نحو الأكذوبة الأخيرة
بعد هزيمتهم، لم يتخلَّ الملكان الكاثوليكيان عن غينيا الذهب، لكنهما أرجآ المشروع. وأدركا أنّ بلوغ الغاية يقتضي تغيير الوسائل، فتخلّيا عن القوة ولجآ إلى الدهاء. وبإرشادٍ من رودريغو بورخيا (Rodrigo Borgia)، آثرا إعلان الأرض "حديثة الاكتشاف"، كما حاول إنريكي الرابع في يناير 1463. وأخذا يتهيّآن للعثور عليها. ولأنّ محو الصلات القديمة بجزر إفريقيا وغينيا كان أمرًا لازمًا، انتهزت إيزابيلا كثرة النزاعات على الحدود بين الأفراد والمجالس البلدية والقضايا المختلطة، تلك التي أوقعت الجميع في خصومةٍ مع الجميع، لتُصدر عن محاكم الكورتيس (Cortes) في عام 1480 أمرًا برفع الوثائق إلى المجلس (Consejo)؛ من صكوكٍ وأحكامٍ وبراءاتٍ (albalás) وامتيازاتٍ وكلّ ما يمسّ حقوق الملكية والولاية القضائية، لمقابلتها بالسجلات الملكية. فتُصدَّق الصحيحة منها وتُصحَّح المغلوطة وتُبطَل المزوَّرة، وصدر مرسوم بأنّ المجالس البلدية والأفراد سيفقدون كلّ حقوقهم، بما في ذلك حقّ الملكية، إن لم يرفعوها في أجلٍ قدره 80 يومًا. فكان من الناس متهوّرون أرسلوا الأصول دون أن يحتفظوا بنسخةٍ أو أخذوها نسخةً بسيطة، وعقلاء احتفظوا بنسخةٍ موثَّقة، ومرتابون امتنعوا عن الطاعة إذ ظنّوها مناورةً ملكية للاستيلاء على ما ليس لهم. وقد دُبِّرت العملية لطمس الإشارات إلى ما وراء البحار وأجزائها، فصُحِّح غير قليلٍ من النصوص. وضاعت أخرى. وقد يسّرت العمليةَ براءةُ سيكستوس الرابع (Sixto IV) التي أذنت بإدخال محكمة التفتيش (Santo Oficio) إلى قشتالة. فباتت المحارق في المتناول، وتمكّن التاج من إقصاء الناقد، بإزالة أنبغِ العقول في مجتمع المتنصِّرين (conversos) أو زجّها في الزوايا، مُخفيًا الدافع السياسي وراء تهمة الهرطقة.
وبإغلاق غينيا في وجه القشتالي الذي لا يحصل على رخصةٍ من ملك البرتغال للتردد عليها، انحصر ما تعرضه الموانئ الأندلسية في الملح والنبيذ والزيت والزبيب والتين المجفَّف، إذ كان تصدير الحبوب محظورًا إلا في السنوات النادرة من الوفرة. ولانحصار الازدهار في المواضع التي حافظت على التواصل مع بربرية المغرب (بلاد البربر الغربية) بحكم أصلها الداوي (templario) الذي جعلها أهلًا لاحترام البرتغال، اعتاد المُقصَون ممارسة القرصنة على أبواب ديارهم، فيستولون على كلّ ما اقترب من السفن. وسُلبت السفن التي كانت تروم "التجارة ببضائعها"، فاكتسب بحر قشتالة سمعةً بالغة السوء، حتى امتنع تجّار "إفريقيا وغينيا" عن الظهور "في ممالكنا هذه المذكورة، بالذهب والشمع والنحاس والنيلة والجلود"[1]. وحين غابت هذه الأصناف عن السوق، لأنهم "لم يجرؤوا ولا يجرؤون على المتاجرة عبر تلك البحار المذكورة"، بقيت جباية إشبيلية (almojarifazgo) بلا مستأجرٍ يتعهّدها، فأصاب "أضرارٌ" جسيمة "مستأجِرينا وجُباتنا الكبار". ولمّا كان إنقاذ الإيراد عاجلًا، وضع الملكان في سبتمبر 1482 التجّار الأجانب تحت حمايتهما، مُعلنَين القرصنة جريمة خيانةٍ عظمى. ولتهدئة رعاياهما، أذِنا لهم بالتردد على جميع الموانئ حيث يُقبَلون، بما فيها موانئ غرناطة[2]، وكان إذنًا وجيزًا، إذ صدرت في ديسمبر 1483 براءة الغفران التي كان عليها أن تُعين على تمويل الفتح[3].
