.
- «صعود فرسان الهيكل وسقوطهم» (Auge y caída de los Templarios). آلان ديمورجيه (Alain Demurger)، «الرهبانية السِّتِّوّية المجاهدة في حملة الكنيسة ضد الهياج السرّاسيني» (Císter Militante en la Campaña de la Iglesia contra la sarracena furia). ميغيل رامون ثاباتير، مؤرّخ مملكة أراغون ورهبانية السِّتّو. Zaragoza 1662. Cap. VI.
- «العبيد والخدم في مجتمعات البحر المتوسط في العصر الوسيط» (Esclavos y sirvientes en las sociedades mediterráneas durante la Edad Media). جاك هيرس (Jacques Heers). Ed. Alfons el Magnanim (Valencia) 1989. «تاريخ الأمريكتين» (Historia de las Américas). مؤلَّف جماعي. تنسيق لويس نابارّو غارسيّا (Luis Navarro García). Ed. 500 Centenario Madrid 1991 pág. 309. T. 1º
- «التاريخ العام للإرساليات» (Historia General de las Misiones) البارون دي إيريون (Barón de Herión). مجلّدان. Barcelona 1863. R.A. doc. I. F.O. T. IIIº.
- «حوليّة إنريكي الثالث» (Crónica de Enrique III). حُرِّر النصّ في القرن الخامس عشر انطلاقاً من حوليّاتٍ سابقة، ثم نقّحه الملكان الكاثوليكيان وفيليب الثاني، شأن سائر الحوليّات. ولأنها كُيّفت مع المصلحة السياسية اللحظية، فإنها لا تصلح، في أحسن الأحوال، إلا مؤشّراً. وفي كتاب «إنريكي الثالث ملك قشتالة» (Enrique III de Castilla) لفرناندو سوارِس بيلباو (Fernando Súarez Bilbao). Ed. «Corona de España»، يُقال إن من قاد هذا الأسطول هو غونثالو بيريس مارتيل (Gonzalo Pérez Martel). وإن ركام المغالطات الذي يحتويه يحول دون منح هذه المعلومة أيّ موثوقية.
- «الفهرس الملكي وأنساب إسبانيا» (Catálogo real y genealógico de España). رودريغو مينديس سيلبا (Rodrigo Méndez Silva). Madrid 1656, pág. 120.
- Crónica de Juan II.
- ADMS. 913. كانت الكونتيسة أرملة نييبلا تملك جاريةً كناريةً مسيحية، وببغاء، ولؤلؤاً، وكسوةً صفراء و«نيليّة» (indio).
- ADMS. 915. وبيعُ ماثيوت دي بيتانكور جزرَ الكناري لكونت نييبلا مؤرَّخٌ في 15 من نوفمبر سنة 1418 («تاريخ الأمريكتين» (Historia de las Américas). تنسيق لويس نابارّو غارسيّا. V Centenario 1991).
- يقدّم بيرنالديس (Bernáldez) روايةً أصلية عن السيادة المزعجة لآل غوثمان: بعد أن فتح موسِّن دي بيتانكور جزر الكناري، باعها لوالد أول دوق مدينة سيدونيا، الذي يسمّيه خوان ألونسو بدلاً من إنريكي. وقد تنازل هذا عنها لفرنان دي بيرَاثا، «الذي كان يعيش معه»، مقابل «مواضع معيّنة». واتُّهم بيرَاثا بأنه لم يفتح الجزر الكبرى، ولم تستقبله «الأنظمة الحاكمة» (regimientos) في الجزر الثلاث، فضلاً عن أنه نجح، «بالتملّق أو بأيّة وسيلة كانت»، في أن يُعامَل معاملة الملك من جميع الكناريين (Bernáldez. Cap. XXV).
- ADMS. 717.
- ADMS. 1064. في سنة 1435، ربح غيّين دعوى ضد التاج، فحصل على أن يتمكّن قادةُ السفن (comitres) من التجوّل مسلّحين في إشبيلية. ADMS. 2407.
- «حوليّة غينيا» (Crónica de Guinea). زُبارا (Zubara). «تاريخ الأمريكتين» (Historia de las Américas) T.I.
- بما أن بيرَاثا كان متزوّجاً من إينيس دي لاس كاساس، وكان من العادة تبديل الألقاب العائلية، فمن الجائز أن يكون هذا غيّين، على التناوب، من آل لاس كاساس ومن آل بيرَاثا.
- R.A. doc. II.
- SRGS. XI.1476.747.
- ADMS. 4278.
- SRGS. XI.1476 تِلده (Telde) وغوردار (Guardar) أو غالدار، موثَّقتان بوصفهما موضعين في غران كناريا (SRGS. XII.1490.20) وفي بلاد البربر، إذ كانتا مقاطعتين مغربيتين.
- ADMS 4278.