وبعد أن اكتمل احتلال جزر الكناري الكبرى الثلاث على يد بيدرو دي بيرا (Pedro de Vera)، رغب الملكان الكاثوليكيان في ميناءٍ تابعٍ للتاج (realengo) بين نهر الوادي (Guadiana) وجبل طارق، أكثر تيسّرًا من ميناء ألبينتوس (Alventos) الخريسي، تُمركَز فيه جبايةُ الخُمس (quinto)، بتركيز حركة التجارة مع "الجزر" وبربرية المغرب، ويستقبل الغنائم التي تُؤخذ في البحر. وقد أتاح لهما نزاعٌ على الحدود بين قادس وميناء سانتا ماريا (Puerto de Santa María) أن يقتطعا جزيرة تروكاديرو (Trocadero) وقطعةً من السبخة، لتأسيس بويرتو ريال (Puerto Real). ورامَ الملكان تعميرها بالبحّارة والربابنة والتجّار، فأكثرا من الإعفاءات والامتيازات، لكنّ أرضًا سبخيةً (albinas) شحيحةَ الماء غير مضيافة لم تُثِر رغبةً في السكن، في زمنٍ كان فيه السادة، المحتاجون إلى مستوطنين، يتنافسون في العروض للظفر بهم[4].
ولمّا بدأ فتح غرناطة من مالقة (Málaga)، استُدعيت سفن الأندلس لحصار المملكة: "لمّا كنّا حتى الآن نُبقي أسطولنا يحرس مضيق جبل طارق"، لسدّ الطريق أمام الإمدادات المحتملة القادمة من المغرب في "العام المقبل"[5]، طاف رودريغو باييثا (Rodrigo Baeza) على الموانئ باحثًا عن السفن الأكبر والأفضل، بحيث لا يخرج زورقٌ، ولا سيّما من الكوندادو (Condado)، قبل أن يمرّ. وكان البشكنس (الباسك) أقلّ طواعية، فلجأ الملكان الكاثوليكيان إلى الخطاب الشعبوي. فبمناشدة الولاء و"البراعة التي يتحلّى بها أهل تلك المقاطعة في شؤون البحر"، ظفرا بأن يُجهّز مجلس غيبوثكوا (Guipúzcoa) نوعًا وكمًّا[6]. وبعد أن جُمعت الموجودات، أُفرِزت أفضل الوحدات لـ"الأسطول الذي آمر الآن بإنشائه، من أجل البحر"[7]. وأقلع في يونيو، مُضايِقًا ملك تلمسان إلى حدٍّ جعله يُقدّم فروض الطاعة لفِرناندو، على أن "لا يُصيب سفنه ضررٌ" من سفن قشتالة "التي تجوب البحر مُسلَّحة"، ولا سواحل مملكته "من رجالها الذين ينزلون إلى البرّ"[8].
وقد اعتلى خوان الثاني ملك البرتغال (Juan II)، وكان سيّد "غينيا (da Guiné)" في حياة أبيه، العرش عام 1481. وفي عام 1486، قدّم له أهل مملكة أزمّور (Azamor) فروض الطاعة، فاتحين له أبواب الدُّقالة (Duquela) وأنفا (Anafé). وفي العام التالي أنشأ محطّاتٍ تجارية، مُراعيًا السلطة العليا للشريف وعقيدة الأهالي. هكذا كانت الأحوال حين رام الجنويّ فرناندو خنتيل (Fernando Gentil)، المقيم في إشبيلية، أن يتزوّد بالعبيد في "فتح" البرتغال. ولئلّا يتعطّل في استخراج التصاريح، استأجر الكارابيلا "El Esterlin" المملوكة لبرتغالي كان يعمل ربّانها. وبينما كان عائدًا بحمولةٍ من الزنوج، ضبطها إستيبان بيريث كابيتوس (Esteban Pérez Cabitos)، الذي كان يستغلّ رسالة تخويلٍ بالمصادرة والانتقام (carta de marca y represalia) مُنِحت للأبيليّ غوميث آرياس (Gómez Arias)، الذي سلبه البرتغاليون في عام 1485 ما قيمته 600,000 مرابطي (maravedís)، دون أن تكون هناك حربٌ تُبرّر ذلك[9]. وحين صارت السفينة في إشبيلية وقُسِّم الزنوج، طالب بهم خوانوتو بيراردي (Juanoto Berardi) باسم "أقاربه" في فلورنسا. فبصفتهم مُستأجِري تجارة "غينيا وأنهارها" من ملك البرتغال، كان نصف الحمولة من حقّهم، إذ ليس من العدل أن يدفع الفلورنسيون ثمن ذنوب البرتغاليين[10].
وفي العام ذاته، انفصلت "سفينةٌ (galea)" من فلورنسا، قادمةٌ من غينيا، عن الأسطول، ودخلت طنجة (Tánger) وعلى متنها 125 "قطعة (piezas)" من الزنوج من الجنسين. ولانعدام الطلب، أو لموعدٍ مسبق، بنيّة توسيع السوق، خرجت إلى البحر، مُحمِّلةً الشحنة على سفينةٍ من إشبيلية. وما إن أُنزِلت عند رصيف برج الذهب (Torre del Oro) حتى طالب نائب الأميرال بأربعٍ وعشرين رأسًا من الزنوج أو قيمتها نقدًا، على سبيل الخُمس. فردّ خوانوتو بأنّ الخزانة القشتالية يمكنها المطالبة بجباية الأموال (almojarifazgo) والمكس (alcabala)، وهما ضريبتان تثقلان كلّ بضاعة، أمّا الخُمس فلا، لكونه من حقّ ملك البرتغال. وقُبِلت الحجّة بأمرٍ ملكيٍّ صادر في 16 سبتمبر 1485، وبدا نقص الأيدي العاملة جليًّا، إذ باع خوانوتو الزنوج في أقلّ من 25 يومًا[11]. ولم تُعِق حربُ غرناطة تجارةَ البرتغال المتّصلة بفتحها، ولا تجارةَ بعض الأندلسيين. ففي صيف عام 1485، حصل شارل دي باليرا (Charles de Valera)، حاكم ميناء سانتا ماريا، والمُجهِّز للسفن والمتاجر بالعبيد، على إذنٍ من كونت كاسترو (Conde de Castro)، "قائدي الأكبر والعام للأسطول"، بموافقةٍ ملكية، لأن ينقل إلى "ساحل غرناطة وبربرية المغرب" سفينة "vallyner" وكارابيلا تحملان 60 "مسلمًا ومسلمة" كانت فِداءاتُهم "مُتَّفقًا عليها"، مُحمِّلًا ومُستورِدًا البضائع التي تُعطى له في المقابل[12].
وصارت بويرتو ريال صالحةً للسكن، فأُعلن افتتاحها في 23 فبراير 1486. ولمنع "الكثير من الغشوش والتستّرات" التي كان يرتكبها البحّارة، مُستترين بـ"الفوضى" في ذهاب كلٍّ منهم "بما يأخذ، إلى حيث يشاء"، أصدر الملكان الكاثوليكيان مرسومًا بأنّ من يأخذ غنيمةً "في البحر من المسلمين أعداء إيماننا الكاثوليكي المقدس"، أو يُحمِّل ويُنزِل في ساحلٍ "يعود لنا فيه الخُمس"، يفقد السفينة والحمولة والحرية، إن لم يدخل عبر ذلك الميناء[13]. ولكان الأمرُ قاسيًا لو أنه أثمر، لكن لمّا كانت السلطة منهمكةً في حصار مالقة، فعلت السفن القليلة التي واصلت الإبحار ما بدا لها أفضل[14]. ومع أنّ أخبار الرحلات إلى غينيا ومينا (la Mina) شحّت في هذه الحقبة، لخضوع من كانوا يُبحرون برخصةٍ من خوان الثاني للولاية القضائية البرتغالية، فإنّ من المؤكّد أنّ الذهاب من سنلوقة برّامدة (Sanlúcar de Barrameda) إلى بربرية المغرب وغينيا ظلّ متواصلًا، إذ جهّز خوان دي أوريويلا (Juan de Orihuela)، سكرتير دوق "إشبيلية"، وهو لقبٌ لا وجود له كان العامّة يُطلقونه على دوق مدينة سيدونيا، كارابيلا لمنجم الذهب (Mina de Oro)، جاعلًا قائدها سباستيان رودريغيث (Sebastián Rodríguez) المقيم في كارتايا (Cartaya). وعند العودة أخفى جزءًا من الذهب، وهو مثالٌ اقتدى به الركّاب، فانتهت الرحلة في المحاكم[15].
وقد استشعر المسلمون بعيدو النظر أنّ تلك الحرب ستكون الفصل الأخير من تراجع الإسلام في شبه الجزيرة، فآثروا الهجرةَ، مُوفِّرين على أنفسهم ما هو آتٍ. ومنهم الفكّاك (alfaqueque) إبراهيم الفقهنت (Abrahen el Alfagunt)، من سلالة مهاجرين. فبعد سقوط إشبيلية، انتقلت الأسرة إلى رُندة (Ronda). وبعد أن فُتحت السلسلة الجبلية، عادوا إلى المدينة، حيث تبيّنوا أنهم لا يستطيعون العيش مع المسيحيين، فهاجروا إلى غرناطة. وفي مطلع عام 1487، إذ أحسّ الفكّاك أنها ستسقط قريبًا، حصل على رخصةٍ من الملكين الكاثوليكيين لبيع ما احتفظ به من أملاكٍ في إشبيلية و"العبور إلى ما وراء البحر في إفريقيا، للعيش في بلاد المسلمين"[16]. ويُضاف إلى هذه الهجرة الطوعية هجرةُ باوديلي أزاغال (Baudili Azagal)، ملك فنداراكس (Fandarax)، الذي نُسِب اسمه إلى ملك غرناطة الباكي المُتخيَّل. يروي بولغار (Pulgar) وبرنالديث (Bernáldez) أنّ الكاثوليكي، إذ رام إخلاء أطراف مالقة، زحف على وادي آش (Guadix). ولمّا لم يجد مقاومة، حقّق الفتح الذي كان ينشده، مُتّهمًا المسلمين بأنهم "دبّروا خيانة"، ليُنكّل بأهل الجوار على النحو الواجب. وقد تقلّص رعايا باوديلي إلى 2,000 وإيراداته إلى مليونَي مرابطي، جُمِعا بمشقّة، فرغب المُلَيْك في الفرار من البؤس. فبتقديمه فروض الطاعة للكاثوليكي، نال معاشًا يُضاعف دخله[17].
واستشاط الشعب غضبًا من هذا الخضوع المُذِلّ، فهبّ عن بكرة أبيه بمجرّد أن أطلّ ملك غرناطة. ولمّا فقد موضع الحضين (Alhedín)، أحسّ باوديلي أنه سيفقد رأسه. فأنقذه بأن هرع إلى وادي آش ليُسلّم فِرناندو مفاتيح حصونه، مقابل سفنٍ وأمانٍ ورخصة، لأنه "أراد العبور إلى العُدوة". وبتطبيق مبدأ الجسر الفضّي، هيّأ له الملك وسيلة عبور البحر مع "بيوتٍ كثيرة من المسلمين"، مُرفِقًا رخصةً ليتمكّنوا من التوطّن في المقصد[18]. ولو أنّ "العُدوة" كانت على الضفة الأخرى من المضيق، لما احتاج باوديلي إلى الأولى، لتوافر السفن بين يديه، ولا إلى الثانية من باب أولى، إذ كان الكاثوليكي يفتقر إلى السلطة في شمال إفريقيا للإذن بأيّ شيءٍ أو المنع منه. وفي أغسطس 1487، ومواصلةً للحرب المُبرمَجة، صُودرت جميع السفن التي تزيد حمولتها على 30 برميلًا، ولا سيّما سفن غيبوثكوا وبيسكايا (Vizcaya): "تُلقون وتضعون حظرًا عليها، لئلّا تُبحر بها وفيها في أيّ رحلةٍ إلى أيّ جهة"، لكونها لازمةً لتشكيل الأسطول الذي كان عليه أن يذهب "في البحر"[19].
- منذ زمنٍ سحيق، كانت الأندلس تستورد الجلود من الغرب (Poniente) لمدابغها. وفي القرن الثامن عشر، دخلت عبر بونانثا (Bonanza) جلودٌ من البرازيل مُعالَجة في لشبونة.
- R.A. doc. IX. 28.9.1482.
- ADMS. 929.
- SRGS. X.1483.23.
- SRGS. VII.1484.159.
- SRGS. XII.1483.106.
- SRGS. VII.1484.135/VII.1484.159.
- Crónica de Pulgar. Varios.
- SRGS. I.1489.390.
- SRGS. IX.1485.237.
- SRGS. IX.1485.253.
- SRGS. VII.1485.38.
- R.A. doc. X.
- SRGS. VI.1486.30.
- SRGS. VIII.1487.137/197/VII.1490.226/VII.1490.433.
- SRGS. III.1487.4.
- Bernáldez cap. XCVIII.
- Ibídem.
- SRGS. VIII.1487.345